بوح

لإدفيك شيبوب

فلنصفِّ حسابنا أولًا، فالحساب الجيد، كما يقول الفرنج، يخلق الصحاب الجيدين. أنا معجب بقطع نثركِ الشعرية المجموعة تحت عنوان «بوح»، ولكن هذا العنوان لم يعجبني، وسأقول لماذا، كما أن العنوان الثاني «قصائد وأهازيج» ليس في محله، فالقصيد لا يكون هكذا، فلا بد له من وزن، وكذلك الهزج فلا يستغني أبدًا عن التقطيع، وهل سمعت بموسيقى بدون سلم؟ وبمناسبة ذكر السلَّم قد تقولين: ولماذا أنت حامل السلَّم بالعرض؟ فغيرك سلَّم بأن هذا شعر، لا بل شعر لم تقل العرب مثله! أما قرأت المقدمة؟

وأنا أقول لك: إنني قلت من زمن بعيد: إن شعرنا صريع الأوزان وقتيل القوافي، ولكن هذا لا يعني أنني من دعاة الشعر المنثور الذي شبهه أحد نقاد الفرنجة بالوطواط، وتمثل بما قاله لافونتين على لسان هذا الحيوان: أنا طير وهذان جناحاي، أنا فأرة فلتحيَ الجرذان!

إن هذه الظاهرة، في جو أدبنا العربي، ليست بدعة جديدة، قصر كتاب القرن الرابع في ميدان الشعر فجاءوا بالنثر الفني، وكان السجع المنظم المبني على التوازن والانسجام وانتقاء الألفاظ، فكان لهم ذلك النثر الفني، ثم أفسده التقليد فانحط في آخر العمر إلى أسفل الدركات، وانتهى أخيرًا غير مأسوف على شيخوخته غير الصالحة.

وجاء الريحاني حاملًا إلى الشرق مقاييس هويتمن تحت إبطه، فقال شعرًا منثورًا لأنه، على نبوغه، كان غير مطبوع على قول الشعر الموزون، ومع ذلك إذا قرأنا شعره المنثور الذي لم يسمه «قصائد وأهازيج» نحس الموسيقى تضج فيه كما يضج نثرك بالعاطفة المتقدة، وأخيرًا كان جبران في دمعة وابتسامة، وكان خيال جبران ذا جناحين عجيبي الألوان كأنهما ذنب الطاووس أو قوس قزح، ثم كان التقليد هادم اللذات. ذلك التقليد الذي رافق شعرنا منذ كان، فقامت مدارس على أنقاض أخرى، وأخيرًا منذ ربع قرن تطاول لبنان إلى الغرب فطور الشعر العربي، وكان لنا شعر بودليري ساماني فاليري، ولكن المقلِّد «بكسر اللام» لا يكون إلا دون المقلَّد «بفتح اللام»، ألا تسمعين بتقليد الأوراق النقدية؟ فلا بد من ظهور الزيف منهما مهما حاول الصانع محاكاتها.

ولم يقف العراق مكتوف اليدين فخلق لنا شعرًا من طراز إليوتي بشع التقليد، فحفل ديوان البياتي بالكثير من مخلفات الجيش حتى تقززنا من تخيله ذاك، وإن لم يعدم من يحلله ويفسره ليستر قبح منظره كما تستر الجثة بالزهور، ثم حاول غيره أن يسير على تلك الطريق فسرنا من تقليد إلى تقليد.

أما إذا شئت أن أقول: إن كتاب بوح «نشيد أناشيد» فلتكن مشيئتك، غير أني أخشى أن أعدَّكِ مقلدة، وأنت لم يعد يرضيك قول بعدما سمعت من تقريظ عنيف، أصدَّقت أن العرب لم يحبوا، ولم يكن منهم مجانين حب ولا دواوين غزل قبل أن تكوني؟ لا تصدقي ما قال صاحبنا سعيد، أبو المقدمات البراقة، فهو حين عيَّن «إطلالة الثلث الثاني من القرن العشرين» موعدًا لبدء الغزل حقًّا تحت شق القلم العربي لا يعني إلا نفسه، كما عودنا في كل موقف يقفه بباب الكتب الحديثة.

قاتل الله الماكياج؛ فإنه يغير الملامح حتى إذا نمنا وطلع الضوء أنكرنا أنفسنا.

فلو لم يحب العرب لما كانوا، ولولا الحب والشوق لما كان الكون كله، فسفر تكوين سنكنيتن بني على الشوق، والشوق زبدة الحب، وحب بلا شوق طعمه كالرماد.

إن نثرك الشعري يُقرأ بلذة ولهفة، ومنه سوف تعرف الأجيال حكاية قلب معذب بالحب. لقد أطلعتنا — ولا أقول بحت لنا — على ما في زواياه من خبايا، فخالفت بذلك رأي الشاعر الصوفي — السهروردي — القائل في المحبين:

بالسر إن باحوا تباح دماؤهم
وكذا دماء البائحين تباح

مسكين ذاك الشاعر الفيلسوف! تكتم كثيرًا ولكن أخيرًا أبيح دمه.

وبعد، فحسب إدفيك أنها لا تعبد شمسًا ولا قمرًا، وكأنها أدركت بذوقها الفني الرفيع أن القمر جرم هامد لا يلائم عاطفتها المشبوبة، وكذلك الشمس التي اكتفى طرفة بردائها فألقاه على وجه حبيبته. إن الشمس محرقة تذكرنا بأغنية «لهاليبو»؛ ولذلك لم ترفع إدفيك نظرها إلى الأبراج السماوية وإن كانت تنشد الدفء، فعشنا معها على الأرض، ونجونا من الحريق، وظلت الإطفائية في قواعدها. لقد حكمت لنثر إدفيك الشعري حين سمعته في مؤتمر أدباء العرب أنها جبرانية من طعم آخر، فكلاهما يلتقيان في أسلوب شعراء التوراة، ويفترقان في الصور والألوان، فجبران لا يُجارى في هذا.

ورأيت أن النفس الشعري يتوارى حين تقص كما في قطعة «قدرة» التي تروي فيها حكاية زواجها، ولكنه يرتفع في «بحار» و«رفيق الغدوة» وغيرها.

تقرأ بوح فتحس طعم الشعر الفرنجي مترجمًا، وتخال أنك تقرأ شيئًا من طاغور لولا روحانية هذا وجسدانية إدفيك. إني أقدر هذا النثر الشعري الأنيق، فصاحبة بوح تكتفي تارة بذكرياتها كما في «غموض»، وطورًا في أملها المتردد كما في «ظلال»، أما مقطوعة «سويداء» فجيدة وفيها تصميم.

وقد لمحت في مجموعتها تسلسلًا تصف فيه حالات نفسها بكل صدق وإخلاص، فبينا نراها تعلل نفسها بأمل، أملها بابنها المذكر بأبيه، إذا بها تعود، كما تكون حالة كل إنسان، فتصرخ في «رفة قلب»: أجبانة أنا إذن؟ لا، وما أحسبني جبانة، وإنما أحب الخطى الواثقة، وفي قلبي بعد، حنية دافئة، فيها بقية حب …

وكما خافت مدام دي نواي من ضياع جمالها حين رأت بنتها تنمو وتنضج، كذلك خافت أفروديت — إدفيك — فقالت في «مع جدتي»: وعندما يجف ماء الشباب في جسدي، ويصبح هذا الجسد حطبة يابسة، هل تبعث فيه الذكريات — ذكريات الحب — تلك الخلجات الحلوة؟

لا تسألي جدتك، اسأليني أنا. الجواب عند جدك؛ وهو: نعم يا سيدتي، إن تلك الخلجات لا تفارقنا حتى على سرر الآلام، لا تقف إلا عندما تبتدئ الحشرجة — الشخرورة — ولذلك قالوا، النفس خضرا؛ فلا تخافي.

وفي «شجن»، وهي عندي من روائع النثر الشعري، تبوح بخوفها من الغد، وما أرهب غدنا نحن الأرامل … فتقول لابنها في ختامها: غدًا يوم تكبر يا ابني، لمَنْ قلبُك تُرى سيكون؟

لو كان القارئ غيري لحمل مقاييس فرويد وراح يفصل على هواه، أما أنا فلا أستعمل غير مقاييسنا المعلومة؛ ولهذا أقول لها: إنه بحث شائك يا إدفيك، فلا توقظي الفتنة منذ الآن، وكوني في الغد حماة حكيمة لتستريحي.

وأخيرًا: الطبع وإخراج الرسوم أنيقان جدًّا، ولا عيب في هذا الإنشاء الرفيع إلا كلمات عامية لا تلائم المكان الذي حشرت فيه، مثل: مشاويرنا، وجلالينا، والتي أنا، ورموش، وبباطح، ويفيق — بتشديد الياء — وفرفطت، وعنوة — بضم العين وهي بالفتح — وتناتشا، والمدنة، ومفرفحة، وتوشوش اسمك، ولا تنوجع لي، فهي في هذا أخت الأديبة ثريا ملحس والشاعر توفيق صايغ.

إن اللفظة العامية لها محل غير هذا المحل، والشرط فيها أن تكون فصيحة، أما هنا فهي تشين ولا تزين، ومثلها قال وقلت، وتقول حين تؤخر، فإذا كانت قبيحة فالتأخير يزيدها قبحًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤