رحلتان إلى عالم المدنية

ما كانت الفاقة لتعوق ابن الأحراج عما كانت تتوق نفسه إليه، وهيهات أن تركن النفس الكبيرة إلى دعة أو ترضى بمسكنة. ها هو ذا فتى الغابة في التاسعة عشرة لا يذكر أنه منذ قوي على حمل الفأس كان كلًّا على أحد، بنى نفسه بنفسه كأحسن ما تُبنى النفوس، غذاء جسده من قوة ساعده وغذاء روحه من توقد ذهنه وبعد همته.

ساقت إليه الأقدار عملًا خرج به من الغابة، وقضى أيامًا في دنيا الحضارة؛ فلقد استأجره أحد ذوي الثراء، وقد تناهى إليه من حديثه ما حببه إليه، ليذهب ببضاعة له في قارب إلى حيث يبيعها في مدينة نيو أورليانز، وقبل الفتى وإنَّ قلبه ليخفق، وإنَّ نفسه لتنازعها عوامل الخوف والأمل، ولم لا يخاف وهو لم يرحل مثل تلك الرحلة الطويلة من قبل، ولا عهد له بالمدن وعشيتها وأهلها؟! ولكنه قبِل وتأهب للرحيل، وما كان حب المال هو الذي حفزه إلى القبول، ولكن رغبته الشديدة في رؤية الدنيا، وهو — كما رأينا — تواق إلى المعرفة لَهِجٌ برؤية الحياة في بيئة غير بيئة الأحراج.

وخرج معه فتى من أهل تلك الجهة ليعاونه، واتخذا سبيلهما في نهر الأهايو، ومنه إلى ذلك النهر العظيم المسيسبي أبيِّ الأمواه كما كان يدعى حتى بلغا مدينة نيو أورليانز بعد أن قطعا زهاء ثمانمائة وألف ميل، رأيا خلالها على الضفتين حيوانات وأشجارًا وأناسًا تخالف ما ألفا في إقليمهما.

وكانا أثناء رحلتهما يأويان إلى الشاطئ أثناء الليل على مقربة من القرى، فيصغى أيب إلى أحاديث الناس ونوادرهم، وتختزن ذاكرته العجيبة تلك الأحاديث ويستخرج منها من المعاني ما يفسر له بعض آرائه، أو ما يكون موضوعًا لرأي جديد.

وظل صاحبه زمنًا طويلًا وهو لا ينسى شجاعة أيب في حادث وقع لهما ذات ليلة؛ فقد أويا إلى الشاطئ على مقربة من مزرعة من مزارع قصب السكر، فبينما كانا نائمين في قاربهما إذا بهما يستيقظان على حركة أيدٍ تعبث ببضاعتهما، فهب أيب فإذا هو يرى زنجيًّا على حافة القارب فعاجله أيب بضربة بالمجداف ألقت به في الماء، فوثب إليه آخر من الشاطئ فضربه كذلك فلحق بالأول، وجاء ثالث فكان نصيبه نصيب سابقَيه، ورابع فما كان أحسن حظًّا، وخامس فلقي أسوأ مما لقوا، ثم فروا جميعًا فتعقَّبهم أيب وصاحبه فإذا بهما حيال سبعة من الزنوج، واشتدت المعركة بين الجانبين حتى هزم هؤلاء السود ولاذوا بالمزرعة، وعاد أيب ورفيقه إلى القارب ولكنه أصيب بجرح فوق عينه اليسرى سيظل أثره هناك طيلة حياته.

بلغ أبراهام وصاحبه مدينة نيو أورليانز، فها هو ذا يرى مدينة كبيرة لأول مرة! وأية مدينة هي؟ إنه يرى في الميناء من المراكب الضخمة المحملة بالبضائع ما لم تقع على مثله عينه من قبل، وإنه ليرى شوارع فسيحة وقصورًا عالية وأنماطًا من المركبات الفخمة وأفواجًا من الرجال والنسوة تبدو عليهم مظاهر النعمة والبهجة، ما هذه الدنيا العجيبة الصاخبة المزدحمة؟ ألا ما أبعد حياة الغابة عن هذه الحياة! يا عجبًا! هذه قضبان من الحديد تنساب عليها عربات تجرها قاطرة، لقد سمع عن مثل هذا من قبل فها هو ذا يراه أمام ناظريه.

على أن شيئًا يهمه ويأخذ بمجامع لبه أكثر مما تهمه تلك الأشياء جميعًا؛ وذلك هو تلك الجموع السود تساق أمامه كما تساق الدواب، ينتظم كل فريق منها أو كل قطيع سلك طويل، وإنه ليدرك من نظراتهم ومن حركاتهم أنهم لم يألفوا بعد حياة المدينة، وأغلب الظن أنهم جُلبوا إليها لساعتهم، أهؤلاء هم الذين قرأ عنهم في بعض الجرائد القديمة، والذين سمع أحاديث عنهم في الكنيسة من قبل؟ إلى أين يساقون؟ ومن أين جيء بهم؟ إنه ينظر فتقع عيناه على لافتات؛ فهذه تعلن عن استعداد صاحبها لشراء العبيد بثمن طيب! وتلك عن بيع هؤلاء لحساب من يريد بيعهم! وأخرى تَعدُ بمبلغ مغرٍ يُدفع لمن يردُّ هاربًا منهم أوصافه كيت وكيت!

إنه يريد أن يفهم أمر هؤلاء السود، ويحيط خبرًا بتاريخهم وعملهم وحظهم من الحياة في هذه المدينة الكبيرة، ولكنه في شغل بما جاء له عن هذا، فليترقَّب حتى تسنح فرصة أخرى.

باع بضاعته وباع القارب وعاد هو وصاحبه في قارب بخاري إلى الغابة بعد أن غاب عنها ثلاثة أشهر، عاد وقد اكتسب عن الحياة خبرة تفوق ما أكسبته الكتب منها. ثم إنه ينال خمسة وعشرين ريالًا أجرًا على عمله الذي أداه على خير وجه.

•••

لم يكد يمضي عام ونصف عام بعد عودته من رحلته حتى هاجرت الأسرة إلى مقاطعة أخرى هي مقاطعة إلينوى؛ فلقد أرسل بعض ذوي القربى هناك يصفون ما في تلك المقاطعة من رغد وجمال، وهذا الرجل توماس لنكولن لا يسمع عن رغد إلا طمع فيه لكثرة ما يعاني من شظف العيش، ذلك هو الذي رحل به من كنطكي إلى إنديانا وهو الذي يرحل به اليوم من إنديانا إلى إلينوى، فما أسرع ما أجاب؛ باع مزرعته، وباعت زوجه مزرعة كانت لها في كنطكي، وحزما متاع الأسرة، ووضعاه على ظهر عربة، وهم في رحلتهم اليوم يعتمدون على قوة أيب؛ فلم يعد صغيرًا يركب خلف أبيه كما فعل قبل أربعة عشر عامًا أثناء رحيلهم من كنطكي، وإنما هو اليوم شاب مكتمل القوة يسير على قدميه ويُعنى بالمتاع كما يُعنى بقطيع الماشية الذي يأخذونه معهم إلى إنديانا في رحلة بلغت مائتي ميل قطعوها في أسبوعين.

ويفكر الفتى في عمل مُجْدٍ يعمله أثناء الطريق، وهل ثمة غير التجارة؟ أوَلمْ يحذقها في رحلته إلى نيو أورليانز؟ لذلك يشتري الشاب بريالاته خيطًا وإبرًا ودبابيس ومشابك ونحوها، ويبيع ذلك لساكني الأكواخ التي يمر بها، فما يبلغ الموطن الجديد إلا وقد ضوعف ماله، وهو بذلك فرح شديد الفرح، يتذوق ثانية لذة الكسب ولذة الثقة في نفسه، ويسأل نفسه أي الطريقين يختار ليعول نفسه وقد شارف الحادية والعشرين؛ أيظل نجارًا زارعًا، أم يترك ذلك إلى التجارة؟ ولكن نفسه تحدثه بأشياء غير ذلك جميعًا؛ فهو واثق من قدرته على الكلام، وليس ينقصه إلا دراسة القانون ليكون محاميًا ينتصف للمظلومين، فما أحب ذلك إليه!

ولكن ليودع ذلك الآن فإن عليه أن يبني الكوخ الجديد، وأن يسور المزرعة الجديدة، وأن يتعهد أثناء ذلك الماشية، فما يجدر أن يلقى من تلك الأعباء على عاتق أبيه إلا بقدر ما يطيق.

أهوى الفتى بفأسه على الأشجار في قوة تُلفِتُ الأعين إليه، وكان اليوم أقوى من أبيه ساعدًا وأكثر جلدًا، وجعل يسوي الأخشاب وجه النهار، ويأتي بالثيران لتجرها إلى حيث يقام الكوخ آخرَه، فلما تم له ذلك نشط في بناء الكوخ حتى أتمه كما شاءت زوج أبيه من نسق، فجاء كوخًا فسيحًا مقسمًا تقسيمًا جميلًا.

وعمد هو وابن عمه جون هانكس إلى مزرعة فأحاطاها بسور، وأقبلا على الزراعة في بقعة لم تطأها قدم إنسان قبلهما ليوفرا للأسرة ما تتطلبه من قوت، وليس ثمة ما يضايقه إلا انصرافه عن القراءة بسبب ما هو فيه من جهد متصل.

وإنه ليخشى أن يطول انصرافه عن القراءة؛ فها هي ذي شهرته في المقاطعة الجديدة تؤدي إلى استئجاره في كثير من الأعمال، وهو يكره أن يرفض؛ لأنه يحب أن يجود بمعونته أبدًا، ثم إنه يكسب أجرًا على ما يقوم من عمل، وعليه اليوم أن يكسب ثمن قوته وثمن ملابسه على الأقل.

وإن حديث هذا الشاب وشجاعته ليشيع في الجيران حتى ليرغب كثيرون في رؤيته، وإن شخصيته لتأسر كل من رآه؛ فالناس معجبون بقوته ومهارته ونجدته، وإنهم إلى ذلك يرتاحون منه إلى شمائل أخرى يحسونها وإن لم يلتفتوا إلى التفكير فيها؛ فحديثه محبب إليهم لا يملونه، وإنه لذو مقدرة فائقة على سرد الأقاصيص والنوادر، يتدفق في عذوبة وفصاحة وجذل، وإن كانت لتغشى جذله أحيانًا غواش من الحزن كما تغشى السحبُ السماءَ الصافيةَ داكنةً مرةً، خفيفةً مرةً أخرى، ثم لا تلبث السحب أن تنقشع فيعود لوجهه ضياؤه ولحديثه بهجته، وهو في كلا حاليه ساحر قوي السحر بعيد الأثر في نفوس سامعيه.

وهو إذا فرغ من عمله، وقلما يفرغ، يكتب لهذا رسالة أو مَظلمة، ويقرأ لذاك كتابًا جاءه من صديق أو قريب، ويعين غيرهما في زحمة عمله، ثم ينفلت إلى مزرعة أبيه أو إلى أخشابه التي يسويها ليبيعها بدريهمات.

والناس في هذه المقاطعة وأمثالها يعيشون على حالة أشبه بحال البداوة؛ أكثر التفاخر بينهم بالقوة والشهامة، وقلما تفاخروا بثروة؛ إذ يندر أن توجد الثروة؛ لذلك كانت قوة أيب — كما كانت شهامته — كفيلة بأن تطلق لسانه بالفخر، ولكنه لا يتحدث عن نفسه أبدًا، وإنه ليخفض جناحه للناس إلا إذا تحداه ذو وقاحة كما حدث مرة؛ إذ صارع أحد المدلين بقوتهم من شباب تلك الجهة، ولقد علمه أيب كيف يهابه ويستخذي منه، والناس يعجبون من ذلك الشاب النحيف وما يبدي من قوة.

ثم إنهم يرونه ذات مرة يقذف بنفسه في الماء؛ إذ أخذت عيناه رجلين يغالبان الموج وقد خارت قوتهما أو كادت، فأدركهما ونجاهما من الغرق.

وإنه كثيرًا ما يجد منجاته في تلك القوة؛ فقد تحطم زورق بحمله مرة، وكان البرد شديدًا والماء يوشك أن يتجمد، فلم يحُلْ ذلك بينه وبين أن يسبح مسافة طويلة مشى بعدها مسافة أطول منها حتى التجأ إلى كوخ أحد الفلاحين، فلبث عنده نحو أسبوعين يعاونه في أعماله، وما دعاه إلى أن يلبث عنده في الواقع إلا كتاب في القانون وجده لديه، وكان هذا الفلاح من قبل قاضيًا، فلم يدع الفتى ذلك الكتاب حتى قرأه ووعاه.

ولكن أبراهام على الرغم مما يحسه من طيب العشرة وما يتمتع به من حسن السمعة، بَرِمٌ بالعيش هنا لا يطيق صبرًا على البقاء في هذا المجال الضيق، وإنه ليكدح كدحًا عنيفًا ثم لا يصيب من الأجر إلا دريهمات، وأي أجر أحقر من سروال من القماش الرديء يحصل عليه في مقابل آلاف من شرائح الأخشاب، كان يقدم أربعمائة منها ليحصل على قيد ذراع من ذلك القماش؟!

إن نزعة استقلالية تسيطر على تفكيره اليوم، وإن شعورًا بالرغبة في الهجرة لَيُلِحُّ عليه إلحاحًا شديدًا، وإنه لجدير بالاستقلال؛ فما اعتمد منذ حداثته إلا على نفسه، فكر لنفسه وتأمل في حياة الناس وفي مظاهر الطبيعة، وسافر فوق الماء، وتاجر في مدينة كبيرة، وقرأ الكتب، واستوعب كثيرًا من القصص والأمثال، وتعوَّد أن يتعمق الأشياء وأن يديرها في ذهنه مرات، وأن يقابل بين الأشباه وينظر في المتناقضات، ثم إنه يطابق بين ما يقع تحت بصره وما يطرق سمعه من حياة الناس على ما يقرأ، ومن كان هذا شأنه فهو عصامي في أوسع معنى لتلك الكلمة، والعصامي لا يقف عند حد، فما يزال يرتقي حتى يصل إلى القمة، أو حتى يصبح هو نفسه قمة من القمم.

إذن فمجال الحياة في الغابة يضيق عن همته، وحسبه ما استوعب هنا من تجارب وما خبر من سلوك الناس، فليخرج إلى عالم المدنية، وليضرب في الأرض، فما كانت الهجرة إلا سبيل المجد.

وإنه ليفضي بتلك الرغبة إلى من حوله من الشباب، فيكدرهم اعتزامه المغيب عنهم، وما منهم إلا من يحب ذلك الشاب الطيب القلب الذي تعبر عيناه عن أمانته وإخلاصه كما يعبر لسانه عن أدبه ودماثته، ويشير بعض خلانه إلى أبيه وكيف يتركه في الغابة وحده، فيذكر الفتى تلك الحقيقة، ويفكر ويطيل التفكير حتى ليكاد يركن إلى البقاء.

•••

شاءت الأقدار أن يذهب أبراهام في رحلة ثانية إلى نيو أورليانز؛ فقد استأجره بعض الجيران وقد نمى إليه أنه القوي الأمين الذي يحسن أن يتعهد بيع تجارته، فخرج وفي صحبته ثلاثة رفاق في قارب من صنع يديه، وقد جعل الرجل له ستة عشرة ريالًا في الشهر أجرًا على عمله كما جعل لرفقائه كذلك بعض المال نظير معونتهم.

ولقد وقع للفتى في هذه الرحلة حادث كان بمثابة امتحان جديد لهمته وسرعة خاطره؛ وذلك أن القارب قد اصطدم بحاجز صخري عند بلدة نيو سالم، فتعلقت مقدمته على الصخر، وانحدرت مؤخرته حتى اغترف من الماء، وأوشك أن ينقلب بحمله وملاحيه في النهر، وتجمع خلق كثير على الشاطئ، فمنهم من يصيح بمن في القارب يقترح وسيلة النجاة، ومنهم هازلون يتخذون من الحادث ملهاة، فهُم يضحكون ويسخرون في سماجة وقحة، ولكنهم جميعًا لا يتقدمون بمساعدة، على أنهم لا يلبثون أن يجدوا ذلك الفتى الطويل الذي يبدو لأعينهم كالمارد يتقدم في خفة ومهارة، فينقل بعض بضاعته إلى مقدمة القارب حتى تعلو المؤخرة، ثم يثقب فيها بعض الثقوب فيخرج منها الماء، وإذ ذاك يقفز في اللجة ويستعين برفاقه وببعض الحبال حتى يجنب القارب ذلك الحاجز الصخري، ثم يسد الثقوب، ويعيد توزيع البضاعة على ظهر القارب، فيسبح في هدوء ويتخذ سبيله كأنه لم يعقْه عائق، والقوم على الشاطئ يلوحون له بأيديهم، وقد انقلبوا جميعًا معجبين به، فلا هازل بينهم ولا ساخر، وشاع حديث ذلك المارد في نيو سالم كلها.

وقضى الفتى ورفاقه في مدينة نيو أورليانز زهاء شهر، ولما فرغوا من أمر البضاعة اتخذ الفتى سبيله إلى أسواق الرقيق يدرس حالها من كثب، فهو لم ينس ما تركه حال العبيد من أثر في نفسه منذ زيارته الأولى، وإنه ليهتم بهذا الأمر أكبر الاهتمام ويقلبه في خاطره على كافة وجوهه، فهل كان يدري ابن الغابة أنه سوف يخطو بالإنسانية خطوات واسعة نحو النور بتحرير هؤلاء العبيد وفك أصفادهم؟ كلا! ما كان يدور بخلده يومئذ شيء من هذا.

رأى، ويا لهول ما رأى! رأى في تلك الأسواق جماعات من السود ذكورًا وإناثًا جيء بهم كالقطعان قسرًا من مواطنهم مقرنين في الأصفاد إلى حيث يباعون كما تباع الماشية؛ يلهب النخاسون جلودهم بالسياط، ويسوقونهم كما تساق الأنعام، كأنهم لا يمتون إلى البشرية بصلة!

وأخذت عيناه، فيما رأى، فتاةٌ جميلة المحيا مرهفة القوام، يعرضها الباعة على المتفرجين نصف عارية، كما لو كانوا يعرضون فرسًا كريمة، وقد افتتن بقوامها وقسمات وجهها الشاهدون، وأبراهام تتحرك نفسه من أعماقها ويتألم ما وسعه الألم. وصفه أحد زميليه فقال: «رأى لنكولن ذلك فكأن قلبه يدمى، لم تتحرك شفتاه أول الأمر وظل صامتًا ومشت كدرة الهم في وجهه فبدا كريه المظهر، وأستطيع أن أقول وأنا به عليم إنه كون لنفسه في تلك اللحظة رأيًا في مسألة العبيد … فلقد التفت إليَّ قائلًا: إني أكره أن أكون عبدًا، ولكني أكره كذلك أن أكون من ملَّاك العبيد، ولئن قدر لي أن أسدد ضرباتي إلى هذا النظام فسأضرب بشدة.»

ويروى أنه في هذه الحالة مر بعرافة سوداء فنظرت إليه وقالت: «أيها الفتى، إنك ستكون يومًا ما رئيسًا للولايات المتحدة، ويومئذ سوف يتحرر جميع العبيد.» فهل كانت كلمات العرافة كلمات القدر تجري على لسانها في تنبؤ عجيب؟

وألفى أبراهام نفسه في المدينة تحيط به أسباب الغواية، ولكن هل كان لنفس مثل نفسه محَّصتها الشدة وعصمتها الفاقة وطهرتها حياة الغابة من أوشاب المدنية وأوضار الترف؛ أن تزل أو ترقى إليها غواية؟

إنه ما فكر أثناء إقامته في المدينة إلا فيما جاء له، ثم إن تفكيره بعد بيع البضاعة قد انصرف إلى هؤلاء العبيد فكان يملأ وقت فراغه، ولقد كان يعنى أشد العناية بالاستماع إلى المجادلين في مسألة امتلاك العبيد، فيرهف أذنيه كلما تطرق الحديث إلى تلك المسألة، ويتتبع الحجج التي يدلي بها كل متكلم، يفعل ذلك في أناة وفي غير تحيز كما يستمع القاضي الذي يتلمس وجه الحقيقة في قضية من القضايا.

figure
جماعات من السود يساقون كما تساق الأنعام.

ماذا يقول هؤلاء الجنوبيون؟ يقولون ماذا يريد أهل الشمال باستنكارهم حق امتلاك العبيد، وهل يفهم هؤلاء البسطاء من التجار وقاطعي الأخشاب وكتبة المصالح والحراثين نظامًا توارثناه عن أجدادنا؟ وماذا عسى أن يصنع هؤلاء الشماليون إذا حرر العبيد هنا فلم نجد من يزرع القطن ويجمعه؟ أنَّى لهم بعد ذلك القطن الذي يغزلونه وينسجونه؟ ثم أليس حال العبيد الآن خيرًا مما لو منحوا الحرية؟ ألسنا نعلمهم النظام والطاعة وقواعد المسيحية، فنخرجهم من حال الهمجية إلى المدنية؟ ثم إننا نطعمهم ونعنى بكسائهم ونسكنهم مساكن صالحة، ولو أننا تركناهم وشأنهم لما انقطعت بينهم المنازعات، وهم أهل قسوة وجهالة، وإننا ما نقسو عليهم أحيانًا إلا لنصلحهم ونعودهم الهدوء والنظام.

ذلك منطق أهل الجنوب ولكن ذلك الشاب الغريب في مدينة نيو أورليانز، القادم من الغابة يحس للمسألة وجهًا آخر في أعماق نفسه لا يمتُّ إلى المنطق ولا إلى المبررات الاقتصادية بصلة، وجهًا آخر يحسه ولا يستطيع أن يجريه مجرى الجدل، إنه يكره هذا النظام ولن يقدر على أن يحمل نفسه على إقراره. وليقل أهل الجنوب ما اشتهوا أن يقولوا، فلن يستطيعوا أن يزيلوا من أعماق نفسه هذا البغض الشديد لنظام امتلاك العبيد وبيعهم أو شرائهم. على أنه ينتظر فربما تكشف له من أوجه المسألة ما لم يقع حتى اليوم عليه.

وعجل الفتى بالعودة، فضجيج المدنية وزحمتها ومفاتنها وزينتها، كل أولئك يكدر خاطر ابن الغابة، ثم إن منظر هؤلاء السود في غدوهم ورواحهم وفي أسواق بيعهم وشرائهم مبعث ألم لنفسه وحزن لوجدانه، فإلى الغابة في غير إبطاء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤