الفصل الأول

ما الحرية

(١) الثقافة الفلسفية تلقي في الروع أن مشكلة الحُرية فضفاضة، بل هلامية مترامية الأطراف، ضائعة الحدود، لا مبتدأ لها ولا منتهى، إنها تبدو منذرة بالتشتت والضياع، فالحُرية هي المقولة الوحيدة التي تتداخل في شتى كليات وجزئيات التجربة الإنسانية وسائر جوانب عالمه المُعاش وأيضًا عقله الفعال، ومن ثم يمكن جعلها مضافًا لأي مضاف إليه شئنا: الميتافيزيقا، اللاهوت، الأخلاق، السياسة، الاقتصاد، الاجتماع، الدين، العلم، الشخصية … وكما يقول المستشرق روزنتال: «الحُرية عبر التاريخ استطاعت أن تعتق نفسها من إطار قيود التعريفات، وأن تتطور إلى واحد من المصطلحات المجردة القوية التي ليس لها وجود خارجي إلا ما يعطيه لها العقل الإنساني، وفي الوقت الذي خرجت فيه الحُرية عن أن تخضع لأي تعريف موضوعي أصبحت موضوع تعريفات متعددة، وغني عن القول أنها أصبحت أيضًا موضوع أدبيات واسعة».١

وشاع القول إن الحُرية مشكلة تائهة، أوراق اعتمادها ضائعة، فأية حرية من ألف ألف حرية، تلك التي لا نجفل من أن نطلقها هكذا غير موسومة ولا مقترنة بفيلسوف أو مدرسة أو حتى اتجاه، هل هي حرية الإنسان أم الطبقة أم الأمة؟ حرية الأرض والوطن، أم حرية المواطن مقابل الإرهاب والقهر والفقر؟ حرية العقل مقابل الجهل، والجسد مقابل المرض والإذلال الفيزيقي والنفسي المتمثل في الضعف والعجز والعاهات والشذوذات النفسية وقوانين الطبيعة الصارمة وقواها الغاشمة … هل هي حرية القبول والرفض أم الاختيار أم اتخاذ القرار؟ حرية الأنا بإزاء الآخرين، أم الذات بإزاء الموضوع، أم الفرد بإزاء المجتمع …؟

ثم، أوَليست تعني الحُرية إمكانيةَ الانطلاقات التجديدية أمام الفنان مقابل خضوعِه للأنماط والمعايير، وفي الآن نفسه حرية القانون العلمي مقابل حتميته، وماذا عن حرية العالم في خلق الفروض، حرية الفيلسوف في انتقاء مسلمات فلسفته، هل هي حرية ميتافيزيقية أنطولوجية أم وجودية عينية، أم اجتماعية شخصية، أم فكرية أكاديمية، أم أن الحُريةَ كما رآها الشاعر الألماني شيلر «مشكلة أو فكرة أستطيقية جمالية»؟٢ ودع عنك الحُرية الدينية فهل الإنسان مسير أو مخير؟ ثم الحُرية الدينية الوضعية بمعنى هل هو مجبرٌ على التزام الدين المتوارث، أم حر في اختيار ما يُقنعه من أديان؟ بل هو حر في اتباع ملة من ملل الدين الواحد المتعددة. هل هي حرية الفعل أم القبول وإبداء الرأي والتعبير عنه نظريًّا وعمليًّا — أي العيش بمقتضاه، مقابل الخضوع لرأي الآخرين في تحديد الاختيارات المستقبلية؟ وماذا بشأن الحريات الجزئية ذات النطاق المحدود: حرية العمل والتنقل والإقامة والتصرف في الأموال … إلخ.
كل هذه الحريات وغيرها تشكِّل في مجموعها الصورة الكلية لمقولة الحُرية التي تعني كل هذا وأكثر، والحصر الدقيق لأبعادها ليس من شأنه أن ينتهي، ويزيد من التباس الأمر أن «كل واحد منا يخوض معركة الحُرية في مجال معين، ومن الطبيعي أن يضخِّم أهمية مفهوم الحُرية الذي يوافق ذلك المجال. يضخِّم المحلل النفساني أهمية حرية السلوك ويستخف بعموميات الفيلسوف … إلخ. كل نظرة أحادية للحرية تضعف خطوط تحقيقها وتسهل النقد على أعدائها الصرحاء أو المقنعين.»٣ فتتفاقم هلامية الحُرية.
وتبدو المشكلة فضفاضةً حتى أمام أعاظم العقول المعنية بنظريات الحُرية وتاريخها، فأمامنا على سبيل المثال أشعيا برلين وهو من أرصن الفلاسفة المعاصرين الذين اهتمُّوا بمشكلة الحُرية اهتمامًا جادًّا شاملًا، كما يوضح كتابه الثري «أربع مقالات في الحُرية»، ثم كتاب «فكرة الحُرية» الذي صدر على شرف برلين لمجموعة من الباحثين كمناقشةٍ لكتابه المذكور، في هذين الكتابين — وفي سواهما — نجد الحُرية تعني كل هذا وأكثر، وما الحدود بينها إلا من فَيض الكريم، فلا غرو أن يأتينا برلين بكل منهجية وشمولية نظرته وأيضًا جذريتها ليعلن في نبرة اليائس أنه: «لن يناقش أكثر من مائتي تعريفٍ للحرية.»٤

هكذا بدت الصورة الفلسفية العامة لمشكلة الحُرية عند برلين وعند سواه، في الفكر العربي نجد مثلًا المفكر المغربي محمد عزيز الحبابي يعلن في كتابه «من الحريات إلى التحرر» الذي يبحث مناحيَ شتى من قضايا الحُرية، أن الحلَّ الوحيد لهذا المأزق هو الحديث عن حريات لا عن حرية.

وليس يجدي المدخل العلمي في تحديد مقولة الحُرية المطروحة للبحث، ففي مقال لا يتجاوز خمسًا وثلاثين صفحة، يُناقش الدكتور فؤاد زكريا علاقة العلم بكل هذا الحريات وغيرها.٥

•••

(٢أ) «فهل يُجدي التحليل الإيتمولوجي؟»٦ في اللغة الإنجليزية يحمل معنى الحُرية لفظان Freedom, Liberty تسري عليهما عادة القواميس بشأن المترادفات: تشرح الأولى بالثانية حتى إذا عُدنا إلى الثانية وجدناها مشروحة بالأولى (هذه ملاحظة عامة طريفة، وردت على ما أذكر في مسرحية تنيسي وليامز «صيف ودخان» التي قرأتها منذ سنوات عديدة خلت).
المُهم أن اللفظتين يمكن تعريفهما لغويًّا بالمادة نفسها التي تشير إلى وضع اجتماعي يُفيد منزلةً رفيعةً وسجايا كريمة وأساسه الانعتاق من العبودية والأسر والسجن والجزية … وأيضًا إلى غياب القهر والقسر والإجبار والإرغام في الفعل أو الاختيار أو القرار، ولا تكاد تتميز Freedom إلا بذلك المدلول الذي اكتسبتْه مؤخرًا بالتحديد عام ١٨٧٩ وهو مدلول فيزيائي يعني القابلية للحركة.٧
والخلاصة أنهما لغويًّا متساويان، وليس ثمة خطأٌ منكور في استعمالهما كمترادفين، واحتذاء منتهى الدقة الفيلولوجية لن يفعل أكثر من إضفاء قوة أو فعالية أكثر على الحُرية التي يدل عليها لفظ Liberty.٨
لذلك فالعرف الشائع في الاستعمال قد يعطي Liberty انطباعًا عينيًّا كسبيًّا ملموسًا، بمعنى أنه يدل أكثر على الحريات الوضعية كالحُرية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية … في حين أن Freedom أكثر ارتباطًا بالحُرية في مفهومها الأساسي المطلق.
وعلى هذا يمكن القول إن Liberty تحرُّر، بينما Freedom حرية، والأصل اللاتيني للفظة Liberty معروف، إنه الاسم Liberty (حرية، أو تحرُّر كما اتفقنا) المشتق من الصفة حر: Liber، أما لفظة Freedom فيبدو أن أصولها ترتدُّ إلى اللغة الجرمانية العتيقة «البروتو-جيرمانيك Proto-Germanic» ومنها إلى اللغة الجرمانية في لهجتها الغربية، ثم إلى اللغة الأنجلو ساكسونية Anglo-Saxonic، وبالتالي إلى اللغة الإنجليزية القديمة، ومنها إلى اللغة الإنجليزية الحديثة.
ذلك أن لفظة الحُرية في الألمانية قرينة اللفظية الإنجليزية Freedom المشتقة من الصفة حر Free، إنها Freiheit المشتقة من الصفة Frei ومشتق منها أيضًا Befreiung «تحرر»، ولا تستعمل الألمانية الأصل اللاتيني Liber، اللهم إلا للدلالة على الليبرالية Liberalismus وهذه بالطبع مجرد اصطلاح ترمينولوجي٩ مجلوب من صانعيه وليست لفظة أنبتها لسان الأمة إيتمولوجيًّا، حين أخذت هذه في الاعتبار رجحت الحكم بأن لفظة Freedom ذات أصل جرماني، أي أنها مأخوذة من اللغة الجرمانية القديمة، وهي شيء مختلف عن اللاتينية وإن كانت قد أثرت فيها، وتأثَّرت بها في تأسيسها للغة الألمانية الحديثة.
ونأتي للفرنسية لنجدَها أكثرَ ولاءً لأصلها اللاتيني حيث إن حرية: Liberty، وتحرر: Liberation ولا قرائن ﻟ Freiheit, Freedom.
(٢ب) «أما في اللغة العربية»: فيمكن التمييز بين معنيين لكلمة «حر» الأول إشاري والثاني دلالي، في المعنى الإشاري وهو الأساس: الحر ضد العبد، وضد الأمَة نجد الكريمة العقيلة، وعليه الحر (بالضم) من الذهب أو النحاس أو غيره هو ما خَلَصَ من الاختلاط بغيره،١٠ ورملة حرة رملة لا طين فيها، وطين حر طين لا رمل فيه، أما دلاليًّا فكلمة حر كما شاع استخدامها تعني السيد الشريف الكريم وكل ما هو أصيل ونبيل، الحر من الناس أخيارهم وأفاضلهم.
وحرية العرب أشرافهم، ويقال هو من حرية القوم أي من خالصهم والحر في كل شيء أعتقه، وفرس حر فرس عتيق بمعنى أصيل، وناقة حرة ناقة كريمة، وحر البقل والفاكهة خيارها، والحر كل شيء فاخر من شعر أو غيره، وحر كل أرض وسطها وأطيبها، وحر الدار وسطها وخيرها والجمع حرائر، والحر الفعل الحسن، ويقال ما هذا منك بحُر: أيْ ليس بحسن ولا جميل، وسحابة حرة أي غزيرة المطر،١١ وكلام حر أي بالغ الفصاحة … وهكذا.
ويلاحظ روزنتال أن أصل استخدام كلمة حر بهذا المعنى يعود إلى الميل الإنساني العام إلى نسبة كل الصفات السيئة إلى الرقيق وقدره السيئ في حين يحظى الإنسان الحر قانونًا بنسبة كل الصفات الطيبة إليه، ولم تكن هذه الظاهرة قاصرةً على العرب، بل شائعةً في كل مكان وتطوَّرَت بشكل مستقل تحت تأثير مؤسسة العبودية.١٢
وقد لاحظناها بشأن اللفظ اللاتيني، فهو الآخَر يُفيد الخلوص من الرقي وأيضًا الكرم والأصالة «وأوضح نيتشه في أصول الأخلاق أنها موجودةٌ في أوليات جميع اللغات الآرية».١٣
وعبر تاريخ العربية حملت مادة «حر» أربعة معان متمايزة؛ الأول خلقي: وهو معنى اللفظة الدلالي أي الأصل الكريم … وكان معروفًا في الجاهلية وحافظ عليه الأدب، الثاني قانوني: وهو معنى اللفظة الإشاري أي ضد العبد وهو المستعمل في القرآن الكريم فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (النساء: ٩٢) ونَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا (آل عمران: ٣٥)، وأيضًا في كتب الفقه، فقد كانت مشكلته الأساسية الفرد حر التصرف، وتناولها في أبواب معروفة تعالج مسائل الرق والحِجر وكفالة المرأة والطفل، والفقه يربط الحُرية بالمروءة، فلا تكتمل إنسانية الفرد إلا إذا شُرِّف بالتكاليف، ويسجل الفقه وضعيةَ المرأة الدونية كأمر واقع، ولكنه يسجِّل أيضًا أن حالة العبد والمرأة تجلب نقصانًا في العقل أي في المروءة؛ لذلك يخفض مسئولية من لحقت به تلك الحالة، نلاحظ في كل الأحوال ترابطًا بين الحُرية والعقل وبين التكليف والمروءة.١٤ أما المعنى الثالث فاجتماعي استعمله بعض متأخِّري المؤرخين: الحر هو المعفي من الضريبة، والرابع صوفي كما يرد في تعريفات الجرجاني: «الحُرية في اصطلاح أهل الحقيقة الخروج عن رقِّ الكائنات وقطع جميع الخلائق والأغيار فهي تحرر من الشهوات وفناء إرادة العبد في إرادة الحق»، ونلاحظ أن المعانيَ الأربعة تدور حول الفرد في علاقته مع غيره، أكان ذلك الغير فردًا آخر يتحكم فيه من الخارج، أو قوةً طبيعية تستعبده من الداخل.١٥

وحين نأخذ في الاعتبار أن المعنى اللغوي أكد الخلوص من الاختلاط بالغير (ذهب حر، رملة حرة …) نستنبط أن الحُرية تعني الخلوص والأصل الأصيل الذي لا شبهة فيه، فلا مشاحنة في تطويعها ترمينولوجيًّا لتعني فلسفيًّا الفعل الأصيل في صدوره عن الذات أي الخالص من جبر أو قسر؛ فتصبح الحُرية حال الإنسان الخالصة إنسانيته من أية حتمية، أي من خضوع لقهر أو غلبة أو سيادة، تفسد صدور فعله عن ذاته، ومن ثم يمكن الزعم بمشروعية المصطلح.

والحق أن هذه المشروعية نقطة تسجل لحس العرب الإنساني والحضاري، خصوصًا وأنه يفوح من معنى «حر» عندهم، كل ما يؤكد النزوع الإنساني السامي لاعتبار الحُرية جماعًا لقدس الأقداس الإنسانية، وبالربط بين المعنيين الإشاري والدلالي نجد أن العرب قد جعلوا الوضع الخالص الأصيل للإنسان هو وضع السادة الأحرار، إن «الحر» يشير إلى الأصيل وإلى الطبيعة النقية الصافية غير المختلطة بسواها.

وكلمة الطبيعة في اللغات الإغريقية واللاتينية، وبالتالي في الإنجليزية، لها معنيان، المعنى الأول يشير إلى مجموع الأشياء المفترض أنها موجودة، ولكنها، أي Nature لها مغزى أو معنى آخر هو الأصل والأكثر دقة، حين لا تشير إلى مجموع بل إلى مبدأ أو مصدر «وكانت عند فلاسفة القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد بالذات تعني الحقيقة Reality والأصل Origin».١٦ فنقول مثلًا إن طبيعة الرماد أن يكون مرنًا، ومن طبيعة البلوط أن يكون صلدًا، كلمة الطبيعة هنا تشير إلى شيء ما يجعل مالكه يتصرَّف حسبما يتصرَّف، وهذا المصدر لسلوكه يكون شيئًا داخل نفسه، وإذا كان خارجها فإن السلوكَ الناجمَ عنه ليس طبيعيًّا، بل يعود إلى القسر، فإذا سار إنسان سريعًا لأنه قوي، وذو طاقة يكون المشي السريع طبيعيًّا بالنسبة له، أما إذا مشى سريعًا لأن كلبًا يُطارده فإن المشي السريع لا يعود إلى طبيعته بل إلى القسر الإجباري.١٧

من هذا الالتقاء بين سيمانطيقية لغات شتى، نستخلص أن القسر والجبر تشويه لطبيعة الإنسان، وبالتالي فإن الحتمية على جملتها تشويهٌ لطبيعة الإنسان، إذن التحليل اللغوي يجعلنا نهدأ بالًا أكثر وأكثر بمبدأ اللاحتمية الذي رأينا العلم المعاصر يلوذ به.

ولكن لنلاحظ أننا كنا ندور حول الصفة حر دون المصدر حرية؛ ذلك أن المشكلة التي تُصادفنا في العربية هي أن الصفة «حر» أصل ثابت، أما المصدر «حرية» فمحاق بكثير من الغموض، إنه كمعظم المصادر ليس واردًا في أمهات المعاجم اللغوية، ولا في القرآن الكريم. بعض الباحثين يرجحون أن المتصوفة هم الذين اشتقوا المصدر حرية، غير أن تاريخ المصدر ليس واضحًا على الإطلاق، وما زال الدليلُ ينقصنا حول ما إذا كان شائعًا في استعمال عرب ما قبل الإسلام «خصوصًا وأن كلمة الحُرية ككل الصيغ المجردة التي تنتهي بياء النسبية لم تكن شاعرية؛ لذلك تجنب الشعراء استعمالها»،١٨ وهذا قد يرجح الرأي القائل إن الكلمة غير مشتقة من الجذر «ح ر ر»، ومما يؤيد هذا الترجيح وجود جذر مماثل «ح ر ر» يعني كون الشيء حارًّا. وقد حاول بعض المفكِّرين القدامى والمعاصرين الربط بين «حر» والجذر الذي يعني السخونة ولكن هذه المحاولات غير مُقنعة.١٩
وقصارى ما نستطيعه بصدد اللفظ «حرية» أنه ربما يكون قد استعمل منذ فترة مبكرة للتعبير عن المصطلح القانوني المقابل للرق، وليس مستبعدًا أن تكون الكلمة قد استخدمت على نطاق واسع عندما اتصل المسلمون بالتفكير الفلسفي لعالم البحر المتوسط الذي كان قد عرف النقاش حول الحُرية لقرون طويلة خلت،٢٠ على أن أقدم تعريفاتِ الحُرية في الشرق الإسلامي لم تصدر عن دوائر إسلامية ولم يعبر عنها باللغة العربية، إنها ترد في الأعمال السريانية حول التعريفات المنسوبة إلى ميخائيل أوبازود، وقد وضعت حوالي عام ٨٠٠م، وعندما نتبع تعريف الإرادة في كل هذه المجموعة نجد ما يلي: «الحُرية هي القوة غير المحدودة للطبائع العاقلة التي تتعلق بالحواس والإدراك العقلي.» وهذا التعريف يمثل نتائج المناقشات اللاهوتية التي دارت حول «حرية» في أوساط الكنيسة الشرقية، ولقرون طويلة خلت كان المفكرون الدينيون الشرقيون يواجهون هذه المشكلة التي اعتبروها بحقٍّ حجر الزاوية للإنسان الأخلاقي.٢١

وبهذا تكون المناقشة اللغوية التاريخية قد انتقلت بنا تلقائيًّا إلى قلب المشكلة الفلسفية مؤكدةً أواصر القربى والصلات الوثقى بين هذا البحث المعاصر جدًّا وبين التراث القابع في أعماق التاريخ، وقبل أن ننتقل مرة أخرى إلى البحث الفلسفي نلاحظ أن التحليلات اللغوية قد انتهت إلى ما ينبغي أن تنتهيَ إليه: إلى تحصيل الحاصل، وهو ما عبرت عنه بالحكم بمشروعية المصطلح.

فلن تعني الحُرية — وبشيءٍ من التطويع — أكثرَ من الفعل الأصيل في صدوره من الذات، وهذا ينطبق على كل الأوجه المذكورة من الحُرية «فقرة ١» وسواها ولا يستبعد شيئًا، وإذا خرجنا من الإطار اللغوي إلى قلب مضمون الفكر الإسلامي، أي لو لجأنا إلى المفكرين والفلاسفة العرب في طرحهم للسؤال ما هي الحُرية؟ لوجدناه لديهم ما زال موضوعًا لعمومية مطلقة لا تتخلص من هلاميتها، وإن كان أشد التصاقًا بالأساس الوجودي المطلق وأبعد عن العينيات الجزئية؛ فهو طرح لا يسأل عما تعنيه الحُرية بالنسبة لهذا الفرد أو لهذه الطبقة، بل ما هي الحُرية بالنسبة للإنسان كإنسان، يلتقي هنا الفلاسفة العرب المعاصرون بفلاسفة الماضي، وفلاسفة اليوم يرون المشكل في إطار علاقة الذات باللاذات، يتصورون الذات عقلًا أو نفسًا أو جوهرًا أو مطلقًا، ثم يتصوَّرون اللاذات مادةً أو جسمًا أو طبيعة مخلوقة، فيتصورون أن الحُرية قدرةٌ أو استطاعة أو كسب، قد يولدون الذات من اللاذات أو العكس لكنهم يتفقون جميعًا في نظرتهم إلى الحُرية كمفهومٍ مجردٍ يطبق على مثل معين، يعالجون المسألة بطرق مختلفة من تحليلٍ لغويٍّ إلى وصف وجوديٍّ إلى افتراض ما ورائي، ويستعملون أساليب متباينة من صور شعرية إلى معقولات مجردة، لكنهم ينظرون دائمًا إلى الحُرية كمطلق.٢٢

إننا بهذا اقتربنا بعض الشيء مما نريده، لكن ما زالت المشكلة قائمة كيف يمكن تحديد مقولة الحُرية في إطار هذا البحث.

•••

(٣) «لنبذل محاولة أخيرة مع التعريف الفلسفي للحرية»: وهو يُخبرنا بأن الحُرية بوجه عام حال الكائن الحي الذي لا يخضع لقهر أو غلبة ويفعل طبقًا لطبيعته وإرادته، وتصدق على الكائنات الحية جميعها من نبات وحيوان وإنسان؛٢٣ لذلك فالحُرية تشير بصفةٍ ابتدائية إلى ظرف يحققه غياب الإجبار أو القسر كشرط ضروري، فنقول إن الإنسان حر على قدر ما يستطيع أن يختار بين البدائل المتاحة له، يختار ما يفعله ويختار أهدافه الخاصة وسبل سلوكه، وعلى قدر ما لا يكون مجبرًا على التصرُّف تصرُّفًا لم يختره هو نفسه أو يمنع من الاختيار أو من التصرف حسبما اختار، وليس مفروضًا عليه شيءٌ بلا إمكانية أخرى،٢٤ هكذا «تظهر فكرة الاختيار على اعتبار أن الحُرية إن هي إلا المقدرة على فعل شيء أو الامتناع عن فعله»،٢٥ الاختيار هو الذي يحدد، وهو كما عرفه التوحيدي في المقابسات: إرادة تقدمتها رويَّة مع تمييز، أما الفعل الحر فهو على حد تعبير الغزالي ما يصدر عن إرادة حقيقية، بينما الفاعل الحر هو من يصدر منه الفعل مع الإرادة للفعل وعلى سبيل الاختيار ومع العلم بالمراد،٢٦ وتصبح الحُرية هي تلك الملكة التي تميِّز الكائن الناطق من حيث هو موجود عاقل يصدر في أفعاله عن إرادته هو، لا عن أية إرادة أخرى غريبة عنه.٢٧
ومن الممكن التمييز بصفة عامة بين نوعين للحرية: حرية التنفيذ وحرية التصميم، والمقصود بحرية التنفيذ: تلك المقدرة على العمل أو الامتناع عن العمل دون الخضوع لأي ضغط خارجي. نحن هنا بإزاء حرية طبيعية أو فيزيائية تعبر عن تلقائية الكائن الناطق واستقلاله الذاتي، الحُرية بهذا المعنى عبارة عن القدرة على المبادأة والمبادرة INITIATIVE، مع انعدام كل قَسْرٍ خارجي، أمَّا حرية التصميم فهي عبارةٌ عن المقدرة على الاختيار حين نكون بإزاء فعلين مختلفين، أو حينما يكون في وسعنا أن نفعل أو نمتنع عن الفعل،٢٨ حرية التنفيذ هي حرية الفعل وملكتها الإرادة، وحرية التصميم هي حرية القرار وملكتها الاختيار، الأولى تطبيق للثانية، والثانية مقدمة شرطية للأولى، بعبارة أخرى هما وجهان لعملة واحدة، هكذا تدخل مفاهيم الحُرية والإرادة والاختيار في وحدةٍ عضوية.
على أن إمكانية الاختيار بين بلدين على الأقل هي الشرط الأساسي الذي تدور معه الحُرية وجودًا وعدمًا، وإقرار أن الإنسان مُريدٌ يختار على الأقل بين فعلَيْن ممكنين يعني أنه حر، ليس فقط بمعنى أنه قادر على فعل ما اختار أن يفعله، ولكنه أيضًا حر بمعنى أنه ليس مجبرًا على اختيار ما اختاره بواسطة علل خارجة عن نطاق تحكُّمه،٢٩ فالحُرية أساسًا — كما يقول إريك فروم — فرصة متاحة للفعل أكثر من أن تكون هي الفعل نفسه.٣٠

والخلاصة أن الحُرية هي انعدام القسر وتوافر البدائل لتختار الإرادة بينها، وهذا التعريف الجامع المانع للحرية صحيح ونحن نقبله، بل ونعتمده كأساس الحديث المقبل عن الحُرية، بيد أنه ينطبق على كل وجوه الحُرية المذكورة آنفًا وعلى سواها ولا يستبعد شيئًا منها، ويوضح أكثر من كل سبق أن الحُرية مقولة فضفاضة، وما زال السؤال مُلحًّا: كيف يمكن تحديد مشكلة الحُرية التي تشغلنا في هذا الكتاب؟

•••

(٤) «الإجابة»: مطروحة ضمنًا فيما سبق وصراحة في مقدمة الكتاب، فقد تبيَّنا فصلًا تامًّا بين مستويين لمقولة الحُرية الإنسانية، بالانتباه إليه لا تعود مشكلة الحُرية أكثر تشتُّتًا ولا أقل تحددًا من أية مشكلة أخرى.

ذلك أنه لا بد من الفصل بين حرية الإنسان بوصفه كائنًا في هذا الكون أو الوجود ذي البنية أو الطبيعة المعينة منذ بدايته وحتى نهايته، «الحُرية في المستوى الأول» وبين حرية الإنسان بوصفه كائنًا في جماعة أو مجتمع ما يخضع لتحويلات ومتغيرات لا حصر لها عبر تاريخه «الحُرية في المستوى الثاني».

الحُرية من المستوى الأول حرية الإنسان بوصفه موجودًا في هذا الوجود يمكن أن نسميها: الحُرية الأنطولوجية؛ لأنها تعتمد على طبيعة هذا الوجود وطبيعة أحداثه التي تشكل أفعال الإنسان بعضًا منها، فهل سياقُها يستلزم أو على الأقل يسمح للإنسانِ بأن يمارس اختيارًا؟ وبالتالي يتضمن وضع الإنسان في هذا الوجود حرية حين يكون ثمة بديلٌ للحدث بمعنى أنه يمكن ألَّا يحدثَ أو أن يحدث سواه، أو أن يحدثَ على نحو آخر، أم أن كل الأحداث وبالتالي كل أفعال الإنسان مقدرة سلفًا في طريق واحد لا سواه وكل مفاهيم الحُرية والإرادة والاختيار أوهام وأباطيل لا مكان لها في الكون الذي نحيا فيه.

مشكلة الحُرية بهذا المنظور إما أن تكون ميثولوجية، كأن تتدخل قوى أسطورية كالمويرا لتنفي حرية الإنسان وتلزمه بمصير محتوم مهما فعل وبتصرفات معينة لا محيص له عنها، وإما أن تكون ثيولوجية دينية حين يتعارض العلم المسبق لله، وقدراته تعالى أو مشيئته الشاملة مع إمكانية الاختيار أمام العبد، وإما أن تكون ميتافيزيقية حين تضطلع الفلسفة برسم صورة لوجود حتمي، تنتفي فيه أية حرية إنسانية، كتلك التي رسمها الرواقيون وسبينوزا، ثم أصبحت علمية حين تكفل العلم الحديث برسم هذه الصورة الحتمية للعالم، إنها نفس أطوار «كونت» التي مرَّت بها الحتمية: ثيولوجية ثم ميتافيزيقية ثم علمية، ذلك أن مشكلة هذه الحُرية — أي الحُرية في مستواها الأول — لا تأتي إلا من الحتمية التي تنفيها.

وكما يقول برلين كل صور الحتمية ترتدُّ في النهاية إلى نموذج أو خطة أو مثال أو أفكار، كائنة في العقل الإلهي أو في العقل الكوني، كأهداف أو ككليات تحقق نفسها كعقليات ميتافيزيقية أو كتبريرات ثيولوجية آتية من عالم آخر، إن الحتمية تُشبع الرغبة في المعرفة، ليس فقط معرفة كيف أو لماذا يوجد هذا العالم ولكن أيضًا، معرفة لماذا استحق أن يوجد ولماذا وجد هذا العالم على وجه الخصوص دون غيره، ولماذا لم يوجد أي عالم غيره على وجه الإطلاق، وكان الحل مطروحًا في حدود قيم، إما مطمورة في الوقائع ذاتها وإما هي محتمة من علو أو عمق متعال، كلها نظريات هي صور للحتمية، وسواء أكانت حتمية ثيولوجية أم أستطيقية أم دينية أم ميتافيزيقية، أم في النهاية علمية ميكانيكية، فإن الخاصة المشتركة بينها جميعًا هي أن حرية الفرد في الاختيار وَهْمٌ قائم على الجهل بالحقائق الذي يفترض أن ثمة مساحة معينة من حياة الإنسان لا تحدِّدها قوانين تعبِّر عنها تعميمات العلم، تقدم المعرفة سيجعل مساحات جديدة من الخبرة محكومة بقوانين تُمكِّننا من الاستدلال المنهجي والتنبؤ، وكلما عرفنا أكثر ضاقَت مساحةُ حرية الإنسان وبالتالي مسئوليته،٣١ حتى تتلاشى تمامًا في النهاية حين يصل التقدُّم العلمي إلى الدرجة المنشودة.

أما الحُرية في المستوى الثاني، فهي تأتي من طبيعة أو بنية الجماعة المعينة التي ينتمي إليها الفردُ الباحثُ عن الحُرية فقد لا تسمح بها، ولكن بالتغيير والتطوير يمكن أن تسمح بها، فهذه هي الحُرية التي تستلزم جهاد الأبطال وتضحيات الرواد وأحيانًا استبسالهم واستشهادهم، المجتمعات كثيرة والجماعات أكثر؛ لذلك إذا كانت الحُرية في المستوى الأول لها صورة واحدة هي الحُرية الأنطولوجية وعائق وحيد هو الحتمية، فإن الحُرية في المستوى الثاني لها صورٌ شتَّى وعوائق شتَّى، حسب منظور الاهتمام الفكري والعلمي إنها حريات بعدية عينية تعدُّدية نسبية تطورية جزئية، كالحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والشخصية والدينية والفنية والعلمية والفكرية والأكاديمية … إلخ.

الحُرية في مستواها الأول — الحُرية الأنطولوجية — في حدِّ ذاتها بغض النظر عن نتائج التنظير لها ليست خاضعة لأية متغيرات ولا درجات ولا جهود، فإما أنها كائنة وإما أنها غير كائنة، هي وضع أو بالأصح حيثية من حيثيات الوضع الذي وجد الإنسانُ نفسه فيه يمكنه فقط أن يعيَه أو يدركه، إنها تساؤل يُجيب عنه العقل بشتى إمكانياته؛ لذلك فهي مشكلة فلسفية بحتة خالصة.

أما الحُرية في المستوى الثاني فكسبٌ يُحرزه الإنسان، ونتيجة تُسفر عنها جهود الدعاة وكفاح المصلحين، وفيها — أو من أجلها — تتشابك نظريات الفلاسفة أو جهودُهم مع جهود الجميع: الاجتماعيين والسياسيين والتربويين والسيكولوجيين والمجديين والرواد والمبدعين …

الحُرية في المستوى الأول هي حرية الموقف الوجودي المطلق، أما في المستوى الثاني فهي حرية الموقف الجمعي النسبي؛ لذلك فالأولى مطلقة لا يمكن أن تكون نسبية، لا أجزاء لها ولا درجات، أما الحُرية في المستوى الثاني فهي نسبية لا يمكن أن تكون مطلقة ولا تتحقَّق إلا بدرجات متفاوتة، الحُرية في المستوى الأول يندرج تحتها كل ما يسمى بميتافيزيقياتِ الحُرية وتجريداتها وكلياتها، والمعبر الرسمي والشرعي، بل والأوحد عنها، نظرية اللاحتمية، أما الحُرية في المستوى الثاني فيندرج تحتها كل ما يُسمَّى بوضعيات الحُرية وتمثيلاتها، المعبِّرون عنها كثيرون، وإن كان أشهرهم النظرية الليبرالية المعبرة عن الحُرية السياسية والاقتصادية، وبشيء من التجاوز نقول وأيضًا الحُرية الاجتماعية والشخصية، وإذا أخذنا بالتقسيم الشهير للحرية إلى حرية سالبة تعني مجرد انتفاء عوائق الحُرية، وحرية موجبة تعني تعيين مجال محدد يمارس فيه حريته لقلنا إن الحُرية من المستوى الأول سالبة «انتفاء الحتمية» والحُرية من المستوى الثاني موجبة، الحُرية الأنطولوجية الحقيقية لن تكون إلا سالبة ولا يمكن منطقيًّا أن تأتيَ إلا من اللاحتمية الأنطولوجية، وأخيرًا إذا رُمنا دقة المصطلح لقلنا إن المستوى الأول حرية Freedom، والمستوى الثاني تحرُّر Liberty، وقد تُوجد حرية بغير أن يتحرَّر بها الإنسان، على أن الحُرية في مستواها الأول — الحُرية الأنطولوجية — هي الأساس الأوليُّ والشروط اللزوميُّ والمسوغ الضروري للحرية في مستواها الثاني والذي بدونه تنتفي أية مشروعية للبحث عنها؛ لأن كل تلك الحريات العينية الجزئية البعدية كائنة بالطبع في هذا الكون، ولو كانت كل أحداثه محتمةً سلفًا في تسلسل عِلِّي بدءً ببدء هذا الكون، يجعل كل ما يحدث لا بد أن يحدث ويستحيل أن يحدث سواه، فما جدوى اكتساب الحُرية السياسية مثلًا أو عدم اكتسابها طالما أن وقائع التاريخ ككل أحداث هذا الوجود محتومة؟ وما جدوى تحمُّل مسئولية الحُرية الشخصية أو عدم تحمُّلها طالما أن عوامل الوراثة والبيئة قد حتمت سلفًا ردود أفعال معينة وبالتالي قرارات وتصرفات معينة، بل وطالما أن مسار حياتي قطرة من طوفان الأحداث الكونية السائرة في المسار المحتوم وهلم جرًّا …

على هذا لا بد من إثبات الحُرية الأنطولوجية، بعبارة أخرى، الوعي بها وإدراكها قبل أي محاولة للبحث عن حريات عينية على المستوى الثاني، وإلَّا وقعنا في ابتسار النظرة أو التناقض الذاتي ثم الانفصام أو الشيزوفرينيا.

الحُرية الأنطولوجية وضع وجودي، حيثية من حيثيات الوجود الإنساني، تساؤل يثيرُه مجرد وجود الإنسان في هذا الوجود؛ لذلك فهي في واقع الأمر تلك المشكلة الفلسفية العريقة التي انشغل بها الفلاسفة منذ ديموقريطس وحتى الآن، أما الحُرية في المستوى الثاني فلم تظهر كمشكلة حادة تتطلب النظر والتنظير فضلًا عن العمل إلا مع الفلسفة الحديثة؛ كنتيجةٍ للتطوُّر التاريخي الحضاري الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والذي فجَّرته عوامل شتى على رأسها تقدُّم العلم وبَدْء فعالية قواه التكنولوجية.

كانت الحضارات الشرقية القديمة، كما يزعم هيجل، تسلم بالحُرية العينية لرجل واحد هو الحاكم أو الأب والعبودية لكل من سواه، وحين أتَت الحضارة الإغريقية كان تضرُّرها من الطغيان، لا سيما بعد اتصالها أو قهرها عسكريًّا على الأقل للحضارة الفارسية ورؤيتها لنظام الملكية المطلق فيها وفي مقابل نظام المساواة الغريب في أسبرطة،٣٢ وعلى الرغم من هذا وأيضًا من أن الحُرية السياسية بمعنى استقلال الدولة، دولة المدينة بالنظر إلى الخارج والديمقراطية في داخلها كانت شعارًا مرفوعًا استخدمه على الدوام كُتاب التاريخ منذ أواخر القرن الخامس عشر ق.م.، وأنها انتقلت من اليونان إلى الرومان٣٣ على الرغم من كل هذا فإن الإغريق أحرزوا تقدُّمًا كميًّا لا كيفيًّا وكميًّا غير ذي بال، فكانت الحُرية كل الحُرية للمواطن الأثيني والعبودية للنساء والرقيق والأجانب، ولم تتغيَّر الأحوال الاجتماعية كثيرًا في العصور الوسطى، وحتى أفولها لم يلح على الأذهان تساؤل حاد بشأن الحُرية في مستواها الثاني. وحين انتهت العصور الوسطى وتخلَّقت البيئة الحضارية للعصر الحديث — عصر العلم الحديث والفلسفة الحديثة — ألقى العلم على كاهل الوجود كل تلك الحتمية التي رأيناها، فهدَّد بل خنق الحُرية الأنطولوجية حتى اعتراها الذبول وشحوب الموت، وفي الوقت نفسه تكاتفت العوامل الأيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية لتترعرع حريات المستوى الثاني كائنًا غضًّا يافعًا جذابًا يستأثر بالاهتمام، ولكنه بغير أساسه، الحُرية الأنطولوجية، كائن ينمو مجتث الجذور بالوجود أو الواقع الأنطولوجي، ليدب الفصام في قلب مشكلة الحُرية يسفر في النهاية عن التنائي الشاسع بين مستوييها أو شطريها حتى أباح المفكرون لأنفسهم بوعي أو بدون وعي إنْكارَ شطر والإقرار بالآخر فتفاقمت هلامية الحُرية، كدالة من دوال الشيزوفرينيا التي تلخص الآثار الوبيلة لمعضل الحُرية في العالم الحتمي، والتي سيوضحها الفصل الثالث (الفقرة ١٨).

وإذا وضعنا في الاعتبار الفصل بين مستويي الحُرية ثم تمكنا من إرساء المستوى الأول للحرية الأنطولوجية ثابتة مكينة أمكن أن ترى كل الجهود النظرية والعملية لتشييد حريات المستوى الثاني بمنجاة من الشيزوفرينيا، على الإجمال إنه طريق يُفضي إلى تحقيق الأهداف المطروحة في مقدمة البحث، ولكن هذا البحث في حدِّ ذاته الذي عرضت مقدمته الصورة أو بالأحرى الصورتين الأنطولوجيتين اللتين رسمهما العلم في انقلابه من الحتمية إلى اللاحتمية مختص بالبحث في الحُرية بمستواها الأول الأنطولوجية والتي هي ببساطة غير كائنة في العالم الحتمي، وكائنة في العالم اللاحتمي، على أن هذا في الواقع ليس بالأمر البسيط.

١  فرانز روزنتال، مفهوم الحُرية في الإسلام، ترجمة وتقديم د. معن زيادة ود. رضوان السيد، معهد الإنماء العربي بليبيا فرع بيروت، ١٩٧٨، ص١٥.
٢  See: Patrick Gardiner, Freedom as an Aesthetic Idea, in: The Idea of Freedom, by Allan Ryan (ed.), Oxford University Press 1979, p. 27–39.
٣  د. عبد الله العروي، مفهوم الحُرية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، ١٩٨١، ص١٠٨.
٤  Isaiah Berlin, Four Essays on Liberty, Oxford University Press, 1975, p. 121.
٥  د. فؤاد زكريا، العلم والحُرية الشخصية، مقال بمجلة عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، المجلد الأول، العدد الرابع، يناير–مارس ١٩٧١.
٦  التحليل الإيتمولوجي نسبةً إلى الإيتمولوجيا Etymology، أي البحث في الأصول اللغوية للفظة، وفي معنى هذه اللفظة: William Litlle (ed.), The Shorter Oxford English Dictionary, vol., Clarendon Press, oxford, 3rd., 1973, p. 803.
٧  Webesters Seventh New Collegiate Dictionary, G & C Merrian co., U.S.A., 1969, p. 333.
٨  الفيلولوجي أي اللغوي البحت، الفيلولوجيا هي علم فقه اللغة.
٩  ترمينولوجي نسبة إلى الترمينولوجيا، وهي علم المصطلح.
١٠  الرازي، مختار الصحاح، ص١٤٦-١٤٧؛ وأيضًا المقري، المصباح المنير ج١، ص١٧٦-١٧٧.
١١  ابن منظور، لسان العرب، ج٥، ص٢٥٥.
١٢  روزنتال، مفهوم الحُرية في الإسلام، ص٢٣.
١٣  عبد الله العروي، مفهوم الحُرية، ص١٣.
١٤  المرجع السابق، ص١٥.
١٥  المرجع السابق، ص١٤.
١٦  أميرة حلمي مطر، فكرة الطبيعة في الفلسفة اليونانية حتى أفلاطون، رسالة ماجيستير غير منشورة، إشراف د. أحمد فؤاد الأهواني، جامعة القاهرة، ١٩٦٠، ص٧٠.
١٧  R. G Collingwood, The Idea of Nature, Clarendon Press, Oxford, 2nd ed., 1945. p. 93-94.
١٨  روزنتال، مفهوم الحُرية في الإسلام، ص٢٣.
١٩  المرجع السابق، ص٢٢.
٢٠  المرجع السابق، ص٢٣.
٢١  المرجع السابق، ص٢٧.
٢٢  د. عبد الله العروي، مفهوم الحُرية، ص٦، ٧.
٢٣  المعجم اللغوي، المعجم الفلسفي، ص٧١.
٢٤  Encyclopeadia for Philosophy, vol. 3, p. 222.
٢٥  د. زكريا إبراهيم، مشكلة الحُرية، مكتبة مصر، سنة ١٩٧٢، ص٢١.
٢٦  نفسه، ص١٩.
٢٧  نفسه، ص١٨.
٢٨  نفسه، ص١٩.
٢٩  Isaiah Berlin, Four Essays on Liberty, Oxford University Press, 1975, p. xi.
٣٠  Ibid., p. xiiii.
٣١  Ibid., p. 58.
٣٢  See: Arno Milano, Persian Empire and Greek Freedom, in: The Idea of Freedom, by Alan Ryan (ed.), pp. 139–151.
٣٣  أولف جيجن، المشكلات الكبرى في الفلسفة اليونانية، ترجمة د. عزت قرني، دار النهضة، القاهرة، سنة ١٩٧٦، ص٢٤٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤