الفصل الثالث

الحالة الإدارية في العراق بعد سقوط بغداد

دخل هولاكو بغداد وفعل فيها ما فعل، فانقرضت الدولة العباسية، واندكت أركان حكومتها وتراتيبها الإدارية، وتبلبلت حالتها الوظائفية، وفرَّ من ولاتها وقضاتها وكبار موظفيها إلى البلاد المجاورة نفر غير قليل، وقد ظلت بغداد وسائر مدن العراق دون ما حكومة منظمة حتى تمَّ استيلاء المغول على العراق كله، وعهد هولاكو بالوزارة إلى مؤيد الدين محمد بن العلقمي الذي كان يتولى إسقادارية قصر الخلافة في عهد المستعصم ثم ولاه الوزارة، وكان على جانب من حسن الإدارة والدهاء، إلا أن جميع موظفي القصر كانوا يكرهونه، ولما دخل المغول عهد إليه هولاكو بزمام الأمور، وفوَّض إليه شأن البلاد يدبر أمورها كما يشاء، ويسمي في وظائفها من يريد، وبهذا استدل بعض المؤرخين على اتهام ابن العلقمي بالخيانة والتآمر مع المغول ضد الخليفة العباسي.

ولما أسند المغول إليه أمر البلاد اختار من يثق بهم من العمال والولاة، وطلب إليهم أن يسلكوا السبيل التي كانت عليها الدولة العباسية، على أنه يجب أن نعلم أن وظيفة الوزير وسائر كبار الموظفين الذين نصَّبهم كانت وظيفة وهمية، أما الوظيفة الحقيقية فقد كانت بيد المغول، وبيد من نصبوه من أبناء جلدتهم ممن وزعوهم في دواوين الوزارة والشرطة والمال، وهؤلاء هم أصحاب الحل والعقد، يتصرفون بالبلاد كما يريدون، ويوقع الوزير وأضرابه لهم المراسيم والتراتيب التي يقترحونها عليهم، فتذاع بين الناس على أنها صادرة عن الوزير أو الشحنة أو القاضي، وليس لهم في الحقيقة إلا التوقيع والمصادقة.

ومما هو جدير بالذكر أن كثيرين من العمال أو التجار من أهل البلاد قد عهد إليهم بوظائف كبيرة في الدولة، والسر في ذلك — فيما يظهر — أنهم كانوا من قبل الاحتلال على اتصال بالمغول وتأييد لسياساتهم، ومن هؤلاء نجم الدين أحمد بن عمران وهو من أهل «باجسرى»، وقد سماه الخليفة عاملًا على بعض المقاطعات فكان يتجسس للمغول، ويكتب إليهم بأخبار البلاد وأحوالها، ولم وقعت الواقعة أكرمه هولاكو وأحسن إليه ومنحه لقب «ملك» وعهد إليه بإدارة شئون البلاد مع الوزير ابن العلقمي وصاحب الديوان فخر الدين بن الدامغاني.

أما التشكيلات الإدارية في العراق، فكانت على الشكل التالي: قسموا العراق إلى ثماني عمالات، وجعل على كل عمالة عاملًا، وهي:
  • عمالة بغداد: وفيها الوزير ويعاونه في عمله مشرف ونائب، وصاحب ديوان وشحنة ونائب شرطة، وخازن ديوان، وتشتمل على بغداد وما حواليها.
  • العمالة الشرقية: وتشتمل على منطقة الخالص وطريق خراسان والبندنيجين.
  • العمالة الفراتية: وتشتمل على سقي الفرات.
  • العمالة الواسطية: وتشتمل على إقليمي البصرة وواسط.
  • العمالة الدجيلية: وتشتمل على إقليم نهري دجيل والمستنصري.
  • العمالة الكوفية: وتشتمل على إقليم الكوفة والحلة.
  • العمالة الأنبارية: وتشتمل على إقليم الأنبار وما حوله.
  • العمالة الدقوقية: وتشتمل على إقليم دقوقا وما حوله.

ولم يدخلوا إقليم «إربل» وما إليه فكان إقليمًا مستقلًّا، وجعلوا له إدارة مستقلة خاصة.

وكانوا يسمون لكل عمالة «صدرًا» أو «ملكًا» من أهل البلاد يعهدون إليه بالرئاسة العليا في العمالة وإدارة شئونها، ومن تحته نفر من المغول هم: النائب والناظر وعدد من المعاونين والموظفين الكبار والصغار بحسب الحاجة وسعة الإقليم وصغره.

وكان في كل عمالة قاض ومحتسب وصاحب شرطة وصاحب أوقاف، أما بغداد: فكان فيها قاضي القضاة ومقره في الجانب الشرقي، أما الجانب الغربي من العاصمة: ففيه قاض تابع لقاضي القضاة، وهذا ترتيب عباسي أبقوه، وكانوا يخلعون على قاضي القضاة أكسية وخُلَعًا عقب توليته منصبه، كما كانوا يجعلون للأشراف العلويين الطالبيين نقابة، ويولون نقابتها إلى أكبر آل علي، وهذا أيضًا ترتيب من التراتيب العباسية.

وقد استمرت هذه العمالات والوظائف الكبيرة بيد صدور عراقيين في عهد الوزير ابن العلقمي (؟–٦٥٦ﻫ) وكان عهده جد قصير، فلما هلك وأسندت الوزارة إلى علاء الدين الجوني الفارسي انقطعت هذه الوظيفة وأكثر الوظائف الكبيرة عن العراقيين وصارت للمغول أو لمن هم في حكمهم من صنائعهم ومماليكهم من الإيرانيين والتركمان الذين كانوا يعملون بإخلاص على توطيد الملك للمغول وشد أزره، وكان أكثرهم من القساة الغلاظ الجفاة الذين أذاقوا البلاد ويلات شدادًا وهدموا معالم الحضارة فيها، وأحلوا الأنظمة المغولية والطقوس الأعجمية محل الأنظمة العربية والطقوس والتقاليد والتراتيب العربية.

ولم يقتصر عمل الدولة المحتلة على محو التراث العربي القديم وتراتيبه الإدارية، بل حاولت إفقار الناس حينما فرضت عليهم أن يتعاملوا بعملة من المعادن الرخيصة بدل العملة الفضية والذهبية التي أخذت الحكومة المغولية تجمعها وتبدلها بالعملة الرخيصة الجديدة التي ضربتها، وقد كانت هذه الفعلة تتكرر كل خمس سنوات أو عشر، ففي سنة ٦٦٦ﻫ أيام السلطان أباقا أمر بضرب فلوس من المسِّ وهو أردأ النحاس ليتعامل بها الناس، وجعل كل أربعة وعشرين فلسًا بدرهم، ثم في سنة ٦٨٢ﻫ أُبطلت الفلوس النحاسية وضُربت عوضها فلوس جديدة من الفضة، وجعل كل اثني عشر فلسًا بدرهم وسموها دناكش، ثم أبطلت في سنة ٦٨٣ﻫ وأعيدت الفلوس المسُّ، وتعامل الناس بها كل ثلاثين فلسًا بدرهم، وتضرروا أضرارًا بالغة، وفي سنة ٦٨٤ﻫ أبطلت الفلوس المسُّ وتعطلت أمور العالم لذلك، وبطلت معايشها، وضربت دراهم غيرها وقرر سعرها ثمانية مثاقيل بدينار، واختلفت قيمة الدراهم الأولى، فكان منها كل عشرة مثاقيل بدينار، ومنها اثنا عشر مثقالًا بدينار، فذهب من الناس شيء كثير … ثم غلت الأسعار فبلغ الكرُّ من الحنطة مائة وعشرين دينارًا وكرُّ الشعير مائة دينار،١ وفي سنة ٦٩٨ﻫ حينما دخل غازان إلى العراق أمر بالإحسان إلى الرعية، وزاد في العدل والرأفة بهم، وأمر أن يصفى الذهب والفضة من الغش ويبالغ في ذلك، وتضرب الدراهم متساوية الوزن؛ ليتعامل بها الناس عددًا، ويكون وزن الدرهم نصف مثقال، وعملت دراهم وزن الدرهم ثلاثة مثاقيل، وضرب من الذهب أشياء مختلفة الوزن خمسة مثاقيل، وثلاثة مثاقيل، ومثقالان، ومثقال، ونصف مثقال، وربع مثقال، وأمر أن يُعمل ذلك في جميع الممالك، فعُمل وانتفع الناس به،٢ ولكن هذا العدل لم يدم طويلًا فقد أمر بتغيير التعامل بهذه العملة بعد فترة، واغتم الناس لذلك غمًّا كثيرًا، وزيفت العملة من جديد، وزاد في البلاء أن جماعة من اليهود وغيرهم قد أخذوا يزيفون العملة، وينشرونها في الأسواق، ففي سنة ٦٧٨ﻫ نُسب إلى جماعة من أهل بغداد ويهودها أنهم زيفوا العملة، فأخذ بعضهم وضرب فأقرَّ على جماعته، ومنهم حيدر بن الأيسر وكان من أعيان البلد المتصرفين، ومنهم ابن الأخضر الذي كان ينقش العملة، فأمر الصاحب عطاء ملك الجوني بقطع أيدي جماعة منهم ابن الأخضر، وقرَّر على ابن الأيسر مالًا مسمى فأداه، ومما زاد في الطنبور نغمة أن أمراء المغول وأذنابهم أظهروا في سنة ٦٩٣ﻫ عملة ورقية نقدية سموها الچاو، بالجيم الفارسية المثلثة، وهي نوع من الورق المستطيل الشكل وضعوا عليه نقش «تمغة» السلطان أي شعاره، وكتبوا عليها كلمتي الشهادة، وأمروا الناس أن يتعاملوا بها،٣ وقد ضاق الناس بهذه العملة ذرعًا، وحملت عدة أحمال منها من تبريز إلى العراق ليتعامل الناس بها، فامتنعوا أول الأمر، ثم ألح السلطان عليهم وكاد الأمر أن يؤدي إلى ثورة، فرجع السلطان عن ذلك مؤقتًا، ثم أكرههم على استعمالها في سنة ٦٩٧ﻫ، وأصابهم بذلك ضرر كبير حين كان يستبدل الورق بالذهب والفضة؛ فبطلت كثرة المعاملات وتعطلت الأمور، وكان الناس إذا أرادوا شراء أقواتهم دفعوها إلى الخبازين أو القصابين، ووضعوا تحتها العملة الفضية أو الذهبية فيأخذها الخباز أو القصاب وغيرهما، ويأخذ صاحب الحاجة حاجته خوفًا من أعوان السلطان.

وهكذا قاسى الناس ويلات من هذا الظالم، ولقيت البلاد شرورًا وآثامًا.

١  «العراق بين احتلالين» للعزاوي، ١: ٣٣٤.
٢  «العراق بين احتلالين» للعزاوي، ١: ٣٨٢-٣٨٣.
٣  راجع «تاريخ وصاف»، ٣: ٢٧٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢