الفصل التاسع

الخيمياء الحديثة: من عناصر ناقصة إلى عناصر تخليقية

يتألف الجدول الدوري من نحو ٩٠ عنصرًا موجودًا في الطبيعة، انتهاءً بالعنصر ٩٢، وهو اليورانيوم. وأقول نحو ٩٠ لأن هناك عنصرًا أو اثنين، مثل التكنيشيوم، تم إنتاجهما اصطناعيًّا في بادئ الأمر، ثم تَبيَّنَ فيما بعدُ وجودهما في الأرض بشكل طبيعي.

وقد نجح الكيميائيون والفيزيائيون في تخليق بعض العناصر التي كانت ناقصة ومفقودة فيما بين الهيدروجين (١) واليورانيوم (٩٢). وفضلًا عن هذا، قاموا بتخليق نحو ٢٥ عنصرًا آخَر جديدًا فيما يلي اليورانيوم، وإن كان قد تبيَّن فيما بعدُ مجدَّدًا وجود عنصر أو اثنين من تلك العناصر، مثل النبتونيوم والبلوتونيوم، في الطبيعة بكميات ضئيلة للغاية.

وفي وقت كتابتي لهذه السطور، يُعتبَر أثقل عنصر تقوم عليه أدلةٌ تجريبية جيدة هو العنصر ١١٨. كما كان قد تم بنجاح تخليقُ جميع العناصر الأخرى التي بين العنصرين ٩٢ و١١٨، وفيها العنصر ١١٧ الذي أُعلِن عنه في أبريل عام ٢٠١٠.

وقد تضمَّنت عمليةُ تخليق الكثير من العناصر البدءَ بنواة ذرة معينة، وقذفها بجسيمات صغيرة بهدف زيادة العدد الذري؛ ومن ثَمَّ تغيير هوية النواة المستخدَمة. وفي زمن أحدث من هذا تغيَّرت طريقةُ التخليق لتتضمَّن تصادُمَ أنوية ذراتٍ أوزانُها كبيرةٌ، ولكن أيضًا بهدف تكوين نواة أكبر وأثقل.

بصورةٍ جوهريةٍ ما، انحدرت جميع العمليات التخليقية الاصطناعية هذه من تجربة حاسمة مهمة أجراها رذرفورد وسودي عام ١٩١٩ بجامعة مانشستر. ما فعله رذرفورد وزملاؤه هو قذف أنوية ذرات النيتروجين بدقائق ألفا (أيونات الهيليوم)، ونتج عن ذلك أن نواة الهيدروجين تحوَّلَتْ إلى نواة عنصر آخَر. كما نتج عن هذا التفاعلِ نظيرٌ للأكسجين، وإن كان العالمان لم يدركا هذا في بادئ الأمر؛ وبهذا حقَّق رذرفورد أولَ عملية تحويل لعنصرٍ ما إلى عنصر مختلف تمامًا. تحوَّل حلم الخيميائيين القدماء إلى واقع، واستمرَّتْ هذه العملية العامة في إنتاج عناصر جديدة حتى وقتنا هذا.

إلا أن هذا التفاعل بالذات لم يُنتِج عنصرًا جديدًا تمامًا بمعنى الكلمة، وإنما مجرد نظير لعنصر موجود بالفعل؛ فقد استخدم رذرفورد دقائقَ ألفا الناتجة عن التحلُّل الإشعاعي لأنوية ذراتٍ غير مستقرة كاليورانيوم، وسرعان ما تبيَّن إمكانية إجراء عمليات مشابِهة لتحويل العناصر باستخدام ذرات مستهدفة غير النيتروجين، ولكنها لا تتعدَّى عنصرَ الكالسيوم الذي عدده الذري ٢٠. فإذا أراد العلماء تحويلًا لأنوية ذرات أثقل، فهذا يتطلَّب قذائف أكثر نشاطًا من دقائق ألفا التي يتم إنتاجها بصورة طبيعية.

وقد تغيَّر هذا الموقف في عقد الثلاثينيات من القرن العشرين، إثر ظهور السيكلوترون (المعجل الحلقي للدقائق الذرية)، الذي اخترعه إرنست لورنس بجامعة كاليفورنيا في مدينة بيركلي الأمريكية. فهذا الجهاز جعل من الممكن تسريع دقائق ألفا أكثر بمئات بل آلاف المرات من السرعة الحاصلة باستخدام دقائق ألفا المنتجة طبيعيًّا. وفضلًا عن هذا، اكتُشِف نوعٌ آخَر من الدقائق القاذفة هو النيوترون في عام ١٩٣٢، متمتعًا بميزة إضافية تتمثَّل في أن شحنته الكهربية صفر؛ أيْ إنه متعادِل الشحنة، بما يعني أن بإمكانه اختراق الذرة المستهدفة دون أن يعاني أي تنافر أو إعاقة من قِبَل البروتونات الموجبة الشحنة التي في داخل النواة.

العناصر الناقصة

في منتصف عقد الثلاثينيات من القرن العشرين بقيت أربع ثغرات وجب ملؤها في الجدول الدوري الذي كان موجودًا وقتئذٍ، وتتكون هذه الثغرات من عناصر أعدادها الذرية ٤٣ و٦١ و٨٥ و٨٧. ومما يستحق الذكر أن وجود ثلاثة من هذه العناصر كان قد تنبَّأ به مندليف بشكل واضح قبلها بسنوات كثيرة، وأعطاها أسماءً من عنده؛ هي: إيكا-منجنيز (٤٣)، وإيكا-يود (٨٥)، وإيكا-سيزيوم (٨٧). وقد اكتُشِفت ثلاثة من هذه العناصر الأربعة الناقصة نتيجةً لتخليقها اصطناعيًّا في القرن العشرين.

في عام ١٩٣٧ أُجرِيت تجارب لدى وحدة السيكلوترون في بيركلي بالولايات المتحدة، وفيها تم قذف هدف من عنصر الموليبدينوم بقذائف الديوتيريوم (وهي نظائر للهيدروجين كتلتُها ضعفا كتلة النظير الأكثر وفرةً). وقد أخذ أحد الباحثين — ويُدعَى إيميليو سيجري، وهو زميل ما بعد الدكتوراه وصقلي إيطالي — الألواحَ التي تم تعريض ما فيها للإشعاع معه عائدًا إلى وطنه الأصلي. وفي باليرمو، قام سيجري وبيرييه بتحليل الألواح واستطاعَا التأكُّد من تكون عنصر جديد عدده الذري ٤٣، سمَّياه بعدها التكنيشيوم.

كان هذا هو أول عنصر جديد تمامًا يتم الحصول عليه بعملية تحويل العناصر، وذلك بعد مرور ١٨ عامًا من تجربة رذرفورد الكلاسيكية التي أظهرتْ هذه الاحتمالية. وقد اكتُشِف بعد ذلك وجود آثار من هذا العنصر الجديد — التكنيشيوم — في الأرض بصورة طبيعية وبكميات ضئيلة للغاية.

كان العنصر ٨٥، أو ما سمَّاه مندليف إيكا-يود، هو ثاني العناصر الناقصة التي اكتُشِفت نتيجةً للتخليق الاصطناعي. ونظرًا لأن عدده الذري ٨٥، فكان من الممكن أن يتشكَّل إما من البولونيوم (٨٤) وإما من البزموت (٨٣). والبولونيوم عنصر غير مستقر ومُشِع بدرجة عالية؛ ومن ثَمَّ تَحوَّلَ الاهتمام إلى البزموت، الذي يُعَدُّ بالفعل آخِر عنصر مستقر، بينما تتحلَّل جميع العناصر التي تليه بفعل النشاط الإشعاعي. ونظرًا لأن العدد الذري للبزموت أقل مما للعنصر ٨٥ باثنين، فمن المرجح أن يكون العامل القاذف هو دقائق ألفا مجددًا. وفي عام ١٩٤٠ أجرى كورسون وَماكينزي وَسيجري — الذي كان حينئذٍ قد استقر نهائيًّا في الولايات المتحدة — تجربةً في بيركلي، مثل التي ذكرنا، وحصلوا على نظير العنصر ٨٥ وله عمر نصفي مقداره ٨٫٣ ساعات. لقد سمَّوْه الأستاتين؛ من الكلمة الإغريقية أستاتوس astatos ومعناها «غير مستقر». وكان ثالث العناصر الناقصة المطلوب تخليقها هو العنصر ٦١، وتم هذا أيضًا بسيكلوترون بيركلي، وفي هذه المرة كان الفريق البحثي يتكوَّن من مارينسكي وجلندينين وكوريل، وشمل التفاعُل إجراءَ قذفٍ لذرات النيوديميوم بذرات الديوتيريوم.

ولكي نكمل قصتنا هذه، أقول إن العنصر الرابع الناقص اكتشفتْه كيميائيةٌ فرنسية تُدعَى مارجريت بيري عام ١٩٣٩، وكانت قد بدأت بالعمل كمساعدة مختبر لدى مدام كوري، ولم تكن حتى حاصلة على شهادة جامعية في وقتِ اكتشافها هذا. وسمَّتِ العنصر الجديد الذي اكتشفتْه الفرنسيوم، نسبة لبلدها الأصلي. لم يتطلَّب هذا العنصر استخدامَ التخليق الاصطناعي، وإنما وُجِد أنه مجرد ناتج ثانوي لتحلُّل عنصر الأكتينيوم الطبيعي المُشِع. وكان نتاج ذلك أن رُقِّيت مارجريت إلى درجة أستاذة، وإلى منصب مديرة المعهد الرئيسي للكيمياء النووية في فرنسا.

عناصر ما بعد اليورانيوم

والآن لندرس تخليق العناصر التي بعد العناصر الأصلية (من ١ إلى ٩٢) في الجدول الدوري. ففي عام ١٩٣٤؛ أيْ بعد تخليق التكنيشيوم بثلاث سنوات، بدأ العالم الإيطالي إنريكو فيرمي، الذي كان يعمل في روما، بقذف عناصر مستهدفة بالنيوترونات، على أمل تخليق عناصر ما بعد اليورانيوم. وكان فيرمي يظن أنه نجح في إنتاج عنصرين منهم، فلم يلبث أن سمَّاهما الأوسونيوم (٩٣) والهسبيريوم (٩٤)، ولكنَّ ظنَّه هذا لم يكن في محله.

فبعد أن أعلن فيرمي عن نتائجه في خطبة تسلُّمه جائزة نوبل في نفس العام، سرعان ما تراجَعَ عن زعمه حين اضطر إلى إعداد نسخة مكتوبة من حديثه هذا. وقد ظهر التعليل لخطأ دعواه بعدها بعام، وتحديدًا في عام ١٩٣٨ حين اكتشف ثلاثة علماء ألمان، هم أوتو هان وَفريتز شتراسمان وَليز مايتنر، الانشطارَ النووي؛ فصار واضحًا أنه عند استخدام النيوترون في صدم نواة ذرة اليورانيوم، على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي هذا إلى تحطيم النواة لتكوين نواتين متوسطتَي الحجم بدلًا من تكوين نواة أكبر حجمًا؛ فعلى سبيل المثال: يمكن أن يتكوَّن من اليورانيوم عنصرَا السيزيوم والروبيديوم بالتفاعل الانشطاري التالي:

كان فيرمي ومساعدوه يرصدون نواتج الانشطار النووي تلك، بدلًا من محاولة تكوين أنوية ذرات أثقل كما كانوا يظنون في البداية.

عناصر ما بعد اليورانيوم الحقيقية

لقد تم التعرُّف الفعلي على العنصر ٩٣ في نهاية الأمر عام ١٩٣٩، على يد إدوين ماكميلان ومساعديه في بيركلي. وأُعطِي اسم النبتونيوم؛ لأنه يعقب اليورانيوم في الجدول الدوري كما يعقب كوكبُ نبتون كوكبَ أورانوس من حيث البُعْد عن الشمس. وقد اكتشف أحد الكيميائيين في ذلك الفريق البحثي، ويُدعَى فيليب أبلسون أن العنصر ٩٣ لا يسلك سلوكًا يجعله إيكا-رينيوم، كما كان متوقَّعًا من موضعه المفترض في الجدول الدوري؛ وعلى أساس هذا الأمر ونتائج مشابهة عن العنصر ٩٤، وهو البلوتونيوم، تقدَّم جلين سيبورج بتعديل رئيسي للجدول الدوري (انظر الفصل الأول). ونتيجة لهذا لم يَعُدْ عنصر الأكتينيوم (٨٩) وما بعده بالتتابُع، من الفلزات الانتقالية، ولكن أصبح يُنظَر إليها كعناصر مناظِرة لمجموعة اللانثانيدات. نتيجةً لهذا لم تَعُدْ ثمة حاجة لأن يسلك عنصران مثل ٩٣ و٩٤ سلوكًا يجعلهما إيكا-رينيوم وإيكا-أوزميوم، بعد أن «هاجرا» إلى موضعين مختلفين في الجدول الدوري المعدل.

وقد تم تخليق العناصر الأربعة من ٩٤ إلى ٩٧، وهي تحديدًا البلوتونيوم والأمريسيوم والكوريوم والبركيليوم، في السنوات الباقية من عقد الأربعينيات من القرن العشرين. وأما العنصر ٩٨، وهو الكاليفورنيوم، فقد ظهر على الساحة في عام ١٩٥٠. ولكن هذا التتابع من العناصر بَدَا وكأنه أوشك أن ينتهي؛ إذ كلما زاد ثقل نواة الذرة، زاد عدم استقرارها بصفة عامة. وصارت المشكلة تنحصر في الحاجة إلى تجميع ما يكفي من المادة المستهدفة، على أمل ضربها بالنيوترونات لتحويل عنصر تلك المادة إلى عنصر أثقل. وهنا تدخَّلَتِ المصادفة؛ ففي عام ١٩٥٢ أُجرِيت تجربةٌ لانفجار نووي حراري (واسمها الرمزي «مايك») بالقرب من جزر مارشال في المحيط الهادي، وكان من نتائجها أن تكوَّنَتْ «سيول» جارفة من النيوترونات؛ مما مكَّن من إحداث تفاعلات ما كان يمكن أن تحدث في تلك الآونة لولاها؛ فعلى سبيل المثال: يمكن قذف نظير اليورانيوم U-238 ﺑ ١٥ نيوترونًا لتكوين نظير آخَر لليورانيوم هو U-253، وهذا بدوره يحدث له فقدان لسبع دقائق بيتا؛ مما ينتج عنه تكوُّن عنصر آخَر هو العنصر ٩٩، المعروف باسم أينشتاينيوم:

كذلك العنصر ١٠٠، المسمَّى فيرميوم، تكوَّن بطريقة مماثلة كنتيجة لدفقٍ غزيرٍ من النيوترونات الناتجة عن نفس الانفجار النووي، وتم اكتشافه بتحليل التربة من جزرٍ بالمحيط الهادي قريبة من موقع الانفجار.

العناصر من ١٠١ إلى ١٠٦

احتاج التقدُّم على طول تتابُع أنوية الذرات الأثقل إلى أسلوب مختلف تمامًا؛ نظرًا لأن التحلل الإشعاعي المنتج لدقائق بيتا لا يحدث للعناصر التي تتجاوز أعدادُها الذرية ١٠٠. واحتاج الأمر إلى الكثير من المبتكرات التكنولوجية، بما فيها استخدام المعجلات الخطية بدلًا من السيكلوترونات؛ فالمعجلات الخطية تمكِّن الباحثين من تسريع حُزَم عالية الشدة من الأيونات بطاقات محدَّدة جيدًا، وفي هذه الحالة يمكن أن تكون قذائف الجسيمات أثقل من النيوترونات ومن دقائق ألفا. وإبان الحرب الباردة لم تكن تمتلك هذه الإمكانات سوى القوتين العُظميَين، وهما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي.

في عام ١٩٥٥ أُنتِج العنصر ١٠١، وهو المندليفيوم بهذه الكيفية، باستخدام المعجل الخطي في بيركلي كما يلي:
وزادت التجميعات الممكنة لأنوية الذرات وتنوَّعت؛ فعلى سبيل المثال: أُنتِج العنصر ١٠٤، وهو الرذرفورديوم في بيركلي بالتفاعُل التالي:
وفي مدينة دوبنا في روسيا تم تخليق نظير مختلف لنفس العنصر بالتفاعُل التالي:

وهكذا، بصفة إجمالية، تم تخليق ستة عناصر من ١٠١ إلى ١٠٦ بهذه الطريقة. وقد نشبت نزاعاتٌ ساحقة وشدٌّ وجذبٌ بشأن مزاعم أسبقية تخليق معظم هذه العناصر، وحدث هذا إلى حدٍّ ما نتيجةً لضغوط الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. واستمرت هذه النزاعات لعدة سنوات. ولكن حين تمَّ الوصول إلى العنصر ١٠٦، برزت مشكلة جديدة استلزمت اللجوء إلى وسيلة جديدة. وفي ذلك الحين دخل علماء ألمان إلى الحلبة بتأسيسهم لمعهد «بحوث الأيونات الثقيلة» ومقره مدينة دارمشتات، وقد أطلقوا على هذه التكنولوجيا الجديدة اسم «الاندماج البارد»، ولكن لا علاقةَ له بذلك النوع من الاندماج البارد الذي يتم في أنابيب الاختبار، والذي أعلن عنه الكيميائيان مارتن فليشمان وستانلي بونز في عام ١٩٨٩.

فالاندماج البارد الذي نحن بصدده في مجال عناصر ما بعد اليورانيوم هو تقنيةٌ تُستخدَم لجعل أنوية الذرات تتصادم فيما بينها بسرعات أبطأ ممَّا كان يجري سابقًا؛ ونتيجةً لهذا يتولَّد قدرٌ أقل من الطاقة؛ ومن ثَمَّ يقل احتمال أن تتفكَّك النواة الكبيرة بعد تكوينها وتجميعها. وقد ابتكر هذه التقنية في الأصل العالِمُ الفيزيائي السوفيتي يوري أوجانيسيان، ولكن تم تطويرها لاحقًا في ألمانيا إلى مستوًى أكثر اكتمالًا.

العنصر ١٠٧ وما بعده

في بدايات الثمانينيات من القرن العشرين تم بنجاح تخليق العناصر ١٠٧ (البوريوم)، و١٠٨ (الهاسيوم)، و١٠٩ (المايتنريوم)؛ في ألمانيا باستخدام طريقة الاندماج البارد. ولكن ظهرت بعدها عقبةٌ أخرى في الطريق؛ إذ حلَّتْ فترةٌ من التقلُّبات السياسية حدث من خلالها سقوط حائط برلين في ألمانيا وتفكُّك الاتحاد السوفيتي. ولكن بعدها تم تجريب الكثير من الأفكار والتقنيات الجديدة، أثناء فترة التعاون بين الولايات المتحدة وألمانيا وروسيا التي حلت محل الاتحاد السوفيتي. وفي عام ١٩٩٤، بعد عشر سنوات من الركود، أعلن المختبر الألماني في دارمشتات عن تخليق العنصر ١١٠ المتكون من تصادم أيونات الرصاص والنيكل كالآتي:

وقيس العمر النصفي للنظير الناتج فكان ١٧٠ ميكرو ثانية فحسب، وأطلق الألمان على عنصرهم الجديد اسم الدارمشتاتيوم. ولا عجب هنا، فقد كان هذا على غرار تسمية عنصرَي البركيليوم والدوبنيوم من قِبَل الفريقَيْن الأمريكي والروسي على الترتيب. وبعد ذلك بشهر حصل الألمان على العنصر ١١١، الذي صار يُعرَف بعدها باسم الرونتجينيوم؛ نسبةً إلى رونتجين مكتشِف الأشعة السينية. ثم شهد فبراير عام ١٩٩٦ تخليقَ العنصر التالي في ذلك التتابُع، وهو العنصر رقم ١١٢، الذي سُمِّي رسميًّا في عام ٢٠١٠ باسم الكوبرنيكيوم، ولا يزال يُعَدُّ أثقل عنصر مُسمَّى رسميًّا حتى وقت كتابة هذه السطور.

العناصر من ١١٣ إلى ١١٨

منذ عام ١٩٩٧، نُشِرت مطالبات عدة بتخليق العناصر من ١١٣ وصولًا إلى ١١٨، وآخِر ما تم تخليقه فعليًّا منها كان العنصر ١١٧، وذلك في عام ٢٠١٠. وهذا الموقف يمكن تفهُّمه جيدًا إذا عرفنا أن أنوية الذرات، التي عدد بروتوناتها فردي، دائمًا ما تكون غير مستقرة بدرجةٍ تَفُوق تلك التي عدد بروتوناتها زوجي. وهذا الاختلاف في الاستقرار يحدث لأن البروتونات، مثل الإلكترونات، تقوم بحركة نصف دائرية، وتدخل في مداراتٍ للطاقة اثنين اثنين في حركات دورانية عكسية. ويترتب على هذا أن البروتونات التي أعدادها زوجية، كثيرًا ما يكون إجمالي حركاتها الدورانية صفرًا؛ ومن ثَمَّ تكون أنويتها أكثرَ استقرارًا من أنوية الذرات التي أعداد بروتوناتها فردية، والتي تكون محصلة حركاتها الدورانية فوق الصفر كما هو الحال في العنصرين ١١٥ و١١٧.

وقد كان تخليق العنصر ١١٤ أمرًا متوقَّعًا بدرجة كبيرة؛ إذ كان العلماء قد تنبَّئُوا لفترةٍ ما أنه سيمثِّل ما سمَّوْه «جزيرة الاستقرار»؛ بمعنى أن يكون جزءًا من قائمة من أنوية الذرات التي تتميَّز بدرجة استقرار عالية. وكان أول مَن افترض وجود العنصر ١١٤ هو مختبر دوبنا الروسي في أواخر عام ١٩٩٨، ولكن لم يتم إنتاجه فعليًّا إلا بتجارب أُجرِيت فيما بعدُ، في عام ١٩٩٩، شملت صدْمَ هدفٍ من البلوتونيوم بأيونات الكالسيوم-٤٨. وقد تمكَّنَ مختبرَا بيركلي ودارمشتات مؤخرًا من إثبات هذا الاكتشاف. وفي وقت كتابتي لهذه السطور أُعلِن عن ٨٠ عملية تحلُّل إشعاعي نتج عنها العنصر ١١٤، ومنها ٣٠ حدثت من تحلُّل أنوية ذرات أثقل، مثل ١١٦ و١١٨. كما عُرِف أن أطول نظائر العنصر ١١٤ عمرًا، كتلتُه الذرية ٢٨٩، وعمره النصفي نحو ٢.٦ ثانية، بما يتفق مع التنبؤات التي قالت إن هذا العنصر يُظهِر استقرارًا كبيرًا.

وفي ٣٠ ديسمبر عام ١٩٩٨ نشر مختبر دوبنا، متضامِنًا مع مختبر ليفرمور، بحثًا مشتركًا، يفترض أن العنصر ١١٨ تَكوَّن نتيجةً للتفاعُل التالي:

وبعد عدة محاولات فاشلة لإعادة الحصول على هذه النتيجة في اليابان وفرنسا وألمانيا، سُحِب هذا الافتراض رسميًّا في يوليو ٢٠٠١، وتبع ذلك الكثير من الجدل، ونتج عنه فصل أحد كبار أعضاء الفريق البحثي، الذي نشر الزعم الأصلي.

وبعد هذا ببضعة أعوام، أعلن مختبر دوبنا عن افتراضات جديدة، وأتبعها مختبر لورنس-ليفرمور في كاليفورنيا في عام ٢٠٠٦ بافتراضات إضافية. وبصفة إجمالية أصدر العلماء الأمريكيون والروس افتراضًا أقوى بأنهم اكتشفوا أربع عمليات تحلُّل أخرى تُنتِج العنصر ١١٨ من خلال التفاعل الآتي:

والباحثون على درجة عالية من الثقة بأن النتائج مُرْضِية؛ حيث إن احتمال أن تكون هذه الكشوف مجرد أحداث عشوائية قُدِّر بأنه أقل من واحد من ١٠٠ ألف، ومن نافلة القول أنه لم تُجرَ أي تجارب كيميائية حتى الآن على هذا العنصر؛ نظرًا لقلة الذرات الناتجة والقِصَر الشديد في أعمارها النصفية بما يقلُّ عن ملِّي ثانية واحدة.

وفي عام ٢٠١٠ تمَّ تخليق وتحديد عنصر أشد في عدم استقراره، وهو رقم ١١٧، وذلك على يد فريق كبير من الباحثين العاملين بمختبر دوبنا الروسي، فضلًا عن عدد من المختبرات في الولايات المتحدة. وقد وصل الجدول الدوري إلى نقطة تثير الاهتمام؛ وهي أن جميع العناصر اﻟ ١١٨ إما أنها توجد في الطبيعة وإما أنها تم تخليقها اصطناعيًّا في تجارب خاصة. هذا يتضمَّن ٢٦ عنصرًا مهمًّا مما بعد عنصر اليورانيوم الذي اعتُبِر في السابق آخِر العناصر الموجودة بصفة طبيعية. وفي وقت كتابتي لهذه السطور تُوضَع خططٌ في محاولةٍ لتخليق عناصر أثقل من هذا مثل ١١٩ و١٢٠. ولا يوجد ما يفرض علينا الاعتقاد بوجود نهاية فورية لتتابُع العناصر التي يمكن تكوينها.

كيميائية العناصر التخليقية

يثير وجود العناصر فوق الثقيلة تساؤلًا جديدًا مهمًّا وتحدِّيًا أيضًا للجدول الدوري، كما يتيح نقطةَ تلاقٍ جديدة جذَّابة لوضع التنبُّؤات النظرية في مقابل النتائج التجريبية؛ فالحسابات النظرية تفترض أن تأثيرات صفة «النسبية» (أي المتعلِّقة بالنظرية النسبية) تزداد أهميتُها باطراد كلما زادت الشحنة النووية للذرات؛ فعلى سبيل المثال: اللون المميز للذهب مع تواضُع عدده الذري إلى حدٍّ ما، وهو ٧٩، يُفسَّر الآن بالاحتكام إلى النظرية النسبية لأينشتاين. فكلما زادت الشحنة النووية، زادت سرعة حركات إلكترونات الغلاف الداخلي للذرة، ونتيجةً لاكتساب تلك الإلكترونات الداخلية سرعاتٍ مرتفعةً «نسبيًّا»، فإنها تُسحَب للداخل مقترِبةً أكثر من النواة، ويكون هذا بدوره السببَ في زيادة حجب الإلكترونات الخارجية التي تحدِّد الخواص الكيميائية لأي عنصر معين. وقد تنبَّأ بعض العلماء بأن بعض ذرات العناصر ستسلك كيميائيًّا بطريقة غير متوقَّعة لا تناسب مواضعها المفترضة في الجدول الدوري.

ومن ثَمَّ تمثِّل التأثيراتُ المعزوَّة للنظرية النسبية آخِرَ التحديات لاختبار عمومية الجدول الدوري وشموليته. وقد نشر باحثون مختلفون تلك التنبؤات النظرية على مدى سنوات كثيرة، ولكن لم يصل الموقف إلى ذروته إلا بعد إجراء الفحص الكيميائي للعنصرين ١٠٤ و١٠٥، وهما الرذرفوريوم والدوبنيوم؛ فقد تَبيَّنَ أن السلوك الكيميائي لهذين العنصرين مختلفٌ إلى حدٍّ ما في الحقيقة عمَّا يتوقَّعه المرء بالبديهة من خلال موضعَيْهما في الجدول الدوري؛ حيث إن عنصرَي الرذرفورديوم والدوبنيوم لم يسلكَا على ما يبدو سلوكَ الهافنيوم والتانتالوم، على الترتيب، كما كان يجب أن يكون.

fig29
شكل ٩-١: جزء مُقتطَع من الجدول الدوري، يُظهِر المجموعات من ٣ إلى ١٢ بما فيها من العناصر.
فعلى سبيل المثال: في عام ١٩٩٠، أعلن العالم كيه آر تشيرفينسكي أن السلوك الكيميائي للعنصر ١٠٤، وهو الرذرفورديوم، يختلف عمَّا يخص كلًّا من الزيركونيوم والهافنيوم، وهما العنصران الواقعان فوقه في الجدول الدوري. كما أشار تشيرفينسكي في نفس الوقت إلى أن كيميائية الرذرفوريوم تشبه كيميائيةَ عنصرِ البلوتونيوم الذي يقع بعيدًا جدًّا عنه في ذلك الجدول. وأما عن الدوبنيوم، فقد أظهرتِ الدراساتُ الأولية أنه هو أيضًا لا يسلك سلوكَ العنصر الواقع فوقه، وهو التانتالوم (شكل ٩-١)؛ ولكن خلافًا لهذا، لُوحِظتْ أوجه شبه أكبر بينه وبين عنصر البروتاكتينيوم (الذي يقع في مجموعة الأكتينيدات). وفي تجارب أخرى، كان عنصرَا الرذرفورديوم والدوبنيوم، على ما يبدو، يسلكان سلوكًا أشبه بسلوك عنصرين يقعان فوق عنصرَي الهافنيوم والتانتالوم، وهما تحديدًا الزيركونيوم والنيوبيوم.

هذا، ولم يتمكَّن الجدول الدوري من استعادةِ ما يجب أن يتمتَّع به من استتباب السلوك الدوري المتوقَّع والمفترض إلا بعد أن فُحِصت كيميائية العنصرَيْن التاليَيْن، وهما السيبورجيوم (١٠٦) والبوريوم (١٠٧). ونُشِرت مقالات علمية بعدها لتعلن عن هذه الاكتشافات بعناوين تتحدَّث عن نفسها، وكان منها ما معناه «السيبورجيوم العادي بشكل غير عادي» و«البوريوم الممل»، ويشير هذان العنوانان إلى استعادة الوضع المستقر العادي للجدول الدوري. وعلى الرغم من أنه كان من الأجدر حتى التحدُّث أكثر عن تأثيرات النظرية النسبية فيما يتعلَّق بهذين العنصرين، فإن السلوك الكيميائي المتوقَّع يبدو أنه أكثر أهميةً من ذلك.

ويمكن تبيُّن حقيقة أن البوريوم يسلك كعضوٍ أصيل في المجموعة ٧ من البرهان التالي الذي طرحتُه. هذا الأسلوب يمثِّل أيضًا نوعًا من «الدائرة المكتملة»؛ إذ إنه يشمل ثلاثيةً من العناصر. وقد يتذكَّر القارئ من الفصل الثالث أن اكتشاف الثلاثيات كان أول تلميح على الإطلاق لوجود انتظام عددي فيما يتعلَّق بخواص العناصر ضمن مجموعة عامة. وفيما يلي أعرِضُ قِيَمَ حرارة التسامي التي تخص المركبات المتناظرة لعناصر التكنيشيوم والرينيوم والبوريوم المتكونة مع الأكسجين والكلور (أيْ قياسات الطاقة اللازمة لتحويل مادةٍ صلبةٍ مباشرة إلى غازٍ).

جدول ٩-١: قياسات طاقة التسامي الخاصة بثلاثة عناصر في المجموعة ٧، وتُظهِر أن العنصر ١٠٧ هو عضو أصيل في هذه المجموعة.
TcO3Cl = ٤٩ كيلوجول/مول
ReO3Cl = ٦٦ كيلوجول/مول
BhO3Cl = ٨٩ كيلوجول/مول
وجديرٌ بالذكر أن التنبُّؤ بالقيمة الخاصة بمركب Bho3Cl باستخدام طريقة الثلاثيات يعطي مقدار ٨٣ كيلوجول/مول، بنسبة خطأ تُقدَّر ﺑ ٦٫٧٪ فقط مقارَنةً بالقيمة التجريبية المذكورة أعلاه، وقدرها ٨٩ كيلوجول/مول، وهذه الحقيقة تمنح دعمًا إضافيًّا لفكرة أن البوريوم يعمل كعنصر أصيل في المجموعة ٧.
fig300
شكل ٩-٢: المجموعة ٧.

ويصير التحدي الذي يجابه القانون الدوري من قبل تأثيرات النظرية النسبية أكثرَ شدةً في حالة العنصر رقم ١١٢، وهو الكوبرنيكيوم، الذي يُعتبَر أحدث عنصر أُجرِيت عليه تجاربُ كيميائية. فمجددًا، أشارتْ حسابات النسبية إلى وجود سلوك كيميائي معدل لهذا العنصر، لدرجة أنه كان من المعتقَد أنه يسلك سلوكًا أشبه بأحد الغازات النبيلة، وليس سلوكًا أشبه بالزئبق الذي يقع هو تحته في الجدول الدوري. ثم أظهرتِ التجارب التي أُجرِيت — فيما يتعلَّق بقِيَم حرارة التسامي التي تخص العنصر ١١٢ — أن هذا العنصر، خلافًا للتوقُّعات السابقة، ينتمي بالفعل إلى المجموعة ١٢ مع الزنك والكادميوم والزئبق.

قدَّمَ العنصر ١١٤ قصةً مشابهة بحسابات وتجارب سابقة أوحَتْ بأنه يسلك سلوكًا أشبه بغاز نبيل، إلا أن التجارب الأكثر حداثةً دعَّمَتْ فكرة أن هذا العنصر يسلك سلوكًا أشبه بفلز الرصاص كما يُتوقَّع من موضعه في المجموعة ١٤. ويُستنتَج في النهاية أن صفة الدورية الكيميائية هي ظاهرة راسخة بدرجة كبيرة، وحتى تأثيراتُ النسبية القوية الناتجة عن التحركات السريعة للإلكترونات، لا يبدو أنها قادرةٌ على أن تطيح باكتشاف علمي بسيط حدث منذ نحو ١٥٠ عامًا مضت.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١