طريقة الرَّمز عند ابن عَرَبي في ديوان «ترجُمَان الأشواق»

١

الأصل في الرمز هو أن يجيء لاحقًا لما يرمُز له، إذ تَعْرِض لنا حالةٌ أو فكرةٌ، نريد تمييزها مما قد يختلط بها، من أشباهها أو أضدادها، فنبحث لها عن رمزٍ يُميزها، والأغلب أن تكون الحالة المرموز لها مُجردة، وأن يكون الرمز المُميز لها شيئًا محسوسًا يُجسد خصائصها ومعناها، ومن ثم كثُر استخدام الرمز في الدين والتصوُّف والشعر والفن، وهي مجالات تختلج فيها بالنفس أفكار ومشاعر يتعذَّر تعريفها بالحد العِلمي الرياضي الحاسم، فيلجأ صاحبها — إذا أراد التعبير عنها — إلى تصويرها في مُجسَّداتٍ مما تألَفُه العين والأذن وغيرهما من الحواس، وبمقدار ما تكون الموازاة كاملة بين الحالة الباطنية التي نريد إخراجها، وبين الشيء المُحسِّ الذي وقع عليه اختيارنا لنرمُز به إلى تلك الحالة، تكون العملية الرمزية قد حقَّقت غايتها. وإذن فنقطة البدء الطبيعية في عملية الرمز هي اختلاجة النفس بحالةٍ يُراد التعبير عنها، ثم يتَّجه طريق السَّير من باطنٍ إلى ظاهر، من حالةٍ وجدانيةٍ داخلية، إلى شيءٍ مُحَسٍّ في دنيا الأشياء الخارجية.

لكن هذا الترتيب الطبيعي — فيما نرى — قد انعكس أحيانًا عند ابن عربي في ديوانه «ترجمان الأشواق»؛١ لأنه بمثابة مَن وجد نفسه أمام طائفةٍ من الرموز المُجسَّدة، وأراد أن يلتمِس لها من الحياة الشعورية الداخلية ما يصلح أن يكون مرموزاتٍ لها؛ فالموقف هنا شبيهٌ بما يحدث بين الشاعر من جهة، والناقد من جهةٍ أخرى؛ ذلك أن الشاعر بعد أن ينبض قلبه بخلجات وجدانه، وبعد أن يسكب هذه الخلجات في صورٍ مُحسَّةٍ مجسَّدة، يعرضها على سامعيه أو قارئيه، يجيء الناقد — أو مجموعة النقاد — فيبدأ السير من هذه الصور الخارجية التي يُصادفها في شعر الشاعر، مُلتمسًا طريقه إلى ما عساها أن تكون الحالات الوجدانية الداخلية التي كانت قد اختلجت في قلب الشاعر حين نظَم ما نظَم. فاتجاه السير عند الناقد مُضاد لاتجاه السَّير عند الشاعر؛ فهذا ينتقِل من باطنٍ إلى ظاهر، وذاك ينتقِل من ظاهرٍ إلى باطن. وكثيرًا ما يقع الناقد على أكثر من تأويل واحد للرمز الذي يحاول تأويله، فيظل يتساءل: تُرى هل أراد الشاعر بهذا الرمز كذا أو كذا من حالاته؟ وما أكثر ما يختلف النقَّاد في تفسير الصورة الشعرية الواحدة، فهذا يُرجعها إلى معنًى، وذلك يُرجعها إلى معنًى آخر؛ لأن المعنى كامن في بطن الشاعر — كما يقولون — ومحاولة الوصول إليه اجتهاد قد يُصيب، وقد يخطئ.

وابن عربي في ديوانه «ترجمان الأشواق» كان شاعرًا، ثم كان ناقدًا، نظَم قصائده، ثم حدث له من الظروف ما حملَه على تفسيرها، أعني على أن يرجع بما هو وارد فيها من رموزٍ وصور، إلى الأصل الباطني الذي كان باعثًا على خلق تلك الرموز والصور. ولو وقف ابن عربي في الحالتَين: حالة كونه شاعرًا شَعَر فنظم، وحالة كونه ناقدًا مُفسرًا يَرُدُّ النظم ورموزه إلى مَنبعه الشعوري الخبيء، أقول إن ابن عربي لو وقف في هاتين الحالتين موقفًا واحدًا، لجاء سَيره من الداخل إلى الخارج مُتطابقًا مع سَيره من الخارج إلى الداخل، وإن اختلف اتجاه السَّير في الحالتَين، فإذا كانت حالة التنزُّلات الروحانية قد تجسَّدت في صورة السحاب المُمطر، فما عليه عندما يريد الشرح إلَّا أن يعود بنا من رمز السحاب المُمطر الوارد في القصيدة إلى الحالة الداخلية التي كانت مَبعث ذلك الرمز، والتي هي حالة التنزُّلات الروحانية.

لكننا نُرجِّح أن ابن عربي — في بعض قصائده — لم يقِف في الحالتين موقفًا واحدًا، ففي الحالة الأولى — حالة كونه شاعرًا — صدر في شعره عن حبٍّ حقيقيٍّ لفتاةٍ حقيقية، اسمها «النظام»، وهي ابنة شيخه في مكة، مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجا الأصفهاني، وفي الحالة الثانية — حالة كونه شارحًا لشعره — صدر في الشرح والتأويل عن رغبته في أن تكون الرموز الواردة في ذلك الشعر صالحةً للتفسير الصوفي، مما اقتضاه في عملية الشرح إعمال العقل وذكائه، وإظهار القدرة على تخريج مَعانٍ من رموزٍ لم تكن في الأصل مقصودة لها، فوجدناه مُوفقًا في مواضع، مُتعسِّفًا في مواضع أُخرى، كما وجدنا الفرق هائلًا بين سلاسة الشعر ودفء العاطفة فيه، وبين الْتواء العبارة النثرية التي جاءت تشرحه، التواءً يُوحي بالجهد المبذول نحو صرف المعنى إلى أصلٍ غير أصله. وإننا أمام هذا الفرق البعيد بين وضوح الشعر وغموض النثر، لنكاد نرتابُ في أن يكون الشارح هو نفسه الشاعر، كما قد ورد في مُقدمة الديوان التي كتبها الشاعر نفسه.

ولو كان ابن عربي قد وقف موقفًا واحدًا في شعره، وفي تحليله لذلك الشعر، أو لو كان الشاعر هو نفسه الناقد، لَما رأينا تأويله لبعض رموز شعره يتَّخذ صورة «إما … أو …» أي لَمَا رأيناه بالنسبة للرمز الواحد يقول إن هذا الرمز إما يُشير إلى كذا أو إلى كيت؛ لأن هذا التردُّد لا يكون — في الأغلب — إلا إذا كان صاحب التحليل والتأويل لا يعلم على وجه اليقين ما كان في بطن الشاعر وهو ينظُم، كأن يقول عن «الركائب» إنها إما الإبل وإما السحاب، وعن الغزال إنه إما يُشير إلى الغزل مع الحبيب، أو إلى حالة التجريد التي تتناسَب مع شرود الغزال في الأرض الفلاة.

ومهما يكن من أمر القصائد وشروحها، فها هي ذي قصتها كما يرويها لنا ابن عربي في المُقدمة؛ يقول إنه لمَّا نزل مكة — وكان له من العمر عندئذٍ نحو ثمانية وثلاثين عامًا — التقى بجماعةٍ من الفضلاء، كان من بينهم «الشيخ العالم الإمام بمقام إبراهيم عليه السلام، نزيل مكة البلد الأمين، مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجا الأصفهاني»، وكان لهذا الشيخ «بنت عذراء … تُسمَّى بالنظام وتلقَّب بعين الشمس والبها … ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبَت أتعبَت، وإن أوجزَت أعجزَت، وإن أفصحَت أوضحَت … ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض، السيئة الأغراض، لأخذتُ في شرح ما أَودع الله تعالى في خَلْقها من الحُسن، وفي خُلُقها الذي هو روضة المزن … فقلدناها من نظمنا في هذا الكتاب أحسن القلائد بلسان النسيب الرائق، وعبارات الغزل اللائق. ولم أبلغ في ذلك بعض ما تجده النفس، ويُثيره الأنس، من كريم ودِّها … فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها أُكنِّي، وكل دارٍ أندبها فدارَها أعني، ولم أزل فيما نظمتُه في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية، والتنزُّلات الروحية، والمناسبات العلوية، جريًا على طريقتنا المُثلى.»

غير أن بعض الفقهاء بمدينة حلب أنكر على أشعار هذا الديوان أن تكون من الأسرار الإلهية، وأن الشيخ إنما يُريد به غزلًا حقيقيًّا بفتاةٍ حقيقية، وإن يكن يُخفي ذلك لكونه منسوبًا إلى الصلاح والدين، فما إن جاء هذا النبأ إلى ابن عربي، حتى شرع في شرح ديوانه على مَسمعٍ من جماعةٍ من الفقهاء، شرحًا يوضح كيف يُصاغ القول بعبارات الغزل والتشبيب، حين يكون المقصود هو الأسرار الإلهية، فلمَّا سمع الشرح ذلك المُنكر، تاب إلى الله.

والحق أن ما يذكره ابن عربي عن هذا الديوان بصفةٍ خاصة، حين يقول: «وشرحتُ ما نظمته بمكة المُشرَّفة من الأبيات الغزلية … أُشير بها إلى معارف ربانية، وأنوار إلهية، وأسرار روحانية، وعلوم عقلية، وتنبيهاتٍ شرعية، وجعلت العبارة عن ذلك بلسان الغزل والتشبيب لتعشق النفوس بهذه العبارات، فتتوفَّر الدواعي على الإصغاء إليها.» حين يقول ابن عربي هذا القول عن هذا الديوان بخاصة، فهو إنما يُساير نظرته العامة، التي تجعل من الأشياء والصور «مسارح تتجلَّى فيها صفات الحق وأسماؤه، بل هي عين تلك الصفات والأسماء، فكل صفةٍ وجوديةٍ نُدركها في الأشياء، إنما هي مَجلًى خاص من مَجالي صفةٍ إلهيةٍ مُطلقة، أو اسمٍ إلهيٍّ مُطلق.»٢

ولم نكن لنتشكَّك في صدق هذا الزعم بالنسبة إلى ديوان «ترجُمان الأشواق» لولا أننا وجدنا قصائد كثيرة من قصائده تكون أكثر انسياقًا مع المعنى الغزلي المباشر، وأن أمثال هذه القصائد، حين تُؤوَّل على التفسير الصوفي، يقتضي شيئًا من الاعتِساف الذي يشدُّ المعنى شدًّا يُخرجه عن طريقه السويِّ السليم. على أنه من الحق كذلك أن ثمة قصائدَ أخرى نراها أكثر انسياقًا مع التأويل الصوفي منها مع الغزل المباشر، كما أنَّ هنالك فئة ثالثة من القصائد يكاد يتوازَن فيها الاتجاهان موازنةً عادلة، فهي مُتسقة مع الغزل المباشر اتساقها مع التأويلات الصوفية على حدٍّ سواء، وسنسوق — في موضعٍ تالٍ من هذا المقال — أمثلة توضح هذه الحالات الثلاث.

٢

وفي مقدمة الديوان، وكذلك في مواضع أخرى من الشرح — وقد أطلق على شرح الديوان اسم «ذخائر الأعلاق في شرح ترجُمان الأشواق» — إشارات تدلُّ دلالةً واضحة على منهج الرمز عند ابن عربي؛ ففي قصيدةٍ قوامها ستة عشر بيتًا، يورِدها في المُقدمة، يضع قاعدته الأولى، ويسوق لها الأمثلة، وهي أنه إذا ما ذَكَر في حديثه طللًا، أو سحابًا، أو زهرًا، أو بروقًا، أو رعودًا، أو غير ذلك من صور الكائنات، فينبغي للقارئ أن يصرِف الخاطر عن ظاهرها، وأن يطلُب الباطن المُختفي وراء ذلك الظاهر، ليعلم المعنى المقصود، لا بل إن الضمائر والحروف ينبغي كذلك أن تؤوَّل عند الفهم تأويلًا يستخرِج منها السرَّ الصوفي الكامن فيها:

كل ما أذكُرُه من طللٍ
أو ربوعٍ أو مَغانٍ كل ما
وكذا إنْ قلتُ ها أو قلتُ يا
وألا، إنْ جاء فيه، أو أمَا
وكذا إنْ قلتُ هيْ، أو قلت هوْ
أو هُمو أو هنَّ — جمعًا — أو هُما
وكذا إنْ قلتُ قد أنجدَ لي
قَدَرٌ في شِعرنا أو أتْهما
وكذا السُّحب إذا قلتُ بكتْ
وكذا الزَّهر إذا ما ابتسَما
أو أُنادي بحُداةٍ يَمَّموا
بانةَ الحاجر أو وُرق الحِمى
أو بدورٌ في خدورٍ أفَلَت
أو شموسٌ أو نباتٌ أنجما
أو بروقٌ أو رعود أو صبا
أو رياحٌ أو جَنوب أو سَما
أو طريق أو عقيق أو نقا
أو جبال أو تلال أو رَما
أو خليل أو رحيل أو رُبى
أو رياض أو غياض أو حِمى
أو نساءٌ كاعبات نُهَّدٌ
طالعات كشموسٍ أو دُمَى
كل ما أذكُره مما جرى
ذكره — أو مِثْلُه — أن تفهما
منه أسرار وأنور جَلَتْ
أو عَلَتْ جاء بها ربُّ السما
لفؤادي، أو فؤاد من له
مِثل ما لي من شروطِ العُلما
صفة قدسية علوية
أعلمَتْ أنَّ لِصدقي قدَما
فاصرف الخاطر عن ظاهِرِها
واطلُب الباطن حتى تعلَما

ونظرة فاحصة إلى الرموز التي ساقها ابن عربي أمثلةً لما يعتزم في استخدامه شعره، تُبين أنه ساق الأمثلة «أسماء» و«أفعالًا»، و«ضمائر»، و«حروفًا للنداء أو للتعجُّب»، كما ساقها «أسماء مقرونة بأفعال»، و«حروفًا مقرونة بأسماء»، ثم أشار بعد هذه الأنواع كلها إلى ما يُمكن أن يرمُز به من «حوادث» جرى ذِكرها أو ما يُماثل تلك الحوادث.

فالأسماء هي: طلل، ربوع، مغان، بروق، رعود، صبا، رياح، جنوب، سماء، طريق، عقيق، نقا، جبال، تلال، رمال، ربى، رياض، غياض، خليل، رحيل، حِمى.

والأفعال هي: أنجد، أتْهَم، أفل.

والحروف هي: ها، يا، ألا، أما.

والضمائر هي: هي، هو، هم، هنَّ، هما (وكلها ضمائر الغائب مُفردًا ومثنًّى وجمعًا).

والأسماء المقرونة بالأفعال: بكت السحب، ابتسم الزهر، أفلت بدور، أنجَمَ نبات.

والحروف مع الأسماء: يا حُداة، ويا وُرق الحمى.

أي أنَّ صنوف الكلام على اختلافها، ينبغي أن تؤخَذ مأخذ الرمز الرامز إلى «أسرار» و«أنوار» «جاء بها ربُّ السما» لفؤادي أو فؤاد أي إنسانٍ آخر توافرت له — ما قد توافر لي — «من شروط العلما».

ولكن هل يكفي أن يُقال لنا: كلما وجدتُم هذه الرموز أو أشباهها فاصرفوها من معانيها الظاهرة إلى معانٍ باطنة؟ إنَّ مثل هذا التحذير وحده قد يترك الباب مفتوحًا إلى أي معنًى يطرأ على ذهن القارئ عند التأويل. فافرض أنني صادفتُ كلمة «جبل»، وأردت صرفها عن معناها القاموسي المعروف، فبماذا أُفسِّرها؟ أأتخذها رمزًا للسموِّ أم للصلابة أم للمشقَّة والجهاد أم للرياضة واللهو أم لوحشة المُعتزَل، أم لبرودة الرأس بالقياس إلى حرارة القلب؟ هل استوحى «الجبل» جمالًا مُؤنسًا أو جلالًا مُروعًا مهيبًا؟ عشرات المعاني قد تُتَّخَذ على أنها هي التي ننصرِف إليها من المعنى الظاهر، فهل عند ابن عربي قاعدة أخرى تُكمِل قاعدته الأولى، فتُبين وجهة السَّير التي ننتهجها عند تأويل الظاهر بمعنًى باطن؟ نعم، فقد ورد في شرحه للبيت الأول من قصيدة «الطلل الدارس» (ص٧٥) ما يدل بعض الدلالة على رأيه في ذلك؛ إذ يقول إن الأمر مُتوقف على طبيعة الموقف وسياق الحديث، مُقرِّرًا «أن الإنسان فيه مناسِب من كلِّ شيءٍ في العالم، فيُضاف كلُّ مُناسِب إلى مُناسِبه، بأظهرِ وجوهه، وتُخَصِّصهُ الحال والوقت والسماع بمُناسبٍ دون غيره من المَناسِب، إذا كانت له مُناسِبات كثيرة لوجوهٍ كثيرة يطلُبها بذاته.» ولو قُلنا هذا القول بعبارةٍ من عندنا تترجمها، لقُلنا: إن الإنسان كونٌ أصغر فيه كل ما في الكون الأكبر من صفاتٍ وخصائص، بحيث يُصبح في مُستطاعه أن يُواجه كل شيءٍ في العالَم بالجانب الذي يُناسِبه ساعة الإلهام، فإذا قيل «جبل» — مثلًا — اخترنا من مُوحياته الكثيرة معنًى يُلائم ما نحن فيه، يساعدنا في هذا الاختيار ما في طبائعنا من خصوبةٍ وغنًى كما يساعدنا كذلك اللسان العربي الذي من مُميزاته أن «يُعطي التفهُّم بأدنى شيءٍ من مُتعلقات التشبيه.» (انظر ص١٠٥)، فحسْبنا أن يجيء الرمز مُشيرًا أدنى إشارة إلى المرموز له لندرك الباطن المنشود من وراء الظاهر.

ويضيف ابن عربي إلى قواعده النظرية هذه، مثلًا تطبيقيًّا للطريقة التي يريد لشعر ديوانه أن يُفهم بها، إذ يروي حكايةً جرَت له في الطواف فيقول: «كنتُ أطوف ذات ليلةٍ بالبيت، فطاب وقتي، وهزَّني حال كنتُ أعرفه، فخرجتُ من البلاط من أجل الناس، وطفتُ على الرمل، فحضرتْني أبيات، فأنشدتها، أُسمِع بها نفسي ومن يَليني، لو كان هناك أحد، وهي قوله:

ليت شعري هل دَرَوْا
أيَّ قلبٍ ملَكوا
وفؤادي لو دَرى
أيَّ شِعْبٍ سلكوا
أتُراهم سلِمُوا
أم تُراهم هلَكوا؟
حار أرباب الهوى
في الهوى، وارتبكوا

فلم أشعُر إلا بضربةٍ بين كتفيَّ بكفٍّ ألين من الخز، فالتفتُّ، فإذا بجاريةٍ من بنات الروم … فقالت: يا سيدي كيف قلت؟»

وأخذ ابن عربي يعرض الأبيات الأربعة السالفة، بيتًا بيتًا، فتُعلِّق عليه الجارية الرومية الأديبة بما يُبين ما فيه من تناقُض المعنى، ففي البيت الأول لا يتَّفِق أن يكون من مَلك القلب جاهلًا به، وفي البيت الثاني لا يتَّفِق أن يدري الفؤاد شيئًا عن الشِّعْب الذي سلكه الأحبَّة؛ لأن الشِّعب هو الذي يحُول دون أن يحصل الفؤاد على علم، فكيف يكون الحائل دون العِلم معلومًا؟ وفي البيت الثالث خطأ في توجيه السؤال؛ لأن الأصحَّ هو أن يسأل المُحبُّ نفسه عن نفسِه إن كان قد سلِم أو هلك بعد فراق أحبَّتِه، وفي البيت الرابع لا يتفق أن ينصرِف المُحب بكل قلبه إلى من يهوى، ثم تبقى له مع ذلك فَضْلَةٌ يَحار بها.

هكذا أخرجت الجارية الأديبة مواضع التناقُض في الأبيات الأربعة؛ وذلك لأنها فهمتها بمعانيها الظاهرة، لكن هذا التناقُض البادي يزول إذا ما جاوزت ظاهر الأمر إلى باطنه، وهنا يأخذ ابن عربي في شرح هذه الأبيات نفسها شرحًا باطنيًّا صوفيًّا؛ ليُبيِّن كيف ينبغي أن تفهم، وكأنما أراد أن يرسُم أمامنا طريقة الفهم الصحيح عند قراءة ديوانه الذي قدَّم له بتلك المقدمة.

٣

لكل شاعرٍ قاموسه الخاص، الذي لو أدركناه لسهلت قراءة شعره، فما بالك بالشاعر المتصوِّف الذي يُوجِّهنا منذ مُقدمة الديوان إلى فهم ألفاظه بغير معانيها المباشرة؟ إنه لا مناص عندئذٍ من توجيه النظر إلى المعاني الخاصة التي يكثر دوَرانها عند الشاعر، رامزًا لها بألفاظٍ مُعينة. وفيما يلي قاموس جزئي أعددْناه لطائفةٍ من هذه الألفاظ عند ابن عربي، جمعناها من خمسٍ وعشرين قصيدة هي الأولى في ترتيب الديوان، وأمام كل لفظةٍ معناها الرمزي في شرح ابن عربي لها:

أ

  • الأبرقين: هو في الأصل اسم مكان، لكنه يُفهم — استيحاء للفظ «البرق» الوارد في صلب الكلمة — على أنه يرمُز إلى مشهدَين من مشاهد الذات الإلهية، مشهد في عالم الغيب، ومشهد في عالم الشهادة.
  • أبيض: مُنزَّه عن الشهوة.
  • الأحبة: الأنبياء، وكذلك رمز للأسماء الإلهية.
  • أحمر: رمز للشهوة، وللجمال.
  • أجياد: هو في الأصل اسم جبل يُشرِف على الحرم المكي، فيرمُز به إلى مقامٍ إلهي.
  • إدريس: مقام الرفعة والعلو.
  • أراك: نوع من الشجر يرمز به لمقام التقديس والرضا.

ب

  • بان: شجر البان يرمز به للبُعد، وللنور والتنزيه، والشوق والتوقان.
  • بدور: تأتي عادةً مقرونة «بالخدور»، ويكون معنى «البدور في الخدور» الحسان المُستترات، وهذا رمز إلى العلوم وأسرارها.

    وكذلك ترمز «البدور» للحقائق الإلهية.

    ويرمز «البدر» للنور الإلهي، و«غروب البدر في خلدي» معناه غروبه عن عالم الحس، وترجيحه جانب الستر على جانب الكشف.

  • برق: مشهد الذات الإلهية، يذهب بالأبصار ولا يكاد يتحقَّق، فالبرق لا يُريك إلا لمعانه، فيكون اللمعان حجابًا عليه، فنحن لا نرى البرق وإنما نرى سناه (ص٩٠).

    والبروق ترمُز إلى الصور في عالم الشهادة؛ لتنوُّعها وسرعة زوالها، ومن هنا كان «البرق» رمزًا إلى رؤية الحق في الخلق، رؤية الله تعالى في مخلوقاته.

  • بُرقة ثهمد: اسم مكان، ولكنها تأتي مرادفة لكلمة برق.
  • برقع: رمز للحالة النفسية التي تحجب العارفين عن عامة الناس.
  • بستان: الحق (أي الله سبحانه)، والأزهار في البستان هي مخلوقاته.
  • بلقيس: الحكمة الإلهية التي تجمع بين العِلم والعمل.

    وفيها رمز أسطوري يُشير إلى ولادة بلقيس من لقاءٍ بين الجن والإنس، ففيها من الجن عِلمه اللطيف، ومن الإنس عمَله الكثيف، أي أنها رمزٌ لاجتماع الروح والجسد في الإنسان.

  • بنات الملوك: الزاهدات.
  • بياض: الوضوح والتعين.
  • البيضاء: الشمس، وترمز البيضاء إلى الحكمة الإدريسية، يكون فيها من العلوم ما في الشمس من حقائق.

ت

  • توراة: (من ورى الزند) ولذا فهي إشارة إلى النور.

ث

  • ثكلى: (التي فقدت وحيدَها) ولذا فهي رمز على من فقد خصائصه الفردية المُميزة.
  • ثنايا: النور، تُقال بمناسبة مقام المُناجاة التي تتعلق بالفم.

  • جبال: السبل التي يهدينا الحق إليها بعد الجهاد.
  • جداول: فنون العلوم الكونية.
  • جَنى: ما يتلقَّاه المُلقَى إليه من المُلقي (كالمُريد من الشيخ، والنبي من الملك) والجاني هو المُحصِّل لهذه الثمرات، بيد اللطف، لا بيد القهر.

  • حاجر: اسم مكان، يرمُز إلى موضع الحجر الذي يحول بيننا وبين مطلوبنا، عالم البرزخ.
  • حادي: الشوق الذي يحدو بالهِمم إلى منازل الأحبة.
  • حبر: رمز إلى التوراة.
  • حسان: الحِكم الإلهية، إشارة إلى مقام المشاهدة والرؤية.
  • حمام: الواردات الإلهية.

  • خدور: الأعمال التي كُلِّف بها الإنسان، التكاليف الروحانية، وهي «خدور»؛ لأنها تحتوي على أسرار من العلوم والمعارف.
  • خُرَّد: الحِكم الإلهية، الخُرَّد هن ذوات الحياء، والحياء من الإيمان، وإذن فالخرد إشارة إلى العلم الإيماني.
  • خميلة: قلب الإنسان بما يحمِله من المعارف الإلهية.
  • خيام: مقامات الحجب.

د

  • داود: رمز للزبور.
  • دُجى: الغيب، فهو الليل الذي هو محل الستر، والغيب ستر.
  • در: الحِكمة الإلهية، «عرش الدر» رمز إلى أن الحِكمة الإلهية إذا حصَّلها العبد أفنته عن مشاهدة ذاته، كأنها مالِكة تجلس على عرش.
  • دمقس: التنزيه (لأنه الحرير الذي لم يصطبغ بلون).
  • دُمى: إشارة إلى المعابد السريانية العيسوية، رمز إلى الحسان المُستترات في الخدور، وهي المعارف.
  • الديار: المقامات.
  • الدير: حالة سريانية.

ذ

  • ذو سلَم: اسم مكان يُرمَز به إلى الجمال الطبيعي.

ر

  • راعي النجم: حافِظ ما تحمله العلوم.
  • راقد الليل: الغافل عن حق، انشغالًا بالأكوان الطبيعية.
  • ربة الحمى: الحقيقة الموسوية.
  • ربوع دارسات: ما بقي في مقامات العارفين من آثار في سَيرهم إلى العلم (الدارس = المتغير بما يرِدُ عليه من الأحوال، فيتغير من حالةٍ إلى حالة).
  • رعد: مناجاة إلهية.
  • ركائب: السحاب.
  • روض: مكان الجمع، «الروضُ النديُّ» مقام نشأة الاعتدال.
  • روضة: الأسرار الإلهية لحقائق الأسماء؛ لكون الروضة جامعة لفنون الأزهار.
  • روضة الوادي: الشجرة التي ظهر فيها النور لِموسى.
  • الرياض: رياض المعارف.
  • ريح: الأنفاس الشوقية.

ز

  • زرود: هي رملة في قفر، ولذلك يُرمز بها إلى عدم الثبوت؛ لأن الرمل تنقله الرياح عن حالاته وعن أماكنه. وكذلك ترمُز «زرود» إلى المجاورة من غير أُلفة؛ لأن الرمل يتجاور ولا يلتف.
  • زهر: الأزهار هي الخلق.

س

  • سحاب: الأحوال التي تُنتِج المعارف.
  • سحاب مطير: المعارف والعلوم الربانية.
  • سَحَر: موضع الفصل بين حقائق الجسد (الظلمانية) وحقائق الروح (النورانية).
  • سنا: الحكمة الإلهية.
  • سَلْع: جبل يُشرف على المدينة، وهو رمز للمقام المُحمدي.
  • سلمى: الحالة السُّليمانية الواردة من مقام النبوَّة.
  • سواد: عالَم الجلال والهيبة.

ش

  • شراب: المرتبة الثانية من مقام التجلِّي (فمقامات التجلِّي أربعة: ذوق، شراب، ري، سكر).
  • شرق: موضع الظهور الكوني، أي عالم الحس والشهادة.
  • شفق: حُمرة الخَفَر.
  • شمس: الحكمة الإلهية (كالشمس يتوقَّف أثرها على نوع ما تهبط عليه، فإما هي مُثمرة أو مهلكة).

    أنوار الشموس = الأرواح الحافُّون حول العرش.

    إشارة إلى النصوع، والرفعة، والمنفعة.

  • شمس ضحى: وضوح التجلِّي عند الرؤية.
  • شيح: ميل.

ص

  • صبا: عالَم الأنفاس، الريح الشرقية (والشرق مطلع الظهور الكوني، أي عالَم الحس والشهادة).
  • صخرات: الصور الحسِّية التي تتجسَّد فيها المعاني المُجردة؛ الأجساد التي تُخفي أرواحًا.

ط

  • طل: معارف نزلت على قلوبٍ ساذجة.
  • طلل: ما بقي من الأثر الطبيعي، ما بقي في مقامات العارفين من آثار في سَيرهم إلى العِلم بالله.
  • طلول: أثر منازل الأسماء الإلهية بقلوب العارفين.
  • طنافس: البر والإكرام اللذان يُمهِّد بهما الحق منازل الواردين من عالَم الأكوان.
  • طواويس: الأرواح في جمالها وحُسنها (لاحظ أنها طير وذات ريش حسَن اللون مختلفة).

    عالَم الملأ الأعلى.

ظ

  • ظبي: اللطيفة الإلهية.

    (الظباء فيها شرود ومُلازمة للفيافي) ولذا فهي رمز للحِكمة الإلهية في تجرُّدها.

    الظبي ذو عنقٍ طويل، والعنق رمز للنور، ولذا كان الظبي إشارة إلى النور.

  • ظبي مُبرقَع: الحكمة الإلهية محجوبة بحالةٍ نفسيةٍ من أحوال العارفين.
  • ظل: الظل الظليل هو المُقام المُحمدي المُوسوي.
  • ظلام الليل: حجاب الغيب.

    «ظلام الليل أرخى سدوله» = النشأة الحيوانية أخفت اللطائف الروحانية.

ع

  • عنان: الأمر الذي يُسيِّره على الطريق الأقوم.
  • عود مورق: الإنسان وقد اكتسى بالمعارف الربانية.
  • عيسى: الهمم، مراكب الأعمال، والأعمال التي يصعد عليها الكلِم الطيب.
  • عيسى: إحياء الموتى بوساطة النطق (عيسى مُتولِّد عن غير شهوةٍ طبيعية، ولذا كان له سلطان على الطبيعة).
  • العين في الخيام: حقائق العلوم محجوبة، ولكنها كاشفات عن الحق حالة التستر، وفيها إشارة إلى «المَلامتيَّة».

غ

  • غادة: الحقيقة حين يكون لها تعطُّف بالكون، «فالغادة» إشارة إلى المَيل، كالأسماء الإلهية حين يكون بها ميل إلى عالَم الكون.
  • غديرة: ضفيرة، وهي إشارة إلى الدلائل والبراهين لتداخُل المُقدمات بعضها في بعض كتداخُل جدائل الضفيرة.
  • غرب: عالَم التنزيه والغيب.
  • غزال: الحِكمة الإلهية المحبوبة، والغزال إشارة إما إلى «الغزل» الذي يكون للمحبوب، وإما إلى إلفه للقفر مما يرمُز إلى التجرد.
  • غزلان: العلوم الشوارد التي لا تنضبط.
  • غصون: النفوس الهيمانة بجلال الله، «ملابس الغصون» الأخلاق الإلهية، غصن نقا = الصفة القيومية في روضة الأسماء الإلهية.
  • غضا: مقام المجاهدة.
  • «غيضة الغضا»: شجرة مُشتعلة الغصون بلهَب الحُب.
  • غور: الغيب.

ف

  • فاتكة بالطرف الأحور: علم المشاهدة الذي يحُول بين صاحب الخلوة وبين نفسه.
  • فتاة عروب: الصورة الذاتية (الإلهية) التي هي مَطلب العارفين.
  • فلك: الصورة التي يقع بها التجلِّي، التبدُّل والتحوُّل في الصور.
  • فنون: أنواع المعارف.

ق

  • قباب: القبة — لاستدارتها — رمز للامُتناهي، وترمُز أيضًا للعمل المكسوب.
  • القباب الحمر: (الأحمر رمز للجمال وللشهوة) فالقباب الحمر رمز لاحتجاب الحقائق المطلوبة ذات الجمال.
  • قسيس: رمز للإنجيل.
  • قضيب رطب: نشأة الاعتدال.
  • قفر: التجرُّد.
  • قلب: التغيُّر من حالٍ إلى حال.
  • قمر: (القمر حالة بين البدر والهلال) رمز للمشهد البرزخي.
  • قمرية: نفس عارفة نطقت بأمرٍ علوي.

ك

  • كواعب: الحِكَم الإلهية.

ل

  • الليل: الغيب.

م

  • ماء: سر الحياة.
  • مرض: ميل.
  • «مريضة الأجفان»: الحضرة الإلهية وهي تَميل إلى قلبه.
  • مطايا: الهمم.
  • المُطوقة: اللطيفة الإنسانية وما أُخذ عليها من ميثاق، وكذلك هي النفس الكلية مشارًا إليها بالأثر الذي لها في النفس الجزئية التي ظهرت على صورتها.
  • ملابس الغصون: الأخلاق الإلهية.
  • المنازل: المقامات التي يَنزِلها العارفون بالله.
  • ميَّاد: الحركة المُستقيمة التي هي نشأة الإنسان.

ن

  • نار: المكاره التي يقتحمها السالك، حتى يصل إلى المنازل العليَّة.
  • ناووس: المدفن = المعارف إذا فارقها العارفون، إذ المعارف لا وجود لها إلا بالعارفين.
  • الندى: المعارف إذا نزلت على قلوبٍ فيها جهالة.
  • نسر: الروح البرزخي الذي هو أقرب إلى الملأ الأعلى.
  • نور: الخير المحض، الحِكمة الإلهية، الناموس.

  • الهادي: الآتي بالمُلاطفة، قياسًا إلى «الحادي» وهو الآتي بالزجر.

و

  • وادي: الوادي المُقدس، «روضة الوادي» الشجرة التي ظهر فيها النور لموسى.
  • وبل: معارف نزلت على قلوبٍ فيها تشكيك.
  • ورد روضي: حمرة الوجنات، يُشير إلى مقام الحياء.
  • الوُرق: الأرواح البرزخية.

٤

لم يخرج ابن عربي في اختياره لهذه الرموز التي أراد أن يرمز بها — في تأويله الصوفي لشعره — إلى الحقائق الإلهية والأحوال والمقامات وغير ذلك، لم يخرج عن البيئة القريبة منه، فهو وإن أجهد ذكاءه في تفسير هذه الرموز تفسيرًا يتفق مع المعنى الصوفي الذي أراده، إلا أنه اكتفى في الرموز نفسها بما يقَع عليه البصر ممَّا حوله، مُكرِّرًا — في كثيرٍ من الأحيان — الألفاظ نفسها في السياقات نفسها التي استخدمها الشعراء العرب من قبله.
  • (أ)

    فمن عالَم الحيوان اتَّخذ رمزه من الإبل، والظباء، والغزلان.

  • (ب)

    ومن عالَم الطير اتخذ الرمز من الحمامات، والطواويس، والنسور.

  • (جـ)

    ومن الظواهر الطبيعية اتخذ رموزه من نوعين:

    • (١)

      فإذا أراد الطبيعة الجرداء، استخدم اليباب، والقفر، والبلقَع، والرمال والصخر.

    • (٢)

      وإذا أراد الطبيعة الخصبة الخضراء، استخدم الخميلة، والعود المُورِق، والميَّاد، والجداول، والبستان، والأزهار، والأراك، والبان، والغصون، والروض، والماء العذب، والسحاب، والمطر، والطل، والوبل، والندى، والظل الظليل، والورد، والفنن.

  • (د)

    ومن الظواهر الفلكية اتَّخذ رموزه من السماء، والشمس (أو الشموس) والبدر (أو البدور) والبرق (أو البروق)، والرعد (أو الرعود)، والنجم، والليل، والسحَر، والشفق، والضحى، والشروق، والغروب.

  • (هـ)

    ومن المظاهر الحضارية اتَّخذ الرمز من القباب، والخيام، والطنافس، والدمَقْس، كما استخدم رموز الموت: الطلل (أو الطلول) والربوع الدارسة، والنواويس.

  • (و)

    ومن الثقافات الدينية استمدَّ لمحات كثيرة من الموسوية والعيسوية والمحمدية وذكر آدم وإدريس وداود، واستخدم كلمات التوراة والزبور والإنجيل والقرآن، وأشار إلى القساوسة والبطاريق والشماميس، والرهبان، والأوثان والأديرة.

  • (ز)

    ومن التاريخ الأدبي أفاد من روايات الحب والمُحبين: بِشر وهند، قيس وليلى، وجميل وبثينة، «واذكر لي حديث هند، ولُبنى، وسُليمى، وزينب وعنان، واندباني بشِعر قيس وليلى، وبميٍّ والمُبتلى غيلان» (ص٨٢ / ٣).

وطريقته في تأويل هذه الرموز، تختلف باختلاف السياق، فإذا ما كانت المُوازاة بين المعنى الغزلي المباشر وبين المعنى الصوفي الباطن قريبةً واضحة، جاء تفسير الرموز بغير اعتسافٍ ظاهر؛ لأنه في هذه الحالة لا يجد ما يحمِله على الإغراب في التأويل، وأما إذا كانت تلك المُوازاة بين المعنيَين بعيدةً ضعيفة، فعندئذٍ يغلب أن يجيء تفسير الرموز مفتعلًا يدعو إلى كدِّ الذهن، ولقف العلاقات البعيدة بين الرمز وما يُشير إليه. وفيما يلي أمثلة للطرُق المختلفة التي لجأ إليها ابن عربي في تأويل رموزه:
  • (أ)

    الطريقة المجازية المألوفة في الشعر، وذلك بأن يلتمِس علاقة شبه واضحة بين المُشبه والمُشبه به، أي بين المرموز إليه والرمز؛ فمن المألوف في قراءة الشعر وفهمه أن نفهم من المطر — مثلًا — كرم العطاء، ومن الأسد شجاعة الشجاع، وهذا التفسير المجازي كثير عند ابن عربي خصوصًا حين تكون الشُّقة ضيقة بين المعنى الغزلي المباشر وبين المعنى الصوفي الباطن، فنراه يرمز إلى الأرواح بالطير، وإلى الطبيعة البدنية بالصخر، وإلى الإنسان بعد كسبه للمعارف بالعود الذي أورَق، وبالبستان الذي أزهر وأينع، وإلى حياة النعيم بالطنافس.

  • (ب)

    الإشارة إلى التاريخ، سواء أكان تاريخ الديانات أم تاريخ الأدب، أم غير ذلك من سبل الإفادة بما يُروى عن أحداث الماضي، فها هنا تكفيه اللمحة السريعة ليترك للقارئ تكملة المادة من عنده، فمن هذا القبيل ذكره للأنبياء وللكتب المنزلة ولأماكن العبادة، وكذلك ذكره لقصص المُحبين، والروايات التي تُروى عن المُتصوِّفة وما إلى ذلك.

    وهذه الإشارات قد تكون قريبة إلى الأذهان بادية الرابطة مع سياق الحديث، وقد تكون بعيدة غير مرئية في وضوح، فإذا قال — مثلًا — عن محبوبته العابدة العالمة:

    قد أعجزت كل علَّام بمِلَّتنا
    وداوديًّا، وحبرًا، ثم قسيسا

    ثم شرح هذه الإشارات التاريخية بقوله إنها تُشير إلى الكتب الأربعة، «فالعلام بمِلتنا» إشارة إلى القرآن، و«الداودي» إشارة إلى الزبور، و«الحبر» إشارة إلى التوراة، و«القسيس» إشارة إلى الإنجيل؛ بحيث يكون المعنى المُجمل هو أن تلك المحبوبة العالمة قد ألمَّت بمحتوى هذه الكتُب المنزَّلة جميعًا، فعندئذٍ تكون الإشارة مفهومة وواضحة. ولنتذكَّر ما قاله ابن عربي في مقدمة الديوان عن محبوبته «النظام» من أنها «من العابدات العالِمات»، وأما حين يقول — في القصيدة نفسها وعن المحبوبة نفسها:

    توراتُها لوحُ ساقَيها سنًا وأنا
    أتلو وأدْرُسها كأنني موسى
    وحين يقول في شرح ذلك أن «الساق» هنا تُذكِّرنا ببلقيس حين كشفت عن ساقَيها، أي بيَّنت أمرها، وتُذكرنا كذلك بقوله: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ قاصدًا بذلك «الأمر الذي يقوم عليه بيان الآخرة»، وبقوله: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ أي التفَّ أمر الدنيا بأمر الآخرة، هذا عن كلمة «الساق»، وأما كلمة «التوراة» فالتوراة من ورى الزند، فهو راجع إلى النور، ويُنسَب إلى التوراة أن لها أربعة أوجه، فإذا كان التشبيه قائمًا بين «ساقيها» و«التوراة» فلا بدَّ أن تكون الإشارة هنا إلى أربعة أوجه من النور، وإلى الأربعة الذين يحمِلون العرش، وهي الكتب الأربعة. أضف إلى ذلك أنه لمَّا كنَّى عن ساقَيها بالتوراة، احتاج إلى ما يناسب ما وقع به التشبيه من «التلاوة» و«الدرس» وذِكر من أنزلت عليه التوراة، وهو موسى، أقول إن ابن عربي حين يلجأ إلى مثل هذا الشرح البعيد المُتشعِّب للبيت المذكور، نُدرك أنه إنما يكدُّ ذهنه كدًّا ليجد المعنى الصوفي الباطن، الذي يوازي به المعنى الظاهر، وهو التغزُّل في ساقَين بيضاوَين مُضيئتين، ينظر إليهما فكأنما هو ينظُر إلى آيةٍ من آيات الجمال البشري، تُتلى وتُدرَس في نشوةٍ وعلى مهَل.
  • (جـ)

    رموز جغرافية، يستخدم فيها أسماء لأماكن معروفة، ليُفيد إما من مجرد جرس اللفظة، وإما من الصفات التي عُرفت بها تلك الأماكن. والأغلب في هذه الحالة أن يجيء التأويل على اعتِساف وافتعال، فهو — مثلًا — حين يذكُر مكانًا عُرف بجماله الطبيعي، ليُشير به إلى الجمال الذي يجذب الناظر إليه، جاء الرمز في هذه الحالة مُستقيمًا ومباشرًا، كقوله: «بذي سلَم … ظباء تُريك الشمس في صورة الدُّمى» (ص٤٥)، أما إذا جاء باسم مكان ليُفيد من جرسه ونبرته، أو من المعنى الظاهر لذلك الاسم، غلب عليه عندئذٍ التكلُّف في التفسير، كقوله في «لمعَتْ لنا بالأبرقين بُروق» (ص٣٧): أن الأبرقَين — وهو اسم مكان — رمز إلى مشهدَين للذات الإلهية، مشهد في الغيب ومشهد في الشهادة؛ إذ من الواضح أن ليس بين «الأبرقين» وهذين المشهدَين علاقة ظاهرة، وإذن فالتأويل لا يرِدُ على قارئ العبارة مهما قلَّب المعنى في ذهنه تقليبًا يسمح به اللفظ المُستخدَم، إنه تأويل يقوله ابن عربي تفسيرًا لشِعره، ولا يقوله أحد سواه من قرَّاء ذلك الشعر، وإذن فهو ما نصِفه بالتأويل المُفتعَل، ومن هذا القبيل ذِكْره لمكان اسمه «زرود» معروف برماله، فيفسِّر الرمال بالمعارف المُكتسبة؛ لأنها مُفكَّكة كتفكُّك هذه الرمال، وهو رمز لجأ إليه أكثر من مرةٍ في ديوانه.

  • (د)

    رموز ترتكز على التداعي الصوتي بين لفظتي الرمز والمرموز له، وهي من أقوى الدلائل عندي على أن ابن عربي وجد نفسه أمام قصائده الغزلية مُلتمسًا لها طريقةً للتأويل الصوفي، فأحيانًا يجد جسر العبور من الغزل الحقيقي إلى المعنى الصوفي مُمهدًا عن طريق التشابُه بين «المعنيَين»، ولكنه أحيانًا أخرى يلجأ إلى ضربٍ غريبٍ من البحث عن خيوطٍ صوتيةٍ تنقله من الرمز الذي يريد تأويله إلى ما يمكن أن يكون مرموزًا له، حتى وإن جاء ذلك التأويل بعيدًا عن الاتساق وسلاسة السياق، وأمثلة ذلك كثيرة، نسوق بعضها على سبيل المثال:

    إذا كانت الحبيبة هي «سلمى» قال إنه اسم يرمُز إلى الحالة السُّليمانية الواردة إليه من مقام النبوة، أما «هند» فاسمها يُشير إلى الهند التي هي مهبط آدم عليه السلام، وإذن فاسمُ هند يرمز إلى ما يُحيط به من أسرار الخلق، و«لبنى» إشارة إلى اللبانة وهي الحاجة، ثم انظر كيف يفسر بيته القائل:

    واندُباني بشِعر قيسٍ وليلى
    وبِميٍّ والمُبتلى غَيْلَان
    يقول: «واندباني بشعر المُحبين مِثلي في عالم الحسِّ والشهادة كقَيس … فنبَّه بقيس على الشدة، فإن القَيس الشدة في اللغة، والقيس أيضًا الذَّكر، وليلى من الليل، وهو زمان المِعراج والإسراء والتنزيلات الإلهية من العرش الرحماني بالألطاف الخفية إلى السماء الأقرب من القلب الأشوق، وبميٍّ وهي الخرقاء التي لا تُحسِن العمل، ومن لم يُحسِن العمل كان العامل غيره وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ أي ما يظهر على أيديكم من الأعمال التي هي مخلوقة لله تعالى، وغيلان هو ذو الرمة، والرمة الحبْل العتيق والحبل السبب الذي طُولبنا بالاستمساك به والاعتصام، ونسبته إلى القديم أمر مُحقق، فإنه حبل الله وهو القديم الأزلي. وذِكر الغيلان وهو شجر مشوك يتعلَّق بمن قرُب منه، ويُمسكه عن أن يزول عنه حبًّا فيه وإيثارًا، وفيه من الراحة كون هذا الشجر مُختصًّا (في النص مختص) بالفيافي التي لا نبات فيها، المُهلكة بقوة رمضائها وحرِّها، فليس فيها ظلٌّ لسالك إلا هذه الشجرات: شجرات أم غيلان، فيجدها في ذلك المقام رحمة، فيُلقي عليها ثوبه، ويستظل، فتُمسكه بشوكها عن أن تمرَّ به الرياح فينكشف لحرِّ الشمس، فكذلك ما يجده من الألطاف الخفية الإلهية في مقام تجريد التوحيد وتنزيه التقديس، فأوقع التشبيه بالمناسب من هذا الوجه، فلهذا سألهما أن يذكُرا له هؤلاء الأشخاص من المُحبين ليجمع بين حال المحبة، وعلم حقائق هؤلاء المذكورين؛ لأنهم كانوا مُحبين» (ص٨٣). ولو كان ابن عربي هو الذي أطلق من عنده هذه الأسماء: قيس، ليلى، مي، غيلان، لجاز لنا القول إنه أراد بهذه الأسماء ما تُوحي به ألفاظها، لكنها أسماء تاريخية لمُحبين حقيقيِّين، ذكرها لِما بينه وبين أصحابها من شبَهٍ وهو «الحُب»، فكيف أمكن أن تجيء كلمة «قيس» رمزًا للشدة، أو رمزًا للذَّكر، وكلمة «ليلى» رمزًا لليل الذي هو بدَوره رمزٌ للإسراء والمعراج، وكلمة «غيلان» رمزًا لكل هذا الذي أخذ يُشقِّقه ويستخرجه من «شجر الغيلان»؟
  • (هـ)

    رموز ترتكز على تداعي المعنى، أي أن يكون بين الرمز والمرموز له رابطة معنوية، تجعلهما شبيهَين في الجوهر، وهذه هي أقرب الأنواع إلى طبيعة العملية الرمزية حين تكون هذه العملية من أخصِّ خصائص الإنسان، ففيها عُمق إدراك لطبائع الأشياء، وفيها قُدرة على التركيب الذي يجمع ما اختلف في ظاهره وما اتفق في باطنه، يجمعه برابطةٍ واحدة.

    ومن أمثلة هذه الرموز: أن تكون «الغديرة» — الضفيرة — رمزًا للبراهين التي تُقام على صحة فكرةٍ بعينها؛ لأن هذه البراهين تجري في مُقدمات يتداخل بعضها في بعض كتداخُل الجدائل في الغديرة (وهذا يذكرنا بالناقد الحديث إدموند ولسن حين فسَّر نسيج بنلوبي في شعر هومر على أنه رمز لخطوات الاستدلال القياسي بما في قضاياه من تداخُل وتسلسل).

    ومن هذا القبيل كذلك أن يرمُز ابن عربي «بالدمقس» إلى حالة التنزيه؛ لأن الدمقْس هو الحرير الذي لم يصطبغ بلون، فهو إذن في جوهره شبيه بالتنزيه الذي لا تشوبه شائبة من رغبةٍ أو شهوة، وأن يرمز بالكائنات المُجنحة كالحمامات والطواويس لعالَم الروح، لِما بين الاثنين من رابطةٍ جوهريةٍ هي التنقُّل بين الأرض والسماء، وعدم التقيُّد بأغلال الأرض، وأن يرمُز بالقباب للامُتناهي بسبب شكلها الكروي الذي لا بدايةَ له ولا نهاية. ومن هذا القبيل نفسه أن يرمُز إلى الطبيعة الجسدية من الإنسان «بالصخرات» للُصوقها بالأرض وعجزها عن الصعود والطيران. والحق أن ديوان ترجُمان الأشواق مليء بهذه الرموز التي ترتكز على أساس الرابطة المعنوية بين الرمز وما يُشير إليه، من أهمها رموز النور والحجب والقفر والبستان، التي سنُفرد لها أقسامًا لأهميتها عنده.

  • (و)
    رموز الأنوار والحجب. ولعل هذه أن تكون من أشدِّ رموزه صِلة بمذهبه الصوفي في المعرفة: «فالمعرفة الصوفية تتَّخِذ أسماء مُختلفة بحسب الأشكال أو المراحل أو الأحوال التي تتحقَّق فيها في النفس. وابن عربي يذكر ثلاثة أنواع منها، مُتَّبعًا التقسيم التقليدي لدى الصوفية المُسلمين، وهي: المُكاشفة والتجلِّي والمشاهدة … ويُدخِل في تفسيرها الرموز الأفلاطونية والمسيحية للنور والمرآة والحجب.»٣
فالنفس يحجبها عن إدراك الجلال الإلهي حُجب المخلوقات؛ لأن كل مخلوق هو بمثابة حجاب يحُول بين الأنفس وبين النفوذ إلى سِر الحقائق الإلهية، ولا تستطيع النفس المحجوبة هذه أن تصِل إلى الله إلا بالمُجاهدة والتجرُّد، فذلك قد يؤدي إلى تبديد هذه الحجب، والكشف عن الأسرار الروحية الإلهية. وتلك هي «المكاشفة» التي بها نُدرك المعاني المُمثِّلة للحقائق الإلهية، لا ماهية تلك الحقائق؛ لأن إدراك الماهية الموضوعية للحقائق الإلهية هو ما نعنيه ﺑ «المشاهدة»، فالكشف عملية استدلالية، نستدل فيها بشيءٍ ما على إحدى الحقائق الإلهية، وأما المشاهدة فرؤية مباشِرة لتلك الحقائق، ولا استدلال فيها.٤ وبين المُكاشفة والمشاهدة يكون «التجلي» الذي هو ظهور نوراني للذات الإلهية وصفاتها، لا يلبث أن يزول.
والمهم لمَوضوعنا من هذا كله هو أن المُكاشفة تُستخدَم لها رموز «الحجب»، و«التجلي» تُستخدَم له رموز النور الذي يظهر ويختفي، و«المشاهدة» تُستخدَم لها رموز النور الثابت، والمرآة التي ينعكس عليها ذلك النور.
  • (١)

    فمن رموز الحجب «القباب الحمر» و«الخيام البيض» وكلتاهما للمُستتر من الحقائق. ومنها «ظلام الليل» الذي يرمز إلى حجاب الغيب، ومنها «الضحرات» التي ترمز إلى الأجساد حين تُخفي الأرواح، ومنها «العين في الخام» إشارة إلى حقائق العلوم الربانية التي هي بطبعها كاشفات كالحِسان الفاتكات باللَّحظ، لكنها محجوبة عن الإدراك، ومنها «الغرب» — بالقياس إلى «الشرق»؛ لأن الغرب رمز للغيب. ومنها «الخدور» و«راقد الليل» ومنها «حاجر» وهو اسم مكان، لكنه يُتَّخَذ رمزًا للحدود التي لا يستطيع الإنسان اجتيازها لإدراك ما يطلُبه، ومنها «الأغوار» — بالقياس إلى «الجبال»؛ لأنها تُشير إلى المواضع الغيبية، و«الظبي المُبرقع» الذي يُشير إلى الحقيقة محجوبة بحالةٍ نفسية.

  • (٢)

    ومن رموز النور الذي يظهر ويختفي — وهي لحظات التجلِّي — «البرق» الذي يقول عنه ابن عربي في شرحه: «البرق أبدًا عند صاحب هذا القول — أي عند ابن عربي نفسه — مشهد ذاتي يذهب بالأبصار لا يكاد يتحقَّق» (ص٩٠). فالبرق لا يُريك إلا لمعانه، فيكون اللمعان حجابًا عليه، فكما أننا — كما يقول ابن عربي — لا نرى البرق، وإنما نرى سناه، فكذلك نحن لا نرى الذات الإلهية إنما نرى ما يدلُّ عليها.

    وكثيرًا ما يستخدِم أشياء مختلفة يدخل النور في معناها، يستخدِمها لترمُز إلى النور في لحظات التجلِّي، كقوله: «عرش الدر» الذي يرمُز به لمكان الحِكمة الإلهية، و«التوراة» التي هي من «ورى الزند» أي أن اللفظ راجع إلى النور، و«الثنايا» التي تلمَع وتختفي، و«الشرق» لأنه موضع الظهور الكوني، وهكذا.

  • (٣)

    ومن رموز النور الساطع الذي يُرمَز به لحالة المشاهدة، رمز الشمس، التي هي عند ابن عربي رمز للنور والرفعة، والتي يتوقف أثرها على نوعِ ما تهبط عليه، فإما تُثمر وإما تُهلك.

  • (٤)

    رموز تُشير إلى القفر اليباب، وأخرى إلى الخصوبة والنبات. ويغلب أن يُشار بالأولى إلى حالة التجريد، وبالثانية إلى تحصيل الإنسان للحقائق الإلهية، فالظباء والغزلان تُشير دائمًا إلى الحقائق الإلهية وقد رحلت عنه — عن ابن عربي — وشردت في الفلاة، وتجردت وحدَها، بحيث أصبح عسيرًا عليه أن يُمسك بها. و«اليباب» عنده إشارة إلى التجريد، وكذلك «القفر» و«البلقع»، على حين أن «الخميلة» و«الروضة» و«البستان» رموز تُشير إلى قلب الإنسان، وقد عمَّرته المعارف الإلهية، وكذلك «الغُصن الميَّاد» في الروضة إشارة إلى نشأة الإنسان، و«العود المُورق» هو الإنسان وقد اكتسى بكساء المعارف، و«الجداول» الجارية هي فنون العلوم الكونية، و«الفنن» — وجمعه فنون — إشارة كذلك إلى تلك العلوم، وهكذا.

  • (٥)

    رموز أسطورية، تتَّخِذ الأسطورة رمزًا يُجسِّد المعنى المقصود: كالإشارات المُتلاحقة في هذه الأبيات:

    مِن كل فاتكة الألحاظ مالِكة
    تَخالها فوق عرشِ الدُّرِّ بلقيسا
    إذا تمشَّت على صرح الزجاج ترى
    شمسًا على فلكٍ في حجر إدريسا
    تُحيي — إذا قتلت باللحظ — منطقها
    كأنها عندما تحيي به عيسى
    توراتها لوح ساقيها سنًّا، وأنا
    أتلو وأدرسها كأنني موسى

    فانظُر إلى تمثيل الحقيقة الإلهية بالصورة المُجسَّدة المُستمدَّة من قصة بلقيس حين خطت على أرض الزجاج التي أعدها سليمان، فحسِبتها ماءً وشمَّرت عن ساقها، إلى آخر القصة، التي استخدمها ابن عربي أجمل استخدامٍ ليُشير بها إلى الجمال، وهو بين التستُّر والظهور، كما يشير بها إلى النور إشارةً شعرية بديعة، ولكل من إدريس، وعيسى، وموسى قصة ترويها الكتب، ولا بدَّ من معرفة هذه القصص لكي نُهيئ لأنفسنا الجو الذي نفهم به أمثال هذه الأبيات وما ترمُز إليه، وفي الديوان أمثلة كثيرة من هذا القبيل.

  • (٦)
    رموز العدد. وأهم ما يلفِت النظر في هذا الصدد، قصيدة بأسرها ترتكز على رمز «الثلاثة» أو «الثالوث» هي قصيدة «شموس في صورة الدُّمى» (ص٤٥–٤٧) التي يقول عنها ابن عربي في سياقِ شرْحِه لها: «وهذه قصيدة ما رأيتُ نفسها في نظمٍ ولا نثرٍ لأحد قبلي … كل بيتٍ منها فيه تثليث.» وقد استند «آسين بلاثيوس»٥ على هذه القصيدة — فيما استند إليه — ليُبين كيف ألَّف ابن عربي بين العقيدة الإسلامية والأصول الرئيسية في العقيدة المسيحية، مُشيرًا بذلك إلى التثليث والتجسُّد، «ففيما يتَّصِل بالعقيدة الخاصة بالتثليث يرى أن من الأمور الجوهرية القول بنوعٍ من العلاقات الثلاثية في الوحدة الإلهية.» ومن هنا يستنتج أن النصارى يعتقدون في عقيدة التثليث في الأقانيم (الأشخاص)، ويستبعدون التثليث في الآلهة. والسبب الميتافيزيقي لهذا الرأي الذي قال به مُستمدٌّ من «فكرة الفيثاغوريين في العدد «٣» الذي هو الأصل في الأعداد الفردية»؛ لأن العدد «واحد» ليس وحده بذاته عددًا ولا يُفسِّر الكثرة في العالَم، فمن الواحد لا يصدر إلا الواحد وأبسط الأعداد في داخل الكثرة هو الثلاثة.٦
    وللعدد «٣» عند ابن عربي أهمية خاصة؛ إذ يرى أن حياة الله تقتضي ثلاثة عناصر إلهية، وثلاث علاقات، من أجل أن يفسِّر بها أصل الكون ووجوده، أعني: «الذات الإلهية، والإرادة الإلهية، والكلمة الإلهية، ولكنه يُضيف أن هذه الثلاثة مُتحدة في الله، وهي واحدة فيه.»٧ وهذه العناصر الإلهية الثلاثة ظاهرة في قوله تعالى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ — فالضمير هنا إشارة إلى الذات الإلهية — إِذَا أَرَدْنَاهُ — وهنا إشارة إلى الإرادة الإلهية — أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ — وهنا إشارة إلى الكلمة الإلهية. وللعدد ٣ أهميته كذلك عند ابن عربي في التفكير العلمي، الذي تجيء فيه العملية القياسية مؤلَّفة من قضايا ثلاثٍ مُرتَّبة على نحوٍ منتج.٨

    ونعود إلى قصيدة «شموس في صورة الدُّمى» التي يقول عنها ابن عربي: إن «كل بيت منها فيه تثليث.» والتي ورد فيها قوله:

    تَثَلَّث محبوبي وقد كان واحدًا
    كما صيَّروا الأقنام بالذات أُقْنما
    وفي شرح هذا البيت يقول ابن عربي: «العدد لا يُولِّد كثرة في العين — كما تقول النصارى في الأقانيم الثلاثة، ثم تقول الإله واحد — كما تقول: باسم الربِّ والابن وروح القدس إله واحد. وفي شرعنا المنزل علينا قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا، ففرَّق، فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فوحَّد، وتتبَّعْنا القرآن العزيز فوجدناه يدور على ثلاثة أسماء أمَّهات، إليها تُضاف القصص والأمور المذكورة بعدها، وهي: الله والرب والرحمن. والمعلوم أن المراد إلهٌ واحد، وباقي الأسماء أُجريت مجرى النعوت لهذه الأسماء.»

    وما هذه القصيدة التي أشرْنا إليها إلا رمز واحد يُشير إلى هذه الفكرة بما تشتمِل عليه من تفصيلات، ونحن وإن كنا لم نجد أن «كل بيتٍ منها فيه تثليث» إلا أن «التثليث» واضح في معظم أبياتها.

    ففي البيت الأول:

    بذي سلَم، والدَّير، من حاضر الحِمى
    ظباء تُريك الشمس في صورة الدُّمى

    في هذا البيت أماكن ثلاثة، لكل مكانٍ منها تابع يتبعه، والأماكن هي: «ذي سلم» و«الدير» و«حاضر الحمى». في المكان الأول ظباء، وفي الثاني دُمى (تماثيل)، وفي الثالث شمس.

    وفي البيت الثاني:

    فأرقب أفلاكًا، وأخدم بيعة
    وأحرس روضًا بالربيع مُنمنما

    يقول إنني إذا وجَّهت النظر إلى المكان الأول بما فيه من ظباء، كنتُ راعي الظبي، وإذا وجهته إلى المكان الثاني (الدير) كنت بمثابة راهب الدير، وإذا وجَّهته إلى المكان الثالث، كنتُ كالمُنجِّم يرقب الشمس، فأنا راع، وراهب، ومنجِّم في آن:

    فَوَقتًا أُسمَّى راعي الظبي بالفلا
    ووقتًا أُسمَّى راهبًا ومُنجِّما

    وهكذا تمضي القصيدة، حتى لتُصبِح في اكتمالها رمزًا كبيرًا للثالوث الذي هو — كما يقول — أساس «الفردية».

    وكذلك نجد للعدد ٤ أهمية خاصة في رموز ابن عربي، إذ الأربعات عنده كثيرة ومنوعة، يوضحها بالشرح، أكثر مما يُعيِّنها باللفظ في شعره، فهو يقول — مثلًا — عند شرحه للمراد بكلمة «توراة» (ص١٧) إن التوراة فيها إشارة إلى النور (لأن الكلمة مُشتقَّة من ورى الزند) وما دامت الحِكمة الإلهية قائمة على النور، فهي قائمة على الأربعة الأوجه التي يقوم عليها النور، وهي: المشكاة، والمصباح، والزجاج، والزيت. هذا إلى أن حملَة العرش أربعة، هي الكتب الأربعة: التوراة والزبور والإنجيل والقرآن.

    ومن الأربعات التي يتردَّد ذِكرها في شروحه، مراحل التجلِّي الأربع، التي يقول إنها: الذوق، والشراب، والري، والسكر، ومنها كذلك قواعد الخلوة الأربعة: الصمت، والعزلة، والجوع، والسهر.

  • (٧)

    الرمز بالصور، وها هنا تكمُن روح الشاعر وأصالته، فالشعر — كالأحلام — لغته صور مُجسَّدة، يكون بينها وبين حوادث العالم الواقع موازاة، بمعنى أن يُقابِل كل جانب من الصورة الشعرية الرامزة، جانبًا من الموقف الواقعي المرموز له. وشعر ابن عربي غني بهذه الصور التي يصِل ببعضها إلى ذروة الذُّرى في الفن الشعري. وأحيانًا تقتصر الموازاة الصورية على جزئيات داخل بناء القصيدة، لكن هذه المُوازاة — أحيانًا أخرى — تكون بين القصيدة كلها مأخوذة في جُملتها، وبين الحقيقة المراد الرمز لها بهذه القصيدة. على أن الصور بنوعيها تُشير دائمًا إلى الحقائق الإلهية، أو الأسماء الإلهية، أو الواردات الإلهية، أو الصفات الإلهية، أو الحِكمة الإلهية فترى هذه المعاني الإلهية مُصورة على هيئة غادات حِسان، أو حمامات نائحات، أو طواويس جميلة الريش، أو ما إلى ذلك، ثم تُبنى الصورة بعد ذلك على أي نحوٍ شاء الشاعر، فمن أمثلة الصور الجزئية:

    الطواويس محمولة في رحال الإبل.
    بلقيس جالسة على عرشٍ من الدُّر.
    بلقيس تتمشَّى على صرحٍ من زجاج.
    شمس على فلك في حجر إدريس.
    أسقفة من نبات الروم تزدان بأنوارها.
    الحِسان مستورات في القباب الحمر.
    الحسناء تُبدي ثناياها، والبرق يومِض، فتنشقُّ لهما حنادس الليل.
    لمعت رعود، فقصفت لها بين الضلوع رعود.
    السحائب تهمي على الخمائل.
    جداول الماء تنساب كالأفاعي بين القباب الحمر.
    ظبي مُبرقع يُشير بعنَّاب — من خلف الحجاب — ويُومي بأجفان روضة نضرة وسط نيران مُشتعلة.
    الواردات الإلهية في قلبي،
    هي الغزلان في مرعاها.
    وهي الرهبان في الدير.
    وهي الأوثان في بيت الأوثان.
    وهي الطائفون حول الكعبة.
    وهي ألواح التوراة ومصحف القرآن إلخ إلخ.

    ونسوق المثل الآتي للرمز كيف يشمل القصيدة كلها جُملة واحدة ليُقيم المُوازاة بينها وبين الحقيقة المراد تصويرها:

    ففي قصيدة «الأوانس المُزاحمات» (ص٣٢ وما بعدها) هذه الصورة: امتدَّت إليَّ اليمين المُقدسة لأُبايعها البيعة الإلهية، فجاءت الأرواح الحافة حول العرش تُسبح بحمد ربها، جاءت تطلُب هذه المُبايعة لنفسها، وكانت هذه الأرواح غير مشهودة لي، ثم ارتفع عنها الحجاب فظهرت، فسطعت أنوارها لعَيني مثل الشموس، وحذَّرتْني من النظر إليها نظرًا مباشرًا؛ لئلا يذهب بصري المُقيَّد بالبدن، وإنما أرادت بتحذيرها ذاك ألا يَصرفني النظر إليها عن النظر إلى الله، فهي لا تُريد أن تحجُبني عنه؛ لأني خُلقت له لا لها، ووعدتْني تلك الأرواح أن تنزل لي إلى عالَم الكون، في صور مُجسَّدة، وعندئذٍ تجتمع لي لذَّة المشاهدة ولذَّة العِلم في آن، لكن تلك الأرواح خشِيَت أن تُقيِّد نفسها بقَيد المادة في تجسُّدها، فراحت تُراوغني، وتُشعرني بأنها تستُر وراءها ما هو ألطف منها، حتى إذا ما ارتفعَت هِمتي للوصول إلى ما هو مستور وراءها، انسترت هي عنِّي، وأراحت نفسها من القيد، وانطلقَت إلى مراتبها المُنزَّهة. ذلك هو الرمز الكامل الذي تؤديه القصيدة بأسرها، لترمُز به إلى حالة الصوفي وهو يحاول الوصول إلى الصفات الإلهية في مجرداتها وفي مُجسَّداتها، فلا الأولى ثبتت أمام البصر لنورانيتها، ولا الثانية احتفظت بسِرِّها الروحاني أمدًا يُمكِّن الرائي من رؤيته.

٥

قلنا إن مدار الرمز كله في ديوان ترجُمان الأشواق، هو الأسماء الإلهية، أو الصفات الإلهية، أو الحقائق الإلهية، أو الحكمة الإلهية، أو الواردات الإلهية، أو واردات التقديس، إلى آخر هذه الأسماء الوصفية التي أطلقها عليها ابن عربي خلال شرحه. قد لجأ الشاعر إلى تجسيد هذه المعاني في صورٍ حسِّية، والأغلب أن تكون هذه الصور الرامزة صورًا لحِسانٍ فاتنات يتَّصِفن بكذا وكيت من ضروب الجمال. والصوفي الشاعر من هؤلاء الحِسان بين لقاء وفراق، فما يكاد يحصل عليها في قلبه حتى ترحَل عنه، فيعدو وراءها بخياله حينًا، ويظل يتذكَّر ما كان له منها وقت لقائها حينًا آخر.

فكلما طالعتَ قصيدة من قصائده، كان لك أن تصرِف المعنى على حبيبته «النظام» ابنة شيخه في مكة، التي فارقَها بعد لقاء، فأخذ منه الشوق إليها مأخذَه، وراخ يتذكَّر ما وجدَه من نعيمٍ وهو قريب من حضرتها، كما كان لك كذلك أن تصرِف المعنى على أن الحبيبة (أو الأحبة) في القصيدة إنما تُشير إلى الأسماء والصفات الإلهية.

على أننا نجد تفاوتًا في القصائد، فمنها ما هو أقرب إلى المعنى الأول، ومنها ما هو أقرب إلى المعنى الثاني، ومنها ما يكاد يتساوى فيه المَعنيان. وسنضرب مثلًا لكلٍّ من هذه الحالات الثلاث.
  • (أ)
    تقول قصيدة «لا عزاء ولا صبر» (ص٣٠-٣١):

    تركني الأحبة، فبان الصبر والعزاء، لكن الأحبة وإن تركوني بأجسامهم، فهُم في سويداء القلب سكان. وقد سألت العارفين: أين ذهب بهم الركب؟ فقيل لي إن الركب في مكانٍ عطر برائحة الشيح والبان، فطلبتُ من الريح أن سِيري والْحَقي بهم، وستجدينهم يستظلون بشجر الأيك، فبلِّغيهم سلام محزون أشجاه فراقهم.

    هذا هو المعنى الغزلي المباشر للقصيدة، وهو معنًى مُستقيم، لكنه قد يُصرَف على المعنى الصوفي الباطن، فتكون الحقائق الإلهية هي التي بانت فبان من الصوفي صبره وعزاؤه، ولكن تلك الحقائق وإن تكن قد فارقته، فالله سبحانه في سويداء قلبه لم يبرَحْه. وقد سأل العارفين — وهم الشيوخ المُتقدِّمون — عن ركب تلك المناظر الإلهية أين ذهب؟ فأجابوه بأنها لجأت إلى قلوبٍ غير قلبه، إلى قلوبٍ ظهرت فيها أنفاس الشوق والتوَقان، فبعث صاحبنا من عنده نفَسًا شوقيًّا من أنفاسِه ليلحق بها ويرُدَّها إليه.

    وواضح أن المعنى الثاني ليس في استقامة المعنى الأول.

  • (ب)
    وفي القصيدة الآتية — وعنوانها «تناوَحَت الأرواح» — يغلب المعنى الصوفي على المعنى الظاهر، فهي تقول:

    إن حمامات الأراكة والبان (التي هي هنا رمز واردات التقديس) تنوح وتبكي فتُثير في الصوفي الشاعر صباباته الخفية وأحزانه المكنونة، فيظلُّ يُطارحها عند الأصيل وبالضحى شوقًا بشَوق، وهيمانًا بهيمان، ويردِّد الشاعر ما يخرج من تلك الحمامات النائحة من حنينٍ وأنين ترديد الصدى، حتى كان التقابل بين نَوحِه ونوحِها كأنما هي شجرة غصونها من لهب، تَميل بها الريح نحوَه فتُفنيه. على أن هذا اللقاء بينهما ليس موصولًا، بل يجيء على لحظاتٍ مُتقطعة، وحتى في هذه اللحظات لا يكون اللقاء مباشرًا، بل يكون بينهما حجاب، فالحمامات النائحة تطوف به كتطواف الرسول حول الكعبة، وتلثُم أركانه وهيكله، دون أن يكون لثمُها هذا مقصودًا لذاته، بل المقصود به ما وراء ذلك الهيكل وتلك الأركان الظاهرة. ومع ذلك فمن تلك الواردات ما ينفُذ إلى القلب مُتسترًا، فتأتي منه اللمحات من وراء ستره، كأنما هي الظبي المُبرقَع يُشير من خلف حجابه بأطراف الأنامل أو بالأجفان، وعند ذاك تكون تلك المُتحجبات كامنةً بين الترائب والحشا، فإذا كانت نيران الحبِّ قد أفنت الشاعر في محبوبه، فقد بقي له وسط ذاك اللهب روضة ذات أزهار (هي رمز لفنون المعارف). وللنظر إلى القلب بما احتوى عليه من تلك الأزهار الربانية أن يصوِّر المشهد في أية صورةٍ شاء؛ لأن القلب له من تنوُّع الحالات ما يحتمِل صورًا كثيرة (لاحظ العلاقة اللفظية بين قلبٍ وتقلُّب).

    فإذا صورت ما في القلب غزلانًا، كان القلب مرعًى لها، وإذا صورتُه رهبانًا كان القلب ديرًا لهم، وإذا صوَّرتُه أوثانًا كان القلب بيتًا لها، وإذا صوَّرتُه أرواحًا طائفة كان القلب كعبة لتطوافها، وإذا صوَّرتُه آيات من التوراة كان القلب ألواحها، وإذا صوَّرتُه آيات قرآنية كان القلب مُصحف قرآنها. على أن هذه الصور على اختلافها لا تُشير آخر الأمر إلا إلى شيءٍ واحدٍ بعينه هو «الحب» الذي يدين به الشاعر مهما كانت تكاليفه. وإذا كان الحب دين الشاعر، فعلى المُحب أن يفنى في محبوبه كما فنيَ المُحبُّون جميعًا من قبله: بشر هند، وقيس ليلى، وجميل بثينة وغيرهم.

    هذا هو مضمون القصيدة، الذي لو أخذناه على ظاهر معناه كانت الإشارة فيه إلى ما بين الحبيبَين من شوقٍ يجذب أحدهما نحو الآخر، جذبًا وصل خيوط الحب بينهما كأنها ألسنة اللهب، لكن الوصال مع ذلك لم يتحقَّق لهما، فطوى المُحبُّ قلبه على حُبه، وراح يسترسِل مع الخيال في تصوير ما انطوى عليه القلب.

    وواضحٌ أن المعنى الصوفي الباطني، الذي يجعل الأرواح المتناوِحة هي روح الصوفي من جهة والأرواح الواردة إليه من جهة، هو الأغلب، والأقرب إلى القبول.

  • (جـ)

    وهناك قصائد كثيرة، لا يكون فيها الرجحان الغالِب لا إلى المعنى الغزلي المباشر، ولا إلى المعنى الصوفي الباطني، بل يتعادل فيها التأويلان، تعادُلًا تامًّا. خذ مثلًا قصيدة «حادي العيس» (ص٦٨–٧٠)، وانظُر كيف يتعادل المَعنيان:

    يوجِّه الشاعر خطابه إلى حادي العيس ألا يتعجَّل السير بالحبيبة، حتى يلحق هو بالركب؛ لأنه مُضطر إلى المُكث حينًا، فليُمسك بالمطايا حتى لا تنطلِق في سَيرها، فهو جادٌّ في اللحاق بهم، وإن تكن تحُول دون ذلك العوائق، ثم يُوجِّه الشاعر ذلك الحادي بأن يقِف في أيمن الوادي، حيث خيام الأحبَّة، الذين هُم للشاعر كنفسِه وكبده، وإن الشاعر المُحب ليعتزِم اللحاق بالحبيبة الراحلة مهما يكن ثمَّة من صعاب، وإلا فلا كان ذلك الهوى الذي يدَّعيه.

    فلكي نفهم هذا السياق على المعنى الصُّوفي، نُترجِم «حادي العيس» إلى «الداعي إلى الحق»، وتُترجَم «الحبيبة» إلى الحقائق الإلهية التي رحلتْ عن قلب الصوفي، فيكون الخطاب معناه: لا تتعجَّلوا السير، فإني مُضطر إلى البقاء هنا إلى ساعة الأجل؛ لأني حبيس البدَن، وأما النفس فتُريد العُروج إلى السماء لولا ذلك القيد، وإن ما قد خيَّم في الوادي المُقدَّس هي المعارف الربانية التي يتعشَّقها كأنها له لبُّ الحياة وجوهرها.

    على أن هذا التعادُل في المعنى بين الظاهر والباطن، لا ينفي قولنا بأن الشاعر قد قصد أول ما قصد إلى المعنى الغزلي الظاهر في كثيرٍ من قصائده، ثم صرَف الظاهر إلى باطن. ويجدُر في هذا المقام أن نشير إلى الذِّكر الصريح الذي ورد في بعض قصائده لحبيبته «النظام» — إما بالاسم أو بالوصف المُحدَّد — كقوله في شطر بيت (ص٨٤) «هي بنت العراق بنت إمامي.» وكقوله (ص٨٣):

    طال شوقي لطفلةٍ ذات نثرٍ
    ونظامٍ ومنبرٍ وبيان

    وفي شرحه لهذا البيت وردت هذه العبارة: «لغزْنا هذه المعارف كلها خلف حجاب النظام بنت شيخِنا، العذراء البتول شيخة الحرَمَين وهي من العالِمات المذكورات.»

    ومهما يكن من أمر هذا الديوان، فهو غزيرٌ بشِعره، غنيٌ بصوره، مُجنِّح بخياله، مُثقل بفكره وحِكمته، نابض بحرارة إيمانه، فهو لقارئه مُتعة ودراسة وحياة.

١  اعتمَدْنا على طبعة «دار صادر»، بيروت ١٩٦١م.
٢  «التصوف» للدكتور أبو العلا عفيفي، ص٢٣٦.
٣  آسين بلاثيوس، ابن عربي، ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي، ص٢١٢.
٤  المرجع السابق، ص٢١٣.
٥  ابن عربي، حياته ومذهبه، ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي، ص٢٦٧ وما بعدها.
٦  المرجع المذكور، ص٢٦٧-٢٦٨.
٧  المرجع نفسه، ص٢٦٩.
٨  المرجع نفسه، في الصفحة نفسها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١