الفصل الرابع

إثبات أسباب الأمراض

بعد التدقيق المتأني من أجل الاستبعاد المنطقي للانحيازات والمصادفات، ربما يبدو مفاجئًا لنا أن الارتباط الذي تأكد في إحدى الدراسات بين تعرُّض ما مثل زيادة الوزن وبين الإصابة بمرض مثل مرض السكر لا ينبغي أن يعني تلقائيًّا أن زيادة الوزن هي سبب الإصابة بمرض السكر. هناك ثلاثة أسباب لذلك؛ أولها: أن أفضل ما يمكن عمله في أي دراسة قائمة على الملاحظة هو التحكم في كل العوامل المعلومة لنا؛ أي العوامل الدخيلة القابلة للقياس بدقة (العوامل المشوشة) والمصادر المعلومة للانحياز في الانتقاء أو الملاحظة التي يمكن استبعادها أو تصحيحها. ولا يمكن عمل أي شيء حيال العوامل غير المعلومة التي ربما أوجدت ذلك الارتباط على نحو زائف، ولا حيال الأفراد الذين شملتهم الدراسة — فهم ليسوا فئران تجارب موضوعة في ظروف محكمة الانضباط في تجربة داخل مختبر — فهناك قائمة لا نهاية لها من تلك العوامل. والثاني: أن الصدفة تستبعد بناءً على حساب حدود الثقة، أو ما هو أقل تفضيلًا بكثير، اختبارات الدلالة التي تخطئ مرة كل عشرين أو مائة أو ألف حالة؛ فلا يوجد يقين على الإطلاق. والثالث: أكثر خفية وإن كان أكثر أهمية في الوقت نفسه، جميع أنواع تحليلات البيانات الواردة من الدراسة تقوم إما ظاهريًّا أو ضمنيًّا على نماذج. إن المقارنة البسيطة والمباشرة بين معدلات الإصابة بمرض ما لدى مجموعتين من الناس معناها أننا نؤمن ضمنًا بنموذج ما لا توجد به أي عوامل مشوشة، ولا حتى العمر أو الجنس، تحتاج إلى أن يتم ضبطها. لو أننا، بدلًا من ذلك، قمنا بعملية ضبط لعزل بعض العوامل المشوشة، لاستخدمنا نموذجًا أكثر تعقيدًا يتضمن إجراءً نوعيًّا وبعض الافتراضات، على سبيل المثال، أن العوامل المختلفة تؤدي عملها عن طريق إجراء عمليات جمع أو ضرب لإسهامها في معدل الإصابة. وتُشتق عمليات الضبط المختلفة من استخدام نموذج معين. وبالمثل، فإنا نستخدم النماذج مثلما نقذف بعملة غير متحيزة كي نحسب الاحتمالات بهدف الوصول إلى حدود ثقة أو اختبارات دلالة، غير أن الأحداث في الواقع من الممكن أن تسلك مسلكًا مختلفًا عن مسلك العملات غير المتحيزة، فتقحم خطأ ما غير محسوس في نتائجنا. ولهذه الأسباب، فإن أي ارتباط يثبت وجوده منطقيًّا في إحدى الدراسات بين تعرُّض ما وأحد الأمراض يحتاج إلى المرور بعملية تأويل قبل التوصل لاستنتاج عن طبيعته، سواء أكان سببيًّا أم غير سببي.

كيفية تأويل الارتباطات

مرت مشكلة تأويل الارتباطات المثبتة بمرحلة حرجة في أوائل ستينيات القرن العشرين، عندما اتفقت أعداد كبيرة من الدراسات الوبائية على اعتبار تدخين التبغ السبب الرئيسي في الإصابة بالعديد من الأمراض، أهمها سرطان الرئة. حتى ذلك الحين، كان ما يطلق عليها «فرضيات كوخ» تستخدم كمقياس عام لتقييم الارتباطات بين تعرُّضٍ ما والإصابة بأحد الأمراض. كان روبرت كوخ، وهو شخصية محورية في الثورة الميكروبيولوجية في ميدان الطب، قد اكتشف من قبل البكتيريا المسببة للدرن والكوليرا، وصاغ معاييره عام ١٨٩٠ للإجابة عن سؤال: كيف يمكننا — من بين آلاف الكائنات الدقيقة التي يحملها أي جسم بشري — تمييز تلك الأقلية القادرة على إحداث المرض من بين تلك الغالبية العظمى من الطفيليات المسالمة؟ ووفق معايير كوخ، فإن العنصر الحاسم الذي يسمح بتأويل الارتباط بين أحد الكائنات الدقيقة ومرض بشري معين باعتبار أن الأول هو ما يسبب الثاني؛ أن نعيد إنتاج المرض معمليًّا في أحد حيوانات التجارب. وعند تطبيق ذلك على مسألة التدخين/سرطان الرئة، صار هذا المعيار يمثل عائقًا لا سبيل لاجتيازه؛ إذ لم ينجح أي إنسان بعدُ في إحداث سرطان رئة عن طريق إرغام الحيوانات على استنشاق دخان التبغ.

في عام ١٩٦٢، أيد تقرير صادر عن الكلية الملكية للأطباء بالمملكة المتحدة الرأي القائل إن تدخين التبغ يتسبب في الإصابة بسرطان الرئة، غير أن قضية وضع معايير لإثبات أسباب الأمراض لم تُناقش صراحةً إلا مع صدور تقرير عام ١٩٦٤ بعنوان «التدخين والصحة» الذي عَهِد كبير أطباء الولايات المتحدة (وهو أكبر مسئول عن الخدمات الصحية العامة في البلاد) إلى لجنة مكونة من عشرة علماء بإصداره. يعد التقرير — الذي صدر بعد فحص متعمق لجميع الأدلة المتاحة واستشارة حوالي ٢٠٠ خبير — تحفة فنية أصيلة في مجال تقييم الأدلة العلمية، وتحديدًا المستخدمة في علم الأوبئة. أعلن العلماء عن مبادئ تقييم المعنى السببي أو غير السببي للارتباطات، وطبقوا بالفعل عددًا منها. في ذات الوقت تقريبًا، وضع أوستن برادفورد هيل من جامعة لندن للصحة العامة وطب المناطق الحارة بشكل مستقل مبادئ مشابهة في بحث جاد دقيق، مشددًا على أنها يجب أن تُوظَّف لا كمعايير يجب استيفاؤها، وإنما كدليل استرشادي عند تكوين أحكام في مسألة السببية. ولا تزال تلك المبادئ، سواء في صورها الأصلية أم في أيٍّ من نسخها التالية العديدة، إطارًا ملائمًا للمرجعية في تأويل الارتباطات بين التعرُّض والمرض.

وفي نسختي الخاصة بهذا الكتاب، تتكون تلك المبادئ من ثمانية أسئلة:
  • (١)
    هل يسبق التعرُّض المرضَ؟ على سبيل المثال، هل كان النظام الغذائي السابق الذي ذكر مرضى سرطان القولون أنهم كانوا يتبعونه سابقًا على الإصابة بالسرطان، أم أنهم كانوا في حقيقة الأمر ودون تعمد يقدمون معلومات عن الأنظمة الغذائية التي تم تعديلها بالفعل بسبب بعض الأعراض الطفيفة لسرطان ينمو في صمت؟ وحده النظام الغذائي السابق على بدء ظهور السرطان هو الذي يمكن أن يلعب دور العامل المسبب أو الوقائي، وما لم ترد معلومات لا يداخلها الشك حول تلك النقطة، فإنه لا يمكن التوصل لاستنتاج بشأن طبيعة الارتباط بين النظام الغذائي وسرطان القولون.
  • (٢)
    ما مدى قوة الارتباط؟ في حالة دراسة مجموعة أتراب مدينة الزهور الواردة بالفصل الثالث، حسبنا معدل الإصابة بالسكر من النوع الثاني بين أصحاب الوزن الزائد، وكان ١٨٫٥ لكل ١٠٠٠ شخص-يوم، وبين أصحاب الوزن الطبيعي ٨٫٣، وهو فارق مقداره ١٠٫٢، مع احتمال بنسبة ٩٥٪ أن يكون الفارق الحقيقي واقعًا بين ٢ و١٨٫٣. وكبديل لفارق المعدلات هذا، يمكننا حساب نسبة المعدلات وهي ١٨٫٥ / ٨٫٣ = ٢٫٢، والتي يتبين أن حدود الثقة البالغة ٩٥٪ لها هي ١٫٢ و٥٫٤. المعدل النسبي، أو ما يطلق عليه نسبة المخاطر (أو نسبة الخطر، أو الخطر النسبي)، أداة أكثر تفضيلًا بكثير لتقييم مدى قوة ارتباط ما من فارق الخطر، حيث إن الأخطاء التي تحدث بسبب مصادر متنوعة تميل إلى أن تكون متناسبة مع المعدلات ويتم الحكم على دورها المحتمل في إنتاج ارتباط لوحظ بشكل أفضل كثيرًا عن طريق حساب النسبة من حساب الفارق. كان من الممكن التوصل لنفس فارق المعدلات، وهو ١٨٫٥ − ٨٫٣ = ١٠٫٢ لكل ١٠٠٠ شخص-يوم، الذي وجد بمدينة الزهور، افتراضيًّا من معدلين آخرين، وليكونا مثلًا ١٢٠٫٥ و١١٠٫٣. ولكن الارتباط الأول يعني ضمنًا وجود زيادة في المعدل تبلغ (١٠٫٢ / ٨٫٢) × ١٠٠ = ١٢٤٪، في حين أنه في الارتباط الثاني، كانت الزيادة ٩٪ فحسب؛ أي (١٠٫٢ / ١١٠٫٣) × ١٠٠. ويجوز أن يعزى الارتباط الأخير بسهولة إلى وجود خطأ بنسبة ١٠٪، وهو مقدار ليس بمستغرب في الدراسات الوبائية نتيجة لعوامل غير خاضعة للسيطرة، في حين أن الأول أقوى بكثير؛ إذ إنه يتجاوز كثيرًا (بحوالي ١٢ ضعفًا) الخطأ الذي نسبته ١٠٪. وأفضل سبيل لجعل القوة المختلفة للارتباطين ظاهرة بصورة مباشرة أن نعبر عنها ليس من خلال فارق المعدلات (وهو واحد للاثنين)، وإنما من خلال نسبة المعدلات (وهما على الترتيب ٢٫٢ و١٫٠٩). بصفة عامة، كلما كانت نسبة المعدلات أو نسبة الخطر أقوى، صرنا أكثر ثقة في أن الفارق على الأرجح لم يأتِ نتيجة لخطأ. غير أنه لا يوجد مع ذلك حد فاصل، وثابت على مستوى الدراسات كافة، بين نسب المعدلات «الضعيفة» و«القوية»؛ حيث إن مقدار الأخطاء التي يمكن أن تحدث في الدراسات المختلفة يتوقف على نوعها وطرق القياس المستخدمة، والمجتمع السكاني الخاضع للدراسة.
  • (٣)
    هل يصبح الارتباط أقوى كلما زاد التعرُّض؟ من المنطقي أن نتوقع أنه إذا كان تعرُّضٌ ما يسبب مرضًا معينًا، فإن معدل الإصابة بهذا المرض يرتفع كلما ارتفعت مستويات التعرض. على سبيل المثال، يرتفع معدل الإصابة بسرطان الرئة كلما ارتفع عدد السجائر المدخنة يوميًّا وعدد سنوات التدخين، وهما جانبان مختلفان من حجم التعرض.
  • (٤)
    هل الارتباط متسق؟ مرة أخرى، نقول إنه من المنطقي أن نتوقع أنه إذا كان تعرُّض ما يسبب مرضًا معينًا، فإنه سوف يظهر ذلك الأثر بشكل متسق، هذا إن لم يتم على النسق نفسه تمامًا، لدى مختلف الفئات الفرعية من الناس؛ أي الذكور والإناث، وسكان الحضر والريف، وغير ذلك.
  • (٥)
    هل الارتباط نوعي؟ وجود ارتباط نوعي قوي خاص بمرض معين يؤيد وجود تأثير سببي عبر آلية بيولوجية معينة، في حين أن الارتباطات الواهنة المتعددة بأمراض متفرقة تثير الشك في أنها ربما تكون نتيجة مضللة بسبب بعض الانحياز الذي أثر على الأداء الموحد للدراسة.
  • (٦)
    هل الارتباط متسق مع الأدلة البيولوجية الأخرى؟ في حالة مثال سرطان الرئة، فشلت لمدة طويلة تجارب إعادة إنتاج المرض بإرغام الحيوانات على استنشاق دخان التبغ. غير أنه تبين مرارًا وتكرارًا أن مواد مستخلصة من الدخان تسببت في الإصابة بالسرطان عند دَهن جلد حيوانات التجارب بها. اعتُبر هذا النوع من الأدلة غير المباشرة، وهذا حق، بمنزلة تأييد لفكرة أن تدخين التبغ يمكن أن يتسبب في الإصابة بالسرطان. وبالنسبة للارتباط بين زيادة الوزن والإصابة بمرض السكر، هناك آليات بيولوجية، لا سيما الحقيقة القائلة إن زيادة كمية دهون الجسم تؤثر في نشاط الأنسولين؛ مما يؤكد على أن زيادة الوزن هي سبب الإصابة بالسكر.
  • (٧)
    هل للارتباط أي نظير؟ قد يكون هذا هو الحال مثلًا عندما يكون التعرُّض موضع الدراسة أحد الجزيئات التي يحتوي عليها ملوث كيميائي له تركيب مشابه لجزيء معلوم بالفعل أنه مسرطن.
  • (٨)
    هل الارتباط ثابت عبر الدراسات المختلفة؟ الارتباط الذي يُكتشف مرارًا وتكرارًا في دراسات وبائية مختلفة الأنواع وفي مجتمعات سكانية مختلفة من المرجح أن يكون سببيًّا، أكثر من ذلك الارتباط الذي لا يظهر إلا بصورة عارضة من حين لآخر. ويتعزز هذا التأويل إذا كان إيقاف التعرض — مثلما يحدث عند إقلاع المدخن عن التدخين — متبوعًا بانخفاض الإصابة بالمرض المرتبط به.

يمكن القول إن الإجابة بالإيجاب عن السؤال الأول أمر ضروري حتى يمكن الحكم على الارتباط بين التعرُّض والمرض كارتباط سببي، وإن الإجابة بالإيجاب عن السؤال الثامن تقدم أقوى تأييد لذلك الحكم، وكذلك الإجابة بالإيجاب على كل سؤال من الثاني حتى السابع تزيد من ترجيح أن الارتباط سببي.

إذا كنت تشعر عند هذه النقطة أن عملية إثبات وجود ارتباط بين تعرُّض ما ومرض معين والحكم على طبيعة ذلك الارتباط، ما إذا كانت سببية أم غير سببية، عملية مرهقة وليست ببسيطة على الإطلاق، فأنت محقٌّ في ذلك، وهي قاسية كذلك. وسوف تتبين أيضًا مدى انعدام جدوى التعليق القائل إن الدراسات الوبائية لا تُنتج سوى أدلة «غير قاطعة» أو «إحصائية» والذي يتردد كثيرًا بهدف نفي الجدارة عن عمليات البحث الوبائية عن المخاطر البيئية وغيرها. إن ما تنتجه تلك الدراسات مجرد أدلة علمية، شأنها في ذلك شأن الأنواع الأخرى من الدراسات العلمية الأخرى التي تُجرى بطريقة صحيحة.

الدراسات السلبية

إن عدم إثبات ارتباط في موضع كان يُتوقع فيه وجوده هو الوجه الآخر لعملة إثبات ارتباط بين تعرُّض ما وأحد الأمراض، والمرور بعملية مضنية لإثبات ما إذا كان هذا الارتباط سببيًّا أم لا. وخاصة عندما يكون التوقع مبنيًّا على نتائج متكررة من دراسات وبائية سابقة أو على نتائج مؤكدة من دراسات معملية، يكون التدقيق المنهجي مطلوبًا للتحقق من أسباب عدم إثبات الدراسة لوجود الارتباط. وهناك أسباب عدة تندرج تحت مسمى «غير كافٍ»: عدد غير كافٍ من الأفراد الذين شملتهم الدراسة؛ مما يؤدي إلى ما يسمى بتدني «القدرة» على اكتشاف وجود زيادة في حجم الخطر الذي يرتبط بالتعرض؛ وشدة غير كافية أو مدة غير كافية للتعرض للحث على ظهور زيادة ملحوظة في خطر الإصابة، مثلما قد يحدث في حالة الملوثات التي أدخلت إلى البيئة مؤخرًا ولكن بتركيزات منخفضة؛ وفترة ملاحظة غير كافية، حيث إن تأثيرات مثل مرض السرطان عادةً ما تظهر بعد مرور سنوات عديدة من التعرض الأول؛ وأخيرًا، تباين غير كافٍ في التعرض بين مختلف مجموعات الأفراد المطلوبة المقارنة بينهم، مما يجعل من الصعب اكتشاف الاختلافات في معدل الخطر بين المجموعات المختلفة. علاوةً على ما تقدم، فإن العوامل المشوشة ومصادر الانحياز، مثل عمليات فقدان السجلات التي لا تتم عشوائيًّا، لا تتسبب فقط في إيجاد ارتباطات زائفة، وإنما تعمل كذلك في الاتجاه المضاد عن طريق إخفاء الارتباطات القائمة بالفعل. إن عملية فهم سبب عدم إثبات ارتباط كان متوقعًا لا تقل طولًا ولا مشقة ولا تعقيدًا عن عملية إثبات وجود الارتباط والحكم على طبيعته.

باختصار، القاعدة الأساسية هي التمييز بوضوح بين «عدم وجود دليل على وجود تأثير» — وهو ما قد يحدث في كثير من الأحيان بسبب عدم إجراء دراسة ملائمة (أيًّا كانت الأسباب) — وبين «وجود دليل على عدم وجود تأثير» وهو ما يظهر نتيجة الدراسات الوافية. الأخيرة عبارة مطمئنة، في حين أن الأولى عبارة مبهمة. وهكذا، فإن الدراسات التي تُجرى على المجتمعات السكانية الصغيرة، مثلما يحدث كثيرًا بهدف تهدئة المخاوف المشروعة بشأن المخاطر القادمة من عوامل بيئية، ربما تكون قادرة على استبعاد المخاطر الكبيرة، لكنها غير قادرة على تقديم معلومات عن المخاطر المحتملة الأصغر حجمًا. وهناك مبدأ ذو صلة بذلك وهو أن إثبات وجود تأثير ضعيف، مثل وجود زيادة طفيفة في خطر الإصابة بالربو لدى أناس يتعرضون لمادة كيميائية معينة، لا يمكن اعتباره إشارة إلى أن المادة الكيميائية في حد ذاتها عامل ضعيف، ومن ثم غير ضار تقريبًا؛ لأن التأثير المرصود يعتمد كذلك على سمات الدراسة وعلى الجرعة المتعرض لها من تلك المادة. مرة أخرى، لا يمكن اعتبار «وجود دليل على وجود تأثير ضعيف» دليلًا تلقائيًّا على «وجود دليل على وجود مركب سام ضعيف».

الأسباب الضرورية والكافية

«النقطة المحورية أنه حتى إذا كان التدخين مرتبطًا ارتباطًا سببيًّا بأي مرض، فإنه لا يمثل سببًا ضروريًّا ولا كافيًا لحدوثه.» هذه العبارة التي نُطق بها في إحدى المحاكم على لسان أحد الخبراء بعد مرور ٣٠ عامًا من نشر تقرير «التدخين والصحة» الذي أكد على أن تدخين التبغ يتسبب في أمراض عدة، عبارة صحيحة ومضللة في آنٍ واحد. هي صحيحة لأن، على سبيل المثال، هناك حالات إصابة بسرطان الرئة بين غير المدخنين (إلا أن الغالبية العظمى منها تكون بين المدخنين)، كما أنه ليس كل المدخنين مصابين بسرطان الرئة. وهي مضللة لأنها توحي بأن الأسباب «الحقيقية» للأمراض هي فقط تلك الأسباب التي لا غنى عنها لحدوث الإصابة في جميع الحالات، أو الكافية لإحداث المرض في كل مرة توجد فيها، أو كلا الأمرين معًا. إن الأسباب التي تكون ضرورية وكافية، أو كافية وحسب، هي في حقيقة الأمر أسباب غير شائعة في الطبيعة، وهي في الأساس متمثلة في تلك الجينات الموروثة التي لا بد أن تحدث المرض الوراثي الذي تحمله، مثل الاستعداد الوراثي للنزف المعروف باسم الهيموفيليا. والأسباب الضرورية شائعة في ميدان الأمراض المعدية، حيث لا يتسبب في المرض سوى وجود ميكروب معين (على سبيل المثال، أيًّا كانت الأعراض، فلا توجد أي حالة درن يمكن أن تحدث بدون وجود بكتيريا المتفطرة الدرنية). خارج هذين النطاقين، فإن الغالبية العظمى من أسباب الأمراض مثل تدخين التبغ، لا هي ضرورية ولا كافية، غير أنها تزيد، في الغالب بشكل مؤكد، من احتمال (أي خطر) الإصابة بالمرض، ويكون تجنبها أو تحييدها أمرًا بالغ الفائدة. وكمثال لذلك، زيادة الوزن والسمنة، اللذان سبق أن ناقشناهما، هما سببان للإصابة بمرض السكر، ولكنهما ليسا ضروريين ولا كافيين. وفي علم الأوبئة، يُستخدم المصطلح العام «محدِّد» كمرادف لكلمة سبب دون حكم مسبق على الطبيعة التفصيلية للسبب، إن كان ضروريًّا أو كافيًا أو واسع النطاق، مثل نوع الغذاء أو المهنة، أو ضيق النطاق، مثل فيتامين معين داخل الغذاء أو التعرض النوعي لملوث كيميائي في ظروف مهنية معينة.

المحددات الفردية والمجتمعية للأمراض

يتوقف الإقرار بأن أحد العوامل مثل التبغ يمكنه أن يتسبب في الإصابة بسرطان الرئة على شرطين: الشرط الأول وهو بديهي للغاية يتعلق بالتبغ وهل هو بالفعل قادر على إحداث المرض. والثاني، وهو أقل بديهية، يتعلق بمقدار التباين في عادات التدخين بين المجتمع السكاني الخاضع لدراسة عالِم الأوبئة. لو كان جميع الأفراد يدخنون عشرين سيجارة بالضبط يوميًّا بدءًا من سن ١٥ حتى سن ٤٥، فلن يكون هناك فارق في معدل الخطر بسبب التبغ. فالتبغ، بالرغم من أنه المحدِّد المهيمن للإصابة بسرطان الرئة في مجتمع سكاني يدخن فيه الجميع، فإنه لن يتم اعتباره سببًا للمرض. فهناك عوامل أخرى — مثل الاستعداد الفردي — يمكن أن تكون المحددات الوحيدة المقرَّرة التي بسببها يبدو الأفراد في مجتمع سكاني ذي معدل خطر واحد ومرتفع نتيجة التدخين معرضين لخطر إصابة أكبر. ومن الممكن أن نتوصل لاستنتاج مؤداه أن سرطان الرئة يحدث نتيجة للاستعداد الفردي، وهي في حد ذاتها متوقفة في الغالب على جينات موروثة من الآباء؛ ومن ثم يمكن أن نتوصل إلى اعتبار سرطان الرئة مرضًا وراثيًّا في الأساس.

طُرِح هذا المثال التخيلي عام ١٩٨٥ على يد جيفري روز في مقال رائع (تحت عنوان «أفراد مرضى ومجتمعات مريضة») لإيضاح الفارق بين المحددات الفردية والمجتمعية للأمراض. إن المحددات المجتمعية، مثل عادة التدخين التي يمارسها الجميع بمعدل واحد، مسئولة عن خطر الإصابة بالمرض الذي يتهدد المجتمع السكاني إجمالًا، في حين أن المحددات الفردية، مثل الاستعداد الفردي، مسئولة عن معدلات الخطر المتفاوتة بين الأفراد أو مجموعات الأفراد داخل المجتمع السكاني. والدراسات التي تقارن بين خطر الإصابة بالمرض لدى مجموعات داخل مجتمع سكاني ما تكون ملائمة لتحديد الأخيرة، غير أن إدراك المحددات التي تعمل في الأساس على مستوى المجتمع السكاني بأسره يتطلب تحليل ومقارنة معدلات الخطر بين مجتمعات من مناطق أو بلدان مختلفة أو داخل المجتمع نفسه ولكن في فترات مختلفة. ولا يوجد داعٍ لوجود قواعد جديدة يتم تطبيقها في عمليات التحليل هذه، بل من الممكن أن يثبت أنها أكثر تعقيدًا من تلك المحددة أصلًا لدراسة الارتباطات والحكم على مدى سببيتها في إطار مجتمع سكاني ما.

بسبب التأثير العام للمحددات المجتمعية، فإنها تحظى بأهمية بالغة للصحة. وهناك حالة راهنة صارخة تسير في اتجاهات مثال التبغ التخيلي نفسها؛ ألا وهي زيادة الوزن، ولا سيما إذا كانت في أعلى درجاتها؛ أي البدانة. تنشأ زيادة الوزن أساسًا نتيجة خلل في التوازن بين حصول الجسم على سعرات حرارية عالية تدخل إليه من خلال الطعام واستهلاك ضئيل للغاية لتلك السعرات عن طريق النشاط البدني. وهنا يكون التناول المفرط للأغذية كثيرة السعرات هو التعرُّض ذا الصلة؛ فإذا كان جميع أفراد المجتمع السكاني أو الغالبية العظمى منهم معرضين بصورة شبه موحدة لفائض ما (ليس بالضرورة كبيرًا) من السعرات بدءًا من سن الطفولة، مثلما يحدث اليوم في العديد من البلدان مرتفعة الدخل، فإن خطر الإصابة بالبدانة سيكون مرتفعًا بالمثل لجميع أفراد هذا المجتمع. إلا أننا نجد، مثلما كان الحال مع مثال التدخين، أن بعض الناس يكونون معرضين لخطر أكبر من المتوسط نتيجة للاستعداد الفردي، وهو ما يصبح المحدِّد الرئيسي المعروف للبدانة. وهذا هو ما يحدث اليوم؛ إذ تكتشف «جينات البدانة» المرتبطة بالاستعداد الفردي، الواحد تلو الآخر. وتجد تلك الاكتشافات صداها في وسائل الإعلام، بل وحتى في الصحافة العلمية، باعتبارها آخر الأسباب (إلى متى؟) المكتشفة والحقيقية للبدانة. إن التركيز المنصب على الجينات يمثل تحديًا علميًّا، غير أنه يضللنا إذا نحن تجاهلنا المحدِّد الرئيسي لخطر إصابة المجتمع ككل بالبدانة؛ وهو الزيادة المفرطة والمنتشرة على نطاق واسع في عدد السعرات التي نحصل عليها.

وهناك محددات مجتمعية أخرى للمرض ذات صلة جلية. فالمياه الملوثة تعد البلاء الرئيسي في الكثير من البلدان ضعيفة الموارد؛ مما يسبب ما يقرب من مليونَيْ حالة وفاة في جميع أنحاء العالم سنويًّا. ويؤثر تلوث الهواء على صحة سكان البلدات الصغيرة في البلدان مرتفعة الدخل كما في البلدان متوسطة ومنخفضة الدخل. وفي صورة أقل وضوحًا، نجد أن اللقاح الوقائي ضد عدد من الأمراض مثل الحصبة أو شلل الأطفال هو في الأساس محدِّد مجتمعي للصحة والمرض أكثر منه محددًا فرديًّا. ومن المؤكد أن اللقاح مفيد للفرد، ولكن بالنسبة لمعظم الناس ربما يكون خطر الإصابة بالمرض منخفضًا بالفعل حتى دون تلقي اللقاح. إلا أن اللقاح يخلق ما يطلق عليه «المناعة الجماعية»، التي تنقطع بواسطتها سلسلة انتقال المرض المعدي مثل الحصبة، فتهبط بخطر الإصابة لإجمالي المجتمع إلى ما يقرب من الصفر (أو الصفر فعلًا). هناك عوامل أخرى، مثل كون المرء موظفًا أو عاطلًا، وكذلك مستوى التعليم المنخفض أو المرتفع، كان من المعلوم لبعض الوقت أنها تؤثر تأثيرًا مباشرًا على صحة الأفراد. إلا أن أحدث الدراسات تبين أن الوظيفة أو مستوى التعليم في مجتمع ما يعملان أيضًا بصورة غير مباشرة كمحددَيْن لصحة المجتمع. وكما سنرى في الفصل التاسع، فإن الأمر بحاجة لأنواع مختلفة من التدخلات، الموجهة نحو الأفراد أو جماعيًّا على مستوى المواد أو البيئة الاجتماعية، من أجل السيطرة على المحددات الفردية والمجتمعية للأمراض.

التبغ والصحة

كانت الأبحاث التي أجريت على التبغ ومدى تأثيره على الصحة حافزًا محوريًّا لتطوير الأساليب المتبعة في علم الأوبئة المعاصر، بما فيها مبادئ تحديد أسباب المرض. تؤرخ المنحنيات البيانية التي تصور أرقام البقاء على قيد الحياة في أوساط المدخنين مقارنة بغير المدخنين (انظر شكل ٤-١) للحظتين فارقتين في مجال البحث في علم الأوبئة، يفصل بينهما ما يقرب من نصف قرن.
fig8
شكل ٤-١: (أ) النسبة المئوية للبقاء على قيد الحياة بين الأطباء البريطانيين في الفترة ١٩٥١–١٩٩١، و(ب) النسبة المئوية للبقاء على قيد الحياة بين الرجال الأمريكيين في ثلاثينيات القرن العشرين.1

هناك تشابه مذهل بين المنحنيات، يوجز أطوال أعمار كلٍّ من المدخنين وغير المدخنين، غير أنها تعكس حالتين مختلفتين اختلافًا جذريًّا من المعرفة. ففي عام ١٩٣٨، لم يكن الكثير معلومًا على المستوى الوبائي وكان منحنى ذكور الولايات المتحدة يستحثنا على إجراء الأبحاث من أجل اكتشاف السبب الذي جعل نسبة بقاء المدخنين على قيد الحياة تبدو أقل كثيرًا. ولكن منحنيات دراسة الأتراب التي أجريت على الأطباء البريطانيين بخلاف ذلك تبين بوضوح نتيجة كافة الأمراض التي كان يعتقد في ذلك الوقت ووفقًا للدراسات الوبائية أنها جاءت نتيجة للتدخين.

ويمثل عام ١٩٥٠ نقطة تحول في هذه الأبحاث. فقد نُشرت في ذلك العام ثلاثة أبحاث مهمة لريتشارد دول وأوستن برادفورد هيل في المملكة المتحدة، ولإرنست ويندر وإيفارتس جراهام في الولايات المتحدة، ولمورتون ليفين، وهايمن جولدستاين، وبول جيرهارت في الولايات المتحدة أيضًا. كانت تلك أولى الدراسات التحليلية الدقيقة التي تجرى على أحد الأمراض، وهو سرطان الرئة، وصلته بتدخين التبغ. واكتشفت الدراسات الثلاثة كلها معدل تكرار أعلى للمدخنين في الحالات المصابة بسرطان الرئة منه في أوساط أفراد المجموعة الضابطة. وعجَّلت تلك النتائج بحدوث ارتفاع سريع في أعداد الدراسات الوبائية التي أجريت على العلاقة بين التدخين وسرطانات الرئة، وغيرها من أعضاء الجهاز التنفسي، وغيرها من الأمراض مثل الالتهاب الشعبي المزمن واحتشاء عضلة القلب. وسرعان ما أخضع دول وهيل عام ١٩٥١ — في أعقاب بحثهما الذي أجرياه عام ١٩٥٠ على سرطان الرئة — مجموعة أتراب من ٤٠ ألف طبيب بريطاني للمتابعة لعدة عقود بحيث تُسجَّل معدلات الوفيات بسبب الأمراض المختلفة. وكانت هناك ميزة من وراء اختيار الأطباء؛ وهي إشراك مجتمع متجانس إلى حد بعيد من حيث الوضع الاجتماعي والاقتصادي وليس معرضًا للعوامل الأخرى السامة التي تنتقل عبر الهواء، وذلك على عكس العاملين في العديد من المهن الأخرى. وتعد تلك الدراسة حجر زاوية في علم الأوبئة، وقد أجريت دراسات متابعة مشابهة على التدخين في مجتمعات أخرى.

بالإضافة إلى ذلك، صار التدخين عاملًا يجب قياسه في كل الدراسات الوبائية تقريبًا؛ لأنه من الممكن في كثير من الأحيان أن يكون مشوشًا على تأثيرات عوامل أخرى. ونتيجةً لذلك، تزايدت المعلومات في هذا الشأن ولا تزال تتزايد حتى يومنا هذا. وقد سردت لجنة مشكَّلة عام ٢٠٠٢ من الوكالة الدولية لأبحاث السرطان أكثر من ٧٠ دراسة تتبُّعية رئيسية طويلة الأجل موضوعها الأمراض المرتبطة بالتدخين.

figure
شكل : السير ريتشارد دول (١٩١٢–٢٠٠٥) أبرز علماء الأوبئة في النصف الثاني من القرن العشرين، الذي أسهمت دراساته بمعلومات أساسية حول أسباب السرطان. ويظهر في هذه الصورة عام ١٩٩٨ مع مؤلف الكتاب لدى حضورهما الدورة الصيفية للبرنامج التعليمي الأوروبي لعلم الأوبئة بفلورنسا، حيث كان يحاضر خلال الفترة من ١٩٩٣ حتى ٢٠٠٣.2
وكما يبين منحنى البقاء على قيد الحياة في شكل ٤-١(أ)، فإن المدخنين الحاليين يصلون إلى النقطة الزمنية التي يظل عندها نصف الأفراد (أي ٥٠٪ على المحور الرأسي) المشاركين في الدراسة والأحياء في سن الأربعين قبل وصول غير المدخنين مدى الحياة إليها بمقدار ٧٫٥ أعوام. بعبارة أخرى، يفقد المدخنون في المتوسط سبع سنوات من أعمارهم مقارنةً بمن لم يدخنوا على الإطلاق، ويفقد أولئك الذين يتوفون بين سن الخامسة والثلاثين والتاسعة والستين في المتوسط ٢٢ عامًا من أعمارهم. وفي البلدان صاحبة الدخول المرتفعة، يكون حوالي خمس إجمالي الوفيات بسبب تدخين التبغ، الذي يعد مسئولًا عالميًّا عن أكثر من خمسة ملايين حالة وفاة سنويًّا — أكثر من نصفهم ينتمون للبلدان صاحبة الدخول المتوسطة والمنخفضة. وتأتي النسبة الأكبر من المدخنين البالغ عددهم اليوم ١٫٣ مليار مدخن على مستوى العالم من تلك البلاد، ونظرًا لأن الآثار الكاملة للتدخين تعلن عن نفسها بعد عقدين إلى ثلاثة عقود من التدخين المستمر، فإنه يُتوقع حدوث زيادة هائلة في أعداد الوفيات المرتبطة بالتدخين في المستقبل في البلدان صاحبة الدخول المتوسطة والمنخفضة ما لم تنجح حملات التوقف عن التدخين. وتتنبأ بعض التقديرات بأنه في عام ٢٠٢٠، سوف تقع ٩ ملايين حالة وفاة نتيجة للتبغ، وستكون ثلاثة أرباعها في البلدان صاحبة الدخول المتوسطة والمنخفضة.

وهناك العديد من الأمراض المختلفة التي تسهم في تلك المحصِّلة: السرطانات التي تصيب ما لا يقل عن ١٣ عضوًا من أعضاء الجسم (من بينها الرئة، والممرات الأنفية، والحنجرة، والبلعوم، والفم، والمريء، والمثانة، والبنكرياس)، وأمراض القلب والأوعية الدموية، التي تشمل الأزمات القلبية والسكتات الدماغية، ومرض الانسداد الرئوي المزمن «الالتهاب الشعبي المزمن». ولا تمثل تلك النتائج مفاجأة؛ لأن التبغ يحتوي على ما يقرب من ٥ آلاف مادة كيميائية معروفة معظمها سام وأكثر من ٥٠ مادة منها هي مواد مسرطنة قطعًا. ويوجد الكثير من تلك المواد كذلك في الدخان الذي يخرج في البيئة المحيطة بالمدخنين والذي يتعرض له أناس آخرون بشكل سلبي، بما في ذلك غير المدخنين. التدخين السلبي مرتبط بزيادة في خطر الإصابة بأمراض عديدة تصيب غير المدخنين، تتراوح بين الأمراض التنفسية عند الأطفال وحتى احتشاء عضلة القلب. وفيما يتعلق بسرطان الرئة، هناك أكثر من ٥٠ دراسة تؤيد الدور السببي للتدخين السلبي الذي يتضمن ارتفاعًا في نسبة الخطر بنسبة تقرب من ٢٥٪.

بدا تدخين التبغ واحدًا من أكثر العوامل التي تؤدي إلى الوفاة في زمن السِّلْم. فجميع أشكال استعمال التبغ، ومن بينها تدخين الغليون، ومضغ التبغ، واستنشاقه، ضارة حتى وإن كانت ذات آثار أقل انتشارًا وقوة من تأثير تدخين السجائر. والأمر الذي يُدخل بعض الأمل وسط تلك الصورة القاتمة هو أن الجهود الوقائية، التي تتضمن مزيجًا مجتمعًا من الإجراءات، وحملات التوعية، وزيادة الضرائب على منتجات التبغ، وحظر التدخين في الأماكن العامة، تترجم إلى انخفاض في استهلاك التبغ في العديد من البلدان صاحبة الدخل المرتفع. يقل عدد صغار السن الذين يدخنون، ويقلع عنه عدد لا يستهان به من الناس. ومدة التعرض لدخان السجائر أمر حاسم فيما يتعلق بحجم الخطر، ومن ثم، كلما تأخر المرء في بدء التدخين (والأفضل ألا يبدأ أصلًا) وكلما عجَّل بالإقلاع عنه، كان المستقبل الصحي أفضل. والإقلاع في أي سن أمر مفيد؛ فالأفراد الذين بدءوا التدخين في صدر شبابهم إذا أقلعوا عنه في سن الثلاثين، ينخفض خطر الإصابة بسرطان الرئة قبل سن الخامسة والسبعين لديهم إلى ما يقرب من المعدل نفسه لدى غير المدخنين؛ بل إن إقلاعهم عن التدخين في سن الخمسين يقلل حجم الخطر إلى الثلث مقارنةً بالخطر الذي يتعرض له من يواصلون التدخين.

هوامش

(1) From R. Saracci, ‘Smoking and death’, BMJ, 1995: (310) 600, with permission of BMJ Publishing Ltd.
(2) Courtesy of the author.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢