الفصل الثامن

رسم خرائط الصحة والمرض

المكان والزمان والأفراد

تشكِّل الدراسات التدخلية، سواء أكانت عشوائية أم غير عشوائية، والدراسات القائمة على الملاحظة (سواء أكانت دراسات أتراب أم دراسات حالة مضبوطة) لُبَّ علم الأوبئة. وحيث إنها تهدف إلى اختبار الفروض المتعلقة بالعلاقات السببية بين التعرُّضات وتأثيراتها، فكثيرًا ما يطلق عليها بشكل جماعي اسم «الدراسات التحليلية» (التي تندرج تحتها أيضًا الدراسات المستعرَضة والدراسات الارتباطية، والتي سنعرض للمزيد عنها لاحقًا في هذا الفصل). الدراسات التحليلية بصفة عامة تسبقها وتليها «دراسات وصفية» لأسلوب توزيع الصحة والمرض، حسب قياسهما بمعدلات الوفيات، أو الحالات المرضية الجديدة، أو حالات دخول المستشفيات، توزيعًا مكانيًّا حسب المنطقة الجغرافية، وزمانيًّا من خلال الأسبوع أو الشهر أو السنة، وفئويًّا تبعًا لأعمار الأفراد، وجنسهم، ووضعهم الاجتماعي والاقتصادي. إن ملاحظة توزيع المرض بين الناس مكانيًّا وزمانيًّا وفئويًّا تزودنا بمؤشرات مفيدة تدلنا على العوامل التي نحن في حاجة لسبر غورها بعمق من خلال دراسات تحليلية باعتبارها محددات ممكنة للتوزيع. إن الأدوات البصرية المفيدة، مثل الرسوم البيانية والخرائط (التي يتم أحيانًا جمعها في أطالس)، تنقل تصويرًا لعبء المرض وتطوره، مثلما هو الحال في الأمثلة الواردة بالأشكال من شكل ٨-١ إلى شكل ٨-٤. إنها تُيسِّر فحص البيانات الوصفية واستنتاج فرضيات سببية.
fig12
شكل ٨-١: خارطة مرض ترجع لعام ١٨٣٢ توضح (عبر الخط المزدوج المنقوط) انتقال مرض جديد — الكوليرا — من آسيا إلى غرب أوروبا وإنجلترا.1
كانت أنباء الكوليرا تتصدر عناوين الصحف الرئيسية عام ٢٠٠٨ عندما ضرب وباء فتاك زيمبابوي، غير أنه في القرن التاسع عشر كان كثيرًا ما يجتاح أوروبا، محدثًا موجات من نسب الوفيات المرتفعة، ولا سيما بين أفقر قطاعات السكان التي تحيا في ظروف بائسة. انتشر المرض من بعض البؤر في الهند، نحو أوروبا، ويصوِّر شكل ٨-١ — وهو مثال مبكر (يرجع لعام ١٨٣٢) للخرائط الصحية — مسارَ زحفه باتجاه الغرب.
واليوم اختفت الكوليرا عمليًّا من أوروبا في الوقت الذي احتلت فيه أمراض القلب والأوعية الدموية مركز الصدارة من حيث أسباب الوفيات. وبالتحديد، تميل معدلات الوفيات نتيجة للأزمات القلبية، الموضحة في الشكل ٨-٢، إلى أن تكون أعلى بدرجة ملحوظة في الجزء الشمالي الشرقي منها في الجزء الجنوبي الغربي من قارة أوروبا.
fig13
شكل ٨-٢: معدلات الوفيات الناجمة عن الأزمات القلبية بين الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين ٤٥ و٧٤ عامًا في أوروبا.2
fig14
شكل ٨-٣: «المنحنى الوبائي» الذي يصف المسار الزمني لتفشي حالات التهاب الغدة النكافية، سواء بالتشخيص المؤكد أو المحتمل. ويقيس ارتفاع الأعمدة عدد الحالات.3

منذ ستين عامًا مضت، حث الفارق الملحوظ في معدلات الإصابة بالأزمات القلبية بين جنوب أوروبا وغيره من المناطق، لا سيما الولايات المتحدة، الباحثين الأمريكيين على إجراء دراسة أتراب مقارنة في سبعة بلدان ذات معدلات شديدة التباين فيما بينها (وهي: فنلندا، اليونان، إيطاليا، اليابان، هولندا، الولايات المتحدة، يوغوسلافيا). بجانب مجموعات أتراب أخرى، لا سيما دراسة فرامنجهام، قدمت هذه الدراسة، التي استمرت فترة متابعتها حتى عهد قريب، معلومات أساسية أكدت على أدوار كلٍّ من ارتفاع نسبة الكوليسترول، وتدخين التبغ، وارتفاع ضغط الدم باعتبارها المحددات الثلاثة الكبرى المؤثرة على الإصابة بالأزمات القلبية.

fig15
شكل ٨-٤: «المنحنى الوبائي» لتفشي فيروس الأنفلونزا الجديد إيه (إتش١/إن١) في قرية لا جلوريا، بولاية فيراكروز، المكسيك، عام ٢٠٠٩.4
تتباين الأمراض فيما بينها سواء على المدى القصير أم الطويل. يصور شكل ٨-٣ ارتفاع وانخفاض تفشي مرض فيروسي، وهو التهاب الغدة النكافية، الذي ينتقل بالعدوى من شخص إلى آخر عن طريق الرذاذ الذي يحمله الهواء أو عن طريق اللعاب. لقد كان مرضًا قليل الانتشار (٣٧ حالة)، ويزول من تلقاء نفسه، وغير فتاك ومنحصرًا بصفة خاصة في إحدى المدارس. إن المنحنيات الوبائية مفيدة ليس فحسب كملخصات بصرية للأوبئة في الماضي. عند إنشائها حسب اليوم أو الأسبوع أثناء زحف أحد الأوبئة، فإنها تسمح مجتمعة مع المعلومات المتوافرة عن آلية انتقال المرض، بإنشاء نماذج رياضية للمرض، قطعية أو احتمالية، تتنبأ بتطوره المحتمل.
fig16
شكل ٨-٥: في إنجلترا وويلز، انخفض خطر الوفاة جرَّاء الإصابة بأزمة قلبية، المقيس من خلال ارتفاع الأعمدة المستطيلة، للنصف تقريبًا خلال الربع الأخير من القرن العشرين، غير أنه لا يزال أعلى مستوًى لدى من ينتمون لأوضاع اجتماعية واقتصادية سيئة إلى حد ما (الطبقات الرابعة والخامسة والثالثة التي يعمل أصحابها في مهن تعتمد على مهارات يدوية) مما هو الحال لدى الطبقات ميسورة الحال (الطبقة الأولى والثانية والثالثة التي يعمل أصحابها في مهن لا تعتمد على مهارات يدوية).5
يوضح الشكل ٨-٤ تطور فيروس الأنفلونزا الجديد «إيه (إتش١/إن١)» وسط ما يقرب من ١٦٠٠ من قاطني قرية لا جلوريا في المكسيك، حيث اكتُشف المرض، الذي أطلق عليه في البداية «أنفلونزا الخنازير»، لأول مرة. إن المنحنيين المتواصلين اللذين على شكل جرس، واللذين تم حسابهما باستخدام نموذجين رياضيين شديدي التماثل، يتتبعان جيدًا الشكل البياني (الأعمدة) للعدد اليومي للحالات. من خلال معادلة أحد المنحنيين، يمكن حساب معاملين مهمين للزحف الوبائي. تبين أن متوسط عدد الحالات الجديدة التي تنشأ نتيجة للاتصال المباشر مع إحدى حالات الأنفلونزا الأولية (معدل التكاثر) نحو ١٫٦؛ مما يعني تقريبًا أنه من بين كل حالتين أوليتين، تنشأ ثلاث حالات ثانوية؛ وقُدِّر متوسط الفترة الزمنية بين بدء الحالات الأولية والثانوية (زمن الجيل) بحوالي يومين. يعد هذان المعاملان عنصرين رئيسيين عند محاولة التنبؤ بمدى انتشار الوباء وسرعة ذلك الانتشار.

لا تكتفي الدراسات الوصفية بالحث على إنشاء دراسات وبائية تحليلية والعمل على توجيهها، وإنما أيضًا تتحقق من «معقولية» نتائج الدراسات الأخيرة. فإذا كان تدخين التبغ سببًا مهمًّا للإصابة بسرطان الرئة، فإن نمط معدلات الإصابة بسرطان الرئة في بقعة جغرافية معينة وعلى امتداد فترة زمنية من عدة سنوات ينبغي أن يعكس نمط استهلاك التبغ، أو على الأقل يكون متفقًا معه، مثلما وجد في الواقع مرارًا وتكرارًا في العديد من البلدان. وإذا اتُّخذت تدابير وقائية فعالة، على سبيل المثال، عن طريق الإقلال من استهلاك التبغ أو القضاء على أحد الملوثات أو علاج مرض ما، فإنها ينبغي أن تنعكس على حدوث تغير في معدلات الإصابة بالمرض.

ويشرح الشكل ٨-٥ الدور المزدوج للإحصائيات الوصفية. وتتضح أهمية التدابير الوقائية وتحسُّن طرق العلاج في واقع الأمر في خفض نسبة خطر الإصابة بالأزمات القلبية إلى النصف فيما بين أواخر سبعينيات القرن العشرين وأواخر التسعينيات؛ وفي الوقت ذاته، يعد الفارق المستمر بين الطبقات الاجتماعية الأعلى والأقل حافزًا نحو إجراء أبحاث جديدة.

مصادر البيانات

يعتمد وصف الصحة والمرض داخل المجتمعات السكانية على البيانات التي تُجمَع بصورة مستمرة ومنهجية أو من خلال عمليات استقصاء خاصة. بشكل عام، لدى جميع بلدان العالم (أعضاء منظمة الصحة العالمية البالغ عددهم ١٩٢ دولة) نظام للسجلات لقيد أحداث الحياة الرئيسية: الميلاد، والوفاة، وأسباب الوفاة. إن تنظيم البيانات التي يجري جمعها، والأهم منه تغطيتها وجودتها، تتباين تباينًا كبيرًا. ٢٠٪ فقط من سكان العالم الذين يعيشون في ٧٥ دولة، معظمها من البلدان المتقدمة اقتصاديًّا، تشملهم في الواقع إحصائيات لأسباب الوفاة التي يتم الحكم عليها (على سبيل المثال، من حيث الدقة، والاكتمال، وغيرها من الاشتراطات) أنها ذات جودة عالية أو من متوسطة إلى عالية الجودة. أما في نحو ٢٥٪ من سكان العالم، فلا تتلقى منظمة الصحة العالمية أية بيانات عن أسباب الوفاة. وربما يحتاج الأمر عدة سنوات، تتراوح بين ثلاث وعشر سنوات أو أكثر، حتى تُدرج أسباب الوفاة في تقرير يُرفع للمنظمة ويصير متاحًا أمام المقارنات الدولية. وفيما يتعلق بالمواليد، هناك نسبة تبلغ نحو ٣٦٪ لا تُسجَّل، مع وجود تفاوت شاسع بين البلدان، يبدأ من ٢٪ في البلدان المتقدمة صناعيًّا وحتى ٧١٪ في البلدان الأقل تقدمًا. وخلال الفترة من ١٩٩٥–٢٠٠٤، كان ٣٠٪ فقط من تعداد سكان العالم البالغ ٦ مليارات نسمة يعيشون في بلدان يتم فيها تسجيل المواليد والوفيات تسجيلًا كاملًا. ولم تتغير تلك النسبة كثيرًا عن نسبة ٢٧٪ الخاصة بالفترة من ١٩٦٥–١٩٧٤ (عندما كان تعداد سكان العالم أقل من أربعة مليارات نسمة).

تتراوح إحصائيات الإصابة بالأمراض بين سجلات خروج المرضى من المستشفيات — وهي متاحة نظريًّا في أي موقع يوجد فيه مستشفى، غير أنها في الواقع العملي تتباين بشكل كبير من حيث جودتها — وبين السجلات التي يكون الغرض منها تغطية جميع حالات مرض ما، أو مجموعة من الأمراض، تقع في أوساط مجتمع سكاني ما. في مناطق منتقاة ومحدودة في عدة بلدان متقدمة، تكون السجلات جاهزة لقيد حالات التشوه، واحتشاء عضلة القلب، والسكر، والسكتات الدماغية، وغيرها من الحالات. السرطان — أو الأفضل أن نقول: أنواع السرطان (لأن هذا المسمى تندرج تحته عدة مئات من الأمراض المختلفة) — هو أفضل الحالات التي تتم تغطيتها في تلك السجلات. لقد بدأت سجلات السرطان في ثلاثينيات القرن العشرين بأمريكا الشمالية، وأُسِّس أول سجل على مستوى وطني في الدنمارك عام ١٩٤٢. وبحلول نهاية القرن الماضي، كان هناك ما يقرب من ٢٠٠ سجل جيد المستوى للسرطان، معظمها محلي أو إقليمي، في ٥٧ بلدًا مختلفًا.

بسبب خطر العدوى، كان العديد من الأمراض المعدية هدفًا للإخطار القسري والعاجل على المستوى الوطني منذ أواخر القرن التاسع عشر. واليوم، تقع حالات أمراض مثل الجدري، وسارس، وشلل الأطفال، والكوليرا ضمن المجال الأوسع من «اللوائح الصحية الدولية»، وتتطلب أيضًا إخطار منظمة الصحة العالمية بها. لقد تطورت أنظمة مراقبة الأمراض المعدية في سرعتها وتغطيتها، غير أنه حتى أفضل الأنظمة القائمة على تشخيصات الأطباء تستطيع بالكاد الإبلاغ عن وباء في حالة انتشار خلال فترة تقل عن أسبوع أو أسبوعين. ومؤخرًا وهو أمر مذهل إلى حد ما، اتضح أن مجرد ملاحظة تزايد عدد الاستعلامات اليومية عن الأنفلونزا في محرك بحث جوجل من الممكن أن يكشف ارتفاع نسب الإصابة بالمرض خلال ما لا يزيد عن يوم أو يومين. إن هذا الأسلوب البسيط والزهيد التكلفة ربما يكون ناجحًا أيضًا مع أمراض وبائية أخرى في مناطق يقطنها تعداد سكاني كبير من مستخدمي الإنترنت. إلا أن تقديرًا دقيقًا لانتشار وحدة مرض من المحتمل أن يكون فتاكًا، يتطلب تحديدًا دقيقًا لكلٍّ من حالات الإصابة والوفيات. وعندما يفلت العديد من الحالات الطفيفة من التسجيل، مثلما قد يحدث في حالات أنفلونزا إيه (إتش١/إن١)، فإن نطاق الوباء وسرعة انتشاره لا يتم تقديرهما بشكل صحيح، وتكون هناك مبالغة في تقدير «معدل الوفيات»؛ أي نسبة حالات الوفاة إلى حالات الإصابة بمرض ما خلال فترة زمنية (إذ إن الوفيات من النادر أن تمر دون تسجيل).

الدراسات الارتباطية ومغالطاتها

ربما كانت خارطة انتشار الإصابة بالأزمات القلبية في أنحاء قارة أوروبا (شكل ٨-٢) تشير — ضمن أمور أخرى — إلى فرض أن توزيع المرض مرتبط ببعض الأغذية، وهو احتمال يمكن استكشافه عن طريق الربط بين معدلات الإصابة بالأزمات القلبية في كل بلد أوروبي (أو حتى في نطاق المناطق الأصغر حجمًا) وبين متوسط استهلاك الفرد لأطعمة متعددة. يمكن جمع هذين الرقمين بسهولة من الإحصائيات المنشورة؛ ما يجعل الإجراء سريعًا وبسيطًا. لو أن لدينا بلدين فقط: أحدهما صاحب معدل استهلاك مرتفع للألبان مثلًا، والآخر صاحب معدل استهلاك منخفض لها؛ فإن باستطاعتنا أن نحسب ببساطة، كما تعلمنا من الفصل الرابع، نسبة المعدلات. إن النسبة التي تختلف عن واحد صحيح (الذي معناه تَساوي المعدلين) سوف يكون معناها (لو كانت ذات دلالة إحصائية) وجود تلازُم أو ارتباط بين حدوث الأزمات القلبية واستهلاك اللبن؛ ومن حسن الحظ، أن أسلوب دراسة ارتباطهما مجرد امتداد لنسبة المعدلات. فإذا وُجِد بالفعل أن هناك ارتباطًا، فعلينا أن نكون حذرين كي لا نستدل من ذلك على أن تناول اللبن عامل محدد في الإصابة بالأزمات القلبية؛ إذ ليس علينا فقط أن نضع في اعتبارنا احتمال وجود عناصر مشوشة وانحيازات عند تأويل الارتباطات بصفة عامة، وإنما الارتباط هنا، ويسمى «الارتباط الإيكولوجي»، يكون على مستوى الوحدات الجغرافية — أي البلدان — وليس على مستوى الأفراد، مثلما هو الحال في دراسات الحالة المضبوطة ودراسات الأتراب. ففي تلك الدراسات، يقاس استهلاك اللبن والحالة الصحية (مع وجود أزمة قلبية أو بدونها) ويكون معلومًا على مستوى كل فرد، في حين أنه في الدراسة الارتباطية يكون كل المعلوم هو المعدل الخاص بكل بلد مع متوسط استهلاك اللبن (المأخوذ، على سبيل المثال، من أرقام المبيعات). لا أحد يعلم إن كان الأفراد الذين أصيبوا بأزمات قلبية في نطاق كل بلد هم أولئك الأكثر استهلاكًا للَّبن من غيرهم أم لا، ومن الممكن أن يكون الارتباط الملاحظ زائفًا. فالاعتقاد خطأً أن هذا الارتباط حقيقي من الممكن أن يؤدي إلى مغالطة إيكولوجية. كما نسمع كثيرًا، ومثلما يعرف علماء الأوبئة تمامًا، على النقيض مما يتردد كثيرًا أيضًا، إن «الارتباط ليس علاقة سببية».

غير أن الأمور أكثر تعقيدًا من ذلك؛ إذ إن هناك مغالطة عكسية من الممكن أن تنشأ. تخيل منطقتين إحداهما خالية من المدخنين، في حين يدخن الجميع في المنطقة الأخرى المقدار نفسه من التبغ اعتبارًا من سن الخامسة عشرة. لا بد أن الأخيرة سوف تتصف بمعدل أعلى كثيرًا من الإصابة بسرطان الرئة يفوق ما لدى الأولى، غير أن إحدى الدراسات التي تقيس عادات التدخين لدى كل فرد من الممكن ألا تكون قادرة على اكتشاف أي فارق في خطر سرطان الرئة المرتبط بالتدخين في كل منطقة منهما. وحدها المقارنة بين المنطقتين هي التي قد تكشف عن أن التدخين في تلك الظروف عامل محدد للإصابة بسرطان الرئة، ولكن على مستوى المجتمع السكاني (المنطقة) فحسب. إن الاكتفاء بالبحث على مستوى الفرد وحسب ربما يقود إلى «مغالطة فردية». كل ما قيل عن الوحدات الجغرافية ينطبق كذلك على الوحدات الزمنية؛ على سبيل المثال، الارتباطات بين تركيزات ملوثات الهواء خلال أسابيع متعاقبة ومعدلات دخول المرضى المستشفيات للعلاج من أمراض تنفسية خلال الأسابيع نفسها.

الدراسات المستعرَضة

يمكن جمع معلومات تفصيلية عن الصحة من خلال دراسات مسحيَّة خاصة لعينات من مجتمع سكاني، وفيها تُطرح أسئلة عن الصحة أو يُجرى فحص طبي، أو كلاهما. مثلما يحدث في استطلاعات الرأي التي تجرى بصورة صحيحة، يمكن الحصول على عينات معبرة بأن نقوم في البداية بتقسيم المجتمع السكاني إلى مجموعات فرعية مستخدمين معايير رئيسية، عادةً ما تكون الجنس، والعمر، ومحل الإقامة، ثم استخلاص عدد الأفراد الذين ستشملهم الدراسة عشوائيًّا من بين كل مجموعة فرعية أو «طبقة». إن جميع البيانات التي يتم جمعها تشير، مثلما هو الحال في عمليات التعداد السكاني، إلى نقطة زمنية ثابتة (تاريخ معين) حتى إذا كانت المدة الفعلية تمتد عدة أيام أو أسابيع. ومن الممكن أن تتكرر الدراسات المسحية دوريًّا لمتابعة اتجاهات الصحة. وهناك دراسة مسحية دورية كبيرة، وهي الدراسة المسحية الأمريكية الوطنية لفحص الصحة والتغذية. أجريت تلك الدراسة لأول مرة في الفترة بين عامي ١٩٧١–١٩٧٥ على عينة عشوائية منتقاة من جميع أنحاء الولايات المتحدة من أكثر من ٣٠ ألف فرد، وشملت إجراء مقابلة انصب التركيز فيها على النظام الغذائي وإجراء فحص طبي. وتكررت الدراسة في الفترة من ١٩٧٦–١٩٨٠ وفي الفترة بين عامي ١٩٩٧-١٩٩٨. ومنذ عام ١٩٩٩، تحولت إلى دراسة مسحية تُجرى مرة كل عامين، وتشمل عددًا كبيرًا ومتباينًا من المقابلات والفحوص الطبية، وصنوفًا من الاختبارات المعملية.

مع أن التوثيق التفصيلي لصحة مجتمع ما وللتغيرات التي تطرأ عليها بمرور الزمن أمر مهم، فإن تلك الدراسات المسحية عادةً ما تكون أقل نفعًا كأدوات للبحث عن أسباب الأمراض. على سبيل المثال، من الممكن الحصول على قياسات ضغط الدم ورسم القلب الكهربائي أثناء الدراسة البحثية، وربما يمكن اكتشاف أن هناك اختلالين ظهرا في رسم القلب يكونان أكثر تكرارًا لدى أصحاب ضغط الدم المرتفع منهما لدى أصحاب الضغط الطبيعي. إلا أنه مع تقييم كلٍّ من رسم القلب وضغط الدم في الوقت نفسه، يستحيل الجزم بأي من الاختلالين كان هو البادئ بالظهور ومن الممكن أن يكون هو السبب، المباشر أو غير المباشر، في حدوث الآخر. الواقع أنهما ربما يكونان قد بدآ في الوقت نفسه تقريبًا نتيجة لعامل آخر مشترك، مثل تدخين التبغ. تعاني جميع الدراسات المسحية التي تجمع البيانات مرةً واحدة وحسب عند نقطة زمنية ثابتة (الدراسات المستعرضة) من هذا القصور. والدراسات المسحية التي تُجرى على المجتمعات السكانية نفسها وتكرَّر في تواريخ مختلفة ولكن على عينة مختلفة من الأفراد، مثلما هو الحال في أغلب الأحوال، لا تخلو من هذا القصور.

عبء الأمراض

هناك حقل ألغام آخر، ضروري لترسيخ أولويات الصحة العامة، وهو تحديد عبء الأمراض المختلفة نتيجة لعوامل متباينة في منطقة أو أمة معينة أو حتى على مستوى العالم. قد يبدأ هذا الأمر في أبسط صوره، بسؤال يُطرح مرارًا وتكرارًا من نوعية: ما النسبة المئوية، مثلًا، لجميع أنواع السرطان التي تحدث نتيجة للبيئة؟ هناك ثلاث مشكلات رئيسية تحول دون تقديم إجابة شافية: أولاها أن تعريف كلمة بيئة من الممكن أن يغطي جميع العوامل التي تقع خارج جسم الإنسان (أشعة الشمس، الملوثات بالهواء والمياه، دخان التبغ، الأطعمة … إلخ) أو ربما كان مقصورًا على بعضٍ منها، مثل الملوثات الموجودة في محل الإقامة والعمل؛ وسوف تتباين النسب المئوية تبعًا لذلك التعريف. المشكلة الثانية هي أنه من البديهي أن تتوقف تلك النسب المئوية على عدد الأفراد الذين يتعرضون للمكونات المختلفة للبيئة؛ فإذا كان كثيرون منهم من المدخنين، فإن النسبة المئوية لحالات الإصابة بالسرطان الناتجة عن البيئة، وعن الدخان بالتحديد، تكون مرتفعة؛ وإذا كان عدد المدخنين قليلًا، فستكون تلك النسبة منخفضة. ربما كان من الأسهل نسبيًّا حساب عدد من يدخنون (ومقدار تدخين كلٍّ منهم)، غير أن هناك عادةً قدرًا أكبر من عدم اليقين يتعلق بعدد المعرضين، على سبيل المثال، لملوثات الهواء المسرطنة؛ وبالنسبة لهذين العاملين، تتباين أعداد الأفراد المعرضين لهما من مكان إلى آخر، وتخفي النسب المئوية المحسوبة للبلدان الكبرى أو للقارات أو للعالم أجمع تلك التباينات الأساسية، علاوة على الشك في تقييم أعداد المعرضين.

أخيرًا، حتى النسب المئوية الدقيقة الخاصة بمكان واحد (مثلًا، بلدة ما) تحمل سمة محيرة، وهي أنها لا يمكن حساب مجموعها؛ إذ يمكن أن يتخطى إجماليها نسبة ١٠٠٪؛ أي يكون أكثر من إجمالي عدد حالات السرطان! في واقع الأمر، لو أننا كنا نعلم جميع أسباب السرطان على وجه اليقين — وهو وضع نحن أبعد ما نكون عنه في الوقت الراهن — لكان هناك الكثير من الحساب المزدوج؛ حيث إن العديد من أنواع السرطان يحدث نتيجة لنشاط مشترك لسببين أو أكثر من الأسباب الوراثية والبيئية. وكما رأينا من قبل في الفصل الخامس، يزيد التعرض المهني لمادة الأسبستوس وتدخين التبغ كلٌّ على حدة من خطر الإصابة بسرطان الرئة، غير أن اجتماعهما معًا يعمل على مضاعفة الخطر المحدق بالعمال المعرضين لمادة الأسبستوس من المدخنين. من الصحيح أن نعزو نسبة مئوية ما من حالات الإصابة بالسرطان إلى هذا النشاط المشترك، ولتكن مثلًا ٥٪ من إجمالي حالات الإصابة بسرطان الرئة، مرة للتعرض لمادة الأسبستوس ومرة للتدخين (لأنه بدون أيٍّ من هذين العاملين، لم تكن تلك السرطانات لتحدث)، غير أنه ليس من الصواب أن نحسب مجموع النسب المئوية المقابلة، ٥٪ + ٥٪، إذ إنها تشير إلى حالات السرطان نفسها.

مع وجود كل تلك التحفظات، لا عجب في أننا لا نستطيع اليوم أن نكون أكثر دقة من القول إنه على نطاق العالم الواسع بأسره هناك ما يقرب من ثلث حالات الإصابة بالسرطان يمكن أن نعزوها إلى عوامل بيئية. تدخين التبغ مسئول عما لا يقل عن ٢٠٪ من الحالات، والمشروبات الكحولية مسئولة عن نحو ٥٪، والعوامل المعدية مسئولة عما لا يقل عن ١٠٪، مع وجود نسب مئوية أعلى في البلدان النامية، والمواد المسرطنة المهنية والبيئية مسئولة عن نسب تتراوح بين أقل من ١٪ حتى نحو ١٠٪.

تلك النسب المئوية تعبير مبسط عن التأثير الفعلي لأحد العوامل على صحة مجتمع سكاني ما. وربما كانت النسبة المئوية نفسها انعكاسًا لتأثيرات مختلفة الحدة، وذلك اعتمادًا على ما إذا كانت أنواع السرطان تصيب صغار أم كبار السن، أو ما إذا كانت قابلة للعلاج بنجاح (وأسلوب ومدة علاجها) أم لا. تؤخذ تلك العناصر في الحسبان في التحليلات المعقدة، التي قد تطورت خلال العقدين الأخيرين، لما يطلق عليه «عبء المرض» على مستوى المجتمعات السكانية محليًّا، ووطنيًّا، وعالميًّا. كثيرًا ما تكون نتائج تحليلات عبء المرض في صورة عدد «سنوات العمر المضبوطة حسب الإعاقة» الضائعة نتيجة لسبب ما. فالسنة الواحدة من تلك السنوات تقابل ضياع سنة واحدة من سنوات العمر الخالية من الإعاقة؛ ومن ثم فإن وحدة القياس هذه تُدخل في حسبانها كلًّا من ضياع سنوات العمر، بسبب الوفاة، وفقدان جودة الحياة، بسبب الإعاقة.

هوامش

(1) From A. Brigham, Treatise on Epidemic Cholera (Public Health Agency of Canada, 1832).
(2) From J. Muller-Nordhorn et al., ‘An update on regional variation in cardiovascular mortality in Europe’, European Heart Journal (OUP), 2008: (29) 1316–26.
(3) From Canada Communicable Disease Report, ‘Outbreak of mumps’, Montreal, October 1998 to March 1999, with a particular focus on a school. CCDR 2000; 26-08: 69–71 (p. 70).
(4) From C. Fraser et al., ‘Pandemic potential of a strain of influenza A (H1N1): Early findings’, Science 2009: (324) 1557–61. Reprinted with permission from the American Association for the Advancement of Science.
(5) From M. Marmot and P. Elliott (eds.), Coronary Heart Disease Epidemiology: From Aetiology to Public Health, 2nd edn. (Oxford: Oxford University Press, 2005), p. 4.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢