الفصل التاسع

من علم الأوبئة إلى الطب والوقاية والصحة العامة

العمل من أجل الصحة للجميع

علم الأوبئة في جوهره هو أحد مجالات الأبحاث التطبيقية، ويهدف في الأساس إلى تحسين الصحة للجميع. وهو على هذا النحو مكوِّن أساسي في جميع أنشطة الصحة العامة التي تنفذ الجهود المنظمة التي يبذلها المجتمع من أجل تحسين الصحة وحمايتها واستعادتها.

وليس لذلك المفهوم الخاص بالصحة العامة أية علاقة بالكيفية التي تتم بها الجهود المجتمعية لتحسين الصحة، أو بالأسلوب الذي يجب أن تُنظَّم بواسطته؛ وإنما يعني وجوب وجود نوع ما من التنظيم الصريح، وليس مجرد مبادرات متفرقة وغير متناسقة، حتى ينجح المجتمع في التعامل مع المشكلات الصحية.

كما هو مبين في الشكل ٩-١، تسهم ثلاثة أنشطة واسعة المجال في صحة الناس. ففي مجال الطب الإكلينيكي، يتعامل الأطباء وغيرهم مع الأفراد العاملين في الخدمات الصحية بشكل فردي مع كل مريض على حدة. إنهم يقدمون تدابير وقائية مثل عقاقير للسيطرة على ارتفاع نسبة الكوليسترول أو ارتفاع ضغط الدم، أو يقدمون النصيحة والمؤازرة النفسية من أجل المساعدة في الإقلاع عن التدخين. ويتدخلون بهدف التشخيص والعلاج، والشفاء من الأمراض إن أمكن، بإجراءات تبدأ من مجرد وصف مضاد حيوي حتى إجراء عملية معقدة للغاية مثل زرع كبد أو قلب. وأخيرًا، يقدمون إعادة تأهيل فردي لأناس يعانون من أمراض مسببة للإعاقة.
fig17
شكل ٩-١: أنشطة الصحة العامة.

تشكل الوقاية والتشخيص المبكر على مستوى المجتمع السكاني المجال الثاني للنشاط. تتعامل الوقاية مع الأسباب الجذرية للمرض، سواء أكانت بيئية أم وراثية. إنها تشتمل على مجموعة هائلة من التدابير، بدءًا من مكافحة ملوثات الهواء والماء وأماكن العمل، وحتى الحد من سرعة المركبات على الطرق واشتراطات السلامة في الأجهزة المنزلية. وتشمل برامج التلقيح الإجباري والاختياري، علاوة على حملات تشجيع الناس على اتباع غذاء وسلوك صحِّيَّين. وعندما تستهدف الأسباب الوراثية للأمراض — على سبيل المثال، فحص كافة المواليد الجدد بحثًا عن عيوب وراثية — تستعين الوقاية الأولية بأدوات تشخيصية طبية، مثلما تفعل البرامج المنظمة للتشخيص المبكر وعلاج الأمراض. وقد برهنت تلك البرامج على فاعليتها وفائدتها العملية في العديد من البلدان في عدد محدود من الأمراض شديدة التأثير مثل سرطان عنق الرحم والثدي.

يتمثل النشاط الثالث في تمكين الأفراد من الاضطلاع بمسئوليتهم عن صحتهم من خلال اتباع عادات ترتقي بحالاتهم الصحية والمساهمة في عمليات اتخاذ القرار التي تشكل السياسات الصحية. والنقطة الأخيرة بدورها قد تعزز أو تعوق تمكين الأفراد، الذي يعتمد تطوره على التثقيف في الإطارين الرسمي وغير الرسمي وعلى المعلومات المحدثة والدقيقة.

كذلك تعمل الصحة العامة على التنسيق بين تلك الأنشطة وباقي التحركات المجتمعية الأخرى، التي تخرج عن نطاق المنظومة الصحية، والتي تؤثر بشدة على الصحة، مثل سياسات الإسكان والدخل. وخلال عملية التنسيق، عادةً ما يطالب مسئولو الصحة العامة وواضعو السياسات بخضوع مزايا السياسات المقترحة وكذا آثارها العكسية للتحليل الاقتصادي، الذي يلعب فيه علماء الأوبئة دورًا تخصصيًّا بالاشتراك مع باقي الأخصائيين.

يتطلب توجيه نتائج الأبحاث نحو التطبيق العملي، سواء في مجال الطب الإكلينيكي أو في الوقاية أو تمكين الأفراد، كخطوة أولى تجميعَ نتائج دراسات متعددة لضم جميع البراهين المتاحة حول قضية محددة، على سبيل المثال، إن كان فيتامين «ج» يقي الإنسان من الإصابة بالسرطان أم لا. ويجري ذلك عن طريق المراجعة النقدية للتقارير الواردة من الأبحاث، والمقارنة بين الأساليب والنتائج، ورسم «أفضل» إجابة عامة عن الأسئلة المطروحة. وفي العقدين الأخيرين، تم تنقيح المنهج والأساليب المتبعة في إجراء مثل هذه المراجعات، وهو ما كان متروكًا فيما مضى بالكامل لاختيار الباحث، وصارت أكثر موضوعية وصرامة تحت عنوان «المراجعات المنهجية».

المراجعات المنهجية، مع استخدام تحليل تجميعي وبدونه

تجري المراجعة المنهجية باستخدام أسلوب منهجي من أجل الإقلال قدر الإمكان من الانحيازات والأخطاء العشوائية، وهي عملية تحدد بوضوح في القسم الخاص بطرق البحث من المراجعة ذاتها. إنها تقدم في العادة تقييمًا أكثر موضوعية للأدلة المتاحة عن المراجعات التقليدية، وتُجرى كتعليقات سردية على الدراسات. في أية مراجعة منهجية، يتم التدقيق في كل دراسة بحثية بهدف تقييم جودتها فيما يتعلق بعدد من المعايير المحددة مسبقًا، على سبيل المثال، مدى جودة تعريف المجتمع السكاني، وما إذا كانت الاستجابات في الدراسة خضعت للتقييم بأسلوب التعمية أم لا، وما إلى ذلك. وهذا الأمر يمكِّننا من أن نحكم على مدى جودة الدراسات، كلٌّ على حدة، بدلًا من الحكم عليها كلها معًا إجمالًا، وأن نعرف ما إذا كانت نتائج الدراسات الأقل جودة تشير إلى الاتجاه نفسه (مثلًا، نحو خفض أو رفع معدل الخطر) الذي تشير إليه الدراسات الأعلى جودة أم لا. ويمكن الجمع بين النتائج المتوافقة بشكل عام في تحليل إحصائي، وهو «التحليل التجميعي»، لتقديم تقدير موجز واحد للخطر. إن هذا التحليل، الذي تمنح فيه كل دراسة «وزنًا» متناسبًا مع عدد الحالات المرضية التي تسهم بها، قد يؤدي للخروج بنتيجة قاطعة وحاسمة، في حين أنه قد تقدم كل واحدة من تلك الدراسات الفردية، ولا سيما إذا كانت صغيرة الحجم، نتيجةً بلا دلالة إحصائيَّة يَصعُب تأويلها.

إن الجمع بين الدراسات كثيرًا ما يسمح بتقييم الأحداث النادرة، التي لا يقع منها في دراسة واحدة سوى القليل. ومن الأمثلة التقليدية في هذا الصدد الآثار الجانبية للأدوية الجديدة، التي تحدث في مرات قليلة، وليكن مرة كل ألف مريض عولج بها. غير أنه إذا كان واحد من الآثار الجانبية متسمًا بالخطورة، مثل إحداث مشكلة كبرى بالقلب، فسوف يكون له تأثير لا يستهان به عند طرح الدواء في الأسواق ليستخدمه مئات الألوف وربما ملايين الأفراد. غير أن مثل ذلك الأثر سوف يكون من الصعب اكتشافه في تجربة عشوائية لا يزيد حجمها، مثلًا، عن بضع مئات من الأفراد، وهو ما يكون عددًا أكثر من كافٍ لقياس أثر علاجي أكثر تكرارًا بكثير. وحده الجمع بين كل البيانات المتاحة من مختلف التجارب العشوائية يمكِّن من الحصول على عدد كبير بدرجة كافية من المرضى ليتيح لنا اكتشاف حدث سلبي. ومن الأمثلة الموحية في هذا الصدد، قصة دواء «روفيكوكسيب»، وهو عقار طُرح تجاريًّا عام ١٩٩٩ كعلاج مضاد للالتهاب لعلاج الأمراض الروماتيزمية والعضلية. سُحب العقار من السوق من قِبَل الشركة المصنعة في سبتمبر ٢٠٠٤ بسبب وجود خطر متزايد للإصابة بأزمات قلبية لمن يتناوله، وقد قُدِّر وقتها عدد من استخدموه بالفعل بثمانين مليون نسمة. غير أنه لو كانت الشركة المصنعة للدواء أو الجهات المرخصة باستخدامه أجرت تحليلًا تجميعيًّا في الوقت المناسب، لكانت قد اكتشفت نسبة الخطر المرتفعة قبل ذلك الموعد بأكثر من ثلاث سنوات؛ أي عام ٢٠٠٠، حسبما يبين الشكل ٩-٢ بوضوح (التحليل التجميعي في هذا الشكل أُجري بعد وقوع الحدث عام ٢٠٠٤ على يد علماء أوبئة أكاديميين مستقلين).

المراجعات المنهجية المصحوبة بتحليلات تجميعية للتجارب العشوائية المضبوطة هي الأكثر فائدة للطب الإكلينيكي. فقد قدمت يد العون للتطوير المتواصل «للطب القائم على الأدلة» الذي يرشد الأطباء أثناء ممارستهم اليومية لمهنتهم. وقد ساعدت كذلك على وضع الأدلة المأخوذة من التجارب الوقائية العشوائية التي تُجرى داخل المجتمعات السكانية، على أساس سليم، ومثال ذلك الوقاية من احتشاء عضلة القلب باستخدام العقاقير الخافضة لنسبة الكوليسترول في الدم.

امتد التحليل التجميعي كذلك إلى الدراسات الوبائية المبنية على الملاحظة المرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالصحة العامة. غير أن الجمع بين نتائج واردة من دراسات قائمة على الملاحظة تم فيها التعامل مع العوامل المشوشة والانحيازات عادةً بأسلوب مختلف في كل دراسة بتحليل إحصائي؛ أمر لا يخلو من مشاكل. فكما نعلم من الفصل الخامس، فإنه في التجارب العشوائية المضبوطة تتم الحيلولة دون حدوث انحيازات وعوامل مشوشة عن طريق الانتقاء العشوائي للعينة ولا تعتمد على التحليل التجميعي، وهي حالة لا تنطبق على الدراسات القائمة على الملاحظة. ففي حالة تلك الدراسات، تعد المراجعات المنهجية في كل الأحوال ضرورية، في حين أن جدوى التحليلات التجميعية يجب تقييمها حسب كل حالة.

fig18
شكل ٩-٢: تمثيل لتحليل تجميعي. توجز كل دائرة سوداء خطر الإصابة باحتشاء عضلة القلب من جميع الدراسات العشوائية المتوافرة حتى بداية كل عام بين المعالَجين بعقار روفيكوكسيب مقارنةً بالخطر بين من عولجوا بعقار ضابط.1

الطب الإكلينيكي

تشكل المراجعات المنهجية جزءًا مهمًّا من علم الأوبئة الإكلينيكي، لكن بصورة أكثر تعميمًا تتخلل السمات الكمية والاحتمالية لعلم الأوبئة مجال الطب الإكلينيكي. من الشائع أن تجد في مراجع الطب التقليدية في أيامنا هذه إشارات إلى مصطلحات مثل: «العدد المطلوب علاجه»، ومخططات «شجرة القرار التشخيصي». إن المقارنة بين الخيارات العلاجية تتم بمساعدة حساب «العدد المطلوب علاجه». لدى الأفراد المصابين بارتفاع حاد في ضغط الدم، يكون خطر حدوث نتيجة سلبية خطيرة (مثل الوفاة أو الإصابة بسكتة دماغية) خلال السنوات الثلاث القادمة مرتفعًا يصل إلى نسبة ٢٠٪. إلا أن أحد العلاجات من الممكن أن يخفض تلك النسبة إلى ١٥٪. إن حجم تقليص نسبة الخطر الذي حققه العلاج يبلغ ٢٠ − ١٥ = ٥٪ وهو ما يعني أن من بين كل ١٠٠ فرد تلقوا العلاج، تفادى خمسة منهم النتيجة السلبية الكبرى التي لولا ذلك لعانَوْا منها. وهذا يماثل القول بأنه لكي يتجنب فرد واحد حدثًا سلبيًّا خطيرًا، فإن العدد الذي يحتاج لعلاج هو ١٠٠ / ٥ = ٢٠. فإذا خفَّض علاج جديد نسبة الخطر إلى ٤٪، فسوف يكون من الضروري أن نعالج فقط بالتقريب ٦ من المرضى (١٠٠/(٢٠ − ٤)) كي نتجنب حدوث حدث سلبي. إن المقارنة بين عدد المرضى المحتاجين للعلاج في الحالتين، ٢٠ مقابل ٦، تحمل معلومة ملموسة خاصة بمزايا أسلوبَي العلاج؛ حيث إنه من الواضح أن العلاج الثاني هو الأفضل (شريطة تماثل جميع النواحي الأخرى، مثل معدل تكرار الآثار الجانبية، غير أن تلك الآثار يمكن التعامل معها بمصطلحات شبيهة بالعدد المطلوب علاجه).

مفهوم «شجرة القرار التشخيصي» مصمم من أجل معاونة الطبيب في صياغة تشخيص ما. إذا قَدِم شاب يعاني من ألم غامض مباغت لكنه موجع ومتكرر في الجانب الأيسر من الصدر، فإن من بين الاحتمالات التشخيصية عندئذ أنه مصاب بمرض الشريان التاجي؛ أي ضيق بالشرايين التاجية التي تغذي القلب بالدم. ولما كانت سن المريض صغيرةً وفي ظل غياب أية ضوابط أخرى، تبدو هذه الحالة مستبعدة بداهةً، ولكن لكونها شديدة الخطورة فإن تركها من الممكن أن يكون كارثيًّا. ومن ثم، يمكن أن يتم عمل اختبار رسم قلب بالمجهود للمريض، وفيه تتم مراقبة رسم قلبه الكهربائي أثناء قيامه بمجهود بدني خاضع للتحكم. وظهور نتيجة سلبية للاختبار يكون أمرًا مطمئنًا؛ للأسف إن هذا الاختبار ليس مثاليًّا ويتبين أحيانًا أنه جاء سلبيًّا خطأً حتى بالرغم من وجود المرض، بالطريقة نفسها التي من الممكن أن يأتي بنتيجة إيجابية خطأً؛ أي في غياب المرض. إذا تم استبدال مصطلحات سردية مثل «مستبعدة بداهةً» أو «إيجابيًّا خطأً أحيانًا» أو «سلبيًّا خطأً أحيانًا» بأرقام احتمالات (مأخوذة من دراسات تخصصية)، يمكن حينئذٍ رسم خارطة، أو شجرة قرار، لجميع المسارات المحتملة للإجراءات التشخيصية. ربما يكون أحد المسارات أن نستبعد على الفور تشخيص الحالة على أنها مرض شريان تاجي؛ لأن نمط الألم الذي نجده لدى الشاب السليم المتمتع فيما عدا ذلك الألم بالصحة يجعل احتمال هذا التشخيص أقل من ٥٪. والمسار البديل أن نمضي قدمًا نحو اختبار المجهود، مع العلم بوجود احتمال نسبته ٣٠٪ في الحصول على نتيجة سلبية خطأ (أي إن «حساسية» الاختبار ١٠٠ – ٣٠ = ٧٠٪) واحتمال بنسبة ١٠٪ للحصول على نتائج إيجابية خطأ (أي إن «نوعيته» تبلغ ١٠٠ – ١٠ = ٩٠٪). وبالجمع بين تلك الأرقام، من الممكن حساب الاحتمالات، أو «القوة التنبُّئِية»، بأن يقوم كل بديل بشكل صحيح بتحديد المرض إذا كان موجودًا أو استبعاده إذا كان غائبًا. إن المقارنة بين تلك الاحتمالات، والعقوبات التي ستُوقَّع في حالة التشخيص الخاطئ، تساعد الطبيب على تحليل العملية التشخيصية، التي لا تتضمن اختبارًا واحدًا فحسب، وإنما اختبارات عديدة ممكنة، وعلى اختيار الاستراتيجية التشخيصية المُثلى (تقوم تلك الحسابات على «نظرية بايز»، وهي أداة أساسية لرسم الاستدلالات ذات الطبيعة الاحتمالية من مشاهدات علمية، وقد وضعها توماس بايز في منتصف القرن الثامن عشر).

الوقاية والتشخيص المبكر

بالمفهوم التقني الدقيق، يُقصد بكلمة «وقاية» تلك الأنشطة التي تهدف إلى التعديل المباشر للعوامل المحددة الأساسية للأمراض، التي تندرج تحت فئتين عامتين فقط: الجينات أو العوامل الوراثية، والبيئة، أو بتعبيرات أكثر قِدمًا «الطبع والتطبع». يهدف التشخيص المبكر، على الجانب الآخر، إلى اكتشاف وعلاج الأمراض قبل أن تعلن عن نفسها من خلال أعراضها. لكنَّ هذين النشاطين المستقلَّين تمامًا، واللذين يُنظَّمان كلاهما على مستوى المجتمع السكاني بأسره، لهما دور كبير في تشخيص عوامل الخطر لدى العائل، مثل ارتفاع نسبة الكوليسترول بالدم أو ارتفاع ضغط الدم، التي لم تصبح بعد «أمراضًا»، لكنها تزيد من احتمال حدوث الأمراض؛ فمن ناحية، تشترك عوامل الخطر لدى العائل في هذه الخاصية مع جينات الشخص التي تجعله عرضة للإصابة بالأمراض، ومن ناحية أخرى، هي نفسها جاءت نتيجة، مثل بدايات الأمراض، لتداخُل معقد بين الجينات والبيئة.

تُجرى بعض اختبارات التشخيص المبكر للمرض على هيئة «اختبارات فحص انتهازية» من قِبَل الأطباء عند قيامهم بالكشف على أحد المرضى: على سبيل المثال، اختبار المستضد النوعي للبروستاتا الذي يكشف عن سرطان البروستاتا والذي ناقشناه في الفصل الخامس، صار، سواء كان هذا صحيحًا أم خطأً، واسع الانتشار في العديد من البلدان المتقدمة حتى في غياب دليل مؤكد على فائدته الإجمالية. غير أن عمليات الفحص التي يثبُت وجود هذا الدليل فيها هي المؤهَّلة وحدها لأن يتم إقرارها إقرارًا منهجيًّا في المجتمع على هيئة «برامج فحص منظمة»، مثل تلك المخصصة لسرطان القولون أو لسرطانَي عنق الرحم والثدي عند النساء، والمطبقة حاليًّا على نطاق كبير في بلدان عديدة. إن برامج الفحص التي تهدف إلى التشخيص المبكر في المجتمعات السكانية التي تبدو في الظاهر متمتعة بالصحة يتم تقييمها بطرق الإجراءات التشخيصية نفسها لدى المرضى الذين تظهر عليهم الأعراض التي سبق أن ناقشناها. ويمكن المقارنة بين برامج الفحص المخصصة للأمراض المختلفة أو بين البدائل المتنوعة لبرنامج ما، مثل برامج الفحص الخاصة بسرطان عنق الرحم، باستخدام «اختبار باب» الخلوي أو التحليل الذي يكشف عن فيروس الورم الحليمي البشري. ولهذا الغرض، تُحسب مؤشرات مثل القوة التنبُّئية والعدد المطلوب فحصه. الرقم الأخير مشابه تمامًا للعدد المطلوب علاجه، وهو يعني عدد الأفراد الذين نحتاج لإجراء اختبار لهم حتى نتجنب وقوع حالة وفاة واحدة أو غيرها من الأحداث السلبية الكبرى خلال فترة زمنية معينة. وهو لا يعتمد فحسب — مثلما هو الحال مع العدد المطلوب علاجه — على احتمال أن ينجح علاج ما في تفادي الوفاة، وإنما على احتمال أن يتبين أن شخصًا ما سليمًا ظاهريًّا يعاني بالفعل من المرض غير أن أعراضه لم تظهر عليه. وعادةً ما يتراوح العدد المطلوب فحصه بين عدة مئات وعدة آلاف، وهو الأكثر.

تعتمد إجراءات الفحص بحثًا عن عوامل خاصة بالعائل، سواء وراثية أم مكتسبة، قد تجعل الشخص عرضة للإصابة بمرض ما على افتراض أساسي بأن الأفراد الذين سيصابون بالمرض يمكن تمييزهم من الأفراد الذين لن يصابوا به، وهكذا فإن أي تدخل وقائي، مثل تغيير النظام الغذائي، يمكن تركيزه على المجموعة الأولى (إذا ثبتت استحالة التمييز بينهما، فلن يكون هناك مغزى من وراء الفحص، وأي تدخل سيكون بحاجة لتطبيقه على الجميع). إن النظر عن كثب إلى واحد من تلك العوامل ذات الخطورة، مثل ارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم، يلقي الضوء على مدى تبرير الفرض الأساسي ويصور في الوقت نفسه بعض المبادئ العامة للوقاية، لو نظرنا إليها من الزاوية العامة والواسعة لأي مقياس قادر على الوقاية عند أي نقطة على التطور من الصحة للمرض والوفاة.

واليوم، لن يندهش الكثيرون لو سقط واحد من المدخنين الشرهين ضحيةً لمرض سرطان الرئة. إلا أن كثيرين مع ذلك سوف يندهشون لو قيل لهم إن تجنب التدخين الشره لن يمحو عبء سرطان الرئة لدى المجتمع؛ لأن عددًا كبيرًا من الحالات تقع في الواقع لدى أناس لا يدخنون إلا بصورة معتدلة ولكن بشكل منتظم. وما ينطبق على التدخين ينطبق كذلك، بل وبصورة أكبر، على ارتفاع الكوليسترول في الدم، مثلما تبين تلك المجموعة من الأرقام:

فئات مستويات الكوليسترول بالملِّيمول لكل لتر النسبة المئوية من السكان النسبة المئوية للوفيات نتيجة للأزمات القلبية في كل فئة
٠٫٠–٣٫٩ ٨
٤٫٠–٤٫٤ ١٣ ٤
٤٫٥–٤٫٩ ١٨ ٨
٥٫٠–٥٫٤ ٢٢ ١٧
٥٫٥–٥٫٩ ١٧ ٢٢
٦٫٠–٦٫٤ ١١ ١٩
٦٫٥–٦٫٩ ٦ ١٣
٧٫٠–٧٫٤ ٣ ٩
٧٫٥–٨٫٠ ٢ ٨

إن أولئك الذين يعانون من مستويات شاذة من الكوليسترول في الدم، ولتكن مثلًا أعلى من ٦٫٥ ملِّيمول/لتر، يمثلون ٦ + ٣ + ٢ = ١١٪ من المجتمع السكاني الذي وجد فيه أن ١٣ + ٩ + ٨ = ٣٠٪ من الوفيات ناجمة عن أزمات قلبية (إذا كنت أكثر اعتيادًا على استخدام مقياس الملِّيجرام لكل ١٠٠ ملِّيلتر، فإن ٦٫٥ ملِّيمول تساوي حوالي ٢٥٠ ملِّيجرامًا). من شأن التدخل في هذه النسبة من المجتمع المعرضة للخطر بشكل كبير، التي تمثل حوالي عُشر إجمالي أفرادها، أن يمنع — بافتراض أن هذا التدخل فعال بنسبة ١٠٠٪ — حدوث نحو ثلث عدد الوفيات فقط، دون المساس بالثلثين الآخرين. لماذا تلك النتائج مخيبة للآمال؟ لأن الخطر ليس مركزًا فحسب على أولئك المعرضين للخطر بشكل كبير، الذين تزيد مستويات الكوليسترول لديهم عن ٦٫٥ ملِّيمول، وإنما تشمل الجميع بدرجات متفاوتة. ومع ارتفاع مستويات الكوليسترول فوق أدنى المستويات (الفئة من صفر–٣٫٩)، يرتفع خطر الإصابة بالمرض بزيادات طفيفة، بدون قفزات مفاجئة.

ونتيجةً لذلك، فإن كثيرين ممن لا يعانون إلا من ارتفاعات بسيطة في نسبة الكوليسترول والمعرضين للخطر بشكل مرتفع قليلًا؛ تظهر فيهم حالات الأزمات القلبية أكثر من الأقلية الذين تحيط بهم نسبة خطر مرتفعة. يعني هذا «التناقض في الوقاية» أن الجزء الأكبر من الحالات يمكن الوقاية منه عن طريق التقليص المعتدل من مستوى الكوليسترول، ومن ثم الخطر المحدق بالجميع. من المؤكد أن خفض الكوليسترول فقط لدى أصحاب المستويات المرتفعة منه يفيدهم، لكنه لن يتمكن من أداء مهمة الصحة العامة المتمثلة في وقاية غالبية الحالات داخل المجتمع. لقد وُجِد أن العديد من العوامل المحددة للأمراض يرفع من خطر بعض الأمراض بصورة متواصلة مثل ارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم، ومن أمثلتها ارتفاع ضغط الدم في حالة الأزمات القلبية، أو الضغط المائي للعين في حالة المياه الزرقاء، أو معاقرة الكحوليات في حالتَي سرطان المريء وتليف الكبد.

يؤكد التوزيع المتدرج في سائر المجتمع السكاني للخطر المتولد عن تلك العوامل، وليس تركيزه الحصري في فئات معينة، على دورها كعوامل محددة مجتمعية للأمراض، التي نوقشت في الفصل الرابع، وذلك في مقابل العوامل المحددة الفردية. إن استعداد كل فرد، وهو متأصل في تركيبته الوراثية، يلعب — مثلما تلعب الصدفة — دورًا في تحديد من سيصاب بالمرض، لكن العدد المتأثر به سوف يتوقف بدرجة كبيرة على المحددات المجتمعية. على سبيل المثال، لا توجد مجتمعات معلومة تتصف بارتفاع معدل تكرار الإصابة بالأزمات القلبية بدون أن تتصف في الوقت نفسه في المتوسط بمستوى مرتفع من الكوليسترول بالدم (على مستوى المجتمع بأسره). ومن هنا، يصبح السؤال التالي هو: لماذا تختلف العوامل المجتمعية من مجتمع لآخر؟ إن مستوى الكوليسترول في الدم متوقف على نوعية النظام الغذائي، وهو معتمد، مثله مثل تناول الكحوليات، على الأطعمة (أو المشروبات الكحولية) المتاحة، والأذواق التقليدية والسلوك المتأثر بعوامل تسويقية واقتصادية. أما فيما يتعلق بالأمراض المعدية، فإن نسبة من يلقَّحون ضدها تعد عاملًا محددًا مجتمعيًّا تقليديًّا لمعدل تكرار المرض؛ لأن من سيُلقَّحون لن يقعوا فريسة للمرض وفي الوقت نفسه يقطعون سلسلة انتقال العدوى.

في معظم الأمراض، هناك العديد من المحددات لها، وليس عامل واحد. فمثلًا، مستوى الكوليسترول في الدم، وارتفاع ضغط الدم، وتدخين التبغ، ومرض السكر، والسمنة هي المحددات المجتمعية الرئيسية للإصابة بالأزمات القلبية. وعمليات التدخل التي تعمل بدورها على مواجهة تلك العوامل تهدف إلى تشجيع اتباع عادات وسلوكيات صحية وتناول أغذية صحية والحد من توافر المنتجات الضارة. إن هذه الاستراتيجية المجتمعية للوقاية القائمة على مزيج متنوع من الحوافز والتثقيف والقوانين مفيدة للجميع، أيًّا كان الاستعداد المعلوم أو غير المعلوم للفرد أو مستوى ما يتعرض له من خطر. ومن الممكن أن يكتمل هذا بإجراءات وقائية محددة، كثيرًا ما تتضمن تناول عقاقير (على سبيل المثال، لخفض الكوليسترول أو ضغط الدم) لمن هم معلوم أنهم يتعرضون تحديدًا لمعدل خطر مرتفع. وقد ظهرت حديثًا فكرة استخدام حبة واحدة «حبة متعددة المركبات» تحوي مزيجًا من جرعات منخفضة من عدة عقاقير، تتحكم في مستوى الكوليسترول، وضغط الدم، والميل لتكوين جلطات يمكن استخدامها في استراتيجية وقائية مجتمعية بتقديمها لمعظم أو كل كبار السن ومن هم في منتصف العمر. ولا تزال تلك الفكرة محل بحث من حيث فاعليتها وأمانها وإمكانية تنفيذها واقعيًّا. والمبدأ العام أنه قبل إطلاقها على نطاق واسع، يجب أن يتضح بجلاء فاعليتها على المستوى الوقائي. وهذا يعني إجراء أبحاث تغطي عددًا كبيرًا (انظر شكل ٩-٣) من العوامل المحددة للأمراض، بدءًا من العوامل البيولوجية والوراثية المباشرة، وحتى سمات السلوك الفردي، و«العوامل المحددة للعوامل المحددة» التي تعمل على مستوى البيئة الاجتماعية أو العالمية.
fig19
شكل ٩-٣: يتشكل كلٌّ من الصحة والمرض من خلال مدًى واسع من العوامل المحددة لهما، تتراوح ما بين الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أو التغيرات المناخية إلى نمط حياة الفرد والعوامل الوراثية.2

ازداد حجم الانتباه بدرجة ملحوظة للبيئة العالمية خلال السنوات الأخيرة. تتسبب «الموجات الحارة» المتمركزة في مناطق معينة في زيادات موثقة في نسب الوفيات وتذبذبات في كمية ملوثات الهواء في المناطق الحضرية، لا سيما الجسيمات الدقيقة، التي اتضح أنها تزيد من عدد الحالات التي تستدعي دخول المستشفى للعلاج من أمراض تنفسية، وأمراض خاصة بالقلب والأوعية الدموية، وتعجل بالوفاة لأسباب متنوعة. وقد وُضعت في العديد من البلدان بروتوكولات للوقاية من تلك الآثار السلبية التي تؤثر بالأخص على المرضى بالفعل والفئات الأكثر عرضة للمرض.

في مقابل تلك النوبات المناخية، تكتب العواقب الصحية للتغير المناخي العالمي المتوقع فصلًا جديدًا تمامًا في الأبحاث الوبائية. فهناك ارتفاع محتمل في درجة الحرارة يتراوح بين ٢ و٥ درجات مئوية بحلول نهاية هذا القرن ربما ينعكس على ارتفاع مستوى سطح البحر من ٢٠–٦٠ سنتيمترًا؛ مما يؤدي إلى حدوث تغيير في حدود السواحل وما يترتب عليه من تعرض الناس للفيضانات، وهو ما تتعرض له بالفعل بانتظام بلدان مثل بنجلاديش. ويُتوقَّع أن تشتد الأعاصير المدارية، التي يتعرض لها حاليًّا أكثر من ٣٠٠ مليون نسمة. إن الدورات البيولوجية للطفيليات حساسة للتغيرات المناخية، حتى إن مئات الملايين من الناس سوف يصابون بأمراض مثل الملاريا. هناك نتيجة محتملة أيضًا وهي ارتفاع أعداد من يعانون من سوء التغذية بسبب موجات الجفاف والفقر الذي تعاني منه المناطق الريفية، والذي — مثله مثل التداعيات الأخرى للتغير المناخي — سوف يدفع الناس نحو الهجرات الجماعية، التي ستصبح في حد ذاتها مصدرًا لمشكلات صحية خطيرة (مثال واحد على ذلك، إن الحفاظ على حالات الإصابة الخطيرة بمرض السكر تحت السيطرة، الذي يُعدُّ مهمة دقيقة لكنها روتينية يومية في البلدان المتقدمة، من الممكن أن يكون شبه مستحيل في المجتمعات المهاجرة باستمرار). اليوم، يمكن تحديد تلك الآثار، غير أن تأثيرها المحتمل على الصحة (الذي لا يزال حاليًّا بسيطًا إلى حد ما) لا يزال في حاجة لتحديد كمي من خلال الأبحاث التي تجمع بين البيانات الوبائية المتاحة — عن الملاريا، على سبيل المثال، في المناطق المختلفة — وبين نماذج محاكاة للكيفية التي ربما تتطور بها الأمراض في ظل افتراضات متنوعة عن درجة الحرارة وغيرها من التغيرات البيئية.

تمكين الأفراد

في مجتمع يتمتع بالمساواة بين الناس في الحقوق، من المفترض أن يتم تمكين الجميع من المشاركة في اتخاذ القرارات التي تؤثر على صحتهم، ومن خلال العمليات الديمقراطية (التي سنتناولها بمزيد من التفصيل في الفصل العاشر) في المناقشات المتعلقة بصحة المجتمع. ومن الممكن أن يتحقق ذلك من خلال المعلومات أو التأقلم أو التثقيف. هناك كمٌّ هائلٌ من مصادر المعلومات: الصحف، والمجلات، والكتب، والتليفزيون، وشبكة الإنترنت الأبرز بالطبع. هناك ما يقرب من مائة ألف موقع على الشبكة تتناول الشئون الصحية، والمسألة الرئيسية هنا هي دقة المعلومات. وتُجرَى حاليًّا دراسات تهدف إلى قياس خطر مصادفة مصادر غير دقيقة، وتوضع حاليًّا أنظمة اعتماد معلوماتية تتبع جهات خاصة وعامة. الغالبية العظمى ممن يدخلون على شبكة الإنترنت يبحثون فيها إما بشكل عارض أو منتظم عن معلومات متعلقة بالصحة، وعادةً ما يكون ذلك متصلًا بمشاكل صحية فعلية أو محتملة. ويجب على من يعثر على نصوص لهذا السبب أو بدافع الفضول أو الاهتمام الثقافي أن يقرأها ويفهمها في ضوء اعتبارين؛ أولهما: أن معظم التوصيفات هي بالضرورة احتمالية، تقوم بالتأكيد على معدلات الخطر ومعدلات نجاح إجراء وقائي أو علاجي ما، أو معدلات وأخطار حدوث ضرر نتيجةً لآثار جانبية لعقار ما، أو طعام ما غير صحي، أو تدخين الماريجوانا مثلًا. وثانيهما: أن عرض المعلومات يتأثر عادةً بشخصية من يقدمها والغرض الذي تُقدَّم من أجله سواء أكان معلَنًا أم مستترًا. وقد تكون محايدة وموضوعية تمامًا أو موضوعة في إطار سياق تعليمي أوسع (مثل الإرشادات التي ينشرها المعهد الوطني للتميُّز الصحي والطبي بالمملكة المتحدة للأفراد)، أو من الممكن أن تميل في اتجاه الدعاية والإعلان من أجل تهيئة الناس لشراء واستخدام بعض المنتجات، وهو ما يحدث في أغلب الأحيان عن طريق إثارة مخاوفهم حيال حالاتهم الصحية.

غير أنه توجد قواعد عامة ربما يكون من المفيد تطبيقها لفحص المعلومات الصحية المتاحة، سواء تلك التي نحصل عليها من البحث على شبكة الإنترنت أو التي نحصل عليها من وسائل الإعلام، سنعرضها فيما يلي:
  • لا تثق في النتائج الجديدة إلا إذا تكررت في دراسات مختلفة. ينبغي التعامل بحرص بالغ مع الادعاءات المتكررة مثل أن بروتينًا اكتُشف مؤخرًا في الطماطم يقلل من خطر الإصابة بسرطان القولون بمعدل النصف، لا لأن تلك النتيجة خرجت من دراسة معيبة (وهذا ممكن أيضًا)، وإنما لأنه كما أكدت مرارًا في هذا الكتاب لا يمكن إثبات العلاقة السببية إلا إذا تكررت في أبحاث منفصلة وفي السياق نفسه. ويجب التأكد أن مصدرها دراسات مختلفة، وليس دراسة واحدة يتردد صداها في وسائل الإعلام المختلفة.
  • لا تثق إلا في النتائج التي بها هامش من الشك. جميعنا يفضل صورة الحقيقة القاطعة، حتى لو كان السبب الوحيد في ذلك أن القرارات التي سنتخذها لا بد أن تحسم الأمر بين نعم ولا. غير أنه في معظم الأحيان هناك هامش من الشك في النتائج والتوصيفات القاطعة يخفي جزءًا أساسيًّا من المعلومات ذات الصلة. فالعبارات القاطعة ينبغي التعامل معها بحذر.
  • لا تثق في النتائج إلا إذا وُضِعت في سياقها الصحيح. إن تمكين الأفراد، سواء في الحياة المهنية أو العادية، من تحويل المعلومات إلى معرفة تمكينية يعني ضمنًا أن المعلومات ليست معزولة ولا مرتبطة عشوائيًّا بعناصر أخرى، وإنما موضوعة في سياق ما. على سبيل المثال، ينبغي أن تناقَش نتائج الدراسات التي أجريت على المخاطر المحتملة للإصابة بالسرطان نتيجة لاستخدام الهاتف المحمول في سياق الآثار الأخرى على الصحة، من بينها خطر وقوع حوادث سيارات نتيجة التحدث في الهاتف المحمول أثناء القيادة. ويمكن القيام بذلك في إطار الدراسات نفسها أو بربطه بمراجع خارجية. هذا الإطار السياقي ضروري لتطوير قدرة الفرد على تقدير وتأويل المعلومات؛ وهو ليس بديلًا عنها ويجب عليه عدم السعي للقيام بذلك.
  • لا تثق إلا في النتائج التي لا توضع في إطار إعلاني. الإعلان إشارة ضرورية لجذب الانتباه لمادة ما؛ أي نتائج جديدة أو ذات أهمية. ولكن في الإعلان التجاري المروِّج للمبيعات، تتبدل الأدوار تمامًا، فيصبح الإعلان هو ذاته المادة. فعلى سبيل المثال، صارت خدمات اختبار الحمض النووي على الإنترنت مشروعات مربحة تزعم — بناءً على أدلة مشكوك فيها أو بدون أدلة أصلًا — أنه يمكنها أن تتنبأ بالأمراض التي ستعاني منها في المستقبل. يجب عليك تجاهل كل هذا برمته؛ فبتجاهلك لمثل تلك المشاريع لن تخسر شيئًا، وعندما يتبين وجود دليل قوي على العوامل الوراثية المتسببة في مرض ما، فسوف تعلم به على أي حال من مصادر أخرى غير تجارية.
  • لا تثق إلا في النتائج والتوصيات المتوافقة. لعل هذه هي أهم قاعدة إرشادية. فيما يتعلق بالمعلومات، مثلما هو الحال في معظم الظروف الأخرى في الحياة، لا يوجد شيء دون مقابل؛ على سبيل المثال، يمكن أن تحصل على وجبات سريعة رخيصة الثمن، لكن جودتها تكون غير معلومة. هذا يعني أن عليك أن تأخذ وقتك وأن تبذل بعض الجهد في فحص المعلومات من أكثر من مصدر مختلف وتقارن بينها، وأن تنظر بتأنٍّ في التفاصيل، حتى تصبح واثقًا بدرجة معقولة من جودة المعلومات وصحتها.

الأنظمة الصحية والصحة العامة

النظام الصحي هو مصطلح عام يطلق على مجموع الأنشطة التي تتعلق بشكل مباشر بالصحة، مع أنه في معظم البلدان — وليس كلها — يكون أقرب إلى مزيج معقد من العديد من الأنظمة التي تندرج تحته وليس نظامًا وحيدًا. إن تنسيق شئون الصحة العامة، وهو في حد ذاته أحد المكونات التي تدار بصفة رئيسية من قِبَل الهيئات الصحية المركزية والإقليمية والمحلية، يعمل على الصياغة والربط فيما بين أنظمة المستشفيات (العامة، والخاصة الهادفة للربح، والخاصة الخيرية) والعيادات العامة والمراكز الإكلينيكية التخصصية ووحدات الوقاية وجميع الأنشطة الأخرى المتصلة بالصحة.

دائمًا يواجه المسئولون على كافة أصعدة النظام الصحي، وكذا متخذو القرارات السياسية، مسألة المقارنة بين مزايا وتكاليف عمليات التدخل والخدمات. ومن الممكن أن تضع التحليلات الاقتصادية نصب أعينها استكشاف طرق مختلفة لأداء عملية التدخل نفسها، ولتكن مثلًا عدد مرات الغسيل الكلوي نفسه، بهدف تحديد الإجراء الأقل كلفة (أو ما يطلق عليه «تحليل تقليل التكاليف»). أو من الممكن أن يقوموا بعقد مقارنة بين التكلفة والنتيجة، من حيث النتيجة العامة مثل إطالة العمر، لمختلف عمليات التدخل مثل المقارنة بين الغسيل الكلوي وزرع الكلى (أو ما يطلق عليه «تحليل جدوى التكلفة»). وأخيرًا، قد يقارنون بين تكاليف ومزايا عمليات التدخل المختلفة في الحالات نفسها أو في حالات مختلفة (علاج ارتفاع ضغط الدم أو التلقيح ضد الأنفلونزا) من الناحية المالية أو من زوايا قياس أخرى «للقيمة» حسبما يراها الأفراد «تحليل فوائد التكلفة». ويتدخل علماء الأوبئة في تلك التحليلات بتقديمهم الأدلة على وجود فوائد صحية وآثار سلبية حسب تقييمهم للأمر مستعينين بالمراجعات المنهجية للدراسات الكيميائية الحيوية والوبائية. كذلك، فإننا نحتاج إلى معيار التدقيق الصارم نفسه المُطبَّق على تلك الأدلة في تقييم الأدلة الاقتصادية. الخلاصة أنه لا يوجد ضمان لأن يظل شعار الصحة للجميع — بمن فيهم الأكثر عرضة للمرض — في مقدمة الاهتمامات المجتمعية، متقدمًا على باقي الاهتمامات الصناعية أو المالية أو الأيديولوجية.

هوامش

(1) From P. Juni et al., ‘Risk of cardiovascular events and rofecoxib: Cumulative meta-analysis’, The Lancet, 2004: 364. Reprinted with permission from Elsevier.
(2) From Dahlgreen, G. and Whitehead, M., Policies and Strategies to Promote Social Equity in Health (Stockholm Institute for Futures Studies, 1991).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢