الفصل الثاني

سَكرة الحُب

بينما كان جونزاليس منتظرًا داخل البيضة، شمَّ روائحَ عجيبةً وشعرَ برجفات كهربائية في جسده، ورأى ومضةً من الضوء الأزرق الساطع، ثم باندفاعة مفاجئة …

أخذ يطير نحو السماء فاردًا ذراعيه. بدا خط الأفق المستوي على بُعد آلاف الأميال. وعلى مسافة بعيدة أسفله، كان الناس يهرولون بلا هدف في أرجاء سهل رملي، وكانت أصواتهم تتحدَّث بلغاتٍ غير معروفة. كانت ماكينات ضخمة تتحرَّك في تثاقلٍ على غير هُدًى بين الحشود، وأذرعها المعدنية التي يبلغ طولها آلاف الأقدام تنفتح وتنغلق في نوباتٍ عشوائية، وتشق طريقها الفسيح بين الأجساد الهشة متسببة في أذًى على الأرجح.

كانت الرياح تندفع نحوه، وكانت تملأ رئتيه من فرط قوَّتها. أخذ يتسارع مُصدرًا صيحة حبور، ومر عبْر غشاء كهربائي، ستار شفاف وامض يمتدُّ عموديًّا من الأرض أسفله إلى اللانهائية بالأعلى وينتشر عبْر الأفق كله. فيما وراءه، كانت أشكالٌ عملاقة تلوح فوق مشهد طبيعي من الصخور والتلال. وإلى جوارِ عودٍ هائلِ الحجم، كان رأسٌ يظهر بشكلٍ جانبي يميل لأسفل، ومن فمه انبعثت هَبَّة من الدخان تكورت على نحوٍ مستدير؛ ولم يعلم جونزاليس ما كانت تعنيه أو ماهية اللغة التي أتت منها. ارتفع جوادان أبيضان متماثلان في الهواء معًا، وصهلا بينما كان يمر بهما. كان ثمَّة امرأة عارية مستلقية داخل صَدفة؛ وكان كلٌّ من المرأة والصَّدَفة ذواتي لون قرنفلي ووردي ولؤلؤي. أخذ عملاق أحادي العين يخطو نحوه، وقد بدا رأسه عجيني الشكل غيرَ مكتمل، وفمه مجرد خطٍّ دقيق، وأنفه محض انبعاجة. أخذ يناديه مُصدرًا صيحاتٍ غير ملفوظة.

مرَّ عبْر سِتار آخر، وتحوَّل العالم إلى اللونين الأبيض والأسود. وفوق بحرٍ عديم الملامح، طار رأسٌ نحوه، وكان له شعرٌ أسود مجعَّد وأنفٌ حادٌّ مستدق، وكان يميل إلى الأمام كي ينظر إلى البحر أدناه، كما لو كان يبحث عن شيء هناك. ثم مرَّ بجرسٍ كان يغطي نحو رُبع السماء؛ شكل هيكلي يتدلى من الحبل أسفله قناعٍ خاوٍ لوجه، وحين تمايل الشكل، أصدر الجرس دقاتٍ اخترق صوتها عظامه.

وصل إلى الستار الأخير. كانت السماء قد تحوَّلت إلى اللون الأزرق الساطع المميز للأحلام. وعلى مرمى البصر كانت تلوح «نقطة الأصل»، وجوانبها عامرة بعددٍ لا نهائي من الثقوب. مرق جونزاليس عبْر الستار وشعر بطنين كهربائي يخترق عظامه، ثم ولج ثقبًا في الجانب الشاسع للمكعب المظلم.

•••

أخذ الرجل العجوز، الجالس خلف طاولةٍ منخفضة من الخيزران، يضع الشَّعْرية المسلوقة في طبقٍ خشبي، وبعد أن أومأ جونزاليس موافقًا على كل اختيار، أضاف الرجل بعض الكزبرة والثوم المحمر وقِطَع البازلاء المجففة والبيض المقطع ونقانق السمك وبذور السمسم. بعد ذلك وضع بعض حساء السمك فوق هذا كله واختتم تزيين الطبق برش مسحوق الفلفل وبعض عصير الليمون، ثم ناول الطبق إلى جونزاليس مُبتسمًا. ناوله جونزاليس حفنة من عملات الكيات النقدية التي تبدو زهيدة. كان اسم طبق الإفطار هذا «موهينجا»، وكان جونزاليس يحبه، وقد تناوله صباحَ كلِّ يوم منذ أن اكتشفه قبل أسابيع مضت.

وجد جونزاليس مقعدًا حجريًّا أمام معبد باجودها قريبًا وجلس يأكل باستخدام زوج من العصي غير المتقنة وهو يشاهد المارة. كان الطقس قد غدا حارًّا ورطبًا بالفعل، وعلم أن من شأن أي مجهود بدني أن يجعله يتصبب عرقًا. مرَّ إلى جواره طابور من الصبية، يقودهم أحد الرهبان، وكانت رءوسهم حليقة حديثًا، وأرديتهم الزعفرانية اللون زاهية ومُنشَّاة، وأوعية الاستجداء الخاصة بهم لامعة. كانوا في الثانية عشرة من العمر وقد أكملوا لتوهم طقس «شين بيو»، الذي بواسطته يدخلون في سلك الرهبنة، وهو طقسٌ لا يزال أغلب الصبية البورميين يمرون به، حتى في منتصف القرن الحادي والعشرين.

بعد تناول الإفطار لم تكن لديه رغبة في العودة إلى الكوخ الذي يعمل به؛ لذا شرع في السير في أرجاء الريف المحيط بمعبد الباجودا.

بعد نصف ساعة، وبينما كان يسير في دربٍ مخصَّص للعربات التي تجرُّها الدواب في السهل القاحل، وصل إلى منصةٍ مبنية على ارتفاع كبير من الأرض. وعليها كانت توجد أكاليل من الزهور الفاقعة وأطباق من الأرز، قرابين مقدَّمة من أجل استرضاء «النات»، وهي الأرواح التي كانت تحرِّك هذه البلاد حتى قبل حلول البوذية. كانت أرواحًا نزِقة، ومن الممكن أن تتصرَّف على نحوٍ بغيض، وفي الماضي كانت تطالب بقرابين بشرية.

كانت أرواح «النات» قويةَ الحضور حول الباجودا. وفي جبل بوبا، على مسافةِ ثلاثين ميلًا وحسب، كان يحكم مين ماهاجيري، الأخ والأخت، «سيدا الجبل المرتفع». لقد سمع جونزاليس قصَّتهما لكنه لم يتذكَّر سوى أن هاتين الروحين، في صورتيهما البشريين، تورَّطا في مؤامرة من الحسد والقتل، وأن ثمَّة ملِكًا قريبًا كان هو الشرير الضالع في هذا.

اقترب شخص سائر على الدرب نحو جونزاليس، وكان يرتدي الملبس البورمي «الغربي» التقليدي؛ البنطال الأسود الواسع والقميص القطني الأبيض، وكان رأسه ووجهه عبارة عن كرة ساطعة من الضوء. فكَّر جونزاليس: عجيب، أتساءل كيف حدث ذلك؛ فهذا الشخص فقدَ وجهه وجنسه.

«مرحبًا.» هكذا قال الشاب، ووجدا مقعدًا حجريًّا منخفضًا أمام معبد باجودا على مقربةٍ منه وجلسا عليه.

سأله الشاب: «لِمَ أنت هنا؟»

كان جونزاليس سعيدًا بهذا السؤال. أخبره بمعلومات حول عملية تدقيق الحسابات التي كانت توشك على الانتهاء، وعن جروسباك غير المتعاون … وعما سيحدث بعد ذلك: أنه في غضون أيام معدودة سيغادر جونزاليس بورما ويوشك أن يُقتَل في هجومٍ جوي يشنه متمردون بورميون.

«حسنًا إذن، لنمضِ في طريقنا. إن طائرتك تنتظرك الآن — يبدو أن الوقت يمر بسرعة كبيرة اليوم — وينبغي أن تذهب. أتمانع في أن أنضم إليك؟»

قال جونزاليس: «كلا، على الإطلاق، إذا لم تكن تمانع أن توشك على التعرُّض للقتل.»

«آه، لقد حدث لي هذا مؤخَّرًا. لا أمانع. كما أنني بحاجةٍ إلى تجربة هذه الأشياء. ومثلك تمامًا، أريد أن يُكتَب لي البقاء.»

•••

جلس جونزاليس داخل الطائرة في عَتَمةٍ شبه تامة، وإلى جواره الشاب ذو الوجه الساطع، وكلاهما ينتظر …

قال الطيار: «يبدو أنهم مجموعة من مقاتلي الكاشين.»

كانت الأشكال الصغيرة المرسومة على الشاشة تتحرك صوبَهم.

قال الشاب: «صورة إلكترونية صغيرة للغاية، مناسبة للغاية لهجومٍ جوي ضد تكنولوجيا أكثر تقدُّمًا، يركبُها المحاربون الشباب، وتُحْمَل الصواريخ على أجسادها، على مقاليعَ وكأنها أطفالٌ رُضَّع.»

صاح الطيار: «اللعنة، لقد أطلقوا صواريخهم!»

بدأت الطائرة تدور حول ذاتها وتعلو وتنخفض في الهواء، وفي لحظة الذعر هذه، شَعر جونزاليس بيد الشاب وهي تُوضع على ذراعه.

قال الشاب: «إنهم يُطلِقون صواريخهم بسرعة كبيرة. باستثناء تلك الطائرة.» وأشار الشاب إلى واحدة من الطائرات الصغيرة الظاهرة على الشاشة وأضاف: «إنها تقترب بشدة، وأعتقد أن قائدها سينتظر حتى نصير في مرمى نيرانه تمامًا.»

سأله جونزاليس: «ألن يقتله هذا بالمثل؟»

قال الشاب: «آه نعم، دعنا نلقِ نظرة، بل الأفضل من ذلك، دعنا نكن هناك بأنفسنا.»

كانت قائدة الطائرة امرأة شابة ترتدي خوذة طيران ليلي كانت تمكِّنها من رؤية الأشعة تحت الحمراء وتَحمِل أسفلها، كما قال الشاب، صاروخًا حراريًّا موضوعًا في مقلاع. نظر جونزاليس والشاب عبْر عينَي قائدة الطائرة إلى مشهد المعركة وتبادر إلى عقليهما ما كانت تفكِّر فيه وشعرا بدفقة الأدرينالين التي تشعر بها.

في نظارتها، كانت صورة الطائرة واضحةً؛ جسم أبيض تحُفُّه خطوط حمراء، وتركت لمنظومة التتبع الخاصة بها مهمة اللحاق بالطائرة، بحيث قللت المسافة الفاصلة بينهما وهي تناور وتتفادى الصواريخ التي يطلقها زملاؤها.

شعرت بالإثارة تملِكها، لكنها كانت هادئة كذلك؛ لقد خاضت معاركَ أخرى من قبل، وكانت الأمور تسير وُفق ملخَّص المعلومات الذي تلقَّوه. ورغم أن هذه الطائرة يمكنها أن تسبقهم في الطيران بسهولة، وأن تتسارع إلى الأعلى أو بعيدًا، في سماء الليل، فقد كان عليها أولًا أن تهرب من صواريخهم، وكانت بضع ثوانٍ من التحليق المستقيم هي كل ما يحتاجونه. كانت ستنتظر حتى تقترب أكثر، وتنتظر إلى أن تصير الطائرة على مقربة شديدة بحيث لا يمكن أن تخطئها، أو تنتظر إلى أن يفشل الآخرون.

بعد ذلك بدأ كلُّ مَن حولها يموتون، في انفجاراتٍ سبَّبت ظهورَ زهورٍ بيضاء في نظارات الرؤية الليلية المحملة بأكثر من طاقتها …

كانت طائرة أعدائها موجودةً أمامها، ربما كانت قريبةً بما يكفي وربما لا، لكنها علِمت أنه لا يوجد وقتٌ كافٍ، وأن ثمَّة لاعبًا جديدًا في اللعبة، وأنه كان يقتلهم جميعًا. وهكذا استعدت، ومدَّت أصابعها إلى زرِّ الإطلاق، وحينها شاهدت جسمًا يقترب نحوها، كان قريبًا بالفعل أكثرَ مما ينبغي ويزداد حجمًا بسرعة مستحيلة، وسبَّبت حرارته ظهور زهرة بيضاء أخرى في نظارتها، ثم انفجر فيها وشعرت بأقل لحظة يمكن تخيُّلها من الألم الذي لا يُطاق …

داخل الطائرة، مات جونزاليس والشاب معها، ثم بدأ جونزاليس في النحيب، وجسده منحنٍ، بينما تصارع موت هذه المرأة وحياته هو في داخله … الأسى والرعب والامتنان والفرحة والانتصار والفقدان، كلها مختلطة وتموج في نفسه. أيضًا كان بمقدوره أن يسمع الشاب المجاور له وهو يبكي. سطع ضوء طائرة القوات الجوية البورمية من طراز «لوب جارو» داخل طائرتهم، وغمرهما هما الاثنان وكذلك الطيار المصدوم، الذي نظر إليهما في ذهول.

توقَّف الزمن حولهم. فتجمَّد وجه الطيار المتوتر، وكل الأجهزة الموجودة في لوحة الطيار توقفت كما هي، وخارج النافذة توقَّف النهر المظلم أسفلهم عن الجريان. جلس جونزاليس والشاب في خلية حياة وسط الجمود.

قال الشاب: «لا تقلق. هذا يمنحنا مكانًا للحديث من دون ازعاج. ما رأيك فيما حدث للتو؟»

«أتعني الهجوم؟» أومأ الشاب، وأطلق الضوء المنبعث من وجهه موجاتٍ وامضة باللونين الأحمر والأزرق. قال جونزاليس: «لقد رتَّب جروسباك الأمر. إنه يريد قتلي.»

«لا أظن هذا، ومع ذلك، لو افترضنا أن ما تقوله حقيقي، فهل هذا يَهُمُّ؟»

«نعم، بالطبع.»

«لماذا؟»

«لأن …» ثم توقَّف جونزاليس، محاولًا التفكيرَ في كل الأوجه التي تجعل هذا الأمر مهمًّا: إنه مهم بالنسبة إلى سينتراكس، وتراينور …

قال الشاب: «لكنه ليس مهمًّا بالنسبة إليك. لقد ماتت المرأة الشابة، ومات رفاقها المقاتلون معها: هذا أمر مهم. لقد عشت أنت والطيار: هذا أيضًا أمرٌ مُهم. السياسة البورمية، مؤامرات المؤسسات المتعددة الجنسيات، إنها أوهام، حِيَل، لا شيء مهم. الحياة والموت وآثارهما في القلب البشري، هذه تَحمل أهمية لك. إن موت هذه المرأة يعيش داخلك، وحياتك تُظهِر معناه؛ فلتنسَ أمرَ جروسباك وتراينور وسينتراكس، انسَ أمر الخوف والطموح والجشع.» نظر الشاب في وجهه عن كَثَب وقال: «أنا أنسج الكلمات حول قلبك كي ترشده، لا أكثر.»

•••

أخذت ليزي تزحف في الظلام عبْر أحد الأنفاق الصخرية. كان الماء البارد يجري عبْر الشقوق الموجودة في الأرضية ويغرق بلوزتها وبنطالها. حاولت الوقوف لكن حين رفعت رأسها بضع بوصات قلائل ارتطم بقمَّة الممر الصغير الذي كانت تزحف عبْره. لم تشعر بالذعر أو الارتباك على الإطلاق؛ فالنفق الخفيض سيؤدي إلى مكانٍ ما، وسيخرجون منه. وبدا لها أن هذا اختبارٌ من نوعٍ ما.

ظهر الضوء، في البدء كان نقطة دقيقة تأتي من مسافة غير محددة، ثم صار وهجًا أخذت تسير نحوه مسرعة، واجتازت منعطفًا في الممر أفضى بها إلى فتحة في الصخور.

رأت عبْر فتحة النفق مشهدًا مستحيلًا: منطادًا قمته عبارة عن كرة مفلطحة خضراء اللون، كان يتمايل كما لو أن ثمَّة رياحًا قوية، بينما قمَّته تميل نحوها بحيث استطاعت أن ترى عينًا كبيرة في منتصفها، مفتوحة وتحملق في السماء اللامتناهية. كانت قزحية العين ذات لون ذهبي داكن يحيط بها نقاطٌ ذهبية فاتحة. وحول العين كانت الرموش تختلج بفعل الرياح.

كانت منصة تحمل كرة معدنية، أشبه بكرة الأعماق، تتدلَّى من عشٍّ كثيف من الأغطية أسفل المنطاد. كان ثمة شخصان رابضان هناك، يمسكان بالأغطية وبأحدهما الآخر، وكانا ينظران إلى السماء. وبفعلِ حيلةٍ بصريةٍ ما، انكمشت المسافة بينها وبين المنطاد إلى أن رأت ديانا وجيري، شابَّين خائفين. زحفت إلى الأمام، واختفى المنطاد وديانا وجيري.

عند أحد منعطفات النفق، كانت ثمَّة طبعاتُ أيادٍ حمراء اللون تسطع في الظلام. وعند منعطف آخر، سمعت خوار ألف حيوان، ورأتها وهي تجري صوب منحدر وتقفز من فوقه، قطيع كامل من الثيران تجري وتصيح نحو موتها الجماعي. وبالأسفل، كما كانت تعلم، كان رجال ونساء ينتظرون كي يقطِّعوا الحيوانات الميتة ويحملون لحومها بعيدًا.

كانت الصخرة تنحدر انحدارًا حادًّا أسفلها، وبدأت تنزلق إلى الأمام، ثم تدحرجت بشكل جانبي وخرجت متعثرة من النفق وسقطت في بركة من الماء المثلج.

قالت: «اللعنة.» وقد صارت مبتلة تمامًا الآن، وزحفت خارجة من البركة الضحلة إلى الصخور الجافة المحيطة بها. وفي ضوءٍ شديدِ الخفوت شاهدت قاعدتين يعلو كلًّا منهما تمثالٌ لثور، والتمثالان منحوتان نحتًا قليل البروز في الطمي الطري.

رفعت بصرها ورأت شخصًا يخرج من ظلام الكهف، من الطرف الآخر له. كان طوله يبلغ ثماني أقدام على الأقل، وله رأس ذو قرون ووجه من الضوء، وبدت المياه وكأنها تتراقص حوله. وقفوا متواجهين، وشعرت بنفسها تضعف أمام ذلك الحضور السحري العملاق.

قال: «أنا أنتظر.»

«ماذا؟»

«أن تختاري.»

«أختار ماذا؟ أي اختبارٍ هذا؟»

«ليس اختبارًا، فقط شعبة من الواقع، تجتازين فيها طريقًا أو آخر.»

«إلى أين تفضي الطرق؟»

«لا أحد يعلم. كل طريق هو نفسه محصلة اختيارات تتخذينها وأنت عليه. ويؤدي كل اختيار إلى آخر، ويؤدي كل اختيار إلى استبعاد آخر، ونمط واحد من الاختيارات يستبعد عددًا لا نهائيًّا من الأنماط.»

«لا تروق لي مثل هذه الاختيارات. لا أريد أن أستبعد اللانهائية.»

«أمر مؤسف.» ثم رفع الشخص سكينًا حجريًّا، وأخذ الضوء الخافت ينعكس على أوجه السكين المتكسرة العديدة. «أنت تختارين، وأنا أقطع. تختارين اليد اليمنى، فأقطع اليسرى، تختارين اليد اليسرى، فأقطع اليمنى.»

«كلا!»

«آه نعم، ثم تنمو يدك مجددًا؛ فتصير كلتاهما يمينًا أو كلتاهما يسارًا، هذا نتاج اختيارك. وكل اختيار يؤدي إلى الآخر، وهكذا تختارين مجددًا.»

وجدت ليزي نفسها تبكي.

قال: «اختاري: مُدِّي يدًا.»

نظرت إلى يديها، كلتاهما غاليتان، وفكَّرت في كل الثراء الذي قد تفقده بفقدان إحداهما. بعد ذلك سألته، وهي لا تزال تبكي وشاعرة بالحيرة: «أيهما اليمنى وأيهما اليسرى؟»

ضحِك، وتردد صدى صوته عبْر أميال من الكهوف والأنفاق الصخرية، وحمل أكثر من ثلاثين ألف عام من التاريخ البشري، وأخذ يدور في رقصةٍ من نوعٍ ما، والمياه ترتفع كالنافورة حوله، ويدندن بمقاطع مبهمة، ثم قفز أمامها وأمسك معصميها في يديه الضخمتين وقال: «ستعلمين أثناء الاختيار، أيهما اليمنى وأيهما اليسرى.»

«لن أختار.»

«حينها سأقطع كلتا يديك.»

«كلا!» هكذا صاحت على الفور ومدَّت إحدى يديها، وبعد أن اختارت، رأت السكين الحجري وهو يسقط.

•••

وقفت ديانا في غرفة المعيشة في شقتها بمحطة أثينا. كانت توجد منها نسختان؛ إذ كانت هناك ديانا الشابة العمياء، وديانا الأكبر سنًّا المبصرة.

نظرت ديانا المبصرة حولها؛ فلم يسبق لها رؤية المكان إلا عبْر صور هولوجرامية، وشعرت بلمسة من شعور غريب لم تكن تعرف له اسمًا: العودة إلى شيءٍ شبه مألوف. ظلت الشابة العمياء دون حراك؛ إذ كانت تحمل في رأسها صورةً للشقة على شكل خريطة معقَّدة من العلاقات والحركات، ولم تكن الأنماط البصرية التي رأتها نسختها المبصرة ذات أهمية لها.

وضعت يديها على المنحوتة الموضوعة في منتصف الغرفة، وهي صنيعة نحَّاتٍ أعمى يُدعى ديرنييه، ثم أغمضت عينيها وشعرت بملمسها الخشن المألوف ومكَّنتها المنحنيات الغريبة من تتبُّع صورة غير الصورة المرئية.

من خلفها قال صوت جيري: «ديانا.» استدارت إليه، فكان واقفًا كما كان منذ أكثر من عشرين عامًا؛ كان أصغر مما تخيلته من قبل، وجميلًا، ومليئًا بالرغبة نفسها التي تملؤها.

سارت ديانا، العمياء والمبصرة، الشابة والكهلة، عبْر الغرفة نحوه، لكنه رفع يدًا وقال: «توقفي. إذا أتيتِ إليَّ الآن حينها ستضعين على عاتقك التزامًا لن تستطيعي التحرُّر منه مطلقًا.»

«لا يمكنني أن أدعك تموت.»

«لقد عشت أطول كثيرًا من أي تصوُّر معقول. أنا ميت.»

«لا يمكنني أن أتركك ميتًا.»

«هل يمكنك البقاء معي في العوالم غير الحقيقية إلى الأبد؟ إلى أن تتوقَّف المدينة عن الدوران أو أن تموت الروح التي تحرِّكها؟ إلى أن يختفي أحدنا، ويعلق في عاصفة مرعبة أو كارثة؟ إلى أن تفنى إحدى روحينا أو كلتاهما مع انقضاء الزمن؟

(سمعت داخلها صوتًا حفَّزها، ثم أرشدها، يسألها بصوتٍ غير مسموع: «هل تفكرين منطقيًّا في عملية اختيارٍ كهذه؛ بحيث تجمعين وتطرحين المزايا والعيوب، وتستقرين على ما هو في مصلحتك؟ أم هل تستخدمين عضوَ اختيارٍ ما أسفل نطاق الوعي والذات الجلية؟» ويقول كذلك: «تذكَّري أن العقل مُنتجًا مصنوعًا من ردود الفعل العفوية للحياة، وفوقه يندفع الوعي جيئة وذهابًا، ويفرط في تقدير قدراته ونطاقه على الدوام، وينظر لنفسه باعتباره حَكمًا أو قاضيًا لا يأتيه الباطل من بين يديه. اختاري كما شئتِ: فما سيكون سيكون.»)

ثم قالت: «نعم، يمكنني البقاء معك.»

كان هناك سؤال واحد آخر؛ إذ سألها جيري: «لماذا ستفعلين هذا؟»

لقد أفضت بها كل لحظات حياتها إلى هذه اللحظة. قالت المرأة الكهلة المبصرة، بصوت رقيق، وبنبرات حاسمة: «آهٍ، من أجل الحب.»

«حسنًا إذن …»

•••

وقف جونزاليس إلى جوارها على الأرض المنبسطة الممتدة بلا نهاية، وإلى جواره هاي ميكس، ثم ليزي. كانت الصورة المجسدة لألِف وجيري يطفوان فوقهم، وصدر صوتٌ من الشكل المعلق يقول: «ديانا، استيقظي للحظات. أخبري الجميع بأن يأتي إلى هنا كلُّ مَن يستطيع المجيء، وسنفعل أشياءَ معينة.»

قبل أن تطلب ديانا توضيحًا أو تفسيرًا لما يقصده الصوت، سمعت نفسها تقول هذه الكلمات، ثم رأت وجه توشي أمامها وسمعته يسأل: «أي أشياء؟» جلست وهي على أريكتها وقالت: «أنقذوا حياة، ابنوا عالَمًا، استردوا ذاتًا استثنائية.»

قال توشي: «حقًّا.»

عاودت الاستلقاء وغاصت مجددًا في العوالم غير الحقيقية.

تجمَّعوا على الأرض المنبسطة الممتدة بلا نهاية، وقد أتوَا مسرعين، واحدًا تلو الآخر: أولًا جاءت إحدى التوءمين، ثم الأخرى، ثم ستامدوج، والخانعة (وشعرها الأبيض تتخلله خصلات حمراء، وتصيح: «حفل دموي»)، وجاني ٢٣، والقاضي (كان ضخمًا عديم الشعر، يلوح فوقهم كلهم)، والطبيب الضاحك، وجيه جيري جونز، وبيتسي المحبوبة، وسائق سيارة الإسعاف، وتي توتسي … كل أعضاء الجمعية الذين استطاعوا المجيء.

ظل الشكل المجيد لألِف وجيري طافيًا بالأعلى، بينما العواصف الضوئية تنثني وتتكسَّر حولهما في أنماطٍ مجنونة من الانعكاس والانكسار والحيود، تومض وتلتمع، وتنخرط في رقصةٍ ساطعة للفوتونات.

كلُّ مَن استطاع المجيء كان هناك، وهكذا بدأ الأمر.

•••

أخذت أنماط أكثر تعقيدًا وثراءً بالألوان مما سبق أن رآه جونزاليس تملأ الوجود كله. أنماط على شكل زهيرات وأفراس بحر وسُحُب فائرة وسُدُم على شفير التشكُّل، وزخارف على شكل قلوب … التفت الأنماط حوله إلى أن صار نسيجًا متكسرًا، حيًّا، كل عنصر فيه في حركة دائمة. ضم يديه معًا، فاختفت إحداهما في الأخرى، ثم حثَّه شيء على أن يواصل الدفع، وفعل هذا إلى أن اختفى بالكامل …

ثم شعر بأشياء من ماضي جيري وحاضره تختلط بداخله، على نحوٍ عشوائي فيما يبدو، من مخزون الذكريات والقدرات: رمي كرة بيسبول معينة تحت سماء زرقاء معينة، نعم، والتقاطها، وكذلك عملية رمي الكرة وإمساكها نفسها، الحضور الملموس للمجهود العضلي الذي تصاحبه التفاصيل الدقيقة المبهمة تقريبًا والمطلوبة لأداء رمية دقيقة أو التقاط كرة صعبة …

وكما صار معروفًا لاحقًا، فقد تلقَّى كل شخص من الحاضرين أجزاء من الفوضى الشاسعة الرشيقة التي جسَّدت «جيري»؛ وضعتها داخلهم ألِف وفق مبادئ حتى هي لم تستطِع التلفُّظ بها. فما كان يعنيه أن تكون «جيري» كان مختلطًا بهم، وكانوا مختلطين به، وبالوسط الشاسع الذي يدعمهم كلهم، ألِف، في اختلاطٍ ملتبس للذوات المجتمعة. كانت الأنثى مختلطة بالذكر، والذكر مختلطًا بالأنثى، وكان كلاهما مختلطًا بالكيان العديم الجنس لألِف وهاي ميكس. كانوا جميعًا مختلفين إذن، وثمَّة شيء عميق في جوهرهم جعل كلًّا منهم مخمورًا في حالة الفوضى وعربدة الأرواح هذه.

ومع كل عملية توزيع لذات جيري بين المعاونين البشر، كانت ألِف تستعيد جزءًا من ذاتها. وفي عملية من الزخم ذي التسارع المطرد، بدأت أجزاء المدينة وحالاتها تتدفَّق عبْرها، مستعيدة الذات إلى حالها الطبيعي، إلى أن أقرَّت ألِف بذاتها (أنا ما أنا عليه)، وعاودت الإشراف على هالو، وفي تجسيد منتصر لصوت ألِف بدأت تتحدث بما تستطيع هي وحدها سماعه، وكلمات العبارة التي تحدِّدها تتردد في كل بُعد من كيانها.

•••

بينما كان توشي لا يزال جالسًا يراقب ديانا، ولا يزال يتأمل اللغز الخاص به، شعر بشيءٍ يرتفع وكأنه كهرباء تسري عبْر عموده الفقري، وكل تناقضات الأمر الواقع اختفت في لحظةِ كشفٍ وتنويرٍ روحانيٍّ مفاجئة. صاح توشي: «حقًّا!» وهو يضحك بينما يكتنفه شعور التنوير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠