الفصل الثاني

اللاوعي في بوذية زن

ما أعنيه ﺑ «اللاوعي» قد يكون مختلفًا عمَّا يعنيه به المحللون النفسانيون؛ ولذا فإنَّ عليَّ أن أوضح وجهة نظري. وقبل كل شيء، كيف أقارب مسألة اللاوعي؟ إن «اللاوعي» الذي أعنيه هو «فوق-علمي» metascientific، إذا جاز التعبير، أو «قبل علمي» antescientific، وأنتم جميعًا علماء وأنا زنِّي ومقاربتي «قبل علمية» بل أخشى أن تكون «مناهضة للعلم» antiscientific في بعض الأحيان، وقد لا يكون التعبير «قبل علمي» تعبيرًا ملائمًا، لكن يبدو أنه يعبِّر عمَّا أقصده، أما التعبير «فوق علمي» فقد لا يكون سيئًا، سواء لأن موقف زن قد تطور بعد العلم أو لأن الفَكرَنة intellectualization قد شغلت لبعض الوقت كل ميادين الدراسة الإنسانية، فزِن يقتضي أن نتوقف ونتأمل في ذواتنا، ونرى إن كانت الأشياء على ما يرام قبل أن نستسلم دون قيد أو شرط لسيطرة العلم على كامل حقل النشاطات الإنسانية.

ويقضي المنهج العلمي في دراسة الواقع بأن نرى الموضوع مما يُدعى وجهة نظر موضوعية. ولنفترض — على سبيل المثال — أن الزهرة التي أمامي على الطاولة هي موضوع دراسة علمية، وعندها سوف يُخضعها العلماء لكل ضروب التحليل، النباتي، والكيميائي، والفيزيائي … إلخ، ويقولون لنا: إنهم قد استكشفوا الزهرة من الزوايا الخاصة بدراستهم، ويقولون: إن دراسة الزهرة قد استُنْفدَتْ، وما من مزيدٍ لقوله عنها ما لم يتمَّ اكتشاف شيء جديد في سياق دراسات أخرى.

وهكذا فإن السمة الرئيسية التي تميز المقاربة العلمية للواقع هي توصيف الموضوع، والكلام عنه، والدوران حوله، والتقاط كل ما يجذب فكرنا الحسِّي sense–intellect وتجريده بعيدًا عن الموضوع ذاته، وحين ننتهي من كل ذلك كما نفترض، تركيب هذه التجريدات المُصاغة تحليليًّا، والتوصُّل إلى النتيجة بالنسبة لهذا الموضوع.

بيد أن السؤال يظلُّ مطروحًا: «هل وقع الموضوع كاملًا في الشبكة حقًّا؟» وأُجيب: «لا، بالتأكيد!» لأن الموضوع الذي نعتقد أننا قد أمسكنا به ليس سوى محصِّلة تجريدات وليس الموضوع ذاته، ومن أجل مقاصد علمية ونفعية، فإنَّ ما يُدعى بالصيغ العلمية تبدو أكثر من كافية، لكن الموضوع غير موجود، فبعد سحب الشبكة، نجد أن شيئًا ما قد فرَّ من ثقوبها الصغيرة.

ويبقى أنَّ هناك طريقة أخرى لمقاربة الواقع، تسبق العلوم أو تأتي بعدها، وإنني أدعو هذه الطريقة مقاربة زن.

١

ومقاربة زن هي أن تدخل في الموضوع ذاته وتراه كما هو من الداخل، فأن تعرف الزهرة يعني أن تصبح الزهرة، أن تكون الزهرة، وأن تتفتَّح مثل الزهرة، وأن تبتهج لنور الشمس وهَطل المطر، وحين يتمُّ ذلك فإن الزهرة تكلمني، وأعرف كل أسرارها، وكل مباهجها، وكل آلامها؛ أي كل حياتها النابضة في داخلها، وليس ذلك وحسب: فإلى جانب «معرفتي» الزهرة أعرف كل أسرار الكون، الذي ينطوي على كل أسرار ذاتي الخاصة my own self، التي كانت إلى الآن قد تملَّصت من ملاحقتي لها، ذلك أنني كنت قد قسمت نفسي إلى ثنائية duality، المُلاحَق والمُلاحِق، الموضوع والظل، فلا عجب إذًا أنني لم أُفلح أبدًا في التقاط ذاتي، وكم كانت هذه اللعبة مضنية!
بيد أنني الآن أعرف ذاتي بمعرفتي الزهرة؛ أي إنني بضياع ذاتي في الزهرة أعرف ذاتي فضلًا عن الزهرة.

وأنا أدعو هذا النوع من مقاربة الواقع طريقة زن، وهي الطريقة قبل العلمية، أو فوق العلمية، أو حتى ضدَّ العلمية.

ويمكن أيضًا أن ندعو هذه الطريقة في معرفة الواقع أو رؤيته طريقة نزوعية١  conative أو إبداعية، ففي حين تقتل الطريقة العلمية الموضوع وتقضي عليه محاولةً عن طريق تشريح الجسد، ووضع الأجزاء معًا من جديدٍ أن تعيد إنتاج الجسد الحي الأصلي، وهذا في الحقيقة أمرٌ مستحيل؛ فإن طريقة زن تأخذ الحياة كما تُعاش بدلًا من أن تقطعها قطعًا، وتحاول استعادتها للحياة عن طريقة التفكير، أو إلصاق القطع مع بعضها بعضًا بواسطة التجريد، إن طريقة زن تحافظ على الحياة كحياة، دون أن يمسَّها مشرط الجراحة، وها هو شاعر زن ينشد:
كل شيء متروك لجمالها الطبيعي،
بشرتها سليمة،
عظامها على حالها:
فلا حاجة للأصبغة، أو المساحيق من أي نوع.
إنها كما هي، لا أكثر ولا أقل.
يا للروعة!
إن العلوم تُعنى بالتجريدات وليس ثمة فاعلية فيها، أما زن فيغوص إلى منبع الإبداع، ويرتشف منه كل الحياة التي فيه، وهذا المنبع هو لا وعي زن، فالزهرة، مهما يكن الأمر، لا تعي ذاتها، وأنا من يوقظها من اللاوعي، وفي حين يفوت ذلك تينيسون حين يقتلع الزهرة من الجدار المتصدع، فإن باشو يدركه حين ينظر إلى النازونا المتفتحة بحياءٍ على السياج البري، ولا أستطيع أن أحدد بالضبط أين يكمن اللاوعي، هل هو فيَّ؟ أم في الزهرة؟ ولعله، حين أسأل: «أين؟» ليس في أي مكان، وإذا ما كان الأمر كذلك، فلأكن فيه ولا أقول شيئًا.
وفي الوقت الذي يَقتُلُ فيه العالِمُ، فإن الفنان يحاول أن يعيد الخلق؛ ذلك أن الفنان يعلم أن الواقع لا يمكن التوصل إليه عن طريق التشريح؛ ولذلك فهو يستخدم القماش والفرشاة والألوان ويحاول أن يخلق من لاوعيه، وحين يتماهى هذا اللاوعي بصدقٍ وأصالة مع اللاوعي الكوني  cosmic unconseious، فإن إبداعات الفنان تكون أصيلة، ويكون قد أبدع شيئًا ما حقًّا، وعمله ليس نسخة من أي شيء، وإنما هو قائمٌ بذاته ونسيج وحده، فإذا كانت الزهرة التي يرسمها متفتحة في لاوعيه، فإنها تكون زهرة جديدة وليست محاكاة للطبيعة.
لقد رغب رئيس الرهبان في أحد أديرة زن بأن يتم تزيين سقف قاعة الدهارما٢  Dharma Hall  بتنين، وطلب من أحد الفنانين المشهورين أن يقوم بهذا العمل، وقَبلَ الفنان، ولكنه اشتكى من أنه لم يَرَ تنينًا حقيقيًّا، إن كان التنين موجودًا أصلًا، فقال له رئيس الرهبان: «لا تهتم لكونك لم تر التنين ستصبح تنينًا، ستتحوَّل إلى تنينٍ حيٍّ، وترسمه، لا تحاول أن تتبَّع النموذج المعروف».

وتساءل الفنان: «كيف يمكن لي أن أتحوَّل إلى تنين؟» وردَّ رئيس الرهبان: «سوف تعود إلى حجرتك وتركِّز تفكيرك على هذا الأمر، وسيأتي وقتٌ تشعر فيه أنَّ عليك أن ترسم تنينًا، وتلك هي اللحظة التي تكون قد تحولت فيها إلى تنين، ويدفعك فيها التنين لأن تعطيه شكلًا».

اتَّبع الفنان نصيحة رئيس الرهبان، وبعد مكابداتٍ شاقَّة طوال عدة أشهر أصبح واثقًا من نفسه إذ رأى نفسه في التنين الخارج من لاوعيه، وكانت النتيجة هي ذلك التنين الذي نراه اليوم على سقف قاعة الدهارما في ميوشينجي، في كيوتو.

وأريد، بالمناسبة، أن أشير إلى قصةٍ أخرى عن لقاء تنين مع فنانٍ صيني، وكان هذا الفنان قد رغب برسم تنين، وراح يتوق لفرصةٍ مناسبة؛ كونه لم يَرَ تنينًا حيًّا أبدًا، وفي أحد الأيام أطلَّ تنين حيٌّ من النافذة وقال: «ها أنا، ارسمني!» وشُدِه الرسام بهذا الزائر غير المتوقع لدرجة أنه قد أُغمي عليه بدلًا من أن ينظر إليه بإمعان، وهكذا لم يرسم أبدًا صورة تنين حيٍّ.

فالرؤية ليست كافية، ولا بد للفنان من أن يدخل في الشيء ويشعر به من الداخل ويحيا حياته بنفسه، ويقال إنَّ ثورو٣ قد كان عارفًا بالطبيعة أكثر من المختصِّين بها، وكذلك كان غوته، ولم يكونا عارفين بالطبيعة إلا أنهما كانا قادرين على عيشها. أما العلماء فيتعاملون معها موضوعيًّا؛ أي بصورةٍ سطحية، وقد تكون عبارة «أنا وأنت» عبارة حَسَنة، ولكننا لا نستطيع في الحقيقة أن نقول ذلك؛ لأننا حالما نقوله أكون «أنا» «أنت» وتكون «أنت» «أنا»، فالاثنينية٤  DUALISM لا تستطيع أن تصمد إلا حين يسندها شيء ما غير اثنيني.
والعلم يزدهر على الاثنينية؛ ولذا يحاول العلماء ردَّ كل شيءٍ إلى قياساتٍ كمِّية، وهم يخترعون لهذا الغرض كل أنواع الأدوات الميكانيكية. والتكنولوجيا هي الفكرة الأساسية في الثقافة الحديثة، وكل ما لا يمكن ردُّه إلى قياسٍ كمِّي يرفضونه بوصفه غير علمي، أو قبل علمي. وهم يطلقون مجموعة معينة من القواعد، ويضعون جانبًا وبصورةٍ طبيعية كل الأشياء التي لا تخضع لهذه القواعد بوصفها لا تنتمي إلى حقل دراستهم. ومهما كانت الشباك ممتازة، فإن بعض الأشياء تفرُّ منها حتمًا ما دامت شباكًا؛ فلا يمكن لذلك قياس هذه بأية صورة من الصور. ومن المقسوم للكميات أن تكون لا متناهية، وسيأتي يوم تعترف فيه العلوم بعجزها عن إيقاع الواقع في حبائلها. واللاوعي هو خارج حقل الدراسة العلمية؛ ولذا فإن كل ما يمكن للعلماء أن يفعلوه هو الإشارة إلى وجود حقل كهذا، ويكفي العلم أن يفعل ذلك.
اللاوعي هو شيء نشعر به، ليس بالمعنى العادي، بل بما أسميه المعنى الأشد مباشرةً وجوهرية، ولعل هذا أن يكون بحاجةٍ للشرح، فحين نقول: «أشعر بالطاولة الصلبة» أو «أشعر بالقشعريرة»، فإنَّ هذا النوع من الشعور ينتمي إلى مجال الأحاسيس، والتي يمكن تمييزها عن الحواس كالسمع والبصر، وحين نقول: «أشعر بالوحدة»، «أو أشعر بالسمو» فإنَّ هذا الشعور عامٌّ أكثر، وكليٌّ أكثر، وجوَّاني أكثر، لكنه يظلُّ منتميًا إلى ميدان الوعي النسبي، أما شعور الوعي فهو مقابل أساسي أكثر، ومباشر أكثر، ويشير إلى عصر «البراءة»، حين لم يكن الوعي قد استيقظ بعد مما أطلقوا عليه اسم الطبيعة الهيولية، بيد أن الطبيعة ليست هيولية؛ لأن كل ما هو هيولي لا يمكن أن يوجد بذاته أبدًا، وهذا ليس سوى مفهوم يُطلق على المجال الذي يأبى أن يُقاس بقواعد الاستنتاج أو الاستدلال المنطقي العادية، والطبيعة هيولية بمعنى أنها خزَّان إمكانات لا نهائية، والوعي المتطور من هذه الهيولي هو شيء سطحي، لا يمس سوى حافة الواقع، ووعينا ليس سوى جزء عائم لا أهمية له من جزيرة في الأُقيانوس٥ المحيط بالأرض. ولكننا نستطيع من خلال هذا الجزء الصغير من الأرض أن نطلَّ على أمداء اللاوعي الشاسعة، هذا اللاوعي الذي لا يمكن لنا أن نحظى سوى بالشعور به، لكن هذا الشعور ليس بالشيء القليل، إذ يمكننا بواسطته أن ندرك أن لوجودنا المتشظي أهمية كاملة، وبذا يمكننا أن نثق بأننا لا نعيش عبثًا وبلا طائل، أما العلم، وبالتعريف، فلا يمكن أن يمنحنا إحساسًا بالأمن الكامل والطمأنينة التي هي نتيجة لشعورنا باللاوعي.

وفي الوقت الذي لا ننتظر فيه أن نكون جميعًا علماء، فإن الطبيعة قد شكلتنا بحيث يمكن لنا جميعًا أن نكون فنانين، لا فنانين من نوعٍ خاص، كالرسامين، أو النحاتين، أو الموسيقيين، أو الشعراء … إلخ، بل فنانو الحياة، وهذه المهنة، «فنان الحياة»، قد تبدو جديدة وغريبة تمامًا، لكن الحقيقة هي أننا نولد فناني الحياة ومعظمنا يُخفقُ، دون علمه، في أن يكون كذلك، والنتيجة هي أننا نُفسد حياتنا، فنتساءل، «ما معنى الحياة؟» ألا نواجه عَدَمًا مطلقًا؟ «بعد عيش ثمانية وسبعين عامًا، أو تسعين عامًا، أين نذهب؟ لا أحد يعلم»، إلخ. ويُقال: إن معظم الرجال والنساء الآن عصابيون فيما يتعلق بهذه القضايا، لكن بمقدور الزنِّي أن يقول لهم: إنهم قد نسوا جميعًا أنهم ولدوا فنانين، فناني الحياة المبدعين، وإنهم حالما يدركون هذه الحقيقة الواقعة سوف يبرءون من العُصاب، أو الذهان، أو غيره من الأسماء التي يطلقونها على مشكلتهم.

٢

ما المقصود إذًا بأن يكون المرء فنان الحياة؟

بقدر ما نعلم، فإن جميع أصناف الفنانين لا بد أن يستخدموا هذه الأداة أو تلك في تعبيرهم عن أنفسهم، وإظهار إبداعهم بصورةٍ أو بأخرى، فعلى النحات أن يحصل على حجرٍ، أو خشب، أو صلصال، أو إزميل، أو غيره من الأدوات لينقش أفكاره على المادة، لكن فنان الحياة لا حاجة به لأن يخرج خارج ذاته، فكل المادة، وكل الأدوات، وكل المهارة التقنية المطلوبة موجودة معه منذ لحظة ولادته، بل وربما قبل أن ينجبه والداه، وقد تصرخون: إن هذا غريب وغير عادي، لكنني واثقٌ من أنكم حين تفكرون فيه لبرهة ستدركون ما أعنيه، فإن لم تدركوا، فسوف أكون أكثر وضوحًا وأقول لكم: إن الجسد، الجسد الفيزيقي الذي نملكه جميعًا، هو المادة، شأنه شأن قماش الرسام، وخشب النحات، أو حجره، أو صلصاله، وكمان الموسيقي، أو نايه، والحبال الصوتية لدى المغني، وكل ما هو متصل بالجسد، كالأيدي، والأقدام، والجذع، والرأس، والأحشاء، والأعصاب، والخلايا، والأفكار، والمشاعر، والأحاسيس — وفي الحقيقة كل ما يساهم في تشكيل الشخصية بأكملها — هو في آنٍ واحد كلٌّ من المادة والأدوات التي يحول بها الشخص عبقريته الإبداعية إلى إنتاج، وإلى سلوك، وإلى كل أشكال الفعل، وفي الحقيقة إلى حياةٍ بالذات، وحياة مثل هذا الشخص تعكس كل صورةٍ يبدعها من منبع لاوعيه الذي لا ينضب، وكل فعلٍ من أفعال هذا الشخص يعبر عن أصالته، وإبداعه، وشخصيته الحيَّة، فليس ثمة تقليديَّة في هذه الشخصية، ولا امتثال، ولا دوافع مكفوفة، إنه يتحرك على النحو الذي يمتع، وسلوكه مثل الريح التي تهب كما تشاء، وهو غير منغلق على نفسه في وجوده المتشظي، والمحدود، والمحصور، والأناني، فقد غادر هذا السجن، ولقد قال واحدٌ من معلمي زن العظماء: «الرجل الذي هو سيد نفسه، يسلك لنفسه حقًّا»، وأنا أدعو هذا الرجل فنان الحياة الحقيقي.

لقد لامست ذاته اللاوعي منبع الإمكانات اللانهائية، ولامست «لا-عقله». يقول القديس أغسطين: «أحبَّ الله وافعل ما تشاء»، وهو قولٌ ينسجم مع قصيدة بونان، معلم زن قبل القرن السابع عشر:

بينما أنت حيٌّ
كن رجلًا ميتًا،
ميتًا تمامًا،
وافعل كما تشاء؛
عندئذٍ يصبح كل ما تفعله صالحًا خيِّرًا

فأن تحب الله يعني أن تكون بلا ذات، وأن تكون بلا عقل، أن تصبح «رجلًا ميتًا»، وأن تتحرر من دوافع الوعي المقيدة. إن «صباح الخير» التي يقولها مثل هذا الرجل خالية من أي عنصرٍ من عناصر المصلحة البشرية الراسخة، وهو يردُّ إذا ما خاطبه الآخرون، ويشعر بالجوع فيأكل، ومن الواضح أنه رجلٌ طبيعي، آت من الطبيعة مباشرة دون إيديولوجيات الإنسان المتحضِّر الحديث المعقَّدة. ولكن يا لهذا الغنى في حياته الداخلية! ذلك أنه في اتصال مباشر مع اللاوعي العظيم.

لا أعلم إن كان من الصائب أن ندعو هذا النوع من اللاوعي اللاوعي الكوني. والسبب في أنني أحب أن أدعوه كذلك هو أنَّ ما نسمِّيه عمومًا بالحقل النسبي للوعي يتلاشى في مكانٍ ما متحولًا إلى المجهول، وهذا المجهول، حالما يتم إدراكه، يدخل الوعي العادي ويرتِّب بصورةٍ حسنة كل التعقيدات الموجودة هناك والتي تعذِّبنا إلى هذا الحدِّ أو ذاك، وهكذا يكون المجهول مرتبطًا بعقلنا، وإلى ذلك الحدِّ لا بدَّ أن يكون للمجهول والعقل الطبيعة ذاتها نوعًا ما ويوطِّدان اتصالًا متبادلًا. وهكذا نستطيع أن نقول: إن وعينا المحدود، بقدر ما نعرف حدوده يسوقنا إلى كل ضروب القلق، والخوف، وعدم الاستقرار، ولكن حالما ندرك أن وعينا يأتي من شيءٍ متعلِّق صميميًّا بنا — على الرغم من أنه ليس معروفًا على النحو الذي نعرف به الأشياء النسبية — فإننا نتخلَّص من كل أشكال التوتر، ونكون في راحةٍ تامة، وسلام مع أنفسنا، ومع العالم عمومًا. ألا ندعو هذا المجهول اللاوعي الكوني، أو منبع الإبداع اللامتناهي الذي تقتات عليه، ليس إلهامات الفنانين وحسب، بل الذي يمكِّننا نحن الكائنات العادية أيضًا من تحويل حياتنا، كلٌّ تبعًا لمواهبه الطبيعية، إلى شيءٍ من الفن الأصيل؟

وقد توضح القصة التالية إلى حدٍّ ما ما أعنيه بتحويل حياتنا اليومية إلى شيءٍ من الفن. ففي القرن الثامن كان يعيش معلمٌ عظيم من معلمي زن اسمه دوغو، وكان لدوغو مريدٌ شاب راغب في تعلُّم زن، وقد مكث هذا الشاب مع المعلم لبعض الوقت دون أن يتلقَّى منه أي تعليمٍ خاص. وذات يوم دنا من المعلم، وقال: «لقد انقضت فترة وأنا معك، ولكنك لم تعطني أية إرشادات، فلماذا؟ أرجوك كن طيبًا وأسدِ إليَّ النصيحة»، فأجاب المعلم: «لماذا تقول ذلك؟! لقد علمتك زن منذ أتيت إليَّ»، فاحتجَّ المريد: «قل لي أرجوك أي تعليمٍ هو هذا؟» ورد المعلم: «عندما تراني في الصباح تحييني، وأرد التحية، وحين تأتي بالفطور، أقبله ممتنًّا، ففي أي شيءٍ لم أُشر إلى جوهر العقل؟» وبسماعه هذا طأطأ المريد رأسه وبدا مستغرقًا في فكِّ مغالق معنى كلمات المعلم، وعندها قال له المعلم: «حالما تبدأ بالتفكير بهذا، فإنه يكفُّ عن أن يكون موجودًا، عليك أن تراه مباشرة، دون إعمال للفكر، ودون تردد»، ولقد قال المعلم هذا؛ لكي ينبِّه المريد إلى حقيقة زن.

وحقيقة زن، بل وجزء صغير منها وحسب؛ هي ما يحوِّل حياة المرء المملَّة، حياة الاعتياد الرتيبة والخالية من الإلهام، إلى حياة فنٍّ مفعمة بالإبداع الداخلي الأصيل.

ثمة في كل هذا شيء سابق في الزمن على الدراسة العلمية للواقع، شيء لا يمكن تمريره من الجهاز المصنوع علميًّا.

فاللاوعي بمعناه في زن هو الغامض، والمجهول بلا شك؛ ولذا فهو غير علمي أو قبل علمي، ولكن هذا لا يعني أنه بعيدٌ عن متناول وعينا، أو شيء لا علاقة لنا به، فهو في الواقع — وبخلاف ذلك — أقرب الأشياء إلينا، ونظرًا لهذا القرب بالضبط يكون من الصعب الإمساك به، بالطريقة ذاتها التي لا تستطيع بها العين أن ترى ذاتها؛ ولذا فإننا لكي نصبح واعين باللاوعي يتطلب الأمر منا تدريبًا خاصًّا للوعي.

وإذا ما تحدثنا من الناحية السببية، فإن الوعي قد تم إيقاظه من قبل اللاوعي في فترةٍ ما من مجرى التطور، فالطبيعة تشق طريقها غير واعية بذاتها، ثم يخرج منها الإنسان الواعي. والوعي هو قفزة، لكن القفزة لا تعني انفصالًا بالمعنى الفيزيقي للكلمة؛ ذلك أن الوعي هو في اتصالٍ دائم مع اللاوعي، دون انقطاع. والحقيقة أنه من دون هذا الأخير لا يمكن للأول أن يقوم بوظيفته، حيث يفقد أساس عمله، وهذا هو السبب في أن زن يعلن أن التاو هو «العقل اليومي»، وبالطبع فإن زن يقصد بالتاو اللاوعي، الذي يعمل طوال الوقت في وعينا، وقد يساعد الموندو (سؤال وجواب) التالي على فهم شيء من لا وعي زن: فعندما سأل راهبٌ معلمًا عما يقصده ﺑ «الوعي اليومي»، أجاب: «أن آكل حين أجوع، وأن أنام حين أتعب».

إنني لواثقٌ من أنكم تتساءلون: «إن كان هذا هو اللاوعي الذي تتحدثون عنه أنتم الزنِّيون بوصفه غامضًا إلى حدٍّ بعيد، ويحظى بالقيمة العظمى في الحياة البشرية باعتباره العامل المحول، فإنَّا لا نملك سوى أن نضعه تحت طائلة الشك. فكل تلك الأفعال «اللاوعية» قد تم نفيها وإحالتها منذ وقتٍ طويل إلى المجال الانعكاسي الغريزي من وعينا تبعًا لمبدأ الاقتصاد الذهني mental economy، ولا بد أننا نود لو نرى اللاوعي متصلًا بوظيفةٍ أرفع بكثيرٍ من العقل، خاصة وأنه لا يتم بلوغ هذه الوظيفة إلا بعد سنواتٍ طويلة من التدريب الشاق، كما هي حالة المُسايف. وبالنسبة لهذه الأفعال الانعكاسية، كالأكل، والشرب، والنوم، إلخ، فإننا نتقاسمها مع الحيوانات الدنيا وكذلك مع الأطفال، ولا يمكن لزن بأيِّ حالٍ أن يقيِّمها بوصفها شيئًا يكافح الرجل الناضج بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ لكي يجد فيهما معنى».

دعونا نرَ ما إذا كان هنالك فارق جوهري أم لا بين اللاوعي «الغريزي» واللاوعي «المدرَّب» على نحوٍ رفيع.

كان بانكيي، وهو واحد من معلمي زن العظماء في اليابان الحديثة، معتادًا على تعليم مذهب الذي لم يولد بعد  the unborn؛ ولكي يوضح فكرته كان يشير إلى وقائع من تجربتنا اليومية مثل: سماع عصفور يزقزق، ورؤية زهرة متفتحة … إلخ، ويقول: إن هذه كلها ناجمة عن حضور الذي لم يولد بعدُ فينا، ثم يتوصل إلى نتيجةٍ مفادها أن كل ساتوري٦ لا بد أن تكون قائمة على هذه التجربة دون غيرها.
يبدو هذا، على السطح، كما لو أنه يشير إلى التماهي بين مجالنا-الحسِّي والذي لم يولد بعدُ الميتافيزيقي الرفيع، والتماهي ليس خطأ بمعنى ما، لكنه خطأ بمعنى آخر؛ ذلك أن الذي لم يولد بعد هو بالنسبة لبانكيي جذر الأشياء جميعًا، ويشتمل ليس على مجال الحس في تجربتنا اليومية وحسب، وإنما على كل الوقائع الماضية، والحاضرة، والمستقبلية ويملأ الكون حتى أطراف الجهات العشر، أما «عقلنا اليومي»، أو «تجربتنا اليومية»، أو أفعالنا الغريزية، فليس لها قيمة أو أهمية خاصة بحد ذاتها، ولا تكتسب تلك القيمة أو الأهمية إلا حين يكون الذي لم يولد بعدُ أو ما أدعوه «اللاوعي الكوني» مرجعًا لها؛ ذلك أن الذي لم يولد بعدُ هو منبع كل الإمكانات الإبداعية. وهكذا يكون الذي لم يولد بعدُ هو الذي يأكل حين نأكل وليس نحن، وحين ننام متعبين، ليس نحن من ننام بل الذي لم يولد بعدُ.

وما دام اللاوعي لا وعيًا غريزيًّا، فإنه لا يتجاوز لاوعي الحيوانات أو الأطفال، ولا يمكن أن يكون لاوعي الرجل الناضج فما يخصُّ هذا الأخير هو اللاوعي المدرَّب الذي تم فيه اندماج كل التجارب الواعية التي خاضها المرء منذ الطفولة بوصفها مكوِّنة لكيانه كله؛ ولهذا السبب فإن براعة المُسايف حالما يُشهر السيف، جنبًا إلى جنب مع وعيه لِكامل الوضع؛ تتراجع إلى الخلف ويبدأ لاوعيه المدرَّب بلعب دوره إلى أبعد حد، وهكذا يسيطر السيف على الأمور ويعالجها بنجاحٍ كما لو أنه قد امتلك نفسًا بحدِّ ذاته.

ولعل من الممكن القول: إن اللاوعي بقدر ما يكون مرتبطًا بالمجال الحسي؛ يكون نتاجًا لسيرورةٍ طويلة من التطور في تاريخ الحياة الكوني، وتُقاسمُنا إياه الحيوانات والأطفال على حدٍّ سواء. بيد أن المجال الحسي يغزوه الفكر، وتضيع سذاجة التجربة الحسية حين يحدث التطور الفكري، مع ازدياد نمونا، فحين نبتسم لا يكون ذلك مجرد ابتسام وحسب، فثمة شيء ما آخر ينضاف إليه، ونحن لا نأكل كما كنا نأكل في طفولتنا، فالأكل مختلطٌ مع التفكير، وكما نعلم جميعًا فإن هذا الغزو من قبل الفكر أو الاختلاط مع الفكر، هو أفعالٌ بيولوجية بسيطة ملوثة بمصلحةٍ أنانية، وهذا يعني أن ثمة دخيلًا متطفلًا في اللاوعي الآن، هذا اللاوعي الذي لم يعد بمقدوره التحرك رأسًا وفورًا إلى حقل الوعي، كما يعني أن جميع الأفعال التي أُنزلت إلى مرتبة الوظائف الغريزية بيولوجية تتخذ الآن دور أفعال يوجهها الفكر والوعي.

ويُعرف هذا التحول باسم فقدان «البراءة» أو اكتساب «المعرفة» بالمعنى الذي لهذه الكلمة في الأسطورة التوراتية٧. أما في زن والبوذية عمومًا فيدعى «التلوث الوجداني (كليشا)» أو «تدخل العقل الواعي المحكوم بالتفكير (فينجنانا)».
يطالب زن الآن هذا الرجل الناضج بأن يطهِّر نفسه من هذا التلوث الوجداني، وأن يحرر نفسه أيضًا من تدخل الوعي الفكري إن كان يرغب صادقًا بتحقيق حياة حرية وعفوية، حيث لا مجال لأن تُغير عليه المشاعر المنغصة كالخوف، والقلق، أو انعدام الأمن، وحين يحصل هذا التحرر، نكون أمام اللاوعي «المدرَّب» وهو يعمل في حقل الوعي، ونعرف عندها ما هو «الذي لم يولد بعدُ» عند بانكيي أو «العقل اليومي» لدى علم زن الصيني.

٣

نحن مستعدون الآن لسماع نصيحة تاكوان لتلميذه المُسَايف ياغيو-تاجيما-نو-كامي.

وهي نصيحة معنيَّة أساسًا بإبقاء العقل في حالة «جريان» دائم، إذ يقول: إن توقف هذا الجريان في أي مكانٍ يعني أنه قد تمَّ اعتراضه، وأن هذا الاعتراض مؤذٍ للعقل ولا خير فيه. وهو في حالة المُسايف يعني الموت، فاللطخة الوجدانية تُعتم مرآة البراجنا البدئية لدى الرجل، والتروِّي الفكري يعترض سبيل نشاطها الفطري. والبراجنا، التي يدعوها تاكون «البراجنا الساكنة» هي الهيئة الموجَّهة لكل حركاتنا، في الداخل والخارج، وعندما تُعاق أو يتم اعتراض سبيلها يتخثَّر العقل الواعي وينسدُّ، ويبدأ السيف بإطاعة المهارة الفنية التقنية المكتسبة بصورةٍ واعية، مستخفًّا بنشاط «البراجنا الساكنة» الفطري، والحر، والعفوي، هذه البراجنا التي توازي لا وعينا وتقابله. إن البراجنا هي المتحرك الذي لا يتحرك والذي يعمل بصورةٍ ساكنة في حقل الوعي.

فحين يقف المُسايف قبالة خصمه ينبغي ألَّا يفكر بالخصم، ولا بنفسه، ولا بحركات سيف عدوه، بل يقف هناك وحسب بسيفه الذي لا يتبع في الحقيقة سوى إملاءات اللاوعي، ناسيًا كل تقنية، فالرجل يمحو نفسه كمُستخدمٍ للسيف ومسيطر عليه، وحين يضرب، فإن الذي يضرب ليس الرجل بل السيف في يد اللاوعي. وثمة قصص لم يكن فيها الرجل مدركًا لواقعة أنه قد صرع الخصم، وكل ذلك بصورةٍ لا واعية، إن عمل اللاوعي هو في كثيرٍ من الحالات خارق ومعجز حقًّا.

وإليكم هذا المثال: السبعة الرائعون.
ثمة مسرحية سينمائية يابانية، شاهدها الجمهور الأمريكي مؤخَّرًا، وفيها مشهد يقدَّم فيه الساموراي٨ العاطلون اختبارًا لإظهار براعتهم في استخدام السيف، ومع أن ذلك قائمٌ على التخييل، إلا أنه برمته قائمٌ أيضًا على وقائع التاريخ، فصاحب المشروع يتدبَّر طريقةً معينة يختبر على أساسها كل واحدٍ من المسايفين، حيث يضع شابًّا قرويًّا خلف البوابة التي ينبغي أن يمرُّ منها كل داخلٍ إلى المبنى، فإذا ما حاول ساموراي أن يتخطى العتبة ضربه الشاب على حين غرَّة بعصا منتظرًا أن يرى كيف سيتصرف.

وهكذا وقع الأول في الفخ وتلقى العصا التي هوت عليه بكل قوة، وفشل في اجتياز الاختبار، أما الثاني فقد تفادى الضربة وضرب الشاب، ولم يفكر جيدًا بما يكفي لاجتياز الاختبار، أما الثالث فقد وقف على المدخل، وقال للشاب الذي يقف خلف البوابة ألا يحاول القيام بمثل هذه الألاعيب السخيفة مع محاربٍ متمرِّس للغاية، فقد أحسَّ هذا الساموراي بوجود عدوٍّ خفيٍّ في الداخل حتى قبل أن يكتشف حقًّا من هو المختبئ، وهذا عائد إلى التجربة الطويلة التي خاضها هذا الساموراي في تلك الأيام العصيبة، وهكذا أثبت أنه المرشح الناجح للقيام بالعمل الذي كان ينبغي القيام به في القرية.

يبدو أن هذا الإحساس بعدوٍّ غير منظور كان متطورًا لدى المسايفين إلى درجةٍ رفيعة جدًّا من الكفاءة والفعالية في مراحل الإقطاع، تلك حين كان على الساموراي أن يكون على أهبة الاستعداد لكل وضعٍ قد يستجد في حياته اليومية، وحتى أثناء نومه كان مستعدًّا لمواجهة حدث خارجي طارئ.

لا أعلم إن كان من الممكن تسمية هذا الإحساس بالحاسة السادسة أو نوعًا من التخاطر telepathy فيكون بالتالي موضوعًا من موضوعات ما يدعى بالباراسيكولوجيا، ٩ وثمة شيء واحد على الأقل أرغب في أن أشير إليه هو أن فلاسفة المسايفة يعزون هذه الحاسة التي اكتسبها المُسايِف إلى عمل اللاوعي الذي يستيقظ حين يبلغ المُسايف حالةً من اللاذاتية self lessness واللاعقل no mind، وهم يرون أن الإنسان حين يتم تدريبه حتى يصل إلى أعلى درجات الفن يكفُّ عن أن يكون لديه الوعي النسبي العادي الذي يدرك بواسطته أنه متورطٌ في صراع حياة أو موت، وأن عقله حين يسري مفعول هذا التدريب يكون مثل مرآة تنعكس فيها كل فكرة تجول في عقل خصمه، ويعرف في الوقت ذاته أين وكيف يضرب الخصم. (وللدقَّة، فإن هذه ليست معرفة بل هي حدس حاصل في اللاوعي)، إن سيفه يتحرك آليًّا، وبذاته فوق خصمه الذي يجد الدفاع مستحيلًا؛ لأن السيف يهوي على المنطقة غير المحمية على الإطلاق. وهكذا يقال: إن لاوعي المُسايف هو نتيجة اللاذاتية التي — نظرًا لكونها في تناغمٍ مع «عقل السماء والأرض» — تصرع كل ما هو مناهض لهذا العقل. إن السباق أو معركة المسايفة ليسا للأسرع، أو الأبرع، أو الأقوى، بل لمن هو غير ذاتيٍّ وعقله أنقى.

وتبقى مسألة أخرى، هي أن نقبل هذا التأويل أو لا نقبله، فالحقيقة هي أن المسايف البارع يمتلك ما قد نصفه باللاوعي، وأن هذه الحالة العقلية يتمُّ اكتسابها حين لا يعود واعيًا أفعاله، ويترك كل شيء لشيءٍ ليس من وعيه النسبي. ونحن ندعو هذا بالشيء، فنظرًا لكونه خارج حقل الوعي العادي، فإننا لا نمتلك كلمة نطلقها عليه ما عدا تسميته باسم سلبي، س، أو اللاوعي، وإن المجهول، أو س، لغامضٌ جدًّا، ونظرًا لارتباطه مع الوعي بطريقةٍ ينتفع فيها من كل المهارة التقنية المكتسبة بصورةٍ واعية، فقد لا يكون من الملائم تسميته باللاوعي.

٤

ما طبيعة هذا اللاوعي؟ هل يقع داخل إطار السيكولوجيا، وإن يكن بالمعنى الواسع لهذا المصطلح؟ وهل هو مرتبطٌ نوعًا ما بمنبع الأشياء جميعًا، «عقل السماء والأرض»، أم بشيءٍ ما آخر مطروح في أنطولوجيا١٠ المفكرين الشرقيين؟ أم أن علينا أن نسميه «المعرفة المرآتية الكاملة العظيمة (أدارساناجنانا)، كما يسميه في بعض الأحيان معلمو زن؟

قد لا تكون الحادثة التالية التي رواها ياغيو تاجيما-نو-كامي، مريد تاكوان، ذات علاقة مباشرة باللاوعي الموصوف في كل ما سبق من هذه المحاضرة، وأحد أسباب ذلك أن ياغيو تاجيما-نو-كامي لا يواجه هنا عدوًّا فعليًّا، ولكن الأمر قد لا يكون مختلفًا عما يراه السيكولوجي حين يعتبر أن من الممكن تطوير مقدرة أو ملكة باراسيكولوجية من خلال التوصل إلى شكلٍ معين من الانضباط، ويمكن أن أضيف أن حالة ياغيو تاجيما-نو-كامي لم تُختَبَر، بالطبع بطريقةٍ علمية، بيد أن ثمة عددًا من هذه الحالات مسجلة في حوليات المسايفة اليابانية، وثمة سبب حتى في تجاربنا الحديثة للاعتقاد بإمكانية حصول مثل هذه الحادثة «التخاطرية»، في حين عليَّ أن أكرر أن هذا النوع من الظواهر السيكولوجية قد لا يكون على علاقةٍ باللاوعي الذي تحدثت عنه.

ذات يوم من أيام الربيع كان ياغيو تاجيما-نو-كامي في حديقته مستمتعًا بأزهار الكرز في أوج تفتحها، وكان في الظاهر مستغرقًا في تأملٍ عميق، وفجأة شعر ﺑ «ساكي»١١ تهدده من الخلف، واستدار ياغيو، لكنه لم ير أي كائن بشري قريب سوى مرافقه الصغير الذي يتبع سيده في العادة حاملًا سيفه، ولم يستطع ياغو تحديد المصدر الذي انبعثت منه الساكي، الأمر الذي حيَّره إلى أبعد حدٍّ، ذلك أنه بعد تدريبٍ طويل في المسايفة كان قد اكتسب نوعًا من الحاسة السادسة التي يمكنه بواسطتها أن يكتشف في الحال وجود الساكي.
وسرعان ما عاد ياغيو إلى غرفته محاولًا حل المسألة التي نغَّصته كثيرًا، فهو لم يخطئ أبدًا من قبل في اكتشاف مصدر الساكي وتحديد موقعها بدقةٍ كلما أحسَّ بوجودها، وبدا منزعجًا لدرجة أن خدمه ومرافقيه خافوا من الدنوِّ منه وسؤاله عن الأمر.

وأخيرًا، دخل عليه واحدٌ من خدمه القدماء؛ ليسأله إن كان مريضًا يحتاج إلى عونٍ ما، فقال السيد: «لا، لست مريضًا ولكنني عانيت شيئًا غريبًا بينما أنا في الحديقة، وهو يتجاوز قدرتي على الفهم، وإنني أفكر بالأمر»، وحكى للخادم الحادثة كلها.

عندما ذاع الخبر بين المرافقين، تقدم الصغير الذي يتبع السيد واعترف قائلًا: «حين رأيت سيادتك مستغرقًا جدًّا في إعجابك بأزهار الكرز، هبطت عليَّ فكرة مفادها أنك لن تستطيع الدفاع عن نفسك مهما تكن ماهرًا في استخدام السيف إذا ما ضربتك فجأة من الخلف، ولعلك قد شعرت يا سيدي بفكرتي السرية هذه»، وباعترافه هذا، كان الصغير مستعدًّا لعقاب السيد على فكرته المضمرة.

ولقد جلا هذا الاعتراف كل الإبهام الذي نغَّصَ ياغيو إلى حدٍّ بعيد؛ فصفا مزاجه ولم يُنزل أي عقابٍ بالمتهم الصغير البريء، وشعر بالرضا لاكتشافه أن شعوره لم يكن دون أساس.

١  اﻟ conation، أو النزوع، هو الاتجاه إلى الفعل، ويمكن فهمه على نحوٍ أفضل بوضعه قرب أو قبالة الإدراك والوجدان، النزوع قريبٌ جدًّا من فكرة الإرادة، بغض النظر عن التنفيذ أو عدمه. (م)
٢  الدهارما في البوذية هي «الحقيقة الكلية» أو «الحقيقة الأزلية»، وهي التي أيقظت بوذا وكرس نفسه لإعلانها للآخرين. (م)
٣  ديفيد هنري ثورو (١٨١٧–١٨٦٢م) كاتب مقالات فلسفية وكاتب طبيعي، كان فقيرًا في شبابه، ودرس في هارفارد، وكان يعيل نفسه بمزاولة أي عملٍ يؤمن له حياة بسيطة دون أن يسيطر هذا العمل على حياته. راقب الطبيعة وتفاعل معها وتأمل أفكاره، أثرت مقالته الشهيرة عن «العصيان المدني» التي طور فيها فكرة المقاومة السلبية على كل من تولستوي وغاندي. (م)
٤  الاثنينية: اتجاهٌ فلسفي يسلم بوجود مستقلَّين، الروح والجسد، الخير والشر، النور والظلام، المادي واللامادي … إ لخ، ويعد ديكارت واحدًا من أشهر أصحاب هذا الاتجاه، فقد طرح قضية الثنائية وجعل منها واحدة من الاهتمامات المميزة للفكر في القرون الثلاثة الأخيرة، وهو يقول بوجود جوهر مادي صفته الأساسية الامتداد، وجوهر لا مادي صفته الأساسية التفكير، وهكذا يفصل ديكارت فصلًا مطلقًا بين فيزيائه وميتافيزيائه، على حد تعبير ماركس. (م)
٥  أوقيانوس، هو التشخيص الإلهي للماء، وهو العنصر الأصلي الموجود قبل الكون والذي يحيط به بعد وجوده، وهو أب لآلاف الأنهار التي تحيي البشر وتخصب الأرض، وفي العصور المتأخرة أصبح يُمثَّل على هيئة شيخ ذي لحية خضراء ممسكًا بقرنٍ يرمز إلى ما في الماء من قدرةٍ وخصب وغذاء. (م)
٦  انظر أدناه، وكذلك: مقالات في بوذية زن، والسلسلة الأولى، ص٢٢٧ وما يليها.
الساتوري، هي الاستنارة الحاصلة نتيجة حَدس مفاجئ. وبالطبع فإن هذه الاستنارة قد تحصل — تبعا لزن — نتيجة التأمل في معضلة ذهنية (كوان). (م)
٧  من المعروف أن آدم وحواء قد انفتحت أعينهما واعتراهما شعور الخجل حين وجدَا نفسيهما عاريين بعد أن أكَلَا من ثمار شجرة المعرفة. (م)
٨  الساموراي، طبقة المحاربين المحترفين أيام الإقطاع في اليابان؛ حيث تم إعفاؤهم من العمل في الأرض وتفريغهم للحياة العسكرية مقابل مخصصاتٍ معينة، وهكذا شكلوا جيشًا عسكريًّا وما يشبه طبقة من النبالة العسكرية ذات القيم البطولية. (م)
٩  الباراسيكولوجيا، علمٌ يدرس الظاهرات المتجاوزة لما هو عادي، وغالبًا ما تنقل إلى العربية بمعنى علم ما وراء النفس. (م)
١٠  الأنطولوجيا: فرعٌ من الميتافيزيقا يُعنى بمشكلة طبيعة الوجود أو الكينونة. (م)
١١  ساكي: تعني حرفيًّا «رائحة القتل»، وكثيرًا ما يشير المسايف إلى هذا النوع من الحوادث، إنها شيءٌ ما لا يوصف، ويتم الشعور بها داخليًّا وحسب بوصفها منبعثة من شخصٍ أو شيء، وغالبًا ما يحكي الناس عن واقعةٍ أن بعض السيوف مفعمة ﺑ «رائحة القتل» هذه، في حين أن أخرى تفعم المرء بإحساس الرهبة، أو المهابة، أو حتى الإحسان، ويعزى ذلك عمومًا إلى طبع ومزاج الفنان صانع السيف؛ لأن العمل الفني يعكس روح الفنان، والسيف في اليابان ليس سلاحًا للقتل وحسب، بل عمل فني أيضًا، والساكي تنبعث أيضًا من شخصٍ يضمر فكرة قتل أحد ما، أو يعلنها، ويقال أيضًا: إن هذه «الرائحة» ترفرف فوق كتائب الجند العازمين على مواجهة العدو.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤