الفصل الثالث

مفهوم الذات في بوذية زن

إن مقاربة زن للواقع، والتي يمكن تعريفها بأنها مقارَبةٌ قبل علمية، هي في بعض الأحيان مناهضة للعلم، بمعنى أن زن يتحرك بعكس الاتجاه الذي يتخذه العلم تمامًا، وهذا لا يعني بالضرورة أن زن نقيض العلم، وإنما أنَّ على المرء كي يفهم زن أن يتخذ موقفًا كان قد تم تجاهله إلى الآن من قِبَل العلماء بوصفه «غير علمي».

          تتميز العلوم بأنها نابذة centrifugal على نحوٍ مطرد، وبأنها انبساطية١  extraverted، وتنظر «بصورةٍ موضوعية» إلى الشيء الذي تنهض بدراسته، فهي تتخذ موقفًا مؤداه إبقاء الشيء بعيدًا عنها فلا تتماهى مع موضوع دراستها، وهي حين تنظر إلى الداخل لمعاينة الذات تكون متنبِّهة لأن تدفع إلى الخارج ما هو في الداخل، وبهذا تجعل نفسها غريبة عن نفسها، وكأن ما هو في الداخل لا ينتمي إليها، فهي تخشى تمامًا أن تكون «ذاتية»، لكن علينا أن نتذكر أننا ما دمنا في الخارج فإننا خارجيون outsiders، بالضبط لأننا عاجزون عن معرفة الشيء ذاته، وكل ما يمكن أن نعرفه هو عن الشيء؛ الأمر الذي يعني أننا لا نستطيع أبدًا أن نعرف ما هي ذاتنا الفعلية، وهكذا، فإن العلماء لا يمكنهم أبدًا أن يتوقعوا التوصل إلى الذات، مهما رغبوا بذلك، ولا شك أن بمقدورهم أن يتكلموا عنها كثيرًا، لكن ذلك هو كل ما يمكنهم القيام به؛ ولذا فإن النصيحة التي يسديها زن إلينا هي أن نعكس الاتجاه الذي يتخذه العلم إن كنا نريد التعرُّف فعلًا على الذات، ولقد قيل: إننا كي ندرس النوع الإنساني دراسة ملائمة علينا أن ندرس الإنسان، وينبغي في هذه الحالة أخذ الإنسان بمعنى الذات؛ لأن النوع الإنساني وليس النوع الحيواني هو الذي يمكنه دومًا أن يعي الذات، وأخشى أن الرجال والنساء الذين لا يتوقون إلى معرفة الذات مضطرة لخوض دورة أخرى من دورات الولادة والموت؛ ذلك أن «معرفة ذواتهم» هي معرفة الذات.
والمعرفة العلمية ﻟ الذات ليست معرفة واقعية ما دامت تموضع objectify  الذات، وينبغي قلب اتجاه الدراسة العلمية، والإمساك ﺑ الذات من الداخل وليس من الخارج، وهذا يعني أن على الذات معرفة ذاتها دون الخروج من ذاتها، وقد يتساءل البعض: «كيف يمكن هذا؟ فالمعرفة تشتمل دومًا على انقسام، العارف وموضوع المعرفة»، وأرد قائلًا: «لا يمكن معرفة الذات إلا بحصول التماهي بين الذات والموضوع؛ أي بوضع حد للدراسات العلمية، وإلقاء كل أدوات التجريب الخاصة بها جانبًا، والاعتراف بأنها عاجزة عن المضي في أبحاثها أبعد من ذلك ما لم تتجاوز نفسها بإنجاز قفزة إلى ميدان الذاتية المطلقة».
إن ميدان الذاتية المطلقة هو حيث تقيم الذات، وكلمة «تقيم» ليست صائبة تمامًا هنا؛ لأنها لا تشير إلا إلى الوجه السكوني من الذات، في حين أن الذات متحركة أو صائرة becoming على الدوام، إنها الصفر الذي هو السكون، ولكنه اللانهاية في الوقت ذاته، مما يدل على أنها متحركة طوال الوقت، ﻓ الذات دينامية.
يمكن مقارنة الذات بدائرةٍ لا محيط لها، وبالتالي فهي سونياتا، أو فراغ، ولكنها أيضًا مركز مثل هذه الدائرة، والذي يمكن أن يكون في كل مكانٍ من الدائرة وفي أي مكانٍ منها، والذات هي نقطة الذاتية المطلقة التي قد تنقل إحساس الحركة أو السكون، وبما أن من الممكن تحريك هذه النقطة في أي مكانٍ نريد، نحو مواضع متنوعة إلى ما لا نهاية، فإنها في الواقع ليست نقطة، فالنقطة هي الدائرة، والدائرة هي النقطة، ومن الواضح أن هذه المعجزة المستحيلة تحدث حين يتم عكس الاتجاه الذي يتخذه العلم والتحول إلى زن، فزن في الحقيقة هو محقق هذا المستحيل.
وإذًا، فإن تحرُّك الذات من الصفر إلى اللانهاية، ومن اللانهاية إلى الصفر ليس موضوع دراسات علمية بأية صورة من الصور، وكما هو الحال مع الذاتية المطلقة، فإنها تروغ من كل جهودها الرامية إلى وضعها في أي موضعٍ محدَّد بصورةٍ موضوعية، وبما أنها مراوغة ومتملصة لا يمكن الإمساك بها، فإننا لا نستطيع إجراء التجارب عليها بأية طريقةٍ علمية، ولا نستطيع إيقاعها في أحابيل أية واسطة مبنيَّة موضوعيًّا، ولا يمكن القيام بذلك ولو تضافرت كل المواهب العلمية؛ لأن هذا ليس من طبيعة الأشياء الواقعة ضمن مجال علمهم. والذات حين تكون منضبطة بصورةٍ ملائمة تعرف كيف تكتشف ذاتها دون الخضوع لسيرورة المَوضَعَة objectification.
لقد أشرت من قبل إلى كتاب دي روجيمون، بحث الإنسان الغربي، والذي يسمِّي فيه «الشخص» و«الآلة» بوصفهما اثنين من السمات المميزة لطبيعة البحث الغربي عن الواقع، وتبعًا له، فإن «الشخص» the person كان في البداية مصطلحًا قانونيًّا في روما، وحين طرحت المسيحية مسألة الثالوث المقدس بدأ بحَّاثتها باستخدام المصطلح لاهوتيًّا، كما نرى في تعابير مثل «الشخص الإلهي» و«الشخص البشري»، المتصالحين بانسجامٍ في المسيح. أما المصطلح كما نستخدمه اليوم فيشتمل على تضمُّن connotation أخلاقي-سيكولوجي إلى جانب جميع دلالاته التاريخية، ويمكن في النهاية ردُّ مشكلة الشخص إلى مشكلة الذات.

شخص دي روجيمون اثنيني من حيث طبيعته، وثمة نوع من الصراع الجاري على الدوام داخل ذاته، وهذا الصراع أو التوتر أو التناقض هو ما يشكل جوهر الشخص، ويتأتى من ذلك بشكلٍ طبيعي أن شعور الخوف واللايقين يرافقان خفيةً كل صيغةٍ يبديها من صيغ النشاط، ويمكن القول، في الواقع: إن هذا الشعور بالضبط هو ما يدفع الشخص إلى ارتكاب أفعالٍ غير متزنة من الهوى والعنف. إن المشاعر موجودة عند منبع كل الأفعال الإنسانية، وليست مصاعب جدلية. فالسيكولوجيا تأتي أولًا، ومن ثم المنطق والتحليل، وليس العكس.

وهكذا فإن من المستحيل على الغربيين — تبعًا لرأي روجيمون — أن يتجاوزوا الاثنينية الكامنة في طبيعة الشخص ذاتها ما داموا متشبثين بالتقليد التاريخي-اللاهوتي الخاص بهم عن الإله-الإنسان أو الإنسان-الإله. وهذا الصراع الاثنيني في اللاوعي والإحساس بالقلق الناجم عنه هو السبب في أنهم يقومون بمغامراتٍ في الزمان والمكان. وهم انبساطيون تمامًا وليسوا انطوائيين، وبدلًا من النظر في طبيعة الشخص داخليًّا والإمساك بها؛ يكافحون موضوعيًّا لتسوية الصراعات الاثنينية التي يتبيَّنونها على مستوى التفكير، أما بالنسبة للشخص ذاته، فاسمحوا لي أن أقتبس من دي روجيمون حيث يقول:

الشخص نداء وجواب، إنه فعلٌ وليس واقعة أو شيئًا، والتحليل الكامل للوقائع والأشياء لن يقدم أبدًا برهانًا عليه لا جدال فيه (ص٥٠).

ليس الشخص هنا أو هناك أبدًا، إنما هو في فعل، في توتر، في اندفاعٍ عنيف، وقلما يكون مصدرًا لتوازنٍ سعيد، كما يحاول عمل باتش أن يعطينا هذا الانطباع. (ص٥٥)

إن هذا ليبدو رائعًا، فالشخص هو حقًّا ما يصف دي روجيمون، وهو يتفق مع ما يقوله البوذيون عن اﻟ أتمان،٢ من أنها «ماضية في الانحلال (فيزانكارا)»، لكن الماهايانيون٣ قد يرغبون بطرح السؤال التالي على مؤلف المقطعين السابقين: «من أنت لتقول كل هذه الأشياء الرائعة من وجهة النظر المفاهيميَّة؟ إننا نودُّ أن نقابلك شخصيًّا، أو عيانيًّا، أو حضوريًّا، وحين تقول: «ما دمت أحيا، فأنا أحيا في تناقض، من هو هذا اﻟ «أنا»؟ وحين تخبرنا أن من الواجب الوثوق بالتناقض الجوهري في الشخص ثقة تامة، من هو الذي يثق بذلك ثقة تامة؟ من هو الذي يبذل هذه الثقة التامة؟ فخلف الثقة التامة، وبذلها، والصراع، والمفهمة لا بد أن يكون ثمة إنسان حي يقوم بكل ذلك».

وإليكم قصة راهب زنِّي وضع إصبعه مباشرة وبشكلٍ ملموس على الشخص وترك لسائليه أن يروا ما هو، وقد أصبح هذا الراهب معروفًا فيما بعدُ باسم أوباكوكي-أُن (تُوفِّي ٨٥٠م)، وهو واحد من معلمي زن العظماء. ففي أحد الأيام زار حاكم إحدى المناطق ديرًا يقع تحت سلطانه، وأخذه رئيس الدير كي يعاين أقسام المبنى المختلفة، وحين وصلوا إلى حجرة عُرضت فيها صور رؤساء الدير السابقين، أشار الحاكم إلى واحدٍ منهم، وسأل رئيس الدير: «من هذا؟» فأجابه رئيس الدير: «إنه رئيس الدير السابق». وكان سؤال الحاكم التالي: «ها هنا صورته، وأين الشخص؟» فلم يُحِر رئيس الدير جوابًا، بيد أن الحاكم أصرَّ على الإجابة عن سؤاله، وتملَّك رئيسَ الدير اليأس؛ إذ كان عاجزًا عن إيجاد أحد بين أتباعه يمكنه إرضاء الحاكم. وحدث في النهاية أن تذكَّر راهبًا غريبًا قَدِم مؤخَّرًا للإقامة في الدير وكان يصرف جُل أوقات فراغه في كنس الفناء وترتيبه، واعتقد أن هذا الغريب الذي كان يبدو مثل راهب زنِّي، قد يكون قادرًا على الإجابة عن سؤال الحاكم. واستُدْعِي الراهب وتم تقديمه إلى الحاكم، فخاطبه هذا الأخير باحترامٍ قائلًا:

«سيدي الجليل، لسوء الحظِّ إن هؤلاء السادة من حولنا لا يريدون الإجابة عن سؤالي، فهل تتكرم بأن تتولى الإجابة؟»

فقال الراهب: «ما سؤالك؟»

فأخبره الحاكم بكل ما حدث من قبلُ، وأعاد السؤال: «ها هنا صورة رئيس الدير السابق، وأين الشخص؟»

وفي الحال صرخ الراهب: «أيها الحاكم!»

فاستجاب الحاكم: «أجل، يا سيدي الجليل!»

«أين هو؟» هذا هو الحل الذي قدمه الراهب.

يحب العلماء، بما فيهم اللاهوتيون والفلاسفة، أن يكونوا موضوعيين ويتجنبوا أن يكونوا ذاتيين، بصرف النظر عما يعنيه هذا؛ وذلك لأنهم ملتزمون بنظرةٍ مفادها أن قولًا ما لا يكون حقيقيًّا إلا حين يتم تقييمه أو المصادقة عليه موضوعيًّا، دون الاكتفاء باختباره ذاتيًّا أو شخصيًّا وحسب، وهم ينسون واقعة أن الشخص يحيا حياةً شخصية وليس حياة تم تعريفها مفهوميًّا أو علميًّا. ومهما يكن التعريف المُعطى دقيقًا أو موضوعيًّا أو فلسفيًّا، فإن الشخص لا يحيا التعريف بل الحياة ذاتها، وهذه الحياة هي موضوع الدراسة الإنسانية، فليس السؤال هو الذاتية أم الموضوعية. وما يهمنا إلى أبعد حدٍّ هو أن نكتشف بأنفسنا، شخصيًّا، أي هي هذه الحياة، وكيف تُعاش. إن الشخص الذي يعرف ذاته لا يُدمن على التنظير، ولا يكتب كتبًا، ولا يتورط في إعطاء الأوامر للآخرين؛ فهو يعيش على الدوام حياته الفريدة، حياته المبدعة الحرة، أما ما هو؟ وأين هو؟ فإن الذات تعرف ذاتها من الداخل وليس من الخارج أبدًا.
وكما نرى من قصة أوباكو والحاكم هذه، فإننا نرضى عادةً بالصورة أو الشَّبَه، ونُخفق في طرح السؤال الذي طرحه الحاكم: «ها هنا الصورة، وأين الشخص؟» متخيلين أن الإنسان ميت، وإذا ما أردنا وضع القصة كلها على طريقتنا في قول الأشياء فإننا نقول: «إن الوجود (بما فيه الشخص) يتعزز بابتكارٍ متواصل لحلولٍ نسبية وتسويات مفيدة.» إن فكرة الولادة والموت هي حلٌّ نسبي، ورسم الصور هو نوع من التسوية المفيدة عاطفيًّا، أما حضور الشخصية الحية فعلًا، فليس شيئًا من ذلك، ومن هنا سؤال الحاكم: «أين الشخص؟» لكن أوباكو كان راهبًا زنيًّا ولم يتوانَ في إيقاظه من عالم المفاهيم الشبيه بالأحلام صارخًا: «أيها الحاكم!» وسرعان ما أتى الرد: «أجل، يا سيدي الجليل!» إننا نرى هنا الشخص برمته وهو يقفز خارجًا من حجرة التحليل، والتجريد، والمَفهمة، وحين يتم فهم ذلك نعرف ما هو الشخص، وأين هو، وما هي الذات. فإذا ما تماهى الشخص مع مجرد فعل ليس إلا، فلن يكون شخصًا حيًّا، بل شخص مُمَفهَم، فلا يكون ذاتي، ولا ذاتك.

ذات مرة سأل أحد الرهبان جوشو جوشين (٧٧٨–٨٩٧م): «ما هي ذاتي؟» فقال جوشو: «هل أنهيت ثريد الصباح؟» «أجل، لقد أنهيته». وعندها قال جوشو: «إن كان الأمر كذلك، فاغسل زبديتك»، وبالطبع فإن الأكل فعل، والغسل فعل، لكن بغية زن هي الفاعل ذاته، الآكل والغاسل الذي يقوم بفعل الأكل والغسل، وما لم يتم الإمساك وجوديًّا أو تجريبيًّا بهذا الشخص، فإن المرء لا يمكنه الكلام عن القيام بالفعل، فمن هو المرء الواعي للقيام بالفعل؟ ومن هو الذي ينقل واقعة الوعي هذه إليك؟ ومن أنت يا من تنقل كل هذا ليس لنفسك وحسب بل لجميع الآخرين؟ إن «أنا»، أو «أنت» أو «هي» أو «هو» ليست سوى ضمائر تقف بدلًا من شيءٍ ما يقبع خلفها، فما هو هذا الشيء؟

ثمة راهب آخر سأل جوشو: «ما هي ذاتي؟» فقال جوشو: «هل رأيت شجرة السرو في الفناء؟» إن ما يهمُّ المعلم ليس الرؤية بل الرائي، فإن كانت الذات محور الملفات الحلزونية وليست أبدًا مُوَضَّعَة objectified أو مُوَقعَنة factualized، فإنها تبقى خارجًا، ويريد منا زن أن نمسك بها بيدينا العاريتين ونُري المعلم ما لا يُمسَك، أو يُبلَع، أو تمكن مُوضَّعته (باليابانية فوكاتوكو، وبالصينية بو-كو-تي، وبالسنسكريتية أنوبالابذا). ويمكن القول إن التعارض بين العلم وزن يكمن هنا، بيد أن زن لا اعتراض لديه على مقاربة العلم للواقع، وهذا ما ينبغي أن نتذكره، وإنما هو يرغب وحسب بأن يقول للعلماء إن مقاربتهم ليست الوحيدة، وإن هنالك مقاربة أخرى يزعم أنها مباشرة أكثر، وجوانية أكثر، وأكثر واقعية وشخصية، يمكن أن ندعوها مقاربة ذاتية، ولكن ليس بالمعنى الذي يخصُّون به هذه الكلمة.

إنني أستخدم الكلمات: شخص، فرد، أنا، ذات، في هذه المحاضرة بمثابة مترادفات؛ فالشخص أخلاقي أو نزوعي، والفرد متعارض مع أية جماعة مهما تكن، والأنا سيكولوجي، والذات أخلاقية وسيكولوجية على السواء، كما أنها تتضمن بعدًا دينيًّا.

من وجهة نظر زن، فإن ما يميِّز تجربة الذات على نحوٍ فريد، ومن الناحية السيكولوجية؛ هو أنها مشبعة بشعور الاستقلال، والحرية، وتقرير المصير، وأخيرًا الإبداع. وكان هوكوجي قد سأل مرةً باسو دو-إيتشي (تُوفِّي ٧٨٨م): «من هو الشخص الذي يقف وحده تمامًا دون شريك بين العشرة آلاف شيء (دهارما)؟ فأجاب باسو: «سوف أقول لك حين تبلغ النهر الغربي دفعةً واحدة.» هذا هو نَوْه الإنجاز الذي تحقِّقه الذات أو الشخص، وأولئك السيكولوجيون أو اللاهوتيون الذين يتحدثون عن حزمةٍ من التصورات أو الانطباعات المتعاقبة، أو عن الفكرة  idea، أو عن مبدأ الوحدة the principle of unity، أو عن الكليَّة الدينامية في التجربة الذاتية، أو عن المحور اللاوجودي في النشاطات البشرية ذات الخطوط المنحنية، هم الذين يجرون في الاتجاه المعاكس لاتجاه زن، وكلما جرَوا بقوةٍ أكبر ابتعدوا عن زن أكثر؛ ولذلك أقول: إن المعلم أو المنطق موضوعي ونابذ بينما زن ذاتي وجابذ.
لقد علَّق أحدهم قائلًا: «كل ما هو في الخارج يقول للفرد بأنه لا شيء، في حين أن كل ما هو في الداخل يُقنعه بأنه كل شيء.» وهذا قول ملفت للانتباه؛ ذلك أنه الشعور الذي يشعر به كل منا حين يجلس بهدوءٍ وينظر متمعِّنًا في حجرة كينونته الأعمق؛ فثمة شيء يتحرك هناك ويهمس له بصوتٍ خفيض أنه لم يولد عبثًا. ولقد قرأت في مكانٍ ما: «لقد حاولت وحدك، وحدك عبرت الصحراء، ووحدك قد تخيَّرك العالم.» لكن الإنسان إذا ما نظر في داخله بكل الصدق، فسيدرك آنئذٍ أنه ليس وحيدًا مهجورًا، ومعزولًا؛ فثمة في داخله شعور معين بوحدةٍ رائعة ملكية، وسيدرك أيضًا أنه يقف بذاته دون أن يكون منفصلًا عن بقية الوجود. وهذا الوضع الفريد، المتناقض ظاهريًّا أو موضوعيًّا، يحصل حين يقارب الإنسان الواقع بطريقة زن، وما يجعله يشعر على هذا النحو يتأتى من إبداعه أو أصالته التي يختبرها على نحوٍ شخصي والتي يبلغها حين يتعالى على ميدان التفكير والتجريد. إن الإبداع يختلف عن مجرد الدينامية dynamism. إنه السمة المميزة للعامل المقرِّر لمصيره بنفسه والذي ندعوه الذات.
للفردية individuality أيضًا أهميتها في تمييز الذات وإظهار حدودها، لكنها سياسية وأخلاقية أكثر، ومرتبطة بصورةٍ وثيقة مع فكرة المسئولية، وهي تنتمي إلى ميدان النسبيات relstivities، وعُرضة لأن تترافق مع قوة إثبات الذات، كما أنها واعية بالآخرين على الدوام ومحكومة بهم إلى ذلك الحدِّ. وحيث يتم التأكيد على الفردانية Individuation، يسود شعور بالتوتر هو شعور حاصر ومشترك؛ فليس ثمة حرية هنا، ولا عفوية، وإنما جوٌّ ثقيل وعميق أو صدٌّ، وكبت، وقمع يستبدُّ بأحدهم، والنتيجة هي الاضطراب السيكولوجي بكل أشكاله.
أما التفرد Individuation فهو مصطلح موضوعي يميِّز الواحد عن الآخر، وحين يصبح التمييز قاطعًا ومانعًا، تركب الرغبة بالسلطة رأسها وتنفلت من عقالها في الغالب، أما حين لا يكون قويًّا أو حين يكون سلبيًّا إلى هذا الحد أو ذاك، فإن المرء يصبح واعيًا إلى أقصى حد بحضور الانتقادات أو التعليقات، وهذا الوعي يدفعنا في بعض الأحيان بين فكي العبودية البائسة، مذكِّرًا إيانا ﺑ sartor resartus كارليل. و«فلسفة الملابس» هي فلسفة عالم القشور حيث يلبس كل امرئ من أجل الآخرين؛ كي يُظهر نفسه أو نفسها على غير حقيقتها، وقد يكون هذا شائقًا ومثيرًا، ولكنه حين يزيد عن حدِّه يُفقد المرء أصالته، ويجعله سخيفًا، ويحوله إلى سعدان.
وحين يتنامى هذا الوجه من أوجه الذات ليصبح بارزًا جدًّا ومستبدًّا، فإن الذات الحقيقية تُدفع للخلف، وغالبًا ما تُختزل إلى شيءٍ تافه يكاد أن يكون غير موجود، الأمر الذي يعني أن الذات قد قُمعت. ونحن جميعًا نعرف ما يعنيه هذا القمع، ذلك أن اللاوعي المبدع لا يمكن قمعه أبدًا، حيث يؤكد ذاته بطريقةٍ أو بأخرى، وحين لا يستطيع تأكيد ذاته بطريقةٍ طبيعية بالنسبة له، فسوف يكسر كل الحواجز بعنفٍ أحيانًا وبصورةٍ مَرَضية في أحيانٍ أخرى، وفي جميع الأحوال يتم تدمير الذات الحقيقية على نحوٍ ميئوسٍ منه.
لقد نغَّصت بوذا هذه الواقعة كثيرًا فأعلن مذهب الأنَّاتا أو النيراتما أو اللا-أنا non ego ليوقظنا من حلم المظاهر. بيد أن بوذية زن لم تَرضَ بطريقة بوذا السلبية نوعًا ما في عرض هذا المذهب، وراحت تشرحه بأكثر الطرق الممكنة استقامة ومباشرة بحيث لا يخطئ أتباع بوذا في مقاربتهم للواقع. وإليكم مثالًا من رينزاي غيغين (تُوفِّي ٨٦٧م):

في أحد الأيام ألقى رينزاي هذه الموعظة: «ثمة رجل حقيقي دون مكانة أو جاه وبجسدٍ عارٍ، يدخل ويخرج من بوابات وجوهكم (أي أعضاء الحسِّ)، يا أيها الذين لم يَشهَدوا بعد (هذه الواقعة)، انظروا، انظروا!».

وتقدَّم راهبٌ وسأله: «من هو الرجل الحقيقي دون مكانةٍ أو جاه؟»

فقام رينزاي من كرسيه وأمسك بخناق الراهب قائلًا: «تكلَّم، تكلَّم!»

وتردد الراهب.

فتركه رينزاي وقال: «يا لهذا العود التافه القذر!» ٤.
«الرجل الحقيقي دون مكانةٍ أو جاه» هو الاصطلاح الذي يستخدمه رينزاي للدلالة على الذات، وتكاد تعاليمه أن تكون متمحورة حصرًا حول هذا الرجل (نن، جين) أو الشخص، والذي يدعى في بعض الأحيان «رجل-الطريق» (دونن، أو تاوجين)، ويمكن القول: إن رينزاي هو أول معلم في تاريخ زن في الصين يؤكد بصورةٍ حاسمة على حضور هذا الرجل في كل طورٍ من أطوار نشاطنا الحياتي الإنساني، ولم يكلَّ أبدًا من جعل أتباعه يتحققون من الرجل أو الذات الحقيقية. والذات الحقيقية هي نوع من الذات الميتافيزيقية الموجودة في تعارضٍ مع الذات السيكولوجية أو الأخلاقية التي تنتمي إلى عالم النسبية المتناهي. ويُعرَّف رجل رينزاي بأنه «دون مكانة أو جاه» أو «مستقل» «مو-يي، وو-يي»، أو «دون ثياب عليه»،٥ وكل ذلك يدفعنا للتفكير ﺑ الذات «الميتافيزيقية».
مع هذا التعليق التمهيدي دعونا نتابع؛ كي نقتبس من رينزاي المزيد فيما يتعلق بنظرته إلى الرجل أو الشخص أو الذات، حيث أعتقد أنه يعبر هنا عن نفسه بفصاحةٍ كاملة وبطريقةٍ تامة، الأمر الذي يساعدنا على فهم مفهوم زن عن الذات.
يقول رينزاي عن الذات، أو عن «الذي هو، في هذه اللحظة، قدامنا تمامًا يصغي متوحِّدًا، ومشرقًا، ببصيرةٍ نافذة، لهذا الكلام في الدهارما»٦.

١

(بعد الكلام عن جسد بوذا الثلاثي (تريكايا)، يتابع رينزاي قائلًا: وإني لواثقٌ أن هذه كلها ليست سوى ظلال، ويا أيها السادة الجليلون! عليكم أن تميِّزوا الرجل (جين) الذي يلهو بهذه الظلال، والذي هو مصدر كل بوذا، والملجأ الذي يلوذ به أتباع الطريق أينما كانوا.
إنَّ من يَبسط الدهارما ويصغي إليها ليس جسدك الفيزيقي ولا معدتك أو كبدك أو كليتك، ولا فراغ المكان. فمن هو إذًا من يفهم كل ذلك؟ إنه الواحد الذي قدامك تمامًا، ببصيرةٍ نافذة، وبهيئةٍ واحدة لا تقبل القسمة، إشراقٌ متوحد. وهذا الواحد يفهم كيف يكون الكلام في الدهارما والإصغاء إليها.
وحين يكون بمقدورك أن ترى هذا؛ تصبح مثل بوذا والبطاركة تمامًا «فمن يفهم على هذا النحو» لا ينقطع حضوره في أي عهدٍ من العهود، ويكون في كل مكانٍ تطاله أعيننا، فالحدس لا تعوقه سوى عقبات وجداننا، ولا يكون الواقع متمايزًا إلا بسبب تخيلاتنا؛ ولذا فإننا نتقمَّص transmigrate في العالم الثلاثي، ونعاني كثيرًا من الآلام، وإنني لأرى أن لا شيء أعمق «من هذا الواحد»، وأنه بذلك يمكن لكلٍّ منا أن يجد خلاصه.
يا أتباع الطريق! العقل بلا شكل وينفذ إلى الجهات العشر. وبالعينين تكون الرؤية، وبالأذنين يكون السمع، وبالأنف تُشم الروائح، وبالفم يكون الجدال، وباليدين الإمساك، وبالساقين السير.

٢

يا أتباع الطريق، إن الواحد الذي هو، في هذه اللحظة، قدامنا تمامًا يصغي مشرقًا، ومتوحِّدًا، ببصيرةٍ نافذة «إلى هذا الكلام في الدهارما» هذا الرجل (جين) لا يمكث في أي مكانٍ أينما كان، بل يعبر الجهات العشر، وهو سيد نفسه في العالم الثلاثي، وإذ يدخل كل المواقف، ويميز كل الأشياء، فإنه ينبغي ألا يطرد «مما هو فيه».
إنه ليخترق عالم الدهارما بلحظةٍ واحدة، وحين يلاقي بوذا يتكلم بطريقة بوذا، وحين يلاقي بطريركًا يتكلم بطريقة بطريرك، وحين يلاقي أرهَتًا٧ يتكلم بطريقة أرهَت، وحين يلاقي شبحًا جائعًا يتكلم بطريقة شبح جائع.

إنه ليجتاز كل الأماكن، متنقلًا في كل مكان، وينهمك في تعليم جميع الكائنات في لحظةٍ واحدة ليس إلا.

وحيثما يذهب يبقَ نقيًّا طاهرًا، بلا حدود، نوره يخترق الجهات العشر وتكون العشرة آلاف شيء مثل الشيء الواحد.

٣

ما هو الفهم الحقيقي؟

إنك أنت من يدخل كل «المواقف»: العادية منها والمقدَّسة، النجسة والطاهرة، أنت من يدخل كل أراضي بوذا، إلى برج مايتريا،٨ وعالم دهارما فايروكانا،٩ وحيثما تدخل تُظهر أرضًا تخضع ل «مراحل الظهور الأربع»: الوجود، ومواصلة الوجود، والهلاك، والاندراس.
وإذا ظهر بوذا في العالم فقد أدار عجلة الدهارما العظيمة وعبر إلى النيرفانا١٠ «بدلًا من البقاء في العالم إلى الأبد كما قد نتوقع نحن الكائنات العادية»، ومع ذلك فإن أمارات ذهابه وإيابه غير بادية، وحين نحاول اقتفاء آثار ولادته وموته، فلن نقع على أي شيءٍ في أي مكان.
وإذ دخل عالم دهارما الذي لم يولد بعدُ، فإنه يجتاز كل أرض، وإذا دخل عالم رحم اللوتس، فإنه يرى أن كل الأشياء فارغة ولا أساس لها. والكائن الوحيد هو رجل التاو (تاو-جين) الذي يصغي مستندًا إلى لا شيء، وفي هذه اللحظة لكلامي في الدهارما، وهذا الرجل هو أمُّ كل بوذا.

وهكذا فإن بوذا هو ابن ذاك الذي لا يسند إلى شيء، وحين نفهم ذاك الذي لا يستند إلى شيء، فإننا نكتشف أن بوذا — أيضًا — يتعذَّر الوصول إليه.

وحين يبلغ المرء هذا التبصُّر يُقال: إنه توصل إلى الفهم الحقيقي. وإذ يجهل المتعلمون ذلك، فإنهم يرتبطون بأسماء وعبارات تسد عليهم الرؤية سواء أكانوا عاديين أم حكماء، وحين تُسد عليهم رؤية الطريق بهذه الصورة، فإنهم لا يستطيعون رؤية «الطريق» بوضوح.
وحتى الأقسام الاثني عشر لتعاليم بوذا ليست سوى كلمات وعبارات «وليست وقائع»، وإذ يفوت المتعلمين فَهمُ ذلك، فإنهم يميلون إلى استخراج معنى من كلماتٍ وعباراتٍ ليس إلا؛ ولأنهم جميعًا مستندون إلى شيءٍ ما، فإنهم يجدون أنفسهم واقعين في شراك السببية causation ولا يمكنهم النجاة من دورة الولادة والموت في العالم الثلاثي.
فإذا كنت ترغب بالتعالي على الولادة والموت، والذهاب والإياب، وأن تنفلت حرًّا طليقًا، فعليك أن تميِّز الرجل الذي يصغي في هذه اللحظة لهذا الكلام في الدهارما، إنه من لا هيئة له ولا شكل، ولا جذر ولا جذع، ومفعمٌ بالنشاط فلا يستقر في مكان.

إنه من يستجيب لكل أنواع المواقف ويُظهر نشاطه، على الرغم من أنه لا يأتي من أي مكان؛ ولذا ما أن تحاول البحث عنه حتى يبتعد بعيدًا، وكلما ازددت منه قربًا ازداد عنك بعدًا، «سرٌّ» هو اسمه.

٤

ثمة الواحد الذي هو قدَّام كل أتباع الطريق هؤلاء في هذه اللحظة بالذات، يصغي لكلامي في الدهارما إنه من لا يحترق بالنار، ولا يغرق في الماء، وهو الذي يمشي الهوينا كما لو أنه في حديقة، حتى حين يدخل الدروب الشريرة الثلاثة أو في الناراكا، وهو الذي لا يعاني أية عاقبة كارمية١١ حتى حين يدخل ميدان الأشباح الجائعة أو الحيوانات، لماذا؟ لأنه ليس ثمة أي شرطٍ ينبغي عليه تفاديه.
إن كنت تحب الحكيم وتكره العادي، فسوف تغطس في أوقيانوس الولادة والموت، فالأهواء الشريرة نتاج العقل، فإذا ما كنت بلا عقل، أيُّ أهواء شريرة ستعميك؟ وحين لا تنغصك المحاباة والصلات، فسوف تبلغ الطريق بلمح البصر ودون جهد. أما وأنك تعدو بين جيرانك مضطربًا ومُشوشًا، فإنك مضطرٌّ للعودة إلى ميدان الولادة والموت، وقد تحاول ﺑ «عدد لا يحصى من الكالبات»١٢ أن تفهم الطريق تمامًا، بيد أن من الأفضل أن تعود إلى ديرك وتجلس متربعًا بسلامٍ في قاعة التأمل.

٥

يا أتباع الطريق! أنتم يا من تصغون في هذه اللحظة لكلامي في الدهارما: لستم العناصر الأربعة.

(التي تؤلف جسدكم)، أنتم من ينتفع بالعناصر الأربعة، وحين يكون بمقدوركم رؤية هذه «الحقيقة»، يمكنكم وقتئذٍ أن تكونوا أحرارًا في ذهابكم وإيابكم، بقدر ما يمكنني أن أرى فإنه ليس ثمة ما أرفضه.

٦

مرَّةً ألقى المعلم العظة التالية:

ما أطلبه من متعلمي الطريق هو أن يؤمنوا بأنفسهم، فلا يلتمسوا ما هو خارجي، ذلك أنكم حين تفعلون تجركم القشور وتجدون أنفسكم عاجزين عن تمييز الخطأ من الصواب.
ثمة بوذات، وثمة بطاركة، وقد ينطقون بالقول، لكن ذلك لا يعدو أن يكون ألاعيب لفظية تخلف وراءها الدهارما الفعلية، وحين يحدث أن يبرز أمامكم رجلٌ يعرض كلمةً أو عبارة بما فيها من تعقيداتٍ اثنينية، فإنكم تتحيَّرون وتبدءون بتنمية الشك، وإذ تجهلون ما ينبغي فعله، تهرعون إلى جيرانكم وأصدقائكم باحثين في كل اتجاه. إنكم لضائعون تمامًا، فالرجال ذوو الطبع العظيم لا يبددون الوقت بالتورط في جدالاتٍ وأحاديث تافهة عن المضيف والمتطفِّل، والصواب والخطأ، والمادة والثروة.
إنني١٣ أقف هنا غير مُحترم للرهبان أو البشر العاديين، وكائنًا من يكون الذي يحضر أمامي، فإنني أعرف من أين يأتي الزائر، ومهما يحاول الادعاء، فإنني أعرف أنه مستند دومًا إلى كلماتٍ، وإيماءات، وحروف، وعبارات، ليس كل منها سوى حلم أو رؤيا، أنا لا أرى سوى الرجل الذي يظهر متغلبًا على كل المواقف التي قد تنشأ، فهو الفكرة الغامضة لدى كل بوذا.
ولا يمكن لموقف-البوذا the buddha situation أن يدعي أنه كذلك، إن رجل الطريق «تاو-جين أو دوين» المستقل هذا هو من يظهر متغلبًا على الموقف.
إذا جاء رجلٌ إليَّ وقال: «إنني أبحث عن بوذا»، فإنني أظهر وفقًا لموقف الطهارة، وإذا جاء رجلٌ إليَّ وسأل عن البوذيساتفا، ١٤ فإنني أظهر وفقًا لموقف الشفقة «مايتري أو كارونا»، وإذا جاء رجلٌ إليَّ وسأل عن بوذي «أو الاستنارة»، فإنني أظهر وفقًا لموقف الجمال الذي لا يُضاهى، وإذا جاء رجلٌ إليَّ وسأل عن النرفانا، فإنني أظهر تبعًا لموقف السكون الجليل، والمواقف قد تتنوع إلى ما لا نهاية، لكن الرجل لا يتنوَّع؛ ولذا يُقال: إنه١٥ يأخذ أشكالًا تبعًا للظروف والأحوال، شأن القمر الذي ينعكس على الماء «بصورٍ شتى».

«قد يكون ثمة حاجة هنا لبعض الشرح. فالله، ما بقي في ذاته، ومع ذاته، ولِذَاته، هو ذاتية مطلقة، لكنه حالما يبدأ بالحركة فإنه يكون خالقًا، وينشئ العالم بمواقفه وأحواله المتنوعة إلى ما لا نهاية، فالله الأصلي، أو الله ليس متروكًا في عزلته، إنه في كثرة الأشياء، والتفكير البشري هو الذي يجعلنا ننساه في الغالب ونضعه خارج عالمنا، عالم الزمان والمكان والسببية، إن المصطلحات البوذية لتختلف في الظاهر عن المصطلحات المسيحية، لكننا حين نغوص إلى الأعماق بما يكفي نجد أن التيارين يتقاطعان أو ينبعان من المنبع ذاته».

٧

يا أتباع الطريق: ثمة حاجة ملحة لأن تلتمسوا الفهم الحقيقي بحيث يمكنكم أن تسيروا في جميع أرجاء هذا العالم دونما حاجز ودونما أن تخدعكم كل تلك الأرواح غير البشرية؛ «أي قادة زن المزيفون».

إن الأرستقراطي هو من لا يحمل عبء أي شيء، ويبقى عاطلًا، ولا يسم حياته اليومية أي شيءٍ غير عادي.

وحالما تتحولون إلى الخارج بحثًا عن أوصالكم بين جيرانكم «وكأنها لم تكن معكم من قبل» فإنكم ترتكبون خطأ، وقد تحاولون البحث عن البوذا، ولكنه ليس سوى اسم، هل تعرفون الواحد الذي يطوف هكذا باحثًا «عن شيءٍ في مكانٍ ما»؟
لقد ظهر البوذات والبطاركة في الجهات العشر في الماضي، والمستقبل، والحاضر، وهدفهم ليس بأقل من التماس الدهارما، وكل أتباع الطريق «البوذيون» الذين هم الآن منهمكون في دراسة الطريق، هم — أيضًا — يبحثون عن الدهارما وليس عن أي شيءٍ آخر، وحين يجدونها تكون مهمتهم قد انتهت، وحين لا يجدونها، فسوف يتابعون تناسخهم عبر سُبل الوجود الخمسة.
ما هي الدهارما؟ إنها ليست سوى العقل، والعقل لا شكل له وينفذ في الجهات العشر، وتتجلى فعالياته قُدامنَا مباشرةً، والناس لا يصدقون ذلك، ويحاولون اكتشاف أسمائه وعباراته، متصورين أن البوذا دهارما فيهم، فيا لبعدهم عن ذلك! بُعْد السماء عن الأرض.
يا أتباع الطريق! ما الذي تُعْنَى به مواعظي باعتقادكم؟ إنها تُعْنَى ﺑ العقل الذي يدخل في الناس العاديين كما في الحكماء، وفي الأشرار كما في الطاهرين، في الدنيويين كما في الروحانيين.
والحال أنك١٦ لست عاديًّا ولا حكيمًا، ولا دنيويًّا ولا روحانيًّا، وأنت من يلصق أسماء بالروحاني كما بالدنيوي، بالعادي كما بالحكيم. في حين لا يمكن للدنيوي ولا للروحاني، لا للحكيم ولا للعادي أن يلصق اسمًا بهذا الرجل (جين).
يا أتباع الطريق! إن عليكم أن تُمسكوا ﺑ «هذه الحقيقة» وتستعملوها بحرية، لا ترتبطوا بأسماء. «الحقيقة» تُدعى الفكرة الغامضة.

٨

إننا لا ننتظر من رجلٍ عظيم الطبع أن يضلله الآخرون، فهو سيد نفسه أينما مضى، وحين يقف يكون كل شيءٍ لديه على ما يرام.

حالما تُداخل العقل فكرة شكٍّ واحدة، فإن الأرواح الشريرة تحتل العقل، وإذا ما نما الشك لدى البوذيساتفا، فإن هذه تكون فرصة طيبة لشيطان الولادة والموت، فاحفظ العقل بعيدًا عن الإثارة، وابتعد عن أي توقٍ للخارج.

إذا ما نشأت ظروف فلتكن واضحة، آمن وحسب ﺑ الواحد الحاضر في هذه اللحظة بالذات، والذي لا يورِّط نفسه في أي شكلٍ محدد خاص.

وحالما تبزغ فكرةٌ في عقلك، يحضر العالم الثلاثي بكل ظروفه التي يمكن تصنيفها في الحقول الحسِّية الستة، وإذا ما مضيت في فعلك مستجيبًا لهذه الظروف، فأي نقصٍ فيك؟

إنك لتدخل بلحظة تفكير واحدة إلى النجس كما إلى الطاهر، وإلى برج ماتيريا، وأرض الأعين الثلاثة، وأينما يممت وجهك، لا تجد سوى أسماء فارغة.

٩

يا أتباع الطريق! إنه لمن الصعب أن يكون المرء صادقًا حقًّا مع نفسه ! والبوذا دهارما عميقة، وغامضة، ولا يُسبَر غَورُها، ولكن كم هي سهلة ويسيرة حين تُفهم! أنا أصرف كل يومٍ لأقول للناس ما هي الدهارما، لكن المتعلمين غير معنيين أبدًا بإعارة أذن صاغية لكلامي، ولقد داسوه بأقدامهم آلاف المرات! ومع ذلك فإنه ما يزال ظلمة حالكة بالنسبة لهم.
إن «الدهارما» لا شكل لها كائنًا ما يكون هذا الشكل، ومع ذلك فإنها لتتجلى واضحة في توحدها! ولأن إيمانهم قاصر، فإنهم يكافحون في محاولةٍ لفهمها عن طريق أسماء وكلمات، لقد ضاع نصف قرن من حياتهم بحمل أجساد لا حياة فيها من بابٍ إلى باب. إنهم يجرون في طول البلاد وعرضها متنكبين حقيبة «ملأى بكلماتٍ فارغة لمعلمين حمقى»، ولسوف يسألهم ياماراجا، سيد العالم السفلي، يومًا ما عن كل خفٍّ بليَ في أقدامهم.
يا أيها السادة الجليلون، إنَّ المتعلمين لا يفهمونني حين أقول لكم: ليس ثمة دهارما ما دمتم تلتمسونها في الخارج. وها هم يلتفتون الآن إلى الداخل ويفتشون عن معناها، فيتربعون قبالة الجدار، واللسان ملتصق بأعلى الحنك وفي حالةٍ من السكون، وهم يحسبون أن هذا هو التقليد البوذي الذي مارسه البطاركة، لكنْ ثمة خطأ فادح يتم ارتكابه هنا، ليس مطلوبًا منك أن تبلغ حالةً من الطهارة الساكنة، وهذا ما يميِّز «حلكة» الجهل١٧ بما لديك من سيادة١٨. وثمة معلم قديم يقول: «هوة السكينة الأشد حلكة، ذلك حقًّا ما ينبغي على المرء أن يرتعد خوفًا منه»، وهذا هو ما قلته آنفًا، وإذا (من جهةٍ أخرى) ما اعتبرت الحركة هي الشيء الأمثل، فإن العالم كله يعرف ما هي الحركة، ولا يمكن أن نطلق على ذلك اسم التاو، فالحركة من طبع الرياح، أما السكون فمن طبع الأرض، وليس لأيٍّ منهما طبعٌ ذاتي.
وإذا ما حاولت التقاط «الذات» وهي تتحرك فإنها ستقف في حالة سكون، وإذا ما حاولت التقاطها وهي ساكنة، فإنها سوف تتحرك، إنها كالسمكة السابحة حرَّة فوق الأمواج الهادرة في العمق، والحركة وعدمها، أيها السادة الجليلون، وجهان من أوجه «الذات» حين ننظر إليها بصورةٍ موضوعية، في حين أنها ليست سوى رجل-الطريق (تاو-جين) نفسه الذي لا يستند إلى أي شيءٍ والذي يستعمل «وجهي الواقع هذين» بحرية، متحركًا حينًا، وساكنًا حينًا آخر … (ومعظم المتعلمين يقعون في هذه الشبكة ذات الفرعين)، ولكن إن كان ثمة رجل يأتي إليَّ، وعليه أن يأتي إليَّ، بنظرةٍ تتعدَّى أنماط التفكير المألوفة،١٩ فإنني سأتصرف بكل كياني٢٠.
أيها السادة الجليلون، هنا يكمن حقًّا ذلك الهدف الذي على المتعلمين أن ينكبُّوا عليه بكل جوارحهم، إذ ليس ثمة منفذ هنا حتى لمرور نسمة هواء واحدة، وهو مثل ومضة ضوء، أو مثل شرارة تصدر عن حكِّ الفولاذ بحجر الصوان، «وما هي إلا طرفة عين» حتى ينتهي كل شيء، فإذا ما حدَّقت أعين المتعلمين بثباتٍ أحمق، ضاع كل شيء، وما إن تستخدم عقلك حتى يكون قد فرَّ منك، وما إن تنبه الفكر حتى يدير ظهره لك، ومن يفهم سوف يدرك أنه قدَّامه مباشرة٢١.
أيها السادة الجليلون، يا من تحملون حقائب الزبادي والجسد الممتلئ قذارة،٢٢ إنكم تهرعون من بابٍ إلى بابٍ منتظرين أن تجدوا بوذا والدهارما في مكانٍ ما، لكن الواحد الذي يطوف في هذه اللحظة باحثًا عن شيءٍ ما، هل تعرفون من هو بالضبط هذا الواحد؟ هو الأشد دينامية إلا فيما يتعلق بأن لا جذور له، ولا منبت، مهما يكن، وقد تحاولون أن تمسكوا به، لكنه يأبى أن يجتمع، وقد تحاولون أن تصرفوه، لكنه لن يتبدَّد، كلما بذلتم مزيدًا من الجهد سعيًا إليه ازداد عنكم بعدًا، وحين تكفون عن ذلك يكون، ويا للعجب، قدامكم مباشرة، وصوته المرهف يملأ مسامعكم، أما أولئك الذين لا يؤمنون فإنهم يبددون حياتهم الثمينة بلا طائل.
يا أتباع الطريق، إنه «هو» من يدخل بغمضة عين إلى عالم رحم اللوتس، إلى أرض فايروكانا، إلى أرض الانعتاق، إلى أرض القوى الفائقة للطبيعة، إلى أرض الطهارة، إلى عالم الدهارما، وهو من يدخل الشرير كما يدخل الطاهر، ويدخل العامي والحكيم، وهو أيضًا من يدخل نطاق الحيوانات والأشباح الجائعة، وكائنًا ما يكون المكان الذي يدخله، فإننا لا نستطيع اكتشاف أي أثرٍ لولادته وموته، مهما حاولنا أن نحدد موقعه، وما لدينا ليس سوى تلك الأسماء الفارغة، وهي مثل عبارات هذيانية منمقة تُطلق في الهواء، وليست جديرة بكفاحنا للقبض عليها، الكسب والخسارة، والقبول والرفض، وكل الثنائيات يجب إسقاطها على الفور.
والطريقة التي أقود بها نفسي، أنا راهب الجبل — سواءً في الإثبات أو في النفي — منسجمة مع «الفهم» الحقيقي، وأنا أدخل كل المواقف بحريةٍ ورهافة ويسر، وأنكب على الأشياء كما لو أنني لست مهتمًّا ومنهمكًا بأي شيء، وكل التغيرات التي تحصل في ما يحيط بي لا تقوى على التأثير بي، وإذا ما جاءني أحدٌ وهو يفكر بأن ينال مني شيئًا ما، فإنني أخرج وأراه في الحال، وسوف يخفق في التعرف عليَّ. فعندما أضع عليَّ أنواعًا عديدة من الثياب، ويبدأ المتعلمون بإطلاق تأويلاتهم، وهم مأسورون بكلماتي وعباراتي دون أن يدركوا ذلك، إنهم لمفتقرون جميعًا لقدرة التمييز! مأخوذين بالملابس التي أرتديها يميِّزون ألوانها: أزرق، أصفر، أحمر، أو أبيض، وحين أخلعها وأدخل حالة من اللالون صرفة، يُفاجَئون وتأخذهم الحيرة، ويجرون هنا وهناك قائلين: إنني بلا ثياب، وعندها أعود إليهم وأقول: «هل رأيتم الرجل الذي مَر مرتديًا كل أنواع الثياب؟»، فيلتفتون وقد أخذتهم بغتةً ويعرفونني «شكلًا».
أيها السادة الجليلون، احذروا من أن تعتبروا الثياب «حقائق»؛ فالثياب ليست مهمة بذاتها، وإنما الرجل الذي يرتدي العديد من الثياب: ثياب الطهارة، ثياب اللاولادة، ثياب الاستنارة «بوذي»، ثياب النرفانا، ثياب البطاركة، ثياب البوذية. أيها السادة الجليلون، إنَّ ما لدينا هنا ليس سوى أصوات، وكلمات، وهي ليست بأفضل من الثياب التي نبدلها. إن الحركات لتبدأ من أجزاء البطن ويمر النَّفَس من بين الأسنان مُحدثًا مختلف الأصوات، وحين تُنطق فإنها تكون ذات معنى لغوي، وهكذا ندرك أنها ليست حقيقية.

أيها السادة الجليلون، إننا نفكر، ونشعر بواسطة الأصوات والكلمات خارجيًّا وبتبديل صيغ الوعي داخليًّا، وهذه هي كل الثياب التي نكسو بها أنفسنا، فلا تقعوا في خطأ اعتبار الثياب التي يرتديها الناس حقائق، وحين تواصلون على هذا النحو، وحتى بعد انقضاء عدد لا يحصى من الكالبات، فإنَّ خبرتكم لن تتعدَّى الثياب، وسوف يكون عليكم أن تطوفوا في العالم الثلاثي تديرون عجلة الولادة والموت مرَّة بعد مرَّة، عَدمٌ يشبه عيش حياة من العطالة والتبطل، وثمة معلم قديم يقول:

لقد التقيته ومع ذلك فإنني لا أعرفه،
وتحادثت معه ولكنني أجهل اسمه.
والسبب في أن متعلمي هذه الأيام عاجزون عن النفاذ إلى الواقع هو أن فهمهم لا يتخطى الأسماء والكلمات. وما يفعلونه لا يعدو أن يكون تدوينًا في دفاترهم الثمينة لكلمات معلمين حمقى أصابهم الخرف، وبعد أن يغلِّفوها ثلاث مرات، لا بل خمس مرات، يضعونها باحتراسٍ في حقيبة، وذلك كي لا يشاركهم الآخرون في تمحيصهم، وإذ يعتقدون أن كلمات المعلمين هذه تجسد الفكرة العميقة «للدهارما»، فإنهم يكنزونها على هذا النحو بأشد الطرق احترامًا وإجلالًا. فيا لهذه الحماقة وهذا الخطأ الذي يرتكبونه! أيها الأتباع العجائز ذوو البصيرة الواهنة! أي عصارة تنتظرونها من عظام كهلة جافة؟ إن ثمة من لا يعرفون الخير من الشر، ينقبون الكتب المقدسة العديدة، وبعد كثيرٍ من التأمل والحساب يقطفون بعض العبارات «التي يستخدمونها من أجل غاياتهم الخاصة»، والأمر أشبه برجلٍ ابتلع كتلةً من القذارة ثم راح يتقيَّؤها على الآخرين. إن أولئك الذين ينقلون الشائعات، مثل الثرثار، من فمٍ إلى فم سوف يصرفون حياتهم من أجل لا شيء.
وهم يقولون في بعض الأحيان، «نحن رهبان متواضعون»، وحين يسألهم الآخرون عن تعاليم بوذا يصيبهم الخرس ولا ينبسون، عيونهم وكأنها تنظر في الظلمة الداكنة وأفواههم المغلقة تشبه عصا الكتف المنحنية،٢٣ وحتى حين يظهر ماتيريا في هذا العالم، فإن مصير هؤلاء أن يمضوا إلى عالمٍ آخر، مأواهم الجحيم يذوقون فيه أصناف العذاب.
أيها السادة الجليلون، ما الذي تسعون إليه منهمكين في عدْوكم من مكانٍ إلى آخر؟ لن تحصلوا إلا على مزيدٍ من الخداع لأرواحكم، فليس ثمة بوذا تضعون عليه أيديكم «بجهودكم التي تسير في الاتجاه الخاطئ»، وليس ثمة تاو؛ (أي بوذي) يمكن بلوغه «بكفاحهم الذي بلا طائل»، وليس ثمة دهارما يمكن تحقيقها «بعبثكم التافه»، وما دمتم تبحثون في الخارج عن بوذا له شكل (كالعلامات الاثنتين والثلاثين للرجولة)، فلن تتحققوا أبدًا من أنه لا يشبهكم؛ (أي لا يشبه ذاتكم الفعلية)، وإن كنتم ترغبون بمعرفة ما هو عقلكم الأصلي، فسوف أخبركم أنه ليس متكاملًا ولا مفككًا، أيها السادة الجليلون، ليس لبوذا الحقيقي هيئة، والتاو؛ (أو بوذي) الحقيقي ليس له مادة، كما أن الدهارما الحقيقية ليس لها شكل، وهؤلاء الثلاثة يمتزجون في واحد (الواقع)، وتلك العقول التي لا تزال غير قادرة على فهم هذا هي عرضة لمصيرٍ مجهول من الوعي بالكارما.
١  الانبساط هو اتجاه اهتمامات الشخص صوب الخارج بدلًا من التوجه صوب أفكار الذات ومشاعرها، وهذا عكس الانطواء والانكباب على مشاغل الذات والتأملات الباطنية. (م)
٢  الأتمان: هي الروح عند البوذيين، وهم يعتقدون أنه لا توجد روح دائمة، ثابتة وحقيقية داخل الفرد الإنساني. (م)
٣  الماهايانا، مدرسةٌ بوذية، إلى جانب الثيرافادا (البوذية القديمة) والتي اكتسبت لاحقًا اسم اﻟ «هينانايا»، ويعود الفضل إلى الماهايانا في انتشار البوذية على نطاقٍ واسع خارج الهند، وتشير عبارة «يانا» إلى وسيلة عبور، مثل زورق أو عربة. والماهايانا تعني «الوسيلة الكبرى» في حين تعني الهينانايا «الوسيلة الصغرى»، ومع الماهايانا تحولت الانعزالية السلبية في البوذية الأولى إلى نزعةٍ إيجابية تفاؤلية، والطائفة الكبرى في البوذية هي الماهايانا، والصغرى هي الهينانايا. (م)
٤  حرفيًّا، عود يابس قذر باليابانية، كانشيكيتسو، وبالصينية كان-شيه-تشويه، حيث كان = يابس، شيء = قذر، وكيتسو = عود.
٥  وويي (بالصينية) ومويي (باليابانية) تعني «مستقل» وكذلك «لا ثياب عليه»، ذلك أن يي هي في الحالة الأولى «تابع» وفي الثانية «ملابس».
٦  هذه الترجمات هي من أقوال رينزاي، المعروفة باسم رينزاي روكو.
٧  الأرهت: كاهن بوذي بلغ النرفانا؛ أي البوذي الكامل. (م)
٨  مايتريا، هو «بوذا المنتظر». (م)
٩  فايروكانا: كلمة سنسكريتية تعني المستنير وهو اللقب الذي يُطلق على بوذا. (م)
١٠  النيرفانا، كلمة سنسكريتية تعني حرفيًّا «الانطفاء» أو الإخماد، وهي تعني في البوذية الوصول إلى حالةٍ سامية من التحرر عن طريق إخماد رغبات الفرد ووعيه، وهكذا تغتني الشخصية بتفريغها من كل محتوى أناني غير نبيل كيما يحق لها الاتحاد بالنفس الكبرى، وهي حال من النعمة أو الغبطة التي لا يُنطق بها، أو يعبر عنها بكلماتٍ أو صفات، وهي حال ثالثة إلى جانب الوجود والعدم. (م)
١١  الكارما: هي العاقبة الأخلاقية الكاملة لأعمال المرء في طورٍ من أطوار الوجود بوصفها العامل الذي يقرر مصيره في طورٍ تناسخي تالٍ (وذلك تبعًا للاعتقاد البوذي). (م)
١٢  كالبا هو يوم برهما في الهندوسية، ويساوي أربعة ملايين وثلاثمائة وعشرين سنة بشرية. (م)
١٣  أينما ورد ضمير المتكلم في هذه العظة فإنه يدل على «الرجل» (جين) أو «الذاتية المطلقة»، تبعًا لمصطلحاتي.
١٤  البوذيساتفا، بالمعنى الحرفي هو «القريب من اليقظة» أو الذي هو على أعتاب الصحوة، على اعتبار أن «بوذا» تعني «المستيقظ على الحقيقة» في بعض معانيها، ويقال: إن البوذيساتفا هو كل شخصٍ يقف على أعتاب النرفانا، ثم يؤجل عامدًا الدخول في حالة الغبطة النهائية شفقة منه على جماهير الناس العاديين، وبدلًا من أن يتحول إلى بوذا كامل فإنه يظل مقيمًا في العالم الزماني المؤقت مكرسًا نفسه لخلاص الآخرين. (م)
١٥  لقد حشرت هاء الغائب هنا؛ لأن الأصل الصيني، كما هي العادة، بحذف الفاعل، وتدل «الهاء» هذه على الواقع أو الرجل أو الشخص أو الذات. (م)
١٦  أينما ورد ضمير المخاطب فإنه يستعمل بمعنى «العقل» كما يتجلى في «الرجل» ويمكن هنا أن نضع «أنت» و«الرجل» كلٌّ في مكان الأخرى.
١٧  أفيديا، بالسنسكريتية.
١٨  السكون، الطهارة والصفاء، أو السكينة، تشير جميعًا إلى حالة وعي تخمد فيها جميع أنواع موجات الفكر، وتُدعى هذه الحالة أيضًا هوة الجهل أو اللاوعي المظلمة، ومطلوب من الزنِّي أن يتحاشاها بكل الوسائل وألا يتصور أنها الهدف النهائي لتعاليم زن.
١٩  هنالك — عمومًا — ثلاث طبقات من الناس: العليا، الوسطى، والدنيا، تبعًا لمواهبهم الطبيعية، أو قدراتهم الموروثة في فهم الحقائق البوذية.
٢٠  بدلًا من «أنا» وتحويراتها، ثمة في الأصل الصيني كلمة شان-سينغ (سان-زو باليابانية)، وتعني «راهب الجبل»، الذي يشير به رينزاي إلى نفسه، وعلينا ألا نفهم أن هذا اللقب المتواضع يشير إلى رينزاي كفردٍ ينتمي إلى هذا العالم المحدود نسبيًّا من جميع النواحي وحسب، فهو يشير أيضًا إلى رينزاي بوصفه رجلًا مستنيرًا يعيش في مجالٍ متعالٍ من الذاتية أو الفراغ المطلقين، والرجل أو الشخص في هذا المجال لا يتحرك أو يسلك ككيانٍ فرداني مجزأ، وهو التعريف السيكولوجي للذات، أو كفكرةٍ مجردة، وإنما يتحرك بكل كيانه أو شخصيته، وسوف يتضح ذلك لاحقًا.
٢١  يشير ضمير الغائب هنا إلى الدهارما أو الواقع أو الشخص أو الرجل أو التاو (الطريق).
٢٢  حقيبة الزبادي هي حقيبة تحوي زبادي للتسول يحملها الراهب المتجول، أما الجسد المملوء بالقذارة فهو لقب ازدرائي يطلق على الراهب الذي لم تنفتح عيناه بعد على الدهارما، والذي عقله ممتلئ بالأسماء الفارغة والأفكار التافهة، وثمة مقارنة هنا بين هذه الأخيرة والمفرزات التي ينبغي اطراحها خارج الجسد، كما أن الراهب العازم على مراكمة أفكاره غير قابلة للتحقيق يدعى «حقيبة الرز» أو «حقيبة الجلد ذي الرائحة الكريهة».
٢٣  عصا خشبية أو في بعض الأحيان من الخيزران طولها حوالي ستة أقدام تستخدم لحمل الأشياء فوق الكتف. وعندما يكون الحمل ثقيلًا جدًّا فإن العصا تنحني، ورينزاي يُشبِّه بشكلٍ ساخر فم الراهب المغلق بالعصا المنحنية على هذا النحو.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤