الفصل الخامس

المراحل الخمس «غو-ئي»

١

لقد أحيل إليَّ عدد من الأسئلة١ — أسئلة طرحتها الجلسات الأولى من هذه «الحلقة الدراسية». وبينما كنت أراجعها، اكتشفت أن معظمها يُخطئ النقطة المركزية أو المحورية التي يدور حولها زن، وهذا ما دفعني لأن أكرِّس هذا اليوم لقول المزيد حول حياة زن وتعاليمه.

يمكن القول إن زن موضوعٌ غريب يمكن الكتابة والحديث عنه إلى ما لا نهاية، دون أن نستنفد مكنوناته على الرغم من ذلك. ومن جهةٍ أخرى، وإذا ما رغبنا، فإن بمقدورنا شرحه برفع إصبع أو سعال أو غمزة أو تلفَّظ بصوتٍ خالٍ من المعنى.

ولذا قيل إنه حتى لو تحولت كل محيطات الأرض إلى حبر، وكل الجبال إلى فرشاة، وتحول العالم كله إلى صفحاتٍ من الورق، وطُلب منا أن نكتب في زن، لَمَا أعطيناه حقه. فلا عجب في أن لساني القصير، والمختلف تمامًا عن لسان بوذا، قد أخفق في إفهام زن للناس في المحاضرات الأربع السابقة.

إن العرض الجدولي التالي ﻟ «المراحل الخمس»، المعروفة باسم غو-ئي، في تدريب زن سوف يجعل فهمنا لزن أيسر وأسهل. واﻟ «غو» في غو-ئي تعني «خمسة» واﻟ «ئي» تعني «وضع» أو «درجة» أو «خطوة»، وتُقسَّم هذا المراحل الخمس إلى مجموعتين؛ عقلية، ووجدانية أو نزوعية. فالمراحل الثلاث الأولى هي مراحل عقلية، أما الاثنتان الأخيرتان فوجدانيتان أو نزوعيتان. والمرحلة الوسطى، الثالثة، هي نقطة الانتقال التي تبدأ عندها المراحل العقلية بالتحول إلى نزوعيةٍ وتبدأ المعرفة بالتحول إلى الحياة. وهنا يصبح الفهم العقلي لحياة زن ديناميًّا، فيتجسد «الكلمة»، وتتحول الفكرة المجردة إلى شخصٍ حي يشعر، ويشاء، ويأمل، ويتوق، ويعاني، ويكون قادرًا على إنجاز أي قدرٍ من العمل.

في «المرحلة» الأولى بين المرحلتين الأخيرتين، يكافح الزنِّي ليحقق نفاذًا إلى قدراته القصوى، وفي «المرحلة» الأخيرة يبلغ غايته، والتي هي في الحقيقة ليست غاية.

وتُقرأ اﻟ غو-ئي باليابانية كما يلي:
  • (١)
    شو تشوهِن، «الهن في الشو».
  • (٢)
    هِن تشوشو، «الشو في الهن».
  • (٣)
    شوتشو راي، «القدوم من الشو».
  • (٤)
    كِن تشو شي، «الوصول إلى الكِن».
  • (٥)
    كِن تشو تو، «الاستقرار في الكِن».
ويشكِّل الشو والهِن ثنائية مثل اليين واليانغ٢ في الفلسفة الصينية، وشو حرفيًّا، تعني: «قويم»، «مستقيم»، «صحيح»، «مستوٍ»؛ وتعني هن «جزئيًّا»، «أحادي الجانب»، «غير متوازن»، «مائل إلى جانب». وربما كانت المرادفات العربية كما يلي:
الشو الهِن
المطلق النسبي
اللامتناهي المتناهي
الواحد المتعدد
الله العالم
الظلام (اللاتمايز) النور (التمايز)
التماثل الاختلاف
الفراغ (سُنياتا) الشكل والمادة (ناماروبا)
الحكمة (براجنا) المحبة (كارونا)
ري (لي) «الكوني» جي (شيه) «المتميِّز»
  • (١)
    شو تشوهن «الهِن في الشو»: تعني أن الواحد في المتعدد، الله في العالم، اللامتناهي في المتناهي … إلخ. وعندما نفكر، فإن الشو والهِن يقفان متعاكسين متضادين دون إمكانية للتسوية بينهما، لكن الشو لا يمكنه في الحقيقة أن يكون الشو ولا الهِن يمكنه أن يكون الهِن حين يقف كل منهما بذاته؛ فما يجعل المتعدد (هِن) متعددًا هو وجود الواحد فيه، فإن لم يكن الواحد موجودًا، لا يمكننا الكلام عن التعدد.
  • (٢)
    هِن تشوشو، «الشو في الهِن»: متممات (١). فإذا ما كان الواحد في المتعدد، فلا بد أن يكون المتعدد في الواحد؛ فالمتعدد هو ما يجعل الواحد ممكنًا. الله هو العالم والعالم هو الله، والله والعالم منفصلان وغير متماهيين، بمعنى أن الله لا يمكن أن يوجد خارج العالم وواحدهما غير مُميَّز عن الآخر، ومع ذلك فإن كلًّا منهما يحتفظ بفرديته: فالله يتجزأ إلى ما لا نهاية، وعالم الأجزاء يجد نفسه مُستكِنًّا وآويًا إلى صدر الله.
  • (٣)

    نأتي الآن إلى المرحلة الثالثة في حياة الزنِّي، وهذه هي النقطة الحاسمة إلى أبعد حد؛ حيث تتحول الخاصية العقلية في المرحلتين السابقتين إلى خاصيةٍ نزوعية، ويصبح الزِّنِّي شخصية حية، حساسة، وذات إرادة. فحتى الآن كان هذا الزني عبارة عن رأس، أو فكر، مهما يكن المعنى الدقيق الذي نفهم به ذلك، أما الآن فيتزود بجذعٍ مع كل ما يشتمل عليه من أحشاء، وكذلك يتزود بالأطراف، وخاصة الأيدي، التي قد يزداد عددها حتى يصل إلى الألف (الأمر الذي يرمز للانهاية)، وهو يشعر في داخله الآن مثل بوذا الطفل الذي قال، حالما برز من جسد أمه: «السماء في الأعلى، والأرض في الأسفل، وأنا وحدي الأكثر شرفًا.»

وبالمناسبة، وحين أُورد هذا القول لبوذا، فإن ذوي العقول العلمية قد يبتسمون ويقولون: «يا لهذا الهراء! كيف يمكن لطفلٍ خرج للتو من جسد أمه أن يُطلِق مثل هذا القول الفلسفي العميق؟ هذا لا يصدَّق أبدًا!» وأنا أعتقد أنهم على حق، لكن علينا أن نتذكر أنَّه على الرغم من كوننا كائنات عاقلة، فإننا المخلوقات الأبعد عن العقل في الوقت ذاته، ولنا ولع بكل ضروب السخافات المنافية للعقل والتي ندعوها بالمعجزات؛ ألم يقم المسيح من بين الأموات ويصعد إلى السماء، على الرغم من أننا لا نعلم أي ضرب من السماء كانت تلك السماء؟ ألم تقم أمه، مريم العذراء، حتى وهي حية بأعجوبةٍ مشابهة؟ ثمة ما يقوله لنا العقل، لكن هنالك شيء ما إلى جانب العقل لدى كل منا يهيئنا لتقبُّل المعجزات، والواقع أننا نحن أيضًا؛ أي هذا النوع العادي جدًّا من البشر، نقوم بمعجزاتٍ في كل لحظةٍ من لحظات حياتنا، بصرف النظر عن اختلاف أدياننا.

لقد قال لوثر: «إنني واقفٌ هنا، لا أستطيع فعل شيء آخر.» وعندما سئل هياكوجو ما هو الشيء الأروع، أجاب: «إنني جالسٌ وحدي على قمة جبل دايو»، وجبل دايو هو المكان الذي يقع فيه دير هياكوجو، وفي الأصل الصيني لا نجد أية إشارة إلى أي شيءٍ أو أي شخصٍ جالس على قمة جبل دايو، وتقتصر الجملة على «وحيدًا جالسًا جبل دايو»؛ فالجالس غير متميِّز عن الجبل. وتوحُّد الزِّنِّي، على الرغم من كونه في عالم الكثرة والتعدد، ملحوظٌ وبارز.

«إن الرجل الحقيقي بلا عنوان» لدى رينزاي ليس سوى ذلك الذي قدامنا جميعًا في هذه اللحظة، يصغي بلا ريب لصوتي، وأنا أتكلم أو لكلماتي وأنا أكتب، أليست هذه الواقعة عجيبة جدًّا نختبرها جميعًا؟ أليست مصدر إحساس الفيلسوف ﺑ «غموض الكينونة» إن كان يحس به حقًّا؟

نحن نتحدث في العادة عن «أنا»، لكن «أنا» هو مجرد ضمير وليس الواقع ذاته، وغالبًا ما أشعر برغبةٍ في السؤال: «ما معنى «أنا»؟ وما دام «أنا» هو ضمير مثل «أنت» أو «هو» أو «هي»، فما الذي يقف خلفه؟ هل يمكنك أن تلتقط ذلك وتقول لي «هذا هو»؟ إن السيكولوجي لَيخبرنا أن «أنا» غير موجود؛ أي إنه مجرد مفهوم يعيِّن بنية علاقات وتكاملها. لكن الغريب هي أن اﻟ «أنا» حين يغضب يريد أن يدمر العالم كله، مع البنية التي يرمز لها ذاتها. فمن أين يستمد مفهوم مجرد دينامياته؟ ما الذي يجعل اﻟ «أنا» يعلن عن نفسه أنه الشيء الواقعي الوحيد في الوجود؟ فاﻟ «أنا» لا يستطيع أن يكون مجرد تلميح أو وهم، ولا بد أن يكون شيئًا أكثر واقعية ومادية، وهو واقعي ومادي فعلًا؛ لأنه «هنا» حيث يشكِّل الشو والهن وحدة حية للمتناقضات.

إن القوة التي يملكها «أنا» تأتي كلها من هذه الوحدة. وتبعًا للسيد إيكهارت، فإن البرغوث في الله هو أكثر واقعية من الملاك ذاته، أما اﻟ «أنا» المراوغ والمتملص فلا يمكن أبدًا أن يكون «الأكثر شرفًا».

والشو في شوتشوراي لا تُستخدم بالمعنى ذاته الذي تأخذه في شوتشوهِن أو هِن تشوشو، ويجب أن تُقرأ هنا مع تشو التي تليها؛ أي تشوشو، وتعني «مباشرة» من وسط شو بوصفها هِن وهِن بوصفها شو».
أما راي فتعني «يأتي» أو يبرز؛ ولذا فإن التركيب كله، شوتشوراي، يعني «الواحد بوصفه آتيًا مباشرة من وسط الشو والهِن في وحدتهما المتناقضة».
وإذا ما أقمنا الصيغ التالية حيث شو هي آ وهِن هي ب، فإن المرحلة الأولى تكون:

وتكون المرحلة الثانية:

ومن ثم تكون المرحلة الثالثة:

وبما أن المرحلة الثالثة تدل على نقطة تحول العقلي إلى نزوعي والمنطق إلى شخصية، فإنها تُصاغ على النحو التالي:

أي إن كل خط مستقيم يتحول إلى حركةٍ منحنية ذات سهم يشير إلى الاتجاه، وعلينا أن نتذكر أن السهم المنحني لا يكفي؛ حيث إن هذه الحركة ليست مجرد شيء ميكانيكي، وإنما هي حركةٌ حية، مبدعة، ولا تنضب. ولعل من الممكن أن نضع الرمز كله في دائرة، ونعتبر أنها تمثل الدهارماكاكرا، العجلة الكونية في دورانها الذي لا ينتهي:
أو نتخذ الرمز الصيني لفلسفة اليين واليانغ ﻟﻠ شوتشوراي:
إن ﻟ راي في تشوتشوراي أهميتها، والحركة موجَّهة هنا، وجنبًا إلى جنب مع شيءٍ في المرحلة الرابعة، كِن تشوتشي، وتعني راي «يبرز»، أما شي فتعني «في سياق الوصول إلى الغاية»، أو «التحرك باتجاه الهدف».
وهكذا فإن التجريد المنطقي، اللوغوس، يخطو الآن خارجًا من قفصه ويتجسد، ويتشخصن، ويتجه رأسًا إلى عالمٍ من التعقيدات مثل «الأسد ذو الشعر الذهبي».
هذا «الأسد ذو الشعر الذهبي» هو اﻟ «أنا» الذي هو متناهٍ ولا متناهٍ في الآن ذاته، زائلٌ ودائم، مقيدٌ وحر، مطلقٌ ونسبي. وتذكِّرني هذه الصورة الحية بلوحة مايكل أنجلو الشهيرة «المسيح في يوم الحساب»، والموجودة في كنيسة السيستين. لكن «أنا» زن، وبقدر ما يسفر عن تجلياته الخارجية، ليس مثل المسيح أبدًا، ذا طاقة هائلة وآمرًا ومستخدمًا للقوة؛ إنه حليم، بعيد عن الفضول والتطفل، ومفعم بالتواضع.
يتحدث بعض الفلاسفة، واللاهوتيون عن «الصمت» الشرقي بالتعارض مع «الكلمة»   word الغربية التي أصبحت «جسدًا»، بيد أنهم لا يفهمون ما يعنيه الشرق حقًّا ﺑ «الصمت»؛ ذلك أن هذا «الصمت» لا يقف قبالة «الكلمة»؛ فهو «الكلمة» ذاتها، إنه «الصمت الراعد» وليس الصمت الغاطس إلى أعماق اللا-وجود، ولا هو الصمت الغارق في تماثل الموت الأبدي. إن الصمت الشرقي يشبه عين الإعصار،٣ إنه مركز العاصفة الهائجة، وما من حركةٍ ممكنة بدونه. واستخلاص مركز السكون هذا مما يحيط به، يعني أن نفهمه وندمر معناه؛ فالعين هي ما يجعل الإعصار ممكنًا، والعين والإعصار باتصالهما معًا يشكِّلان كلًّا، فالبطة العائمة بهدوءٍ على سطح البحيرة ينبغي ألَّا تُفصل عن ساقيها المتحركتين بدأب، على الرغم من أنهما غير مرئيتين، تحت الماء. إن الاثنينيين بوجهٍ عام يخطئون الكلَّ في كليته الملموسة المتماسكة.
إن أولئك الذين هم اثنينيون في تفكيرهم ميَّالون إلى التأكيد بصورةٍ أحادية الجانب على الوجه المتحرك أو الوجه الجسدي المرئي من أوجه الواقع، ويولونه الأهمية القصوى، متجاهلين كل ما عداه، وعلى سبيل المثال، فإن رقص الباليه هو نتاجٌ غربي على نحوٍ مميَّز، وحركة الجسد والأطراف الإيقاعية تتم على نحوٍ رشيق جدًّا بكل تعقيداتها المتناغمة. ولنقارن هذه الحركات مع رقص النو الياباني، فيا له من تعارض! فالباليه يكاد أن يكون هو الحركة ذاتها، حيث لا تلامس القدمان الأرض إلا بالكاد، فالحركة تتم في الهواء، والثبات غائبٌ بصورةٍ واضحة. أما في النو فنرى على الخشبة مشهدًا مختلفًا؛ ذلك أن الممثل يخطو خارجًا من الهاناميتشي إلى حيث يحدِّق في الجمهور، وذلك بثبات، ووقار، وكأنه يؤدي شعيرةً دينية، مبقيًا قدميه بقوةٍ على الأرض ومركزًا جاذبيته في الأجزاء البطنية من جسده، فيتحرك كما لو أنه لا يتحرك، ويشرح المذهب اللاو-تسي المتعلق بفعل اللافعل.
وبالمثل فإن الزنِّي لا يكون متطفلًا أبدًا، وإنما يمحو ذاته على الدَّوام وهو بعيد كليًّا عن الادعاء والتظاهر، وفي حين يعلق أنه «الأكثر شرفًا»، لا يكون في مظهره الخارجي أي شيء ينم عن حياته الداخلية، إنه المتحرك الذي لا يتحرك، ومن هنا ينبثق اﻟ «أنا» الواقعي حقًّا، لا اﻟ «أنا» الذي يلح عليه عادةً كل منا، بل اﻟ «أنا» المستكشف ذاته sub specie eternitatis، في خضم اللانهاية، هذا اﻟ «أنا» هو الأرض الأشد أمانًا والتي يمكن لنا جميعًا أن نجدها في دواخلنا وأن نقف عليها دون خوف، ودون إحساسٍ بالقلق، ودون لحظةٍ مزعجة من الحيرة، وهذا اﻟ «أنا» جديرٌ بالإهمال لدرجةٍ تقترب من اعتباره غير موجود؛ لأنه بعيدٌ تمامًا عن التظاهر والادعاء الصاخب بأنه مميز، وهذا ما يفيده إلى أبعد حدود الفائدة، والاثنينيون يخطئون لذلك، فهم يعلون من شأن راقص الباليه ويضجرون من ممثل النو.
حين كنا نناقش فكرة سوليفان٤ عن القلق، ظهر أن من الممكن للقلق أن يكون على نوعين: قلقٌ عُصابي وآخر وجودي، وأن هذا الأخير أساسي أكثر، بل وأن القلق العُصابي يتلاشى من تلقاء ذاته عندما يتلاشى القلق الأساسي، وتأتي كل أشكال القلق من واقعة أن ثمة في مكانٍ ما من وعينا شعورًا بأن معرفتنا بالوضعيَّة التي نحن فيها هي معرفة ناقصة، وهذا النقص في المعرفة يفضي إلى إحساسٍ بانعدام الأمن، ومن ثم إلى القلق بكل ما يشتمل عليه من درجات التوتر، واﻟ «أنا» هو دومًا في مركز أي وضعيةٍ يمكن أن نواجهها؛ ولذا عندما لا يكون اﻟ «أنا» معروفًا تمامًا، فإن أسئلةً وأفكارًا كالتالية تواصل تعذيبنا:

«هل للحياة أي معنى؟»

«هل كل شيء «باطل الأباطيل»٥ حقًّا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل هناك أيُّ أملٍ يُرجى من أن يحقق المرء ما هو جديرٌ بالتحقق فعلًا؟»

«إنني أدور في دوامة الوقائع البهيمية، وكلها متعينة، ومحدودة وثابتة على نحوٍ مطلق، أنا يائس، وألعوبة في يد الأقدار، ومع ذلك فإنني أتوق إلى الحرية، وأريد أن أكون سيد نفسي، وهذا الأمر ملح بصورةٍ أو بأخرى، على الرغم من أنني لا أملك الاختيار، وأنا لا أعرف ماذا أفعل، ولكن أي «أنا» هذا الذي يقف خلف هذه الأسئلة المتعبة والمحيِّرة؟»

«أين هي إذن تلك الأرض الآمنة التي أستطيع أن أقف عليها دون أي إحساسٍ بالقلق؟ أو ما «أنا»؟ ذلك أنني أعلم أن «أنا» قد يكون هذه الأرض الآمنة ذاتها، أيمكن أن تكون هذه هي الحقيقة التي لم أستطع اكتشافها إلى الآن؟ يجب اكتشاف اﻟ «أنا» إذًا، وسوف أكون آنئذٍ على ما يرام»!

٢

لقد أجابت المرحلة الثالثة، شوتشورا على كل هذه الأفكار، لكننا حين نأتي إلى المرحلة الرابعة، كِن تشوشي، سوف نعرف المزيد عن اﻟ «أنا» وما تنطوي عليه من فعاليةٍ شديدة هي ليست فعالية، مع ذلك. وإنني لآمل أن يصبح هذا مفهومًا حين نصل إلى المرحلة الخامسة والأخيرة، حيث يبلغ الزنِّي غايته النهائية، ونجده هناك جالسًا بكل براءةٍ يكسوه الغبار والرماد.

فلننتقل مع هذه الملاحظات إلى المرحلة الرابعة، والواقع أن المرحلتين الثالثة والرابعة مرتبطتان صميميًّا ولا يمكن تناول إحداهما بمعزلٍ عن الأخرى.

وبمقدار ما يكون الزنِّي ذا عقل منطقي أو فكري، فإنه يبقى واعيًا الشو والهِن وتحدوه الرغبة بالإشارة إلى وحدتهما المتناقضة، لكنه ما إن يخطو إلى الكِن تشو تشي حتى يخرج من عين الإعصار ويغوص في خضم العاصفة. فكل من الشو والهِن مطروحٌ للرياح الأربع، والإنسان الآن هو العاصفة ذاتها.
و كِن تعني «كِلا» وتشير إلى ثنائية الأسود والأبيض، والظلام والنور، والحب والكراهية، والخير والشر، والتي هي حقيقة العالم الذي يعيش فيه الزنِّي الآن، وبينما لا تزال شوتشوراي تذكرنا بشيءٍ ما في المرحلتين السابقتين، فإن كِن تشوتشي تخلفهما وراءها، ذلك أن الحياة ذاتها، وقد تجردت من مفارقاتها الفكرية، تضم على نحوٍ مميز، وغير متمايز، أو بصورةٍ أدق على نحوٍ كليَّاني، كل ما هو فكري أو وجداني أو نزوعي، فهي العالم كما هو بكل «وقائعه البهيمية»، كما يقول بعض الفلاسفة، والتي تواجهنا بصورةٍ نهائية يتعذَّر تغييرها. وها هو الزنِّي الآن قد «وضع قدمه» (شي) فيها تمامًا، وحياته الفعلية تبدأ هنا، وهذا هو معنى كِن تشوشي: «لقد بلغ الآن وسط الثنائيات (كِن)، وهنا، حقًّا، تبدأ فعلا حياة الحب (كارونا) لدى الزني.

لقد كان لجوشو جوشين، وهو واحد من معلمي زن العظماء، ديره الخاص في الجبال وكان مشهورًا بالجسر الحجري الذي وفرته الطبيعة ليقود إليه. وفي أحد الأيام زار راهب جوشو وقال: «أيها المعلم، إن جسرك الحجري مشهور في الإمبراطورية كلها، لكنه كما أرى ليس سوى جسر خشبي واهن».

فردَّ جوشو: «أنت ترى جسرك الواهن وتخفق في رؤية الجسر الحجري الفعلي».

فسأل الراهب: «ما هو الجسر الحجري؟»

وردَّ جوشو: «جيادٌ تمر عليه، حمير تمرُّ عليه».

فجسر جوشو يشبه رمال نهر الغانج، التي تطؤها كل أنواع الحيوان وتلوِّثها أشد التلويث، ومع ذلك فإن تلك الرمال لا تشتكي أو تتذمر أبدًا، ولن تمحى أبدًا آثار الأقدام التي خلَّفتها هناك مخلوقات من كل جنسٍ ونوع، لكن أقذارها ستغوص حتمًا وتعود الرمال نظيفة على الدوام. وهكذا الأمر مع جسر جوشو الحجري: حيث تمر عليه هذه الأيام، لا الجياد والحمير وحسب، بل وجميع أنواع العربات، بما فيها الشاحنات الثقيلة وقوافل السيارات وهو يتسع لها على الدوام، وحتى حين تسيء استعماله فإن رضاه لا يهتزُّ. وزني «المرحلة الرابعة» مثل هذا الجسر، ومع أنه لا يدير خده الأيمن حين يُضرب على خده الأيسر، إلا أنه يعمل بصمتٍ من أجل خير ورفاه الآخرين.

ذات مرة سألت امرأة عجوز جوشو: «أنا امرأة، وحياة النساء قاسية جدًّا، ففي الطفولة تعاني المرأة؛ إذ عليها طاعة والديها، وحين تكبر بما يكفي تتزوج ويكون عليها أن تطيع زوجها، أما حين تشيخ فيكون عليها أن تطيع أولادها، فلماذا خُلقت لتعيش حياة كهذه دون فترةٍ من الحرية والاستقلال؟ ولماذا لا تكون مثل غيرها من البشر الذين يعيشون دون أي شعورٍ بالمسئولية؟ إنني أتمرَّد على أسلوب الحياة الصيني القديم».

ورد جوشو، «لتكن صلاتك»: «فليفعل الآخرون كل ما يحلو لهم، أما أنا فسأقبل بقسمتي».

قد يعترض المرء بأن نصيحة جوشو لا تعدو أن تكون دفاعًا عن حياة تبعية مطلقة، بعيدة كل البعد عن روح الحياة الحديثة، فنصيحته محافظة جدًّا، وسلبية جدًّا، وتلغي الذات إلى حدٍّ بعيد، وخالية من أي إحساسٍ بالفردية، ألا يطابق هذا تعاليم الخسانتي البوذية، أي السلبية، والعدم؟

إنني لست محاميًا عن جوشو، فهو يرد على هذا الاعتراض على النحو التالي:

لقد سأله أحدهم: «أنت شخصٌ طاهر وورع، أين ستجد نفسك بعد وفاتك؟»

فأجاب جوشو الزني: «أمضي إلى الجحيم قبلكم جميعًا!»

وصُعق السائل وقال: «كيف يمكن ذلك؟»

ولم يتردد المعلم: «إن لم أذهب أولًا إلى جهنم، فمن سيكون منتظرًا هناك لإنقاذ أناسٍ مثلك؟»

هذا قول قويٌّ جدًّا، لكن جوشو لديه ما يبرر ذلك من وجهة نظره الزنية، وهو هنا بعيد عن أي دافعٍ أناني، ووجوده مكرس برمته لخير الآخرين، ولو لم يكن الأمر كذلك، لما استطاع أن يُطلق هذا القول الصريح المباشر دون غموضٍ أو التباس، ويقول المسيح: «أنا الطريق»، ويدعو الآخرين لأن يخلِّصهم، وروح جوشو هي أيضًا روح المسيح، فليس ثمة روح متغطرسة ومتمركزة على ذاتها لدى أي منهما، إنهما يعبِّران عن روح المحبة ذاتها ببساطة، وبراءة، ومن القلب.

ذات مرة سأل أحدهم جوشو: «بوذا هو المستنير ومعلِّمنا جميعًا، إنه متحررٌ من الداخل بطبيعته من كل الأهواء (كليسا)، أليس كذلك؟»

فقال جوشو: «لا، إنه الذي يرعى الأعظم من بين الأهواء جميعًا».

«كيف يمكن ذلك؟»

ورد جوشو: «إن هواه الأعظم هو إنقاذ الكائنات جميعًا!»

ولقد وصف واحدٌ من معلمي زن العظماء في اليابان حياة الزني كما يلي:٦

«إن البوذيساتفا يدير عجلة وحدة المتعارضات أو المتناقضات: الأسود والأبيض، والظلام والنور، والتماثل والاختلاف، الواحد والكثرة، والمتناهي واللامتناهي، الحب والكراهية، الصداقة والعداء، إلخ إلخ، وبينما هو وسط الغيوم والغبار، متنوعًا إلى ما لا نهاية، يعمل البوذيساتفا ورأسه ووجهه مغطى تمامًا بالوحل والرماد، وحيثما تضطرم فوضى الأهواء بعنفها وضراوتها التي لا توصف، فإن البوذيساتفا يعيش حياته بكل تقلُّباتها، وكما يعبر عنها المثل الياباني، «دُر سبع مرَّات صاعدًا وهابطًا، ثم امض مستقيمًا ثماني مرات»، إنه مثل زهرة لوتس في اللهب، يسطع لونها أكثر فأكثر كلما عبرت معمودية النار.

وإليكم الطريقة التي يصف بها رينزاي رجله «الذي بلا عنوان»: إنه الماكث في البيت ومع ذلك لا يفارق الدرب، وهو الذي في الدرب ومع ذلك لا يغادر البيت، أهو رجلٌ عادي أم حكيم عظيم؟ لا أحد يعلم، حتى الشيطان لا يعرف أين موقعه، بل إن بوذا نفسه ليخفق في تسييره كما يرغب، وحينما نحاول الإشارة إليه، يختفي، ويصبح على الجانب الآخر من الجبل.
ونجد في اللوتس سوترا٧ ما يلي: «ما دامت هنالك نفس واحدة وحيدة لم يتمَّ إنقاذها، فإنني عائدٌ إلى هذا العالم لأساعدها»، ويقول بوذا في السوترا ذاتها: «لن يدخل البوذيساتفا أبدًا في النيرفانا النهائية، بل سيظل بين الكائنات جميعًا (سارفاساتفا) يعمل من أجل تهذيبها وتنويرها، ويريها أنه لا ينأى بنفسه عن أي معاناة إذا ما كان ذلك يفضي إلى الخير العام.»
ثمة ماهيايانا سوترا تدعى يوئيما-كير (فيما لاكيرتسوترا)، والمحاور الأساسي فيها هو مريدٌ عادي لبوذا وفيلسوف عظيم، وفي إحدى المرات قيل: إنه مريض، وطلب بوذا من أحد تلاميذه أن يذهب ليطمئن على صحته، فلم يقبل أحدٌ لأن يوئيما كان مُجادلًا لا يُغلب لدرجة أن أحدًا من معاصريه لم يستطع أن يهزمه، لكن مونجو (أو مانجوسري) قبل أن يحمل رسالة بوذا.

عندما سأل مانجو يوئيما عن مرضه، أجاب الأخير، «إنني مريضٌ لأن كل الكائنات مريضة، ولن يُشفى مرضي قبل أن تُشفى، فهي على الدوام يغزوها الطمع والغضب والحماقة».

وهكذا نرى أن الحب والإشفاق هما جوهر البوذية، فهذا النوع من «الأهواء» يبقيها مع الكائنات جميعًا ما دام هنالك واحدٌ منها لم يصل بعد إلى حالة الاستنارة. ويقول المثل الياباني: «إلى عالم الصبر هذا جاءوا وذهبوا ثمانية آلاف مرة»، وهو يعني بذلك أن كل بوذا وبوذيساتفا سيزور عالمنا هذا عددًا لا نهاية له من المرات، هذا العالم المليء بالآلام التي لا تطاق؛ وذلك لأن حبهم لا يعرف أيَّ قيود.

إن واحدًا من الإسهامات العظيمة التي قدمها الصينيون للبوذية هي فكرتهم عن العمل، ذلك أن أول جهد واع لترسيخ العمل بوصفه وجهًا من أوجه البوذية قد بُذل منذ حوالي ألف عام من قِبَل هاياكوجو، الذي أسس نظامًا للأديرة الزنية مميزًا عن المؤسسات البوذية الأخرى، فقبل هايا كوجو كان الرهبان البوذيون مكرسين أساسًا للتعلم، والتأمل، والتقيد بوصايا ال فينايا٨، لكن هايا كوجو لم يرض بذلك، وكان يتوق إلى اتباع مثال يينو، البطريرك السادس، والذي كان مزارعًا في جنوب الصين وكان يكسب قوته من قطع الأخشاب وبيع الحطب، وحين سُمح ليينو بالانضمام إلى الأخوية brotherhood، خُصص له الفناء الخلفي، حيث كان يقطع الأرز، ويُعدُّ المواد التي تُضرَم بها النار، ويقوم بأعمالٍ وضيعة أخرى.

عندما نظم هايا كوجو ديرًا جيدًا لرهبان زن حصرًا، كان العمل قاعدة من قواعده، حيث كان على كل راهب، بما في ذلك المعلم نفسه، أن ينهمك في عملٍ يدوي وضيع من الأعمال، وحتى عندما أصبح هايا كوجو عجوزًا، رفض أن يتخلَّى عن عمله في الحديقة، وحين أبدى مريدوه قلقهم عليه نظرًا لتقدمه في السن، أخفوا كل عدة عمله؛ لكي يكف عن العمل بالكد الذي اعتاد عليه، لكن هيا كوجو أعلن قائلًا: «إن لم أعمل لن آكل».

ولهذا السبب، فإن ما يميز معابد زن وأديرته في اليابان، وكذلك في الصين، هو أنها تبقى نظيفة وحسنة الترتيب، ورهبانها جاهزون للاضطلاع بأي عملٍ يدوي، مهما يكن منفرًا وقذرًا.

ولعل روح العمل هذه أن تكون مغروسة بعمقٍ في عقول الصينيين منذ القدم؛ ذلك أن مزارع تشوانغ-تسي، وكما أشرت في الفصل الأول، رفض استعمال الشادوف ولم يكن يهمه القيام بأي قدرٍ من العمل؛ لأنه كان يحب ذلك، وهذا لا ينسجم مع الفكرة الغربية، والحديثة في الحقيقة، عن وسائل توفير الجهد من كل صنف.

عندما يوفر بشر هذه الأيام الجهد ويكسبون مزيدًا من الوقت لملذاتهم أو غير ذلك من الاهتمامات، فإنهم يبدءون بإطلاق كل ضروب التذمر والشكوى التي تعبر عن عدم رضاهم عن الحياة، أو باختراع أسلحة يمكن بها قتل الآلاف من الكائنات البشرية بكبسة زر، واسمع ما يقولون: «هذه هي الطريقة التي تهيئ للسَّلام»، أليس مدهشًا حقًّا أن الشرور الكامنة في الطبيعة البشرية وفكريتها intellectuality مطلقة العنان تُجهد نفسها في اكتشاف أسهل الطرق وأسرعها لإفناء ذاتها عن سطح البسيطة؟ عندما رفض مُزارع تشوانغ-تسي أن يكون ذا عقلية آلية، هل كان يتنبَّأ بكل هذه الشُّرور بعد واحدٍ وعشرين أو اثنين وعشرين قرنًا من الزمن؟ يقول كونفوشيوس: «حين يجد صغار الناس مزيدًا من الوقت في أيديهم فلا بد أن يخترعوا كل ضروب الأشياء الشريرة».
قبل أن أختم كلامي، دعوني أقدم لكم ما يمكن أن نسميه الفضائل الرئيسية لدى البوذي ساتفا أو الزنِّي، وهي تُعرف باسم الباراميتاس الستة:
  • (١)
    دانا (الإحسان).
  • (٢)
    سيلا (الوصايا الأخلاقية).
  • (٣)
    كسانتي (التواضع).
  • (٤)
    فيريا (الطاقة).
  • (٥)
    دهيانا (التأمل).
  • (٦)
    براجنا (الحكمة).
  • (١)
    الإحسان، أو العطاء، هو أن يقدم المرء لمنفعةٍ ورفاه كل الكائنات (سارفاساتفا) أي شيء وكل شيء يمكنه تقديمه: لا الأشياء المادية وحسب، بل المعرفة، سواء الدنيوية أو الدينية أو الروحية (فالمعرفة تنتمي إلى الدهارما، الحقيقة الجوهرية)، وكل بوذي ساتفا مستعد حتى لأن يهب حياته من أجل إنقاذ الآخرين (وثمة قصص فانتازية عن ذلك في حكايات جاتاكا).
    يقدم لنا تاريخ البوذية اليابانية مثالًا رائعًا عن التضحية بالنفس من قبل أحد معلمي زن، ففي الفترة السياسية المعروفة باسم عهد الاقتتال   warring era في القرن السادس عشر كانت اليابان ممزقة إلى عددٍ من المقاطعات المحكومة من قبل زعماء متحاربين، وكان أودانوبوناغا هو الأقوى بينهم، وعندما هزم عائلة تاكيدا المجاورة، لجأ واحدٌ من أفراد هذه العائلة إلى أحد أديرة زن، وطلب جيش أودا تسليمه لهم، لكن رئيس الدير رفض قائلًا: «إنه الآن في حمايتي، وبصفتي تابعًا لبوذا فإنني لا أستطيع أن أسلمه»، وهدد القائد المُحاصر بأن يحرق الدير كله بمن فيه؛ ونظرًا لإصرار رئيس الدير على موقفه، فقد أُضرمت النار في المبنى المؤلف من طبقاتٍ عدة، واضطر رئيس الدير، مع قلةٍ من الرهبان الذين أرادوا الانضمام إليه إلى الصعود إلى الطابق الثاني، حيث جلسوا جميعًا بسيقانٍ متصالبة، وقال رئيس الدير لأتباعه أن يستعدوا للحظةٍ أخيرة، طالبًا منهم أن يعبِّروا عن أية فكرة تخطر لهم في هذه المناسبة، وهكذا قدم كلٌّ منهم ما لديه، وعندما جاء دور رئيس الدير تلا الأبيات التالية بهدوء، ثم احترق حيًّا مع البقية:
    كي تمارس الدهيانا (التأمل) بسلام.
    ليس ضروريًّا أن تمضي إلى المُعتزَل الجبلي.
    إذا ما طهَّرتَ العقل من الأهواء.
    حتى النار ستصبح بردًا وسلامًا.
  • (٢)
    سيلا: هي التقيد بالوصايا التي أوصاها بوذا والتي تفضي إلى حياةٍ أخلاقية، وفي حالة من لا بيوت لهم، فإن المقصود من الوصايا هو تحديد نظام الأخوية (سانغها)، والسانغها هو مجتمعٌ نموذجي مثله الأعلى هو عيش حياة سلام وانسجام.
  • (٣)
    : كسانتي من المفهوم عمومًا أنها تعني «الصبر»، لكنها في الواقع تعني الخضوع لأفعال مُذلَّة بصبر، أو برباطة جأش، أو كما يقول كونفوشيوس: «الرجل المتفوق لن يرعى أي شعور فاسد حتى حين لا يُقدر الآخرون عمله أو فضيلته»، ولا يشعر أي من أتباع بوذا بالإذلال، إن لم يعجب بهم الآخرون، أو حتى حين يتمُّ تجاهلهم دون وجه حق، إنهم يتحمَّلون بصبرٍ كل الشروط السيئة.
  • (٤)
    فيريا: تعني في الأصل «الرجولة»، وهي تعني أن تكون مخلصًا على الدَّوام، وذا قدرة على تنفيذ كل ما ينسجم مع الدهارما.
  • (٥)
    دهيانا: هي الاحتفاظ بحالةٍ عقلية هادئة وساكنة في كل الظروف، المواتية وغير المواتية، وتجنب الاضطراب أو الإحباط حتى حين تتتالى الأوضاع السيئة واحدًا إثر آخر، ويتطلب ذلك قدرًا كبيرًا من التدريب والمران.
  • (٦)
    براجنا: ليس ثمة كلمة إنكليزية، أو حتى أوروبية، مرادفة لها، ذلك أن الأوروبيين ليس لديهم أية تجربة تكافئ البراجنا نوعيًّا، فاﻟ براجنا هي التجربة التي يحوذها المرء حين يشعر بكلية الأشياء اللامتناهية بحسه الأشد جوهرية، أي، بعبارةٍ سيكولوجية، حين يرجع الأنا المتناهي، مخترقًا قشرته الصلبة، إلى اللامتناهي الذي يشتمل على كل ما هو متناهٍ ومحدود وزائل بالتالي، ويمكن أن نعتبر أن هذه التجربة قريبة نوعًا ما من حدس كلياني بشيءٍ يتعالى على كل تجاربنا الخاصة، والمحددة.

٣

نصل الآن إلى المرحلة الأخيرة، كِن تشوتو والفارق بين هذه المرحلة والمرحلة الرابعة هو استخدام تو بدلًا من شي، والواقع أن شي وتو تعنيان الفعل ذاته، «يبلغ»، «يصل»، لكن فعل الوصول، تبعًا للتأويل التقليدي لا يكون مكتملًا في شي، والمسافر لا يزال في الطريق إلى الهدف، في حين تشير تو إلى اكتمال الفعل، والزني هنا يحقق غرضه، ذلك أنه يكون قد وصل إلى غايته، وهو يعمل بكد على الدوام، ويمكث في هذا العالم بين الكائنات المماثلة له، وتبقى نشاطاته اليومية ذاتها دون تغيُّر، لكن ما تغير هو ذاتيته، وعن ذلك يقول هاكوين مؤسس زن رينزاي الحديث في اليابان:
بعونٍ من ذلك الحكيم-الأبله
فلنعمل معًا لنملأ
البئر بالثلج.

وفي النهاية، فإن ما يمكن أن نقوله هنا عن حياة الزنِّي ليس كثيرًا؛ ذلك أن سلوكه الخارجي ليس مهمًّا كثيرًا، فهو منكب تمامًا على حياته الداخلية، وتراه بأسمالٍ بالية يعمل بكدِّ عامل حقير، وكثيرًا ما وُجدَ زنيُّون متخفِّين بين المتسولين، في اليابان الإقطاعية، وثمة حالة واحدة على الأقل من هذا النوع، وحين مات هذا الرجل، فُحصت زبدية الرز التي كان يطوف بها مستوِّلًا طعامه ووجد عليها نقش بالصينية الكلاسيكية يعبر عن نظرته إلى الحياة وفهمه لزن. والواقع أن بانكئي، معلم زن العظيم، نفسه كان مرةً في رفقة المتسولين قبل أن يتم اكتشافه ويقبل تعليم أحد الأسياد الإقطاعيين في أيامه.

وقبل الختام، سأورد واحدًا أو اثنين من الموندو المميزة لزن، وآمل أن يلقيا بعض الضوء على التوصيفات السابقة لحياة الزني، ولعل واحدة من الوقائع البارزة في هذه الحياة هي أن فكرة الحب كما يفهمها البوذيون تفتقر إلى السمات الإيروسية الواضحة التي نلحظها بقوةٍ لدى بعض قديسي المسيحية، فحبُّهم موجهٌ نحو المسيح بطريقةٍ خاصَّةٍ جدًّا، في حين أن لا علاقة تقريبًا للبوذيين ببوذا، بل بالكائنات المماثلة لهم، سواء الحساسة منها أو غير الحساسة، وحبهم يتجلى في صورة عمل خالٍ من الشكوى وفيه تضحية بالنفس من أجل الآخرين، كما رأينا آنفًا.

كان ثمة امرأة عجوز تدير صالةً للشاي أسفل جبل تايزان، حيث يقع دير لزن مشهور في الصين كلها، وكلما كان راهب مسافر يسألها عن الطريق إلى تايزان، كانت تقول: «سِر قُدمًا»، وحين كان الراهب يتبع هذا الاتجاه، كانت تُعلق: «وهذا واحد آخر يمضي في الطريق ذاته»، ولم يكن رهبان زن يعلمون ما يعنيه تعليقها.

وبلغ الأمر مسامع جوشو فقال: «حسنٌ، سأذهب لأرى أي نوع من النساء هي هذه المرأة»، وانطلق جوشو، وحين وصل إلى صالة الشاي سأل السيدة العجوز عن الدرب المؤدي إلى تايزان، وبالطبع فقد قالت له أن يمضي قُدُمًا، وفعل جوشو كما فعل الكثير من الرهبان قبله، وعلَّقت المرأة قائلة: «راهبٌ ممتاز، يمضي في الطريق ذاته مثل البقية»، وحين عاد جوشو إلى الأخوية، قال: «لقد اكتشفتُ هذه المرأة اليوم بكل ما في الكلمة من معنى!»

قد نتساءل: «ما الذي اكتشفه المعلم في المرأة ما دام سلوكه لم يكن مختلفًا أبدًا عن سلوك بقية الرهبان؟»، هذا هو السؤال الذي يجب على كلٍّ منا أن يحلَّه بطريقته الخاصة.

سوف أوجز الآن ما يقترح علينا زن القيام به: إنه التماس الاستنارة لأنفسنا ومساعدة الآخرين على بلوغها، وثمة لدى زن ما يمكن أن نطلق عليه اسم «صلوات»، على الرغم من أنها تختلف تمامًا عن الصلوات المسيحية، وسوف أذكر أربعًا منها، مع أن الأخيرتين هما بمثابة تضخيم للأولى والثانية:

  • (١)

    مهما يكن عدد الكائنات كلها، فإنني أتضرع (أصلي) من أجل أن يتم إنقاذها جميعًا.

  • (٢)

    مهما تكن الأهواء لا تنضب، فإنني أتضرَّع من أجل أن يتمَّ اجتثاثها جميعًا.

  • (٣)
    مهما تكن الدهارما متباينة بما لا يُقاس، فإنني أتضرَّع من أجل أن تتمَّ دراستها جميعًا.
  • (٤)
    مهما يكن طريق-بوذا رفيعًا وفائقًا، فإنني أتضرع من أجل أن يتم بلوغه كاملًا.

وقد يبدو زن في بعض الأحيان غامضًا جدًّا، وملغَّزًا، ومفعمًا بالتناقضات، لكنه في النهاية مذهب ونظام بسيط:

عَملُ الخير
وتُجنُّب الشر،
وتنقية القلب
ذلك هو طريق-بوذا.

أفلا ينطبق هذا على الأوضاع البشرية كلها، حديثها وقديمها، في الغرب أو في الشَّرق؟

١  (١) ما السبب في أن كتابات زن لا تبدي إلا قليلًا جدًّا من الاهتمام الواضح بالشروط الثقافية، وتنظيم المجتمع، ورفاه الإنسان؟ مع هذا السؤال ارتبط سؤال آخر عن استخدام زن في إحداث الموت «لكي يجد المرء ذاته جوهريًّا»، كما في المسايفة، وسؤال يتعلق بإسهام معلم زن وتلاميذه في مشاكل العصر الاجتماعية.
(٢) ما هو موقف زن من الأخلاق؟ ومن الحرمان السياسي والاقتصادي؟ ومن موقع الفرد ومسئوليته تجاه مجتمعه؟
(٣) ما الفرق بين الساتوري والهداية المسيحية؟ لقد قلتَ في أحد كتبك إنهما مختلفان، هل هناك أي فرق ما عدا الفروق الثقافية في طرائق الحديث عن هذا الموضوع؟
(٤) الصوفية المسيحية مفعمة بالصور الإيروسية، هل هناك أي أثر لذلك في الساتوري؟ أو ربما في المراحل السابقة على الساتوري؟
(٥) هل لدى زن معيار للتفريق بين التجارب الصوفية الأصلية وتجارب الهلوسة؟
(٦) ما هو اهتمام زن بتاريخ الفرد، وتأثيرات العائلة، والتربية، والمؤسسات الاجتماعية على تطور اغتراب الفرد عن ذاته؟ فقد اهتم بعضنا بهذا الأمر في علاقته بوضع حد للاغتراب لدى الأجيال الجديدة من خلال تحسين تنشئة الفرد، فضلًا عن المؤسسات الاجتماعية، فحين نعرف ما يحدد الصحة السيئة، يُفترض أن يمكننا فعل شيء حيالها قبل أزمة البلوغ.
(٧) هل يقدم زن أية أفكار فيما يخص أنواع التجارب التطورية في الطفولة والتي تساعد كثيرًا على إحداث الاستنارة في البلوغ؟
(٨) يبدو أن معلم زن يبدأ مع التلميذ دون انتباهٍ إلى إحساسه بنفسه كما هي عليه، أو على الأقل لا يتفاعل مع هذا صراحة وبصورةٍ مباشرة، ومع ذلك فإن من الممكن تصور أن مثل هذا الرجل قد يدخل زن انطلاقًا من فراغٍ أو حاجة إلى إيجاد إله جديد؛ الأمر الذي قد لا يكون واعيًا له، فهل يساعده على إيجاد سبيله لو كان مطِّلعًا على حقيقة أن اتجاهه الخاص سوف يحوِّل التجربة إلى رماد؟
هل يُقيم معلم زن نوعًا من التواصل بين إحساسه بالشخص وإحساسه بالعقبات التي قد تعترض طريقه؟ حتى لو لم يكن ثمة ميل لفعل ذلك، فهل من الممكن تصور أن القيام بهذا يجعل بلوغ الهدف أسهل؟
(٩) هل تشعر أن التحليل النفسي، كما تفهمه يوفر للمرضى أملًا بالاستنارة؟
(١٠) ما موقف زن تجاه الصور التي قد تظهر في سياق التأمل؟
(١١) هل يُعنى زن بإشكالية النضج الانفعالي وتحقيق الذات في الوجود الاجتماعي للإنسان؛ أي ﺑ «العلاقات بين الأشخاص»؟
٢  اليين واليانغ: طرفان يكمل أحدهما الآخر، حيث يُبنى الوجود على إيقاع التعاقب المطرد لسيطرتهما. واليين هو المنفعل، السلبي، وقوة أنثوية بطيئة الحركة وباردة ورطبة ومُلغزة، وتتجسد في الظلال والأشياء الكامنة. أما اليانغ فيعني الفاعل، المؤثِّر، وهو قوة ذَكرية تتميز بالحركة والدفء والجفاف واللمعان والإبداع والإيجابية، ويتجسد في الشمس وكل ما هو مشرق. (م)
٣  منطقة كالثقب في جرف إعصار تتميز بالسكينة الكاملة أو بريحٍ خفيفة. (م)
٤  هاري ستاك سوليفان: من المحللين النفسانيين الذين يطلق عليهم اسم «الفرويديين الجدد»، ركز على وجود روابط بين الطفل وأمه أقدم من عقدة أوديب وروابطها. (م)
٥  إشارة إلى «سفر الجامعة» في التوراة.
٦  لقد قمت بتحديث الصياغة هنا إلى حدٍّ ما.
٧  اللوتس سوترا، أو لوتس القانون الصالح، أهم كتب الماهايانا التي تمت ترجمتها من السنسكريتية إلى الصينية واليابانية، وتعترف به جميع المذاهب البوذية. (م)
٨  الفينايا، نظام سلوك الرهبان والراهبات في الدير «في البوذية». (م)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤