الفصل الثالث

العقل

(١) هل تمتلك الحيوانات عقلًا؟

تبدو الإجابة مؤكدة وغريبة أيضًا فيما يتعلق بالحيوانات الأكثر تطورًا! لا يشك أحد في أن الحصان أو طائر الشرشور يمتلك بالفعل عضوًا بداخل جمجمته يُسمَّى «مخًّا». ولكن هذا التأكد ينطوي على بعض التحفظات.

في البداية، يرجع ذلك إلى أنه يوجد الكثير من الحيوانات الأقل تطورًا التي إما لا تمتلك أيَّ آلية عصبية (مثل الإسفنج أو الدودة الشريطية) وإما تمتلك جهازًا عصبيًّا ولكنه جهاز غير مجتمِع على الإطلاق في عضو كبير مثل جهازنا العصبي (مثل الديدان الحلقية والعديد من الرخويات والحشرات التي يتكون جهازها العصبي من سلسلة من الغدد الموزعة على أنحاء الجسم كافة). وتمتلك الفقاريات والرخويات المسماة ﺑ «رأسيات الأرجل» (مثل الأخطبوط أو الحبار) وحدها عضوًا مركزيًّا يمكن وصفه بالمخ. إلا أنه سرعان ما نلاحظ أن الحيوانات التي تمتلك سلسلة من العُقَد العصبية مثل دودة الأرض والحلزون والنحلة هي أيضًا مزودة بالقدرة على الإحساس. فلا يُعَدُّ إذن امتلاك مخ كبير إلا أحد احتمالات التعبير عن الإحساس الحيواني وهو احتمال يسمح بظهور سلوكيات أكثر تكاملًا. وإذا كانت الفقاريات والرخويات رأسيات الأرجل تُعتبر حيوانات ذكية بصورة خاصة فذلك ليس وليد الصدفة (انظر الفصل الرابع).

ومن جهة أخرى، فمن الجدير بالذكر في هذا المقام أن كلمة «مخ» لا تعني المعنى ذاته لدى العلماء ولدى عامة الناس، فما نسميه نحن في اللغة الشعبية «المخ» أي مجموعة البِنَى التي تضمها الجمجمة هو ما يُطلِق عليه العلماء «الدماغ». وبالنسبة للعلماء، لا يحتل «المخ» بمعناه الدقيق إلا جزءًا من الدماغ ولكنه الجزء الأكبر الذي يتفق تقريبًا مع أنصاف الكرة المخية لدى الفقاريات والمناطق المعادلة لدى رأسيات الأرجل، وربما يكون مقر التفكير الواعي. وفي هذا الصدد، قد تمتلك فقط بعض الحيوانات عقلًا بمعناه الدقيق وليس فقط جهازًا عصبيًّا، وهي إجمالًا الحيوانات المزودة ﺑ «الوعي التام» (انظر الفصل السابع) أي إدراك عناصر بيئتها. ودون أن نستطيع الجزم بصورة كاملة في علم مثل علم الأحياء الذي يُعيد النظر في جميع الأمور بصورة دائمة، يمكننا على أي حال أن نعتبر أن الفقاريات والرخويات رأسيات الأرجل على الأقل تمتلك «عقلًا» بصورة واضحة!

(٢) هل يمكن أن تمتلك الآلات عقلًا؟

(٢-١) لا يمتلك الكمبيوتر عقلًا، والعقل ليس كمبيوتر

عادةً ما يُشبَّه العقل بنوع من الكمبيوتر المتطور. وفي أغلب الحالات يكون التشابه خادعًا. فلنؤكد في البداية أن العديد من الآلات التي يُمكن اعتبار سلوكها ذكيًّا والقادرة على التعلم من النماذج ليست مصنوعة على الإطلاق بناءً على مبادئ مماثلة لمبادئ عقل الثدييات. فعلى سبيل المثال يختلف عمل الكمبيوتر الذي هَزَمَ جاري كاسباروف بطلَ العالم في لعبة الشطرنج عن عمل العقل البشري. وبالإضافة إلى ذلك يبدو الذكاء الاصطناعي التقليدي الذي يقوم بصفة أساسية على الاستدلال الرمزي شديدَ البُعدِ عن النماذج التي تقترحها حاليًّا العلوم العصبية، حتى إن كان قد استطاع في بعض الأوقات أن يؤثر في بعض النظريات بشأن الاستدلال الإدراكي.

وبصفة عامة، لا تشبه بنية الكمبيوتر على الإطلاق ما نعرفه عن بنية العقل. ولكن إذا أردنا المقارنة بينهما على صعيد الأداء، فيبدو العقل كجهاز كمبيوتر أشد بطئًا من أجهزة الكمبيوتر الأكثر سرعة، ولكن يُعوض عن هذا البطء بإجراء «العمليات الحسابية» جميعها بصورة متوازية، ولكن يتعين أن نتذكر أن هذا التشابه القديم والدائم بين العقل والكمبيوتر هو قبل كل شيء استعارة. فيستخدم كل عصر الأدوات التقنية المتوفرة فيه لمحاولة فهم الطريقة التي نفكر ونعمل بها. وكان اليونانيون يستخدمون استعارات مائية، وكان مهندسو عصر النهضة يلجئون أيضًا إلى نماذج آلية ونماذج أخرى تعمل بالهواء المضغوط. وشهد القرن التاسع عشر ازدهار النماذج الكهربية. فلا يُعَدُّ إذن التشابه الناشئ في القرن التاسع عشر بين الكمبيوتر والعقل إلا مرحلة من جملة مراحل أخرى في تاريخ النماذج (انظر قسم «هل نحن نعتبر آلات؟»)

(٢-٢) آلات جديدة مستوحاة من العقل

يوضح العديد من الباحثين اليوم أنهم يستوحون من معارفنا الحديثة عن العقل البشري لاختراع آلات من نوع جديد. فقد تطورت العلوم العصبية بصورة كبيرة خلال العقود المنصرمة. وقد تسمح تقنيات التصوير الجديدة بصورة خاصة برؤية التفاعل الفوري للعقل مع العوامل المثيرة في العالم الخارجي بدقة غير مسبوقة. وتُصمَّم نماذج هذه المعطيات التجريبية بصورة أفضل عبر عمليات محاكاة تتطلب استخدام أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة والقوة. ولكن للأسف ليس من السهل تحويل هذه النماذج الوصفية إلى نماذج عملية، فالنماذج التي تتخذ أشكالًا عصبية والتي تستوحي مما نعرفه عن مبادئ عمل العقل البشري تطلق العنان حاليًّا للتخيل والابتكار لدى الباحثين الذين يصممونها.

وعلى عكس ما هو شائع الاعتقاد، فنادرًا ما نصمم آلات جديدة عن طريق «محاكاة» الطبيعة؛ فالطائرات ليست طيورًا تحولت إلى نماذج مصممة بصورة مباشرة، شأنها في ذلك شأن الكمبيوتر الذي لم يُصنع كالعقل البشري. فيتبع الاختراع التقني قواعده الخاصة، ويتعلق الأمر قبل كل شيء بالمزج بصورة غير مسبوقة بين العناصر التقنية المتوفرة في عصر معين. ويستطيع المخترعون، شأنهم شأن أي مؤلِّف، أن يستلهموا من العالَم الذي يعيشون فيه، ولكننا لن نبالغ في أهمية هذه الملاحظات نسبةً إلى خيالهم التركيبي الذي يُعَدُّ المصدر الحقيقي للابتكار التقني. فمن غير المرجح أن نعتبر أن الآلات ستمتلك عقلًا في يوم ما، ولكن في المقابل يجوز الاعتقاد أننا سوف نُغيِّر فهمَنا «لعمل العقل البشري» عن طريق الاستلهام من الآلات الجديدة التي سنصممها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢