الفصل الخامس

الوجودُ الإلهي

«معجزة»، «هلوسة»، «تفسير علميٌّ بسيط»، «فضل إلهيٌّ»، «خدعة ذات دوافع سياسية» … كانت تلك العبارات التي احتلَّت العناوين الرئيسية في الصحف مع محاولة المتابعين يوم ٢٢ سبتمبر ١٩٩٥ تفسيرَ أسباب شرب كل الصور المجسدة للإله جانيشا — من تماثيل ونحو ذلك — في جميع أنحاء العالم لِلَّبَن المُقدَّم لها من أتباع الإله المخلصين. واشتعل من جديدٍ الجدلُ القديمُ بين العلم والإيمان. ووجد الهندوس أنفسهم مُنقسمين حول تلك الظاهرة، لكنهم لم يندهشوا من حدوث الظاهرة بقدر اندهاشهم من نطاقها؛ فالتجلِّيَات الإلهية والمعجزات الصغيرة أمر شائع في الحياة الدينية الهندية، لكن العجيب هو أن يشهد الهندوس وأصدقاؤهم من غير الهندوس هذا الفعل العجيب من الإله جانيشا في جميع أنحاء العالم.

(١) أوثان أم رموز؟

كيف يمكن لتمثال أن يشرب؟ ثمة تفسيرات علمية ونفسية بلا شك، لكن كيف يفسر الهندوس هذا الأمر؟ يجب أولًا، فهم الفَرْق بين التماثيل والرموز (مورتي)؛ فالتماثيل الحجرية التي تغطي الواجهات الخارجية للمعابد الهندوسية والأعمال النحتية القليلة البروز والنقوش بالكهوف المنتشرة بجميع أنحاء الهند؛ تعبِّر كلها بنحو حيوي عن فن تصوير الآلهة والإلهات وقصص مآثرهم. تحظى هذه التماثيل بمكانة فنية عظيمة، وقد نُحِتت بحبٍّ، لكنها لا تُعتبَر جديرة بالعبادة سوى في حالات استثنائية فقط. أما الرمز الموجود «داخل» المعبد، فقد أُنشِئ ونُصِب في عملية طقسية أعدَّتْه لأنْ يسكنه أحد الآلهة. وتصف النصوصُ الدينيةُ الأسلوبَ التأمليَّ للنحَّات، ونِسب الرمز (والمعبد الذي سيوضَع فيه)، وخصائص الإله الذي سيسكنه. وبمجرد أن يُصنَع الرمز، يُكرِّس كهنة البرهمية الصورة للتقديس، ويضعون عدة آلهة في أماكن مختلفة من جسم الرمز، ويبثُّون فيه نَفَسًا حيًّا (برانا). وبدءًا من تلك اللحظة، يتجلَّى الإله في الرمز ويجب الاعتناء به، وخدمته كضيف مُكرَّم، ومنحُه الحب. ويصير بعد ذلك من الممكن وجود علاقة متبادلة وثيقة بين المُتعبِّد والإله من خلال الرؤية (دارشانا)؛ فيزور الهندوس معابدهم المحلية أو يقومون برحلات إلى أماكن حجٍّ أبعد ليؤدوا «الدارشانا»؛ أي ليَرَوْا كريشنا أو ديفي أو شيفا أو أيَّ إله آخر يختارونه، ويراهم هذا الإله.

fig8
شكل ٥-١: أحد المؤمنين يقدِّم ملعقة من اللبن لأحد تماثيل الإله جانيشا في «معجزة» سبتمبر ١٩٩٥.

في القرنين السابع عشر والثامن عشر، شهد التجار والرحَّالة الأوروبيون أداء الهندوس للدارشانا لأول مرة، فكتبوا مُنتقدين الأمر في خطاباتهم ويومياتهم بوصفه «عبادة أوثان». وكررت البعثات التبشيرية المسيحية اللاحقة ردود الأفعال نفسها، فكان يُعَدُّ هذا النوع من العبادة ممقوتًا وضالًّا، لا سيما بين المسيحيين البروتستانت الذين يُدركون إلههم في الكلمة، لا في الصورة. وقد ذُهِل هؤلاء أيضًا من تعدد «الأوثان» لدى الهندوس، واستنتجوا أن الهندوس قوم مُشرِكون؛ أي يؤمنون بالعديد من الآلهة والإلهات؛ الأمر الذي كان خطأً من وجهة نظرهم، رغم أنه مدهش في الوقت نفسه؛ فإلههم — رغم أنه ثلاثة كيانات (الأب والابن والروح القدس) — هو إله واحد.

جانيشا

جانيشا (جاناباتي) هو إله برأس فيل يحبُّه الهندوس لإصغائه العطوف لطلبات تابعيه وقدرته على إزالة العقبات، وهو ابن شيفا وبارفاتي، خلقتْه أمه ذات يوم ليحمِيَها في أثناء استحمامها، ونظرًا لأن شيفا لم يكن على علم بهوية ابنه، قطع رأسه لعدم سماحه له بالدخول إلى مقرِّ بارفاتي؛ فغضبتْ بارفاتي غضبًا شديدًا، ووعدها شيفا بإعادة جانيشا إلى الحياة برأس أول مخلوق يمرُّ به، وكان ذلك المخلوق فيلًا.

ويُصوَّر جانيشا دائمًا مع فأر، إما كعربة أو مطيَّة له. وهو ممتلئ الجسم، ويحمل دائمًا ملء طبق من الحلوى.

لم يدرك هؤلاء المُعلِّقون المنطق اللاهوتي وراء ما رأَوْه؛ وإنما حكموا عليه ظاهريًّا فقط. ولتجنُّب ما وقعوا فيه من أخطاء، ينبغي علينا العودة سريعًا إلى أفكار علماء اللاهوت الفايشنافا التي تناولناها في الفصل الثالث؛ فقد تعلَّم رامانوجا ومعتنقو نظام فيدانتا الفلسفيِّ، الذين ظهروا في قرون لاحقة وكان حبُّ فيشنو وكريشنا أهم شيء في نظرهم، أن الإله يتجلَّى في خمس صور: في صورة متسامية عليا، وفيما ينبثق منها (أفاتارا)، وفي قلب كل فرد أو ذاته، وفي صورة المتحكم الداخلي في الكون، وفي الوجود الإلهي داخل الرمز المُكرَّس للتقديس (مورتي). إن الإله متسامٍ وعليٌّ، لكنه باطنيٌّ ويمكن الوصول إليه في الوقت نفسه. ويمكن أن ينبثق الرب على نحو كريم في صورة مُجسَّدة (أفاتارا) ليساعد البشرية في أوقات الحاجة، وذلك مثلما رأينا راما في ملحمة «رامايانا» وكريشنا في «بهاجافاد جيتا».

لن تصدقوني، على الأرجح، إذا ذكرتُ لكم المخلوقات الوضيعة والمشينة التي يمنحونها درجات الشرف الإلهي. وإنني لأرى أنه ما من وثنية لدى القدماء أكثر فداحة أو بشاعة من وثنية الهنود.

بيير مارتن، أوائل القرن الثامن عشر

كان هناك وثن في منتصف المبنى، شكل أسود صغير قبيح يبلغ طوله نحو قدمين مع بعض الأنوار المشتعلة حوله … سَرَتْ في جسدي قُشَعْريرة لوجودي بجوار الجحيم …

الكاهن هنري مارتن، أوائل القرن التاسع عشر

يكون الإله أكثر قربًا عندما يكون إلهًا مُكرَّسًا للتقديس في المعبد؛ ففي معبد رادها-رامان في فريندابان بالمنطقة التي شهدت طفولة كريشنا، حيث لعب مع الصبية والفتيات من رعاة البقر وغازل رادها، يسمح كريشنا لأتباعه بخدمته بولاء مُحبٍّ (بهاكتي) وتلبية كل احتياجاته. وتُقدَّم له ولرادها الكثير من الأشياء المختلفة؛ مثل الماء للاغتسال والشرب، والملابس، والزهور، والبخور، والطعام، والتمجيد في طقس يُسمَّى «بوجا». يوقِظهما المُتعبِّدون، ويُلبِسونهما، ويزورونهما، ويعبدونهما، ثم يتركونهما ليرتاحا كل يوم. وفي اللاهوت والممارسة الشايفية والشاكتية، التي تركِّز على شيفا وديفي على الترتيب، هناك أفكار وأنشطة مشابهة. لكن في الوقت الذي تتخذ فيه رموز فيشنو وكريشنا والإلهات في المعابد شكلًا بشريًّا (في الواقع، البشر هم الذين يتخذُّون شكل أولئك الآلهة والإلهات)، نادرًا ما يتخذ شيفا هذا الشكل؛ فهو يسكن في الرمز (لينجا) الدالِّ عليه، وهو صخرة أسطوانية ملساء. وتُصمَّم «اللينجا»، مثل رمزَي كريشنا ودورجا، وتُنصَب في المعابد في طقوس خاصة، لكنها توجد على نحو طبيعيٍّ أيضًا. وعند العثور عليها في الطبيعة، قد تُعبَد بوصفها الإله شيفا، على الرغم من عدم تكريسها للتقديس.

(٢) التعددية والتوحيد

يُعيدنا ذلك إلى الإله جانيشا؛ إذ إن الأقاويل حول شربه اللبنَ المُقدَّم له من تابعيه لم تقتصر على الأشكال المجسدة له في المعابد، ولكنها تضمَّنت أيضًا صُوَره في منازل الناس. وبالمثل، شوهِدت في مناسبات أخرى صور أو رسوم لمعلمين روحانيين وأشخاص مقدسين وهي تُخرِج ماءً أو رمادًا مقدسًا على نحو إعجازيٍّ. ولا يبدو أن الأنشطة المقدسة مقصورة فقط على الأشكال التي كُرِّست للتقديس في مراسم طقسية، وإنما أكد الكثير من علماء اللاهوت الهندوس على قوة وفضل الإله أو الإلهة، وعلى أن هذه القوة والفضل ينعكسان في التصوُّر غير اللاهوتي عن طريق إدراك أن الإله قد يُظهر أو يعطي إشارة في أي وقت لتشجيع تابعيه أو مكافأتِهم أو تحذيرهم، أو حتى معاقبتهم. والقصص المذكورة في «بورانا» والتقاليد المحلية والروايات السردية لخبرات الأقارب والجيران تكرر هذه الفكرة وتؤكد عليها.

fig9
شكل ٥-٢: مزار على جانب الطريق لشيفا وديفي.

فيشنو وشيفا

منذ عصر نصوص «أوبانيشاد» المتأخرة، صار فيشنو وشيفا إلهين مشهورين، واعتُبِرا جديرين بالعبادة والخدمة من تابعيهما الذين أُشير إليهم باسم «الفايشنافا» و«الشايفا» على التوالي. وظهرت الممارسات العقائدية والتعاليم المذهبية، وفي قصص هذين الإلهين أو أساطيرهما المُسجَّلة في نصوص «بورانا»، تمَّ وصفهما على نحو رمزيٍّ؛ فتمَّ تصوير شيفا على أنه زاهد يعيش في الهيمالايا، وفيشنو على أنه شاب أزرق اللون يحمل في أياديه الأربعة قرصًا وصولجانًا ومحارة وزهرة لوتس. واعتقد أتباع كلٍّ من هذين الإلهين أن مَن يعبدونه هو الإله الأعلى المتسامي، لكنه باطنيٌّ ويسكن داخل كل شخص في الوقت نفسه. فارتبط شيفا بأسرة إلهية حصل من خلالها على قواه. أما فيشنو، فقد أكد على تأثيره الإلهي باتخاذه شكل حيوان أو إنسان في فترات الظلام والانحدار الأخلاقي. وفي نهاية فترة ظهور نصوص «بورانا»، تمَّ تسجيل عشر صُوَر تجسيدية (أفاتارا) رئيسية للإله فيشنو، وهي:

• ماتسيا: السمكة.
• كورما: السلحفاة.
• فاراها: الخنزير البريُّ.
• ناراسيمها: الأسد.
• فامانا: القزم.
• باراشوراما: راما يحمل فأسًا.
• راما.
• كريشنا.
• بوذا.
• كالكي: «الحصان الأبيض»، الذي سيأتي في نهاية عصر الظلام أو «كالي يوجا».

لقد نُظِر أيضًا لراما وكريشنا على أنهما إلهان مستقلان وعظيمان في ذاتيهما؛ فيتم تصوير راما كمحارب يحمل قوسًا وأسهُمًا، وتصاحبه زوجته سيتا وأخوه لاكشمانا وخادمه المخلص هانومان؛ القرد المحارب. أما كريشنا، فيتم تصويره عادةً كصبي راعٍ للبقر يلعب على الناي وتحيط به الأبقار، أو يلعب مع أصدقائه، أو يعاكس الفتيات القائمات على رعاية البقر (الجوبي). وفتاته المفضلة هي رادها، ويظهران معًا عادةً في اللوحات والرموز الموجودة في المعابد. ويتم تصوير كريشنا أحيانًا في صورة طفل لعوب أو سائق العجلة الحربية الذي يصاحب أرجونا بطل «بهاجافاد جيتا».

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك كيفيةُ العثور على الأرواح الأنثوية خارج القرى الهندية في الحقول والأشجار والصخور والشجيرات. ويمكن رؤية العلامات المُعبِّرة عن ردود الفعل تجاه وجود هذه الأرواح في كل مكان؛ ومنها قِطَع القماش المربوطة في أفرع الشجر، والطعام وغيره من القرابين المتروكة على جوانب الطرق، والصخور المزيَّنة بورق الفويل أو الطلاء الأحمر أو المسحوق. وهذه العلامات أدلة على استرضاء شبح (بوت) أنثوي أو إلهة محلية (ماتا). يتجنب الناس الأشباح خوفًا من سخطها، لكنهم يعبدون الإلهات المحليات ليحظوا بنِعَمها أو بركاتها. تحوم تلك الأرواح الأنثوية بالقرب من الأماكن التي لاقت فيها — في حياتها — مصيرًا مشئومًا وسابقًا لأوانه بالموت أو ماتت فيها دون أبناء. وبعض هؤلاء السيدات، اللاتي يُعبَدن بوصفهن إلهات محليات، قد تكون حياتهن انتهت بالحرق في محارق أزواجهن الجنائزية.

يمكن أن يعكس الناس والأشياء وجود ما هو خارق للطبيعة؛ فقد رأينا من قبلُ أن الذات (أتمان) خالدة وإلهية، سواء اعتُبِرت مطابقة للحقيقة المطلقة أو الإله أو منفصلة عنها أو عنه. ويوصَف عادةً الأشخاص الذين تعكس أفعالهم إدراكًا ذاتيًّا بالمهاتما؛ أي الذوات العظام. وقد كان غاندي — الذي سنتحدث عنه أكثر في الفصل التالي — أحد أولئك الأشخاص. لكنَّ ثمة أشخاصًا آخرين يُظهِرون ما هو إلهي بأسلوب مختلف تمامًا، عن طريق التلبُّس؛ فعندما يُتلبَّسون، لا يكونون هم المتحدثين أو الفاعلين، وإنما الإله (أو الإلهة) الموجود بداخلهم. وفي موعد العيد في كيرالا، تلبس آلهة «تيام» الراقصين المُبَهْرَجين على نحو رائع، ويندمجون بعد ذلك مع الجماهير المتجمعة لعمل طقس الدارشانا. وفي أثناء عيد دورجا بوجا في بنغال ومناطق أخرى بشمال الهند، تسكُن الإلهة دورجا بعضَ المُتعبِّدين بانتظام. ومن خلال تجسدها داخل هؤلاء المُتعبِّدين، قد ترقص بين أتباعها، وتجيب على أسئلتهم، وتقدم لهم النصيحة. ويُعَد وجود الإلهة في مثل هذا التجمع أمرًا ميمونًا ومباركًا للجميع.

إذا تجلَّى الإله في هذا العدد الهائل من الصُّور والأماكن، فهل كان الزائرون الأوروبيون على حق عند افتراضهم أن الهندوسية ديانة متعددة الآلهة؟ لا شك أن ثمة عددًا هائلًا من الآلهة يعبدها الهندوس، لكننا إذا عدنا لحظات إلى «أوبانيشاد»، فسنجد أن الآلهة المتعددة والإله الواحد ليسا منفصلَين. سأل أحدُ الباحثين عن الحقيقةِ الحكيمَ ياجنافالكيا عن عدد الآلهة، فأجاب:

– ثلاثمائة وثلاثة، وثلاثة آلاف وثلاثة.

– نَعَمْ، بالطبع. لكنْ، حقًّا، ياجنافالكيا، كم عدد الآلهة؟

– ثلاثة وثلاثون.

– نَعَمْ، بالطبع. لكن، حقًّا، ياجنافالكيا، كم عدد الآلهة؟

– ستة.

– نعم، بالطبع. لكن، حقًّا، ياجنافالكيا، كم عدد الآلهة؟

– ثلاثة.

– نعم، بالطبع. لكن، حقًّا، ياجنافالكيا، كم عدد الآلهة؟

– اثنان.

– نعم، بالطبع. لكن، حقًّا، ياجنافالكيا، كم عدد الآلهة؟

– واحد ونصف.

– نعم، بالطبع. لكن، حقًّا، ياجنافالكيا، كم عدد الآلهة؟

– واحد.

أوبانيشاد: بريهادارانياكا أوبانيشاد

يُفضِّل عددٌ كبيرٌ من الهندوس أحدَ الآلهة أو الإلهات على وجه التحديد ليكون إلههم المختار (إشتا-ديفا). وتحدد تقاليد الأسرة ذلك عادةً، لكن بعض الناس قد يطور علاقة خاصة بينهم وبين إله معين، ربما لاستجابته لصلواتهم في أحد أوقات الحاجة أو لرؤيتهم له في الحلم، لكنهم يعترفون أيضًا بالعديد من الآلهة الأخرى ويعبدونها. وبالمثل، في القصص التي يَبرز فيها إله واحد، تُروى قصص عن علاقته بعدد لا يُحصَى من الآلهة الأخرى؛ فالإله — الذي قد يُعرِّفه الهندوس ببراهمان أو ديفي أو كريشنا أو غير ذلك — يَظهر بأسماء وصور عديدة؛ ومن ثمَّ، فإن التعددية تعبير عن التوحيد، لكن المفهومين يظلان مهمَّين؛ فالهندوسية ديانة متعددة الآلهة وتوحيدية في الوقت نفسه؛ إذ للآلهة المتعددة والإله الواحد مكان فيها وفي الخبرة العامة لمعظم الهندوس.

(٣) الاستجابات للوجود الإلهي

fig10
شكل ٥-٣: السيدة بوشبا سوني تتعبَّد في المحراب الموجود بمنزلها في بومباي.
كيف يستجيب الهندوس لما هو إلهيٌّ ومقدَّسٌ؟ يستجيب الهندوس بتقديم العطايا والقرابين لهم واسترضاء الأرواح، مثلما أوضحنا من قبل، وبطرق أخرى أيضًا؛ فيوجد لدى معظم الهندوس محراب منزليٌّ في المطبخ (الذي يُعَد أطهر مكان في المنزل) أو أي غرفة أخرى. يضعون في هذا المحراب صورًا ورسومًا لآلهتهم المختارة والأشخاص الأتقياء، وقد يقدمون لهم الطعام والماء والبخور والضوء كل يوم (انظر شكل ٥-٣). وعلى الرغم من أن بعض الهندوس قد يقوم بزيارات منتظمة لمعبد قريب لأداء طقس دارشانا، فمعظمهم لا يذهب إلى المعابد إلا في الأعياد (التي قد يصومون فيها أيضًا، ويأكلون أطعمة معينة، ويزورون الأقارب، ويقدمون الهدايا).

الأوقات المقدَّسة والأعياد الهندوسية

هناك العديد من الأعياد التي يُحتفَل بها في الهند، وهي تختلف من منطقة لأخرى، بل إن بداية العام نفسها تختلف من مكان لآخر؛ فيعتبرها البعض في أكتوبر والبعض الآخر في أبريل. ويختلف التقويم المستخدم في حساب تواريخ الأعياد عن التقويم الميلادي الغربي؛ فهو تقويم قمريٌّ، لكل شهر من أشهُره الاثني عشر نصف مظلم ونصف مضيء، يتزامنان مع مراحل القمر. وتُعتبَر الأيام القمرية المختلفة ميمونة أو مشئومة فيما يتعلَّق بعبادة آلهة معينة، وأداء أنشطة مثل الصيام والسفر والزواج؛ فثمة وقت مناسب لكل شيء، وتحديد ذلك الوقت هو مهمة المُنجِّم.

ونظرًا للاختلافات بين التقويمين الهندوسي والميلادي، من المستحيل ذكر تواريخ محددة للأعياد، وإن كان من الممكن تحديدها على نحو تقريبيٍّ. ولا يحتفل جميع الهندوس بكل هذه الأعياد؛ فيحمل بعضها معنًى محليًّا خاصًّا؛ والبعض الآخر يخصُّ عُبَّاد إله معين. ويقوم بعض الأعياد على أساس العائلة، والبعض الآخر يمثِّل مناسبات يَشِيع فيها الحجُّ وزيارة المعابد. وفيما يلي قائمة ببعض الأعياد المهمة:

ديفالي، ديبافالي (أكتوبر/نوفمبر): هو عيد الأنوار. يستمر هذا العيد لعدة أيام، ويرتبط على نحو متنوع بالإلهين راما وكريشنا والإلهة لاكشمي. تُضاء فيه مصابيح صغيرة، وعادة ما تُقدَّم فيه الهدايا.
ماكار سانكرانتي، بونجال، لوهري (يناير): يعني اسم «ماكار سانكرانتي» الدخول إلى برج الجدي، ويشير هذا العيد في الأساس إلى نهاية الحصاد، ويُحتفَل به عادةً باستخدام الألعاب النارية والحلوى، ويُسمَّى «بونجال» في ولاية تاميل نادو؛ حيث يُسلَق الأرز ويُقدَّم للشمس.
شيفاراتري (فبراير/مارس): هو العيد الرئيسي للهندوس الشايفا؛ حيث تُقدَّم العطايا للإله شيفا وتُنشَد الترانيم الممجِّدة له.
هولي (مارس): يرتبط هذا العيد عادةً بهزيمة شيطانة تُدعَى هوليكا، ويُلقَى فيه عادة بالمساحيق أو الطلاء الملوَّن للتعبير عن الفرح والإيذاء.
راما نافامي (أبريل): هو احتفال بالذكرى السنوية لميلاد راما، وتُقرَأ فيه ملحمة «رامايانا».
راثا ياترا (يونيو/يوليو): هو «عيد السيارات» الذي يُسحَب فيه الإله جاجاناث (أحد صور الإله كريشنا) في أنحاء الشوارع في عربة ضخمة في بوري بولاية أوريسا (وفي المدن الغربية أيضًا التي تشتهر فيها حركة هار كريشنا).
راكشا باندهان (أغسطس): هو عيد يؤكد على العلاقات الأسرية؛ تربط فيه الفتيات أربطة حول معاصم إخوانهن مقابل الحماية وهدية صغيرة.
كريشنا جاناماشتامي (أغسطس/سبتمبر): هو عيد كريشنا الرئيسي الذي يحتفل بذكرى مولده، وتُقرَأ فيه عادة «بهاجافاتا بورانا».
أونام (أغسطس/سبتمبر): عيد الحصاد في كيرالا حيث تُقام السباقات التقليدية للقوارب المصمَّمة على شكل ثعابين.
جانيش تشاتورثي (سبتمبر): هو عيد يحتفل بالإله جانيشا، وله أهمية خاصة بين أهالي ولاية ماهاراشترا.
نافراتري، دورجا بوجا (سبتمبر/أكتوبر): هو عيد للإلهة دورجا، ويستمر لمدة «نافراتري»؛ أي تسع ليالٍ، من الرقص الشعبي لعبادة أمباماتا، ويحتفل به أهالي ولاية جوجارات في الهند وخارجها، ويتمتع هذا العيد بأهمية في بنغال؛ حيث تُصمَّم صور كبيرة لدورجا لعبادتها.
داشيرا، دوسيرا (سبتمبر/أكتوبر): يعني «العاشر»، ويكون في الليلة التالية لعيد نافراتري؛ حيث يُحتفَل بانتصار راما على رافانا. وفي أنحاء من شمال الهند، تُعرَض مسرحيات (رام-ليلا) تروي القصة من ملحمة «رامايانا».

بالإضافة إلى الأعياد السنوية، هناك بعض الطقوس التي تُقام شهريًّا أو أسبوعيًّا، لا سيما الصيام لآلهة معينة، مثل صيام إكاداشي الشهري الذي يتمُّ التوسل فيه للإله كريشنا وتخصيص يوم الجمعة للصلاة للإلهة ديفي. وتشمل المناسبات المهمة أيضًا المهرجانات (ميلا)، وطقوس دورات الحياة (سامسكارا)، والمناسبات القومية مثل عيد فايساخي (وهو إجازة في فصل الربيع يُحتفَل بها يوم ١٣ أبريل) وعيد الجمهورية (٢٦ يناير).

تختلف مواعيد الأعياد في أنحاء الهند؛ إذ تعتمد على التقاليد المحلية والآلهة المُفضَّلة ووجود الأماكن المقدَّسة. وقد تصبح هذه الأماكن مراكز جذب للحجَّاج في أوقات معينة من العام؛ ربما في الاحتفال السنوي للإله (أو الإلهة) المتواجد (أو المتواجدة) في ذلك المكان، أو تخليدًا لذكرى حدث أسطوريٍّ أو تاريخيٍّ. ولعل أشهر تلك المناسبات حجُّ «كومبه ميلا» («ميلا» تعني «مهرجان») الذي يُقام كل ثلاث سنوات في مراكز الحج على ضفاف الأنهار المقدَّسة؛ فيجتمع الآلاف من الأتقياء بتلك الأماكن، بما في ذلك القادة الشانكاريون، وغيرهم من القادة الدينيين، وأتباعهم الزاهدين (سانياسي)، وينضم إليهم الملايين من الحجَّاج الهنود، الذين يزور الكثيرون منهم المهرجان مرة واحدة في الحياة للاغتسال، ورؤية الجمع الروحانيِّ، والحصول على البركات.

لقد أثار الوجود الإلهي استجابات مختلفة من الهندوس، وسوف نختتم الحديث في هذه المسألة بتناول استجابتين منها باختصار؛ وهما: تمجيد الإله في المعبد، وخدمة الإله من خلال الحياة الدينية الجماعية.

مادوراي، مدينة المعبد

إن مدينة المعبد القديمة هذه، الموجودة في ولاية تاميل نادو، ليست مكانًا عظيمًا للعبادة فحسب، وإنما الهندسةُ المعماريةُ وفنُّ النحتِ المستخدمان في معبدها يُعَدان شهادة في ذواتَيهما على الأسلوب الذي اتبعتْه الأجيال السابقة من الهندوس في خدمة آلهتهم الكبيرة وتمجيدها. ولقد وقعتْ مادوراي — التي تمركزت في الأصل حول قصر مَلَكيٍّ وشخص الملك — تحت تأثير حركة تَعبُّدية ناشئة سيطرت على الجنوب. وتأسست مدينةُ معبد كبيرة ومرموقة في ذلك المكان في الوقت الذي كانت تُرعَى وتُقام فيه المعابد بجميع أنحاء المنطقة على يد الأُسَر الحاكمة (من القرن السادس الميلادي حتى القرن التاسع الميلادي). ويرجع الهيكل الحالي للمعبد إلى فترة لاحقة، ويشترك في بعض السمات مع معابد أخرى في جنوب الهند من ناحية البوابات الشاهقة الارتفاع (جوبورام)، والإنشاء على مخطط مربع الشكل، مع وجود حوض كبير للاغتسال الطقسيِّ ومعبدين يحتوي كلٌّ منهما على قُدُس داخلي مُقام تحت برج ذهبي (شيكارا) وأروقة وحجرة انتظار. ويُشار إلى المركز المقدس لكلٍّ من هذين المعبدين باسم «الكهف الموجود داخل الجبل»؛ حيث تُقِيم الآلهة المستضافة؛ فتقيم في أحدهما ميناكشي، الملكة والمحاربة المتحوِّلة إلى إلهة، بينما يقيم زوجها سونداريشفارا (أحد صور الإله شيفا، التي تسكن في لينجا) في المعبد الثاني.

fig11
شكل ٥-٤: معبد ميناكشي في مدينة مادوراي.

ميناكشي هي الإلهة الرئيسية لمدينة مادوراي، وليس زوجُها. وتُعبَد أحيانًا وحدها، وإن كان يَحتفل بمناسبة زواجها من سونداريشفارا نحو خمسين ألف حاجٍّ سنويًّا. وفي كل يوم من أيام العبادة العامة التي يقيمها كهنة المعبد لصالح الجميع، وبعد أن يتم تمجيدهما وإمطارهما بوابل من العطايا، تُنقَل صورة محمولة لسونداريشفارا بنحو احتفاليٍّ إلى غرفة نوم ميناكشي؛ حيث تُنشَد الأناشيد للإلهين ويُهزان في أرجوحتهما قبل قضاء الليلة معًا خلف الأبواب المغلقة.

وفي الأيام العادية بالمعبد، قد يزوره عدد يتراوح من ٢٠ إلى ٢٥ ألف زائر لحضور طقس «البوجا» العام، وأداء مناسك العبادة الخاصة بهم. وقد يحصلون أيضًا على خدمات أحد الكهنة لتقديمِ العطايا نيابةً عنهم وتلاوةِ أسماء الإله البالغ عددها ١٠٨ أسماء. ويكتسب هؤلاء الكهنة الحق والطهر والسلطة لخدمة ميناكشي وسونداريشفارا بفضل ولادتهم في طائفة معينة وخضوعهم لطقوس تأهيل وتكريس محددة. ويلبي هؤلاء الكهنة حاجات الآلهة، ويعملون أيضًا كقنوات اتصال يُقدِّم من خلالها عامةُ المُتعبِّدين العطايا للآلهة ويحصلون منها على البركات.

الجمعية الدولية للوعي بكريشنا، جمعية تعبُّدية

قد يستجيب عامة المُتعبِّدين للوجود الإلهي أيضًا عن طريق قبول اللجوء إلى معلم روحانيٍّ، ويصبحون في بعض الأحيان الكيان المتمركز حول هذا المعلم (سامبرادايا). وسوف نُلقِي نظرة في هذا المثال الأخير على حركة دينية نشأت حول إيه سي بهاكتيفيدانتا سوامي، وهو زاهد (سانياسي) بنغالي ترك الهند وهو في سن التاسعة والستين لنشر الوعي بكريشنا وحبه في الغرب. وتطورت سريعًا الحركة التي أسسها ذلك الرجل في عام ١٩٦٦، وهي الجمعية الدولية للوعي بكريشنا، قبل وفاته في عام ١٩٧٧، وصار لها أتباع الآن في الهند وغيرها من الدول النامية، وكذلك في الغرب.

ومَن الْتَقَى بأتباع حركة هار كريشنا أو اشترى كتبهم فقد يكون على علم بعبارتين تعكسان أفكار هؤلاء الأشخاص عن الإله والاستجابة البشرية له. يوصَف كريشنا في العبارة الأولى بأنه «الشخصية العليا للألوهية»، في إشارة إلى أنه الشخصية الإلهية العليا التي يسعى المُتعبِّدون إلى التواصل معها. وفي العبارة الأخرى، «العودة إلى الإله الأعلى»، (وهي اسم مجلة الجمعية أيضًا)، يتم التعبير عن رغبة المُتعبِّد في العودة إلى أصله في علاقته الأبدية مع كريشنا. ويتعلَّم المُتعبِّدون من كتابات بهاكتيفيدانتا سوامي، لا سيما تعليقاته على «بهاجافاد جيتا» و«بهاجافاد بورانا» (المعروفة لدى المُتعبِّدين باسم «سريماد بهاجافاتام»)؛ النظرَ إلى كل أفعالهم على أنها فُرَص لخدمة الربِّ. ويمتد ذلك إلى ما هو أبعد من عبادة كريشنا في المعبد ليصل إلى الإنشاد اليومي الخاص لمانترا حركة هار كريشنا، وإنشاد أسماء الرب والتبشير بأمجاده، والعمل اليومي الذي يجب تذكُّر اسم الربِّ فيه باستمرار.

يكرر أتباع هذه الحركة — شأنهم شأن مؤسسها — مناشدة القديس البنغالي تشيتانيا، الذي عاش في القرن السادس عشر، بضرورة نشر اسم كريشنا في كل قرية ومدينة. ولأخذ هذه المناشدة على محمل الجد، يجب على أتباع الحركة عدم الاكتفاء بالاستجابة لكريشنا على نحو فرديٍّ بتحسين التزامهم الروحانيِّ الشخصيِّ، وإنما يَلْزَمُهم أيضًا تعريف الآخرين على كريشنا والطريق للخدمة التعبُّدية (بهاكتي يوجا). فتُقدَّم الدعوات إلى الناس لزيارة المعابد وأداء طقس دارشانا وحضور المحاضرات وشراء الكتب والانضمام لبرامج الأعياد وتناول «البراشادا» وهو الطعام المبارك من كريشنا. وتَتَّخِذ العبادةُ العامة والمَوَاكبُ وطقوسُ الحجِّ اسمَ كريشنا وهيئتَه رمزًا في شوارع قرى الهند والمدن الكبرى في الغرب.

إن عبادة كريشنا الموضَّحة فيما سبق — شأنها شأن الاستجابة الواسعة النطاق لمعجزة الإله جانيشا — ظاهرة عالمية ودليل على أن وجود الإله في صُوَره الهندوسية يمتد إلى خارج حدود الهند. والتغيُّرات التاريخية التي مهَّدت الطريق لهذا التطور ستكون موضوعنا التالي في هذا الكتاب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠