الهمس

يخطر لي أحيانًا أن الراحة الحقيقية لا توجد إلا بزوالهما معًا، هو وهي. ولكنه مجرد خاطر يعبر القلب إذا اشتد العنت أو ادلهم الخطب. خاطر لا وزن له في الواقع، حلم يقظة أخرق. وهل تصبح الحياة حياة إلا من خلال التعامل معهما معًا؟ وهل يمكن تخيل الوجود بدونهما؟ أما حيرة التردد بينهما؛ فهي قدره الذي لا مفر منه. في البدء تردد همسه بالمحاذير والدعوة إلى الاعتدال حيال بسماتها المغرية، فتحدت هي محاذيره، وهونت من ترشيداته. ويكفهر وجهه ويفجر إنذاراته. فتغضب هي وتغريني بتجاهله أو تشكك في جديته، وأنا لا غنى لي عنها ولا قدرة لي على تجاهله. في أيام البراءة لعبنا معًا — أنا وهي — في نور الشمس تحت السمع والبصر، ولكن همسه يقتحمني قائلًا: حافظ على نظافة ملابسك وسلامتها.

ولكن اللعب يحب الحرية، أليس كذلك؟

فيهمس: اللعب الرشيد لا يتنافر مع النظام!

وأمتعض وأتضايق. اللعب هو اللعب! لماذا يقيد لعبي بنواهيه؟ لماذا يفسد عليَّ مذاق الأيام الحلوة؟! فلتتسخ الملابس فثمة مَن يغسلها، ولتتمزق فالسوق مليئة بالجديد. وهو كبير ولديه ما يشغله نهاره وليله، فلِمَ يهدر وقته في تكدير صفوي، رغم حبنا المتين المتبادل؟ وترنو هي إليَّ بعينيها الصافيتين وتتساءل: أرأيت تعسفه؟

ثم تواصل بحدة: لِمَ لا يتركنا وشأننا؟ ولِمَ تعمل كل هذا الحساب لكلمة تصدر عنه؟

ولكنه قوي، والمالك الأوحد للبيت وأدوات اللعب وكل شيء. وعلمتني التجربة أن الاستهانة به غير محمودة العواقب. ها هو يهمس أيضًا: البنت ماكرة بقدر ما هي لطيفة، أنا أعرفها كما أعرفك، اسمع كلامي أنا، ولست أمانع في لعبك معها، العب معها ما شئت، ولكن عليك بالاعتدال والنظافة، وتذكَّر أنها تلعب مع آخرين أيضًا فعاملها بالمثل، ولا تجعل منها كل شيء؛ لأنك لست لها كل شيء، إني أعرف أكثر منك فاسمع كلامي.

تمنيت أن ألعب دون قيد أو شرط ولكنني تعثرت في الخوف، ولم أنسَ ما سمعت عن غضبه إذا غضب أو عقوبته إذا عاقب. وتضاعف عنائي عندما حُملت إلى المدرسة. والتعليم مشقة تتحدى اللهو والمرح وتلتهم الساعات بلا رحمة، فهل قُضي عليَّ أن أنفق العمر في الصراع مع الجهل؟ أما هي فلم تكن تكترث إلا بالساعة التي هي فيها. ترمق انشغالي بازدراء واستنكار، وتقول: اختر لنفسك ما يحلو.

لو خُيرت لاختَرت، ولكن همسه لا ينقطع عني فما حيلتي؟ ولأعترف بأنني كنت أنحرف عن الخط أحيانًا، أشرد عن الدرس لأفكر فيها، أو أخلو إليها في غفلة ونأخذ في اللعب. ويسألني دائمًا عن مواظبتي فأتورط في الكذب. ويكفهر وجهه ويكتشف كذبي. وقلت لها: إنه لا تخفى عليه خافية. فقالت: أنت ضعيف، فيتجلى الكذب في عينيك!

ويقول هو لي مؤنبًا: الكذب أرذل من الجهل.

يا له من رجل. أي ضرر يصيب العالم، إذا جهلت أن القاهرة هي عاصمة مصر؟ .. أو إذا لم أحفظ جدول الضرب؟ ويقرصني في أذني قائلًا: الرجل الحقيقي يجب أن يعرف السماوات والأرض. ليست الحياة لعبًا، انظر إلى النملة! هل يرضيك أن تكون أدنى مرتبة منها؟!

ويغلبني الارتباك فأقول له معاتبًا: أنت الذي جئتني بها لألعب معها، فأبعدها عني.

فيقول باسمًا: إنك أصغر من أن تشير عليَّ بما يجب، ولن أرتكب خطأ في حق الجيرة والقربى، وهي بمنزلة ابنتي، وليس بها من بأس كزميلة لك، فلا منع ولا إبعاد، ولكن عليك أن تعطي الدرس ما يستحقه، ولك أن تلاعبها في أوقات الفراغ.

تلك أيام مزقها العذاب وإن بدت اليوم آية في الجمال بسحر الزمن. وكان أن تغير صوتي فقالوا: ناهز البلوغ. وهمس في أذني بحزم أن الآن حرم اللعب. يا للخبر! ما شعرت برغبة في اللعب معها كما أشعر الآن.

وهي ترمقني من بعيد، ولكن جرأتها تلاشت. يتكلم لسانها بكلام، وعيناها بكلام آخر. أقول لها خلسة: لا يمكن أن نهدم في لحظة ما بنيناه في عمر مديد.

فتقول في دلال: ولكنك لم تعد تقنع بلعب زمان!

– اللعب يتغير بتغير العمر.

– وله حدود لا يتعداها.

من ناحية أخرى راح هو يحذرني من الأخطاء، ويخاطب فيَّ الرجل الناشئ. تمنيت ولو فراقًا مؤقتًا، ولكنه احتقر رغبتي وقال لي: الحياة اقتحام وحذر، ولا مجال فيها للهروب.

الأمور تتعقد وتزداد عسرًا، بل أضحت عذابًا ومحنة. ولعله لم يبدُ لي منفرًا كما يبدو الآن. ارتفع صوته درجات. قلت: إنه هراء في هراء، وإنه يتدخل فيما لا يعنيه، كأنه لم يمر بالشباب يومًا، وكلما ظفرت معها بخلوة امَّحى وجوده تمامًا. أنا وهي كل شيء وهو لا شيء كأنه خرافة. غير أنها اعتصمت بحد لا تتعداه، حتى خيل إليَّ أن همسه قد انسرب إليها. وانفجر غضبي عليه فسخرت منه في كل مكان. واعتبرت نفسي ندًّا له أو أقوى. ولما تيقَّنَتْ من موقفي الجديد خافتني وهربت مني، لعل ذلك بوحيه وتأثيره. وهالتني وحدتي وتخبطت في الفراغ، وشحنت برغبة دکناء في الانتقام، فاندفعت في اقتراف أخطاء كثيرة بتشفٍّ واستهتار. أتحداهما معًا وأعبث بذكراهما معًا، ولكني لم أنجُ من غشاء الوحشة الذي وقعت في شرَكِه. وتوهمت أن الانفصال قد فرق بيني وبينه إلى الأبد، ولكن بدا أنه رغم صمته الظاهر لم يكفَّ عن الاهتمام بأمري. هكذا تبدل الحال فظفرت بوظيفة في المجتمع، وعُقد قراني بها في ليلة بيضاء. وحق عليَّ أن أشكر فضله إلى الأبد، وأن أقرَّ بأنه لولا هباته العديدة وإرثه القيم ما وسعني أن أسعد بما نلت. واستقللت بمسكن جديد، ومارست السيادة في مملكتي الصغيرة، انغمست في الحب والإنجاب والعمل. وكدت أنساه تمامًا لا تمردًا عليه هذه المرة، ولكن انشغالًا بالأعباء الجديدة. وبمرور الأيام تغيرت هي أيضًا، صارت زوجة لا حبيبة، وأُمًّا وشريكة. لا تمسك عن المحاسبة والمطالبة والشكوى. وأتساءل أين الدلال والبسمات والكلمات العذبة؟ وهالني العبء المتصاعد فانزلقت قدمي من جديد في طريق الخطأ. وربما تمادى الخطأ، فساقني إلى ما لا تحمد عقباه. وفجأة وبعد انقطاع طويل تلفَنَ لي في مكتبي، وذكرني بوصاياه القديمة قائلًا: إن فوائدها لم تنعدم بعد.

يا للعجب! كدت أنسى أنه ما زال على قيد الحياة. ها هو يعيد الأسطوانة القديمة متناسيًا أنني لم أعد طفلًا، وأنني اليوم مثله تمامًا في الحرية واتخاذ القرار. ومضيت في سبيلي، ولكن شيئًا من الحذر خالط سلوكي وأهدافي، وأطرح كل ثمرات الجهد تحت أقدام الأسرة؛ فتتلقفها دون كلمة شكر أو تقدير. وأقول لها: الشكر لا يهم ولكنني أرجو شيئًا من الرحمة!

فتقول: إني أتعب مثلك وأكثر، ولكنك أناني.

وتبدَّى لي الزواج صيغة غريبة للتوفيق بين الحب والكراهية، بين حب الحياة وحب الموت، بين التضحية والرغبة في القتل. ولكن السفينة صارعت الأمواج حتى صرعتها ونجت من الغرق، ونال الآخرون استقلالهم كما نلنا يومًا استقلالنا. لم يعُد أحد منهم في حاجة إليَّ، ورجعت إليَّ الوحدة جارَّة معها أثقال العمر، ولكنني لم أستسلم للأسى. وطنت نفسي على تقبل قوانين الأشياء، وناجيت في وحدتي الرضا والسلام. ولم أقلل من قيمة المسرات الزائلة، ولا من سحر التحف والأغاني، ولا حتى من جمال الأطعمة الشعبية. وإذا بي أتذكره فجأة بعد طول نسيان. وكيف لا أتذكره ما دام على قيد الحياة؟! وهو من جيل معمر يُغبَط على طول عمره وسلامة صحته، ولو كان أصابه تلف لترامت إلينا أخباره في حينها، فلا شك أنه يمارس حياة طبيعية، وسيسعد برجوعي إليه مثل سعادتي وربما أكثر، وهيهات أن أنسى نواياه الطيبة ورحمته. أما عن رأيه فيَّ فلا أحسبه في صالحي، ولكن كان دائمًا أكبر من تقصيري وأعلى. اليوم يبدو لي على حقيقته أكثر من أي عهد مضى. ثم إنه أقام في القرية منذ عهد بعيد، وشد ما تهفو نفسي إلى الخضرة والهواء النقي. إنها أثمن في النهاية من أثاث بيتي وتحفه، وما جمعت من مالٍ وبنين. سأمضي إليه، وليس في نيتي أن أعتذر أو أن أصوغ من سحر البيان جملة واحدة. سأمثُل بين يديه باسمًا، وأقول هامسًا ها أنا قد رجعت، مدفوعًا بالشوق وحده، فاقضِ بما أنت قاض.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤