الفصل التاسع

أين ذهب معظم الكون؟

لا شيء يضايقني أكثر من صوت الأشخاص الذين يتظاهرون بأنهم يفهمون الكون؛ لأنهم لو كانوا صادقين، لاعترفوا أنه ليست لديهم أدنى فكرة عن ٩٥٪ من محتوى الكتلة/الطاقة الموجودة في الكون. لقد صاغ علماء الكون مصطلحَي «المادة المظلمة» و«الطاقة المظلمة» ليشيروا إلى تلك الجوانب التي لم يعلموا شيئًا عنها، ولكن هذا أقصى ما توصَّلوا إليه. في عام ٢٠٠٣، حضرتُ لقاءً نقاشيًّا في الجمعية المَلكية حول هذا الموضوع، وخرجتُ منه مصدومًا من فداحة جهلنا الشديد.

عندما يحتار المنظِّرون، فإنهم يلجئون أحيانًا إلى مخرَجِ الطوارئ المتمثِّل في افتراض وجود مادة جديدة أو جسيم جديد لا يمكن مشاهدته بالوسائل الحالية. يتضح أحيانًا أنه غير موجود من الأساس (مثل مادة الفلوجيستون الشهيرة)، ولكن في أحيان أخرى يمكن اكتشافه بعد ذلك بعشرات السنين، مثل جسيم النيوترينو الذي قدَّمه فولفجانج باولي على مضضٍ عام ١٩٣٠. وبالمثل، أنتجَتْ مشكلة المادة المظلمة العديدَ من الجسيمات الافتراضية، وفوق هذا كله أقرَّتِ المزيدَ، بما في ذلك جسيم النيوترينو الذي قدَّمه باولي، لإصلاح هذا الثقب العملاق في الكون. وفيما يلي نظرة عامة موجزة لتفسيرات محتمَلة في الماضي والحاضر:
  • لا وجود للمادة المظلمة، والمشاهدات تفسِّرها الديناميكا النيوتونية المعدَّلة. تدَّعِي هذه المدرسة الفكرية (التي يرفضها معظمُ الباحثين في هذا المجال) أن قانون نيوتن للجاذبية قد يختلف عبر المسافات الشاسعة للغاية. على الرغم من أن نظرية الديناميكا النيوتونية المعدَّلة تستطيع أن تفسِّر بضعَ مشاهدات على حساب استبدال قانون نيوتن بمعادلةٍ أقل تميُّزًا، فإنها لا تفسِّر الكون كله بأسلوب منهجي.

  • «المادة المظلمة الباريونيَّة». مع بداية ظهور أبحاث المادة المظلمة، كان من الممكن اعتبار أن الكتلة المفقودة ربما تحتوي في نهاية المطاف على مادة عادية، ولكنها مختبئة في أماكن غير متوقَّعة، مثل النجوم القِزمة، أو الكواكب، أو السُّحب الغازية. بَيْدَ أنه ظهرت الآن نتائج كثيرة — بما فيها الوفرة النظائرية، وتأثير عدسة الجاذبية، وإشعاع الخلفية الميكروي — تثبت على نحوٍ قاطع أن المادة المظلمة يجب أن تكون في جسيمات غير باريونية. والأهم من ذلك أن المادة الباريونية لن تكون قادرةً على تفسير البِنى الواسعة النطاق (المجرات وما فوقها) التي نراها في الكون.

  • النيوترينوات. بعد سنوات طويلة من الشك، أثبَتَ الباحثون مؤخَّرًا أن للنيوترينوات كتلةً صغيرة؛ وبالتالي فإنها تستطيع أن تساهِم في المادة المظلمة، خصوصًا لو وُجِدت أنواع أخرى من النيوترينوات منفصلةً عن النيوترينوات الثلاثة المعروفة. وفي هذا السياق، تُعرَف باسم «المادة المظلمة الساخنة». ولكن، حتى الآن لا تستطيع في الغالب المادةُ السوداء الساخنة تفسيرَ بنية الكون.

  • المادة المظلمة الدافئة، مثل الجرافيتينوات، التي تنشأ بناءً على نظرية التناظُر الفائق كشريك للجرافيتونات، وتُعتبَر حاليًّا من بين التفسيرات غير الواعدة.

  • تمثِّل الجسيمات الضخمة الضعيفة التفاعل فصيلًا كاملًا من المكونات المحتمَلة للمادة المظلمة الباردة، بما في ذلك النيوترالينوات (المفترَضة بناءً على نظرية التناظر الفائق). وقد أُنشِئت مؤسَّسات عديدة تهدف تحديدًا إلى اكتشافها.

  • الأكسيونات. دخلت هذه الأكسيونات مجالَ المادة المظلمة عندما تنبَّأت نماذج المحاكاة بأن وفرتها الإجمالية في الكون يجب أن تكون كبيرةً للغاية لو كانت كتلتها صغيرةً بما يكفي، وذلك بناءً على ما افتُرِض في البداية من أنها تسدُّ ثغرةً في النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات. وتوجد أيضًا فكرة تجمُّعات الأكسيونات الواسعة النطاق التي قد تُوزَّع على مدار السنوات الضوئية في الفضاء.

  • الآثار الحرارية الباردة. دون الحاجة إلى تحديد نوع الجسيم الذي تشير إليه هذه النظرية، فإنها تفترض أن المادة الباردة غير المتفاعِلة حاليًّا كانت ذات يومٍ في حالةِ توازُنٍ حراريٍّ مع بقية العالم، وعند مرحلةٍ ما انفصلَتْ واتخذَتْ مساراتها المستقلة. أثبتَتْ هذه النظرية فائدتَها في التنبُّؤ، مع أنها لا تخبرنا بالجسيمات التي تتكوَّن منها المادةُ المظلمة.

ثمة المزيد من الأفكار المحتمَلة، التي توجد بمختلف الأشكال والأحجام. فكما أشار روكي كولب ساخرًا، فإن الكتلة «تحددت في نطاق مقداره ٦٥ درجة أُسيَّة»، وتتراوح سمات التفاعل ما بين عدم التفاعل المطلق (باستثناء الجاذبية الأرضية) والتفاعل الشديد.

كيف يتسنَّى للباحثين فهمُ كلِّ هذا، والتوصُّل إلى التفسير الصحيح من خلال هذا النطاق الواسع من الاحتمالات؟ يأمل البعض أن تتوصَّلَ الفيزياءُ الأساسية ذات يومٍ إلى نظرية شاملة، ستفسِّر — طبقًا للتعريف — الكونَ كله بما في ذلك المادة والطاقة المظلمتان. والأرجح أن الحل سينبع من مزيدٍ من المشاهدات والتجارب، والمزيد من المثابرة والعمل الجاد.

الطاقة المظلمة

تتيح لنا المشاهدات الفلكية رؤيةَ الماضي؛ لأن الضوء المنبعث عن النجوم البعيدة يحتاج إلى ملايين السنين لكي يصل إلى تليسكوباتنا. علاوة على هذا، فإن توزيعَ المادة والإشعاع في الكون يتيح للباحثين تتبُّعَ تطوُّرِها ووصف ما حدث منذ الانفجار العظيم حتى الآن بتفاصيل مقبولة. إلا أنه لا يوجد سبيلٌ لمعرفة مستقبل الكون، وفي الوقت الحاضر تبدو عبارة «ما سيحدث بعد ذلك» أكثر إثارةً للشكِّ من ذي قبل. والمشكلة هي أن مستقبل الكون يعتمد بدرجة حسَّاسة للغاية على طبيعة الطاقة المظلمة.

إن المُعتقَد السابق، الذي ينص على أن الكون تحكمه مادةُ الجاذبية (بغض النظر عمَّا إنْ كانت مظلمة أم مضيئة)، وأنه سوف ينكمش بعد فترة تمدُّدٍ في انسحاق عظيم؛ قد تحطَّم بسبب مشاهدات فلكية بسيطة نسبيًّا اعتمدَتْ على المستعرات العظمى من النوع الأول. وبصفة أساسية، يمكن أن تعمل هذه المستعرات العظمى كإشارة ضوئية؛ لأنها جميعًا متشابِهَة للغاية من حيث كثافتها وخصائصها الطيفية. وبالتالي، بناءً على الضخامة الواضحة التي يظهر بها مستعر أعظمُ بعيدٌ أثناءَ عمليات الرصد، يستطيع علماءُ الفلك استنتاجَ بُعْده من حيث الزمان والمكان. ومن خلال انزياح الطول الموجي إلى اللون الأحمر الذي يتعرَّض له الضوء لدى انتقاله، يستطيعون أن يحسبوا مدى تمدُّد الكون خلال ذلك الوقت.

هذه طريقة بسيطة على نحو مذهل لمراقبة تاريخ تمدُّد الكون. وقد استعان سول بيرلموتر وزملاؤه بهذا المنهج في منتصف تسعينيات القرن العشرين، وهم يتوقَّعون أن يكتشفوا مدى السرعة التي يتباطَأُ بها تمدُّد الكون. ولم يتطلَّبِ الأمرُ أكثرَ من بضعة مستعرات عظمى لإقناعهم بأن افتراضهم الأساسي كان خطأً، وإثبات أن معدل تمدُّد الكون في تزايُدٍ.

بالنظر إلى هذا الرأي وبدمجه مع معرفتنا الحالية بالمادة المظلمة والمادة العادية، وكذلك إشعاع الخلفية الكوني الميكروي، فإنه يقودنا مباشَرةً إلى استنتاجِ أن ثلثَيْ محتوى كتلة/طاقة الكون لا بد حتمًا أنه يسبب تباعد الأشياء بعضها عن بعض بدلًا من أن يجمعها معًا، على غرار ما تفعله مادة الجاذبية. ولكن، لا يخبرنا هذا الرأي مع ذلك بطبيعة هذه الطاقة المظلمة، ولا يخبرنا إن كانت غير متغيِّرة (الثابت الكوني) أو تتغيَّر بمرور الوقت (مثل نظرية الجوهر). إذا كانت طاقةً فراغية ثابتة، فستظهر معضلة أنها يجب أن تختلف شدتها عمَّا يتوقَّعه علماء فيزياء الجسيمات بدرجات أُسيَّة عديدة، علاوة على المصادفة اللافتة المتمثلة في أن مُعَامِلًا تَحدَّدَ عند مولد الكون بقيمة صغيرة للغاية وقتها يجب أن يبدأ في الهيمنة على دراسة الكون في وقت وجودنا تحديدًا بحيث نستطيع رؤية هذا الأمر أثناء حدوثه. من ناحية أخرى، فإن إتاحة الفرصة أمام الطاقة المظلمة لكي تتغيَّرَ بمرور الوقت تثير المزيدَ من التساؤلات والمتغيرات الجديدة التي لا نعرف شيئًا عنها. فهل يمكن تحسين المشاهدات الخاصة بالمستعرات العظمى بحيث تكشف المزيدَ عن غموض الطاقة المظلمة؟

في الوقت الحاضر، تتراكم بسرعة بالغة بياناتٌ عن المستعرات العظمى الموجودة في نطاق شديد البُعْد، وسرعان ما ستوجد المئات منها. عند هذه المرحلة، لن تصبح المعلومات المطلوب جمعها مقيَّدةً بالخطأ الإحصائي، وإنما باحتمالية وقوع خطأ منهجي، فثمة ثلاثة أنواع من الأخطاء الجسيمة التي يجب السيطرة عليها؛ أولًا: مقارَنة المستعرات العظمى التي تنتمي إلى حقب مختلفة على مدار تاريخ الكون تثيرُ احتمالًا بأن الخصائص العادية لهذه الأحداث ربما تغيَّرَتْ بمرور الوقت. على سبيل المثال، عصر الانفجار النجمي أو التركيب الأولي قد يكون مختلفًا عن المستعر الأعظم الجديد العادي، إذا ما قُورِنَ بالمستعر الأعظم القديم العادي. من حسن الحظ أن التحليل الطيفي للضوء الناتج عن المستعرات العظمى يتيح للراصِد تجميعَ صورة كاملة عن خصائصها الفيزيائية، وبعدما يتأكَّد علماء الفلك من أن لديهم أعدادًا كبيرة من المستعرات العظمى محدَّدة الخصائص، ويقارنون فقط الشبيه بالشبيه، فإنهم سيستطيعون استثناءَ أي أثر معاكِس في فروق التوقيت.

ثانيًا: الغبار النجمي الموجود في مسار الضوء قد يشوِّه مشاهدةَ الأحداث البعيدة. للتغلُّب على هذا، يجب أن يُجرِي الراصِد تجارِبَ حاكِمة، كأنْ يتأكَّدَ على سبيل المثال من تشتُّت الضوء المنبعِث عن الأجسام القريبة في أجزاء أخرى من الطيف الضوئي، وتحديدًا مصادر الأشعة السينية. وأخيرًا: قد يتَّسِع نطاق الأحداث البعيدة للغاية على نحوٍ كبيرٍ بفعل تأثير عدسة الجاذبية؛ مما يتطلَّب مشاهدةً دقيقةً للوسط المحيط لتفسير هذه الاحتمالية.

على المدى القصير، سيتناول الباحثون هذه الموضوعات في مشروع واسع النطاق يُسمَّى مصنع المستعر الأعظم القريب، الذي سوف يسجِّل مجموعةَ بياناتٍ كاملة عالية الدقة عن مئات المستعرات العظمى كل عام. وفي محاولةٍ لدراسة ماضي الكون ورصد الوقت الذي تحوَّلَ فيه الكون من البطء إلى التسارُع (أيْ عندما أصبحَتْ للطاقة المظلمة اليدُ العليا بدلًا من مادة الجاذبية)، يعتزم الباحثون تركيبَ تليسكوب ومنظار طيفي في الفضاء خصوصًا لهذه المهمة يُسمَّيَان «إس إن إيه بي» SNAP (أو مِسبار تسارُع المستعر الأعظم). هذا المِسبار، الذي يشترك في استخدامه عددٌ من الفِرق البحثية المتمركزة بصفة أساسية في الولايات المتحدة وفرنسا، سيرصد آلافَ المستعرات العظمى بتفاصيل غير مسبوقة.

وعن طريق انتقاء مجموعات جزئية مناسبة من هذا العدد الهائل من المستعرات العظمى، سيتمكَّنُ الباحثون من تقليل حدِّ الخطأ على نحوٍ ملحوظٍ، وبالتالي يقلِّلون نطاق الاحتمالات الموجودة حاليًّا حول طبيعة الطاقة المظلمة ومصير الكون. وبالاستفادة من التقدُّم المتواصِل في مشاهداتٍ تجريبية أخرى، بما في ذلك فحص إشعاع الخلفية الميكروي وكثافة الكتلة وتأثير عدسة الجاذبية، قد يتوصَّلون إلى إجاباتٍ حاسمةٍ لأكثر ألغاز الكون غموضًا.

(٢٠٠٣)

أحدث التطورات

ما زالَتِ الأبحاثُ مستمرةً، ولكن حتى نوفمبر من عام ٢٠٠٧، لم يزل معظم الكون بلا تفسير.

قراءات إضافية

  • K. W. Plaxco and M. Gross, Astrobiology: A brief introduction, JHU Press, 2006.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠