الفصل الأول

استشعِر الحرارة!

دعونا نكن بسطاء ونستهل هذا الجزء المثير بالجنس الشديد السخونة، ولكن سيحتاج المُتلصِّصون إلى ميكروسكوب؛ لأن ما سنتحدَّث عنه هنا هو الجنس الميكروبي.

متعة الحب لا تدوم إلا لحظة، في حين تدوم لوعة الحب إلى الأبد، حسبما تريدنا كلمات الأغنية الفرنسية لجان بيير كلاري دو فلوريان أن نصدق. حتى إذا دامَتْ «لوعة الحب» إلى الأبد، فستظل هناك ميزة بيولوجية رئيسية يمكن الفوز بها من وراء استخدام التكاثر الجنسي. بالمقارَنة مع الانقسام الخلوي البسيط المصحوب بالطفرة العشوائية الغريبة، فإن اختلاط جينات الأبوين يتيح تنوُّعًا وراثيًّا أكبر يصاحبه استقرار أفضل للمستودع الجيني الجمعي للسكان. وبطريقة ما، يُعتبَر هذا سهلًا بالنسبة إلينا نحن الكائنات الراقية، بما أن مادتنا الوراثية منظَّمة على صورة أزواج كروموسومية عديدة؛ لهذا علينا فقط أن نتأكَّدَ من حصولنا على كروموسوم من الأب وآخَر من الأم. أما بالنسبة إلى النسخة التي نحصل عليها من هاتين النسختين، فهذه مسألة حظٍّ بحت؛ فقد يحمل الحيوان المنوي الذي يفوز في السباق أمام ملايين الحيوانات المنوية الأخرى الأُذُنَ الموسيقية لجدتك أو الأُذُنَ الكبيرة لجدك، وقد تلغي هذه الصفات الوراثية الجينات المقابلة المنحدرة من جانب الأم، أو تفقد أثرها وتبقى خامدة على مدار جيل كامل؛ هذا هو جوهر المسألة. أما بالنسبة إلى البكتيريا، فمسألة الحظ الجيني هذه أكثر تعقيدًا في تنظيمها؛ لأن جينومها يأتي عادةً في صورة جديلة حمض نووي مزدوجة واحدة، ولا يحدث الانتقال الجيني ما لم يتم قصُّ مقاطع الحمض النووي القصيرة من الجينوم ثم ترحيلها إلى مكان جديد بمساعدة الفيروسات أو حلقات الحمض النووي المتحركة المسمَّاة البلازميدات. وبالتالي، في حالة العديد من السلالات الميكروبية، بما في ذلك العتائق المُحِبَّة للحرارة بشدة (أليفة الحرارة العالية)، كان الجنس ممنوعًا.

لكن في عام ١٩٩٦، اكتشف دينيس جروجان من جامعة سينسيناتي النوعَ المناسِبَ من الإغراء الذي يجعل الميكروب المحِبَّ للحرارة والميكروب المحِبَّ للحموضة، اللذين ينتمي كلٌّ منهما إلى سلالة «سولفولوبوس أﺳﻴدوﻛﺎﻟدارﻳوس»، يحتكان أحدهما بالآخر احتكاكًا حميمًا. فاستنبت صورًا طافرة عديدة من البكتيريا العتيقة، التي احتاج كلٌّ منها إلى حمض أميني واحد أو مساعِد إنزيمي كمضافات غذائية لكي تحيا، بغض النظر عن المواد المُغذية الأساسية المتوافرة لها في أبسط وسيط. على سبيل المثال، السلالة الطافرة التي فقدَتْ قدرتَها على إنتاج الحمض الأميني هيستيدين من البداية، ستحتاج إلى وفرة من الهيستيدين في وسيط الاستنبات. ثم خلط جروجان سلالتين من هذه السلالات الطافرة وقام بتحضينها في وسيط لا يحتوي على أيٍّ من المضافات الغذائية المطلوبة، بل يحتوي بصفة رئيسية على حمض الجلوتاميك الأميني وحمض الكبريتيد المخفَّف. وعن طريق الانتقال الجيني فقط من سلالة إلى أخرى يمكن أن تنشأ سلالة جديدة تصبح قادرةً على النمو في وسيطٍ بلا مضافات غذائية. في واقع الأمر، اكتشف جروجان مثل هذه المستعمرات «المعافاة» كثيرًا، في حين أن التجربة الحاكِمة التي لم يحدث فيها خلطٌ بين السلالات بل تحضين على نحوٍ منفصِل في أبسط وسيط؛ نادرًا ما كانت تؤدِّي إلى طفرات معكوسة تُعِيد تشكيلَ النمط البري غير المعتمِد على المضافات الغذائية. والأمر الأكثر مثارًا للدهشة أن الانتقال الجيني، أو الجنس الميكروبي، كان يحدث بوضوحٍ في درجات حرارة تصل إلى ٨٤ درجة مئوية.

كانت هذه هي أول مرة يحدث فيها تبادُل للمادة الوراثية بين الخلايا البكتيرية في درجات الحرارة العالية هذه، كما أنها أول مرة بالنسبة إلى العتائق الأليفة الحرارة؛ مما يكشف عن فُرَص مشوقة ويطرح أسئلة جديدة. يرى جروجان أن ميكروب «سولفولوبوس» يحتاج إلى الانتقال كآلية إصلاحية في حالة تعرُّضِ حمضه النووي لضرر ناتج عن الحرارة. وبالمثل، ربما تأقلمت الميكروبات البدائية في بداية الحياة مع العيوب الوراثية التي يسبِّبها الإشعاعُ فوق البنفسجي، الذي كان وقتذاك أقوى مما هو عليه اليوم. ومنذ ذلك الوقت، يُعتقَد أن التغيُّرات التي طرأت على العتائق أقلُّ من أيِّ نوعٍ آخَر من الكائنات الحية، وبالتالي ربما تكون عاداتها في المعيشة والحب نافذةً إلى الماضي.

(١٩٩٦)

أحدث التطورات

ظلَّ الجنس الميكروبي يثير مخاوِفَنا خلال السنوات القليلة الماضية. ولا نقصد بذلك هذا النوعَ الذي تخضع له أليفات الحرارة، وإنما ذلك الذي يحدث في المستشفيات حيث تتوافر المضادات الحيوية وتستبدِل الميكروباتُ جيناتِها بأخرى أشدَّ مناعةً لكي تعيش؛ مما يؤدِّي إلى ظهور سلالات مقاوِمة للعديد من العقاقير، بما في ذلك ميكروبات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين الشَّرِس الموجود بالمستشفيات.

قراءات إضافية

  • M. Gross, Life on the Edge, Plenum, 1998.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤