الفصل الثامن

دَعْ حُبَّك يتوهَّج!

تحمَّسْتُ تجاه اكتشافٍ مفاده أن الإثارة الجنسية تعتمد على استخدام نفس الرسول الجزيئي في اليراعات (وهي ليست بالضبط أقرب الكائنات شبهًا بنا) وفي ذكر الإنسان. وقد استعرضتُ الاحتمالات من خلال عمود صحفي ساخِر في جريدة «ناخريشتن»، ولكن المقال التالي هو النسخة التي حاولتُ فيها بكلِّ جهدي التزامَ الجديَّة.

خضعت الحياة العاطفية لليراعات إلى دراسات شديدة التفصيل، وذلك بالطبع لأسباب تلصُّصية في المقام الأول؛ إذ يستمتع العلماء بمراقبة الذكر وهو يضيء فانوسَه في سلسلةٍ من الومضات القصيرة (بضع مئات المرات في الملِّي ثانية) ليجذب الأنثى، التي تُرسِل عندئذٍ إشارةً لتعبِّر عن استعدادها. ومنذ الأعمال الكلاسيكية لويليام ماكلروي في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، توصَّلَ علماءُ الكيمياء الحيوية إلى التفاعُل الضوئي الذي ينطوي على إنزيم (اللوسيفريز) وركيزته (اللوسيفرين) والأكسجين، ورصدوا إشارةً عصبيةً تتحكَّم في الومضات.

ولكن بما أن النهايات العصبية تبعد عن الخلايا المُصدِرة للضوء بحوالي ١٧ ميكرومترًا، فلم يكن من الواضح الكيفية التي من خلالها تسدُّ الإشارةُ هذه الفجوةَ. والآن، اكتشف باري تريمر وزملاؤه من جامعة تافتس (في مدينة مدفورد بولاية ماساتشوستس) أن اليراعةَ لكي تحظى بحياة عاطفية كاملة تعتمد على نفس جزيء الإشارة الذي يستخدمه الذكور في سلالتنا البشرية؛ أكسيد النتريك NO.

درس تريمر سابقًا دورَ أكسيد النتريك في حشرات اليسروع، ولكن بعد سماعه محاضرةً عن اليراعات قرَّرَ أن يتأكَّدَ إذا ما كانَتْ تستخدِم هذا الجزيءَ أيضًا؛ فاكتشف أن التعبير عن إنزيم سينثاز أكسيد النيتريك في فانوسها يوحي بإمكانية ذلك، وعندما احتجز فريقه اليراعات في جوٍّ يحتوي على حوالي ٧٠ جزءًا من المليون من هذا الغاز، استطاعوا أن يلاحظوا هذه الحشرات وهي تُصدِر وهجًا على نحوٍ مستمرٍّ، ولكي يُثبِتوا أن أكسيد النتريك يتفاعَل مع عضو الضوء وليس المخ، حضَّروا أيضًا حيواناتٍ عُطِّلت روابطُها العصبية بعضو الضوء. ومع أن هذه الحيوانات لم تكن قادرةً على إرسال الومضات تلقائيًّا، فإن تعرُّضَها لأكسيد النتريك مجدَّدًا أدَّى إلى إصدار ومضات سريعة أو حتى ضوء مستمر. وعلى العكس من ذلك، عندما حفَّزوا الفانوس بإمداده بالإشارة العصبية، استطاعوا إيقافَ الانبعاثات الضوئية بإضافة خلايا كاسِحة لأكسيد النتريك.

وبالتالي، يوجد دليل قاطع على أن أكسيد النتريك يشترك بصفته رسولًا في الخطوات النهائية من إرسال الإشارات، إلا أن ترتيبَ دوره في تسلسل الأحداث لا يزال غير واضح، ولكن يخمِّن تريمر أنه ربما يثبط عمليةَ التنفس في الخلايا الباعثة للضوء، وبالتالي يوفِّر الأكسجينَ الذي كانت الميتوكندريا ستستهلكه لولا ذلك. يتطابق هذا مع ملاحظة أن مثبطات أخرى لعملية التنفس (مثل السيانيد) تحفِّز أيضًا التوهُّج، كما أنه يشير أيضًا إلى آلية إيقاف الومضات القصيرة؛ فبما أن الضوء الأبيض يُوقِف تأثيرَ أكسيد النتريك عند التنفُّس في حالة الثدييات، فإن ضوء اليراعات قد يُطفِئ نفسَه بما تعنيه الكلمة حرفيًّا.

بالنظر إلى أن الإثارة لدى الرجال تحدث بفعل أكسيد النتريك نفسه (فهو ينشِّط تخليقَ أحادي فوسفات الجوانوزين الدوري cGMP، وهو تأثير يتم تعزيزه بواسطة عقَّار الفياجرا الذي يمنع تحلُّل هذا المركب)، فكل ما نحتاجه لنجعل حبَّنا يتوهَّج هو فانوس …
(٢٠٠١)

أحدث التطورات

ظلَّ أكسيد النتريك يظهر في أماكن غير محتمَلة. على سبيل المثال، تشير تقاريرُ نُشِرت في شهر أكتوبر من عام ٢٠٠٧ إلى أن السببَ الرئيسي وراء خطورة كثرة مرات التبرُّع بالدم على المرضى هو افتقاد أكسيد النتريك في الدم المُخزن. من الواضح أن الهيموجلوبين حامِل الأكسجين يحمل أيضًا أكسيدَ النتريك، الذي يعمل كإشارةٍ لتوسيع الأوعية الدموية؛ فهل يبدو لك هذا مألوفًا؟

قراءات إضافية

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١