الفصل الثاني والعشرون

مرآة سائلة للقمر

عرفتُ بشأن السوائل الأيونية لأول مرة في ورشة عمل للمواد المحفِّزة عام ٢٠٠٤، وقد أبهرتني آنذاك، ولكني لم أتخيَّلْ أن العلماء سيناقشون ذات يومٍ إمكانيةَ إرسال مثل هذه السوائل إلى القمر. لقد نجح الباحثون في تغطية سائلٍ أيوني ذي سطح عاكس؛ وهو ما يجعله صالحًا (تقريبًا) لتليسكوب على سطح القمر يعتمد على مرآة ذات قَطْع متكافِئ مصنوعة من سائل دوَّار. ونظرًا لأن هذا التليسكوب ستكون درجة حرارته ١٣٠ درجة كلفينية تقريبًا، فإنه سيكون شديد البرودة.

لطالما تحدَّثَ علماء الكونيات عن أن وضع تليسكوب على سطح القمر بمرآة ذات قَطْع متكافئ مصنوعةٍ من سائل دوَّار، سيكون مناسبًا على نحو مثالي لدراسة البِنَى البعيدة للغاية (وبالتالي الشديدة القِدَم) في الكون بتفاصيل غير مسبوقة. وقد نجح علماء الكيمياء الآن في ابتكار نظام سائلي يقترب إلى حدٍّ كبير من متطلبات مثل هذا المشروع.

اختبر إيرمانو بورا من جامعة لافال في كندا، بالتعاون مع زملائه في أماكن أخرى في كندا والولايات المتحدة وأيرلندا الشمالية، خواصَّ عدة أنواع مختلفة من السوائل وحدَّدَ سائلًا أيونيًّا تجاريًّا باعتباره المرشَّح الأكفأ لهذا المشروع.

السوائل الأيونية بصفة أساسية عبارة عن أملاح تظل سائلة في درجات الحرارة المحيطة، وأحيانًا في درجات الحرارة الشديدة البرودة. وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، ربط الباحثون بين عدة أنواع مختلفة من الجزيئات المشحونة لتكوين مثل هذه الأملاح السائلة، وقد أثبتَتْ نجاحَها في أبحاث المواد المحفِّزة. وهي مهمة بصفة خاصة كمواد مذيبة «خضراء»؛ إذ إنها لا تتبخَّر (على عكس المواد المذيبة العضوية المعتادة التي تميل إلى التطاير)، وهو ما يُعتبَر أيضًا ميزتها الأساسية في التطبيقات الفضائية.

عندما استخدم الباحثون الفضة لرش سطح السائل الأيوني المختار — المتمثِّل في كبريتات إيثيل أحادي إيثيل ثلاثي الميثيليميدازوليوم — وتغطيته، اكتشفوا انعكاسًا أفضل بكثير في نطاق الطول الموجي المعنيِّ للأشعة تحت الحمراء، مقارَنةً بطبقات التغطية الفضية على أنواع أخرى من السائل، مثل البولي إيثيلين جليكول.

بتحليل سطح السائل الأيوني المغطَّى بالفضة، اكتشف بورا وزملاؤه جسيمات غروانية بحجم بضع عشرات من النانومترات. وبافتراض أن هذا الأمر كان السببَ في أن القدرة الانعكاسية لم تكن جيدةً بما يكفي مثلما كان الأمر في حالة الفضة في صورتها الفلزية النقية، فقد غيَّروا طريقتهم بحيث تتضمَّن طبقةً من الكروميوم قبل إدخال الفضة. وحسبما يقول الباحثون، فقد أثبَتَ السائل الناتج المزدوج التغطية قدرةً انعكاسية أكبر لدرجة أنه لا يتبقَّى سوى ضبط تكنولوجي طفيف.

بالمثل، فإن نقطة انصهار السائل الأيوني التجاري المستخدَم كقاعدةٍ لا تُعتبَر منخفضةً بما يكفي لضمان أن تظلَّ المادة سائلةً في درجات الحرارة المحيطة على سطح القمر، إلا أن الباحثين يؤكِّدون ثقتهم بأن من بين ملايين الاندماجات المحتمَلة للأيونات، سيمكن تحديد الاندماج المثالي للتليسكوب القمري.

ولكن هل هذا هو مستقبل علم الفلك أم أنه محض جنون؟ رحَّبَ بول هالبيرن، أستاذ الفيزياء بجامعة العلوم في فيلادلفيا، ومؤلِّف عدة كتب عن علم الكونيات، بالمشروع بحماسٍ؛ إذ يقول: «قد يصبح تصميمُ تليسكوب قمري مجديًا حقًّا من الناحية الاقتصادية.» ويختتم كلامه بقوله: «لهذا السبب، قد يكون استخدامُ طبق دوَّارٍ عملاقٍ يحتوي على سائل ذي قدرة انعكاسية هائلة هو الحل المثالي؛ إذ يستطيع تليسكوب عاكِس قطره ١٠٠ متر أن يجمع الضوءَ بآلاف الأضعاف مقارَنةً بتليسكوب هابل الفضائي، وربما يصوِّر النجومَ البدائية التي يُعتقَد أنها نشأت في بداية الكون.»

(٢٠٠٧)

قراءات إضافية

  • E. F. Borra et al., Nature, 2007, 447, 979.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠