الفصل السادس والعشرون

أسس الدولة ونظمها في القرنين العاشر والحادي عشر

المسيح هو الملك

وتنصرت الحكومة وفاخرتْ بنصرانيتها واعتَزَّتْ بها، وأصبح السيدُ في نظر الحكومة والشعب هو الملك، وأصبح الإنجيلُ دستورَ الدولة، فكنت إذا قصدت القصر الملكي وذهبتَ إليه ماشيًا متريثًا تقرأ على جدران بعض البنايات العمومية العبارة: «المسيح الفسيلفس» أو «المسيح الإمبراطور»، وقد تسمع — وأنت في طريقك إلى القصر — جماعاتٍ يُرَتِّلُون، فإذا ما اقتربوا منك وجدتهم جنودًا حاملين الصليب عاليًا هاتفين: «المسيح المنتصر.»

وإذا ما وصلت إلى مداخل القصر وجدتَ فوق العتبة أيقونةً مقدسةً تُمثل المسيح مرتديًا لباس الملوك متوجًا، وإذا ما تابعتَ السير وصرتَ إلى داخل القصر ظننتَ أنك في كنيسةٍ لا في قصرٍ ملكيٍّ، فمن أيقونة للعذراء والدة الإله حامية العاصمة، إلى ذخيرة تَضُمُّ عود الصليب، إلى أيقونة عجائبية تمثل السيد مصلوبًا كان قد ظفر بها يوحنا جيمسكي في أثناء مروره في بيروت، إلى زاوية مكرمة تحفظ حذاء السيد الذي وجده يوحنا هذا في جبيل، إلى المنديل الذي كان لا يزال يحمل رسم وجه السيد وقد احتفظت به الرها أكثر من تسعة قرون. وقد تقف قليلًا متأملًا مصليًا، فيدخل القاعة رئيس أساقفة تتبعُهُ حاشيتُهُ، وقد جاء خصيصًا لتكريم هذه الآثار وتجديد تكريس المكان.

وقد تكون أحدَ أعضاء الوُفُود العربية المفاوضة في تبادُل الأسرى، فيتاح لك الدخولُ إلى قاعة العرش، فتجد العرشَ عرشين أحدُهُما عليه الإنجيلُ المقدس وهو عرش المسيح الملك، والثاني لنائبه على الأرض الفسيلفس، فإذا قابلت العرش الأول أو مررت مِنْ أمامه رسمتَ شارة الصليب وانحنيت.

وقد تكونُ أَحَدَ القُضاة الزائرين فيدفعك اهتمامك بالقضاء إلى الوُقُوف في المحكمة العُليا لاستماع المرافعة وصدور الأحكام فتُذكِّر هناك أيضًا بأن الملك للسيد المسيح، فالقوانين والأحكام تستهل «باسم سيدنا يسوع المسيح»، وقد تكون تاجرًا فتضطرك الظروف إلى زيارة أحد المصارف لتقبض تحويلًا ماليًّا معينًا، فتُنقد الدراهم والدنانير فتجد رسم السيد المسيح على أحد الوجهين.١

الفسيلفس نائب المسيح

ولَمَّا كان الملك الحقيقيُّ روحًا غير منظور، أصبح الملك الملموس رمزَ الملك السيد ونائبه على الأرض: ثوبه ثوب الأيقونات، وتاجُهُ وصولجانُهُ مشرَّفان بالصليب المقدس، ولما كانت ثيابه هذه هبةً ربانيةً حَمَلَها الملائكةُ إلى قسطنطين الكبير؛ أصبح المحل الوحيدُ اللائقُ بحفظها هو الكنيسةُ، وأَمْسَى قصرُ الفسيلفس من حيث التخطيط وهندسة البناء وتزيين الزوايا والقبب والجدران أَشْبَهَ بالكنيسة مِنْ أي بناءٍ آخر، وأمستْ أبوابُ قاعة العرش تُفتح وتغلق في أوقاتٍ معينة كأبواب الأيقونسطاس في الكنيسة، وقام العرشُ في حنية تشبه حنية الهيكل، وقضت هذه الصلة بين الفسيلفس وبين السيد الروح غير المنظور أن يظهر الفسيلفس ظهورًا على عرشه في الاستقبالات الرسمية دون أي كلام أو تبادُل أفكار، وتغرد الطيور الذهبية وتزأر الأسود المصطنعة ويسجد الحاضرون ثلاث سجدات، وما هي إلا لحظة حتى يرتفع الفسيلفس بعرشه نحو السماء فيختفي.

وإذا قضت الظروفُ بأن يستقبل الفسيلفس في باسيليكة المنيورة جلس على عرشه الذهبيِّ صامتًا مسبل الجفنين، فإذا ما رَغِبَ في شيءٍ رفع جفنيه ونظر إلى رئيس الخصيان، فتصدر إشارةٌ عن هذا فَيتم تنفيذُ الأمر الصادر دون كلام، وتنتهي المقابلةُ عندما يرسم الفسيلفس شارة الصليب فيخرج الزائرون متراجعين خاشعين، وقضت نيابةُ المسيح على الفسيلفس بأن يشترك مع البطريرك في مُمَارسة بعض الطقوس الدينية، فيخرج الاثنان إلى الشوارع بسحابةٍ من البُخُور وموكبٍ كبير، ويركب البطريرك حمارًا أَبْيَضَ ويمتطي الفسيلفس جوادًا عربيًّا، فيزوران في كل يوم جمعة كنيسةَ السيدة حامية العاصمة، وفي يوم الخميس الكبير يَتَفَقَّدَان العجزة في المآوي فيغسل الفسيلفس أَرْجُل هؤلاء ويقبلها مذكِّرًا بعمل السيد قبل الصلب.٢
ومما جاء في كتاب الأعلاق النفيسة لابن رسته (٩٠٣) أنه إذا خرج الفسيلفس إلى كنيسة الحكمة الإلهية مشى أمامه «اثنا عشر» بطريقًا وحمل هو بيده حقًّا من ذهب فيه تراب، فإذا مشى خطوتين وقف ونظر إلى التراب وقَبَّلَه وبكى، وما يزالُ يسير كذلك حتى ينتهيَ إلى بابِ الكنيسة، فيقدم رجل شيخ طشتًا وإبريقًا مِنْ ذهب، فيغسل الفسيلفس يده ويقول لوزيره: إني بريءٌ مِنْ دماء الناس كلهم، ويخلع ثيابه التي عليه على وزيره ويأخذ دواة بيلاطس ويجعلها في رقبة الوزير ويقول له: دِنْ بالحق كما دان بيلاطس.٣

وإذا دخل الفسيلفس الكنيسة ليصلي استوى على عرشٍ خاصٍّ واعتُبر ممسوحًا من الله؛ لينوبَ عن المسيح في الأرض، واستحق التناوُل بيده من المائدة المقدسة، ولكنه لم يرأس الكنيسة — كما توهم البعض.

وكان على الفسيلفس أن يراعي هذا التقليد في حياته الخاصة أيضًا، فكان كلما انتهى من الطعام كسر الخبز وشرب الخمر، وإذا ما جلس إلى المائدة، جلس حواليه اثنا عشر شخصًا، وعند كثرة الضيوف كانت تُقام اثنتا عشرة مائدة، وفي ليلة عيد الميلاد، كان عليه أن يدعو أَفْقَرَ الفقراء لتناوُل الطعام معه، فالكل إخوان في المسيح، وكان يضيءُ غرفةَ نومه صليبٌ أخضرٌ وعددٌ من الكواكب، وكان يطل عليه من فسيفساء الجدران باسيليوس الأول المقدوني وعائلته، في أيديهم الأناجيل!

ولما كان الفسيلفس نائب المسيح على الأرض، كانت إرادتُهُ مطلقةً وكان الشعبُ عباده، وكان هو مصدرَ جميعِ السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، فهو يُعَيِّنُ الوزراء ويَعْزِلُهُم، ويسن الشرائع ويلغيها، ويوافق على انتخاب البطريرك المسكوني ويعزله إذا شاء، وكانت سلطتُهُ — بطبيعة الحال — مسكونيةً، تشمل العالم بأسره فلا تقف عند حدٍّ من الحدود ولا يَعترض عليها معترض. وأصبح البطريرك الجالس إلى يمينه الثاني بعده في الدولة بطريركًا مسكونيًّا أيضًا له حق التقدُّم على سائر البطاركة بعد بطريرك رومة.

وضاقت، لا بل تضاءلتْ صلاحياتُ مجلس الشيوخ مصدر السلطة في رومة القديمة، فأضحى في هذين القرنين متفرجًا يُشاهد الحوادثَ الجسامَ دون أن يشترك فيها، وأَمْسَى الشعبُ بعيدًا عن المشاوَرَة، وبات الزرقُ والخضرُ في جملة المتفرجين، لا مجالس لهم ولا صلاحيات، واستبدلوا أهازيجَ القتال بتراتيل الصلاة، يأتمرون بإشارة الموسيقار بدلًا من سيف القائد المغوار.

البطريرك المسكوني

وجارتْ الكنيسةُ الدولةَ في نُظُمها وأحكامها، فكانت كنيسةً واحدةً جامعةً كما كانت الإمبراطورية واحدةً جامعةً، وكما جاز للإمبراطورية أن يكون لها إمبراطوران في آنٍ واحدٍ، كذلك جاز للكنيسة أن تَخضع لأكثرَ من رأسٍ واحدٍ،٤ وتقبل المجمع المسكوني الثاني (٣٨١) هذه النظرية فأَوْجَبَ في قانونه الثاني على الأساقفة أَلَّا يَتَعَدَّى أحدُهُم على الكنائس التي تقع خارج حدود أبرشيته، وأقر في قانونه الثالث أن يكون التقدُّم في الكرامة لأسقف القسطنطينية بعد أسقف رومة «لكونها رومة الجديدة»،٥ ثم أَقَرَّ المجمعُ المسكونيُّ الرابعُ في قانونه الثامن والعشرين هذا التقدُّم في الكرامة لبطريرك القسطنطينية بعد بطريرك رومة،٦ وجاء يوستنيانوس الكبير يشترع فتعرف إلى بطاركة خمسة في إمبراطوريته: بطاركة رومة والقسطنطينية والإسكندرية وأنطاكية وأوروشليم، واعتبرهم أساس النظام والسلطة في الكنيسة.٧
وكان هذا البطريرك في بادئ الأمر يُنتخب انتخابًا، وكان الشعبُ يُشاطر الإكليروس حق الانتخاب، ثم قضى قانونُ يوستنيانوس الكبير بأن ينتخب الإكليروس ووجهاء العاصمة ثلاثةً، فينتقي الأسقفُ المشرطن أفضلَ هؤلاء للسدة البطريركية،٨ ثم حرَّم المجمعان المسكونيان النيقاوي (٧٨٧) والقسطنطيني (٨٧٠) سيامة بطريرك ينفرد أميرٌ بانتقائه، كما حرَّما تدخل الشعب في الانتخاب، وأصبح انتخابُ البطريرك بعد هذا محصورًا في مطارنة الكرسي، وجاء في كتاب التشريفات لقسطنطين السابع (٩١٢–٩٥٩) أَنَّ المطارنة ينتخبون ثلاثةً ينتقي الفسيلفس أحدَهم، وبقي الحال على هذا المنوال حتى آخر أيام الإمبراطورية: المجمع ينتخب والفسيلفس يرقي.٩
وبعد هذا كان الفسيلفس يدعو أعضاءَ مجلس الشيوخ والمطارنة وعددًا كبيرًا مِنْ رجال الإكليروس إلى القصر؛ ليقول: «إن النعمة الإلهية وقُدرتنا المستمدة منها تعلنان ترقية فلان إلى رتبة بطريرك القسطنطينية.» ويظهر البطريرك ليتقبل تهانيَ الشيوخ والمطارنة، ثم يصار إلى رسامته بطريركًا في الأحد التالي في كنيسة الحكمة الإلهية، فيترأس حفلة الرسامة رئيس أساقفة هرقلية، ويقدم له الفسيلفس العكاز والمنذيَّة الأرجوانية والصليب،١٠ ويدعى بعد هذا صاحب القداسة ويخاطبه المطارنة بالعبارة: «أيها السيد الفائق القداسة.» ويوقع هكذا: «بنعمة الله رئيس أساقفة القسطنطينية رومة الجديدة وبطريرك المسكونة.»١١ وقد سبق وأشرنا أن لقب بطريرك المسكونة ظهر في شرائع يوستنيانوس، وأن رومة لم تعترض عليه قبل أيام البابا بلاجيوس الثاني وغريغوريوس الكبير، وأن المجمع السادس أَقَرَّهُ على الرغم من اعتراض رومة واحتجاجها.١٢

وكان البطريرك بموجب نص الأباناغوغ (٨٨٤–٨٨٦) صورةَ المسيح على الأرض وراعي نفوس المؤمنين وحامي العقيدة، وكان أيضًا صاحب السلطة الروحية العُليا؛ ولذا أُحيط بهالةٍ من الاحترام، لا تُمس كرامته ولا يُعتدى عليه. ولَمَّا كانت الدولة والكنيسة متحدتين متفقتين، كان للمقام البطريركي نفوذٌ كبيرٌ في شئون الدولة، فأصبح لزامًا عليه إذن أن يعاون الفسيلفس في إدارة دفة الأمور، فكانت الأوامرُ العُليا والبيانات تصدر، في بعض الظروف الهامة، باسم الاثنين معًا.

ولا يغيب عن البال أنه كان على الفسيلفس أن يتسلم تاجه من يد البطريرك وفي الكنيسة وأن يعلن موقفه من بعض الشئون الهامة إلى البطريرك قبل التتويج، وكان لا يتم تتويجٌ بدونه؛ لأن الفسيلفس الحقيقي كان في عُرف الشعب المسيح نفسه — كما سبق أن أشرنا — وكان للبطريرك على الفسيلفس سلطةٌ روحيةٌ؛ فهو عرَّاب الأمراء أبناء الفسيلفس، وهو الذي يُعلن شرعيةَ ولادتهم، وهو الذي يَعْقِدُ زواجَ الفسيلفس والأمراء.١٣

الفسيلفس والكنيسة

وقال الروم بأن الدولة والكنيسة شخصٌ واحدٌ، يُديره الفسيلفس والبطريرك، وأَنَّ الأول يتسلط على الجسم والثاني على الرُّوح، وأنه لا دولةَ بِدُون كنيسة ولا كنيسة بدون دولة،١٤ ولا يَخفى أَنَّ الآباء الأولين رأوا في شخصِ قسطنطين الكبير الداعيَ الأكبرَ للنصرانية فمنحوه لقب المساوي للرسل Isapostolos وأن أحدًا مِنْ خُلفائه المسيحيين لم يتنازلْ عن هذه المنحة وأن أساقفة المجامع المسكونية نادَوا مرارًا بالفسيلفس حبرًا أعظم Pontifex Maximus لأنهم رأوا فيه ابنًا روحيًّا أعلى وأكبر من المؤمنين العاديين، ومن هنا — في الأرجح — نشأتْ هذه الامتيازات الروحية التي تَمَتَّعَ بها ملوكُ الروم في داخل الكنيسة، كمَنْح ولي العهد إكليلَ الإكليروس، والسماح للفسيلفس بالدفاع في أثناء مسحه فسيلفسًا كأنه شماس، ودخوله إلى الهيكل من الباب الملوكي وتناوُله الذبيحة بيده عن المائدة.١٥
وأدَّى هذا التمسك الشديد بالنصرانية والتعصُّب لها إلى انقسامات وتحزبات آلتْ في بعض الأحيان إلى العنف والإخلال بالأمن، واضطر الفسيلفس أن يتخذ موقفًا معينًا من بعض العقائد الدينية، فكان يلجأُ عادة إلى دعوة المجامع المحلية والمسكونية، فيرعاها بعنايته وينفذ مقرراتها، وكان في بعض الأحيان يفرض الحل فرضًا، فإما أن يؤيد هذا الفريق أو ذاك أو أن يقترح حلًّا لا يرضي هذا أو ذاك كما فعل هرقل عندما اقترح القول بالمشيئة الواحدة.١٦
وكان على الفسيلفس أيضًا أن يتدخل في شئون الكنيسة؛ للمحافظة على نظامها، وتنفيذ قراراتِ مجامعها وأصحاب السلطة فيها، فقضى أحد قوانين يوستنيانوس الكبير (٥٣٥) بأن يحافظ على شرف الكهنوت، فيقول كلمته في انتقاء الكهنة والأساقفة،١٧ وقال بعض كبار رجال الناموس بوجوب ترؤُّس الفسيلفس للمجامع ووجوب إشرافه على تنفيذ مقرراتها وتدخُّله لضبط سلوك الكهنة وللتثبت من صحة أحكام الأساقفة.١٨
وكان للفسيلفس أيضًا أن يتدخل، فيقرر بعضَ الأعياد الكنائسية الرسمية؛ فيوستينوس الأول (٥١٨–٥٢٧) هو الذي عَمَّمَ الاحتفالَ بعيد الميلاد في الخامس والعشرين من كانون الأول، ويوستنيانوس الكبير هو الذي ثَبَّتَ عيد دخول المسيح إلى الهيكل في الثاني من شُباط،١٩ وموريقيوس (٥٨٢–٦٠٢) هو الذي قرر الخامس عشر من آب عيدًا لانتقال العذراء،٢٠ ويعود الفضل في الاحتفاء بعيد النبي إلياس في العشرين من تموز إلى باسيليوس الأول (٨٦٧–٨٨٦) فإنه كان شديد التعلق به والتوسل إليه،٢١ وفي السنة ١١٦٦ تَدَخَّلَ الفسيلفس عمانوئيل كومنينوس، فجعل الأعيادَ الكنائسية أنواعًا، منها ما تجب البطالةُ فيه طوال النهار، ومنها ما تنتهي البطالةُ فيه عند الانتهاء من خدمة القداس.٢٢

الإنجيل دستور الدولة

وقضت هذه الفلسفة الدينية السياسية بأن يُعترف بقدسية الإنجيل الطاهر ووجوب تطبيق أحكامه، فأصبحت دولة الروم ديموقراطية في تساوي أبنائها، مطلقة مستبدة في تنفيذ مبادئ الإنجيل وأحكامه، فلم يبقَ فيها أي تفوُّق نظري لطبقةٍ على سواها، وأصبح بإمكان أَوْضَعِ الرجال أن يتسنم أعلى المراتب، أولم يكن لاوون الأول لحَّامًا، ويوستينوس الأول راعيًا للخنازير، وفوقاس قائد مائة، ولاوون الثالث شحاذًا متسولًا، وباسيليوس الأول فلاحًا، ورومانوس ليكابينوس أفَّاقًا؟ أولم يُنعت قسطنطين الخامس بالزبلي، وميخائيل الثالث بالسكير، وميخائيل الخامس بالقلفاط؛ أي نقَّال البضائع؟ والفسيلسات ألم تكن إحداهن خزرية، وأخرى مغنية، وغيرها مروِّضة للدببة، أو عمومية؟ أولم يكن عددٌ كبيرٌ منهن بنات موظفين عاديين؟

وترفع الفسيلفس، عملًا بتعاليم الإنجيل، عن الشموخ والتكبر، فدعا إلى مائدته البؤساء والمتشردين، وفتح بابه لجميع الرعايا من عباد الله يلجونه أنى شاءوا.

ومما يروى عن ثيوفيلوس الفسيلفس أنه خرج في يوم أحدٍ من الآحاد في موكبٍ رسميٍّ ممتطيًا جوادًا، فاعترضت سبيلَه بائعةُ سمك وأمسكت بمِقْود الجواد وقالت: «هو لي وقد صادره أحد عمالك فأعده إلي.» فنزل ثيوفيلوس عن ظهر الجواد وقَدَّمَه لها، وتابع سيره مشيًا على الأقدام! وشخص أمامه في الملعب مهرِّجان وهزَّ كلٌّ منهما قاربًا صغيرًا بيده، وقال أحدهما للآخر: أبلعني هذا القارب، فقال الآخر: أبدًا لا يمكنني ذلك، فقال الأول: وكيف؟ أولم يبلع مدبِّر القصر مركبًا بكامله محملًا بضائع؟ فأدرك الفسيلفس معنى التلميح واستدعى المدعى عليه وقابله بالمدعيين، وظهر له الحق، فأمر بحرق الجاني ببزته الرسمية في الهيبوذروم.

واشتدتْ عناية الفسيلفس والبطريرك وغيرهما بالمرضى والمصابين والعجز، فكثرت المآوي والمياتم ولا سيما المستشفيات، فأنشأ ألكسيوس كومنينوس (١٠٨١–١١١٨) مؤسسة خيرية اشتملت على ميتم ومأوًى للعميان، ومستشفيات متنقلة للجيش، وآوتْ في وقت من أوقاتها سبعةَ آلاف شخص، وأشهر هذه المؤسسات دير الإله القوي Pantocrator الذي أنشأه يوحنا كومنينوس (١١١٨–١١٤٣) في عاصمة مُلكه، وفيه مستشفًى للرجال، وآخرُ للنساء، وثالثٌ للأمراض المعدية، وقد خص كل مريض بغرفة مؤثثة بسرير نظيف وفراش ووسادة ولحاف ومشط وإسفنجة ومغطس وسطل ومناشف أربع وقميص، وبمبلغ من المال يوم عيد الفصح يتمكن به المريضُ من شراء ما يَلزمه من الصابون، وكان يمرُّ المفتشون في كل صباح على المرضى يُصغون لتَذَمُّراتهم ويسألونهم عن الطعام، وكان بين وسائل الراحة طريقةٌ خاصةٌ للتدفئة، وكان يؤم المستشفى لمعالجة المرضة طبيب أستاذ ورهط من طلبة الطب وعقاقيري، وكان يفاخر الأستاذ الطبيب بطريقته الخاصة في تنظيف أدوات الجراحة وتطهيرها.٢٣

وساوتْ نصرانيةُ الدولة بين الرجل والمرأة، فكان للنساء شأنٌ كبيرٌ في الحياة الاجتماعية ولا سيما بعد الزواج، وشاطرن أزواجهن السلطة في كثير من الأحيان، ولم يتناول الطعام ذيجانس أكريتاس قبل حضور والدته، وقاسى تورمارخوس بزية نقدًا شديدًا واعتُبر مسيحيًّا مقصرًا؛ لأنه حبس زوجته في خِدْر الحريم يوم الاستقبال، وتَكَنَّى الأولاد — في بعض الأحيان — بأمهاتهم، فعائلة دلسانة تحدرت من أبٍ اسمه شارون، ولكن والدتهم حنة دلسانة فاقت زوجها شهرةً واحترامًا.

ومن هنا هذه الصعوبة التي يعانيها العلماء عندما يعنون بالأنساب البيزنطية، وقضى العُرْفُ بِأَنْ يتظاهر الوالدُ بمشاركة الأم بأوجاع الولادة، إن هو رغب في أن يسيطر على المولود فيما بعد!٢٤

وأهم من هذا وذاك في التدليل على تحرر المرأة عند الروم، حقوق الفسيلسة زوجة الفسيلفس؛ فإنها شاركتْ زَوْجَها حق السيادة والسلطة ونيابة المسيح على الأرض، وسبقتْه إلى تَقَبُّل طاعة الشعب وولائه، فالسجود وتعفير الرءوس بالتراب وتقديم الأعلام كانت لها وحدها قبل أن تكون للفسيلفس، وكان الشعبُ لدى خروجها من الكنيسة يهتف لها وحدها: «أهلًا بالأوغسطة المنتقاة من الله، أهلًا بالأوغسطة المحمية من الله، أهلًا بلابسة الأرجوان، أهلًا بمحبوبة الكل.» وقضى العُرف بأن تشترك في جميع المآدب وجميع الحفلات في القصر، وأن تطل على الشعب في الحفلات العمومية.

وكانت لها موازنةٌ خاصةٌ تتصرف بها كيف تشاء ودون استئذانِ الفسيلفس، ومما يُروى من هذا القبيل أَنَّ ثيوفيلوس الفسيلفس رأى يومًا مِن نافذة القصر مركبًا تجاريًّا فخمًا يدخل الميناء، فهَبَّ لساعته إلى المرفأ ليتفرج على السفينة، ولدى وُصُوله إليه سأل عن صاحبها فقيل له هي الفسيلسة! وكانت هذه السفينة محملةً بضائعَ ثمينة استقدمتها الفسيلسة للاتجار بها.

وأبهج وأغرب وأدل على مكانة الفسيلسة وحريتها واستقلالها أن ثيودورة زوجة يوستنيانوس الكبير كانت تميل إلى القول بالطبيعة الواحدة فأجلست على كرسي القسطنطينية أنثيميوس الشهير، ثم قضت الظروفُ السياسيةُ بعَزْلِهِ ونفيه فاختفى، وبعد التفتيشِ الدقيقِ عنه ظُنَّ أنه توفي، وبعد اثنتي عشرة سنةً تُوُفيت ثيودورة، ودخل يوستنيانوس إلى خِدْرِها فالتقى البطريرك المعزول في خِدْر زوجته حيًّا صحيحًا،٢٥ وتُوُفي زينون الفسيلفس، فلم تَبْكِهِ أرملتُهُ في خدرها بل انتقلت فورًا إلى القصر، ثم إلى الهيبوذروم وقامت تخطب في الشعب، فقالت: إن مجلس الشيوخ والمجلس الملكي الأعلى سيجتمعان برئاستها للنظر في الولاية، وسيتعاونان مع الجيش لانتقاء خلف صالح، ثم عادت إلى الخطابة فقالت إنها ستعنى هي بذلك! فهتف الشعب موافقًا مؤكدًا أنها هي صاحبة السيادة والإمبراطورية.٢٦

والواقعُ هو أن هذه الديموقراطية البيزنطية لم تكن في أي وقت من الأوقات وليدة نضحٍ سياسيٍّ أو فلسفيٍّ، ولكنها تَأَتَّتْ بطبيعة الحال عن تَقَبُّل الإنجيل واتخاذه دستورًا للدولة، فالدافع نفسُهُ الذي جعل من الفسيلفس نائبًا للمسيح على الأرض أَدَّى إلى السعي لجعل المجتمع الأرضي مماثلًا بقدر المستطاع للمجتمع الرباني، ومن هنا أيضًا هذه القسوةُ في العقوبات: في قطع يدي التاجر المزوِّر، وزَجِّ الخباز الذي تقاضى أكثر مما سمح به القانونُ في الفرن نفسه الذي كان يخبز فيه عجينه، وحرق المدبِّر المرتشي حيًّا في الهيبوذروم، فالقانون إلهيٌّ في مصدره والخروجُ عليه خطيئةٌ تستوجبُ نار جهنم!

الدولة ومَنْ لا يدينون بالنصرانية

وهؤلاء واحدٌ من اثنين: إما يهوديٌّ يصر على تَهَوُّده فيستحق الإذلال والتضييق، أو غير يهودي يجب اجتذابه وهَدْيُهُ، وكان اليهود قِلَّةً لا يتجاوز عددُهم الخمسة عشر ألفًا، ولم يكونوا من طبقة الأغنياء، ولكنهم كانوا مصرين على تَهَوُّدِهِم مستمسكين به، فاعتبرهم الروم أحفاد أولئك الذين صلبوا السيد واضطهدوا الرسل والآباء والشهداء، فحجبوا عنهم الثقة وأَنْزَلُوا بهم ألوانًا مِنَ الذُّلِّ والهوان، فلم تُسمع لهم دعوى أو شهادةٌ على مسيحي، ولم يُقبلوا في وظائف الدولة، وحرِّم عليهم الاتجارُ بالرقيق، وتملُّك الأراضي المقدسة، ودخول الحمامات العمومية، ووجبتْ عليهم ضريبةٌ خاصةٌ، دفعوها صاغرين، وحرِّم على أطبَّائهم ركوبُ الخيل وختن الأطفال النصارى، واستحقوا الموت إن فعلوا، ومن تنصَّر منهم ثم ارتد ارتكب جرمًا كبيرًا.٢٧

وأما التجار والأسرى من المسلمين المقيمين في هذه الدولة المسيحية؛ فإنهم كانوا أحرارًا طلقاء يتمتعون بقسط وافرٍ من الحقوق المدنية والاجتماعية، وكان لهم في عاصمة الدولة مسجدٌ يقيمون فيه الصلاة كأنهم في بلادهم، وكان شغل الروم الشاغل إقناع هؤلاء بتقبل الدين المسيحي؛ فالسلطات صارحت أمير أقريطش الأسير أنه إذا تنصر أصبح فور تَنَصُّرِهِ عضوًا في مجلس الشيوخ، ولكنه لم يفعل، وقبل ابنه النصرانية فرقي المراتب العسكرية بسرعة، وقاد الروم إلى النصر أكثر من مرة.

الإدارة

وبقيت الإدارة المركزية رومانية لاتينية في جوهرها وألقابها حتى نهاية القرن السادس، فكان يُحيط بالإمبراطور الشرقي عددٌ قليلٌ من كبار الموظفين يحملون ألقاب الرومانيين القدماء، ثم تمشرقت الدولةُ فكثرت الوظائفُ وكثر عددُ الكبار في الدولة وقَلَّتْ صلاحياتُهُم وصغرت أدوارُهُم وأمست ألقابُهُم يونانية.

وأصبح عظماء الدولة في القرنين العاشر والحادي عشر القيصر والشريف Nobilissimus، ومارشال القصر Curopalates، وجاء بعد هؤلاء أفرادُ الأسرة المالكة كلٌّ بلقبه، ثم ثمانيةٌ مِنْ كبار الخصيان يتزعمهم الحاجب الأعظم Parakoimumenos، وأدار دَفَّةَ الحكم خارج القصر أربعةُ وزراء حمل كلٌّ منهم لَقَبَ لوغوثيت Logothetes، وكان أعظم هؤلاء لوغوثيت الذروموس وبيده الأُمُور الداخلية والخارجية، وكان يدعى اللوغوثيت الأعظم، وجاء بعده لوغوثيت المالية، ولوغوثيت الجيش، فلوغوثيت الخاصة الملكية، وكان هنالك محاسبٌ عامٌّ يدعى السكيلاريوس Sakillarios ووزير عدل يحمل اللقب اللاتيني القديم الكوايستور Quaestor، وخضع الجُنُود للذوميستيكوس الأعظم Domesticus، والبحارة للذرونغار الأعظم Drungarius، وكان يرئس حكومة العاصمة أبارخوس Eparchus، ويدير كل ثيمة من الثيمات الثلاثين استراتيجوس عسكري Strategos.٢٨

الأحزاب السياسية

واختلفت الآراء في لاهوت السيد وناسوته وفي العذراء وتباينت، فانقسم رجال الدين والشعب أحزابًا وتخاصموا؛ فمنهم من قال بخلق الابن في الثالوث، ومنهم من قال بمساواته للآب في الجوهر، ومنهم من قال بالطبيعة الواحدة، ومنهم من قال بالطبيعتين، ومنهم من قال بالمشيئة الواحدة، ومنهم من قال بالمشيئتين، ومنهم من كَرَّمَ الأيقونات، ومنهم مَنْ حَرَّمَها، وما إلى ذلك من اختلافات لاهوتية نشأت عن هذه المحاولة الأساسية لجعل الدولة تتفق — قدر المستطاع — والوضع الذي يريده لها السيدُ المخلص ملكها وراعيها.

وهكذا، فإنك كنت ترى وتسمع الجدل في اللاهوت أَنَّى وُجدت، إن في الحانات والخمارات، أو في الملاهي والملاعب، أو في المشاغل والمصانع، أو في القصور والمجالس، أو في الأديرة والكنائس؛ فالبيزنطي لم يكن ذاك التقي الضجور، الذي لا يرى في هذه الدنيا إلا حياة فانية يتبرم بطولها وينتظر نهايتها للتخلص من متاعبها ومشكلاتها، وإنما كان تَقِيًّا متحمسًا مندفعًا في سبيل تطبيق الدين القويم قَدْرَ المستطاع ليرثَ ملكوت السماوات.

نزاع الطبقات

والغريب المستغرَب ألا يكون هذا الاستمساك الشديد بالإنجيل قد أثر في نفوس الأفراد؛ فهذه الدولة المسيحية المتطرفة في مسيحيتها عانت نزاعًا شديدًا وغيظًا متطايرًا وحقدًا ضغونًا بين الفقراء والأغنياء، ولم يَدُرْ هذا النزاع — كما هي الحالة بيننا اليوم — على مثالٍ أَعْلَى يعترف بصحته الطرفان ويحاول كلٌّ منهما أن يُقنع الآخر بأن الوصولَ إليه هو عن هذه الطريق لا تلك، وإنما كان نزاعًا فَجًّا حاول فيه القويُّ أن يبتلع الضعيفَ ابتلاعًا.

ولم يَقُمْ هذا النزاع في المصانع وبين المداخن، وإنما دارتْ رحاه في الحُقُول الباسمة والمراعي الضاحكة في الريف لا في المدن، فالمُزارع الصغير كان يقاسي الأَمَرَّين من الحُرُوب الطاحنة والغزوات الخاربة والضرائب الفادحة والوسائل الزراعية الغاشمة، وكان جارُهُ الكبيرُ الطامع كبيرًا في المال والجاه والنفوذ، ومما زاد في الطين بلة أَنَّ العُرْف السياسيَّ في الدولة قضى بِأَنْ يَتَرَبَّعَ المُزارع الكبير على كراسي الحكم، وأن يسعى كل موظف كبير إلى استملاك الأراضي.

وأدى هذا التكالبُ على المراعي والمزارع إلى الغش والخداع، فقد يعرض مزارعٌ كبيرٌ على جار فقيرٍ استكراءَ أرضه لقاء مبلغٍ مُعَيَّنٍ من المال يغريه به، فيقبل الفقير وتتمُّ الصفقةُ ثم يمتنعُ المزارعُ الكبيرُ عن الدفع فيلجأ الفقير إلى القضاء، فيمتطي الكبيرُ جوادَه ويهدد ويعربد ويستخف بادعاء جاره ويؤكد أن المُلك له وأن مثله لا يلجأ إلى فقير يستكري أرضه، وإذا اضطر ابتاع ضمير القاضي.

وقد تمحل المواسم فيدسُّ هذا الطامع الكبير عملاءَه بين جيرانه الفقراء؛ يزيِّنون لهم بيع أملاكهم، فيبيعونها بأبخس الأثمان. وقد يشرف فقيرٌ ضعيفٌ على الموت ولا وريث له، فيطل عليه أحد أخصاء جاره الكبير يسأل عنه ويقدم له المعونة والهدايا ثم ينصح له أن يتبنى جاره الغني العظيم، فتأخذ الفقير العاطفة وتعتريه موجة من الكبرياء فيرضى، وقد يلجأ الكبير القوي إلى الاحتيال، فيحيط هذا المريض المحتضر برجاله فيشهدون لدى وفاته بأنه أوصى بممتلكاته إلى جاره الكبير، وكان القانون البيزنطي يجيز الوصية أمام شهود ثلاثة.

وقد يستهوي الكبير الطامع جابي الضرائب فينقده شيئًا من النقد ليتطلب من فريسة أخرى أكثر بكثير مما يجب، فيقضي على معنويات هذا المزارع الفقير، ويمهد الطريق لجاره الغني القوي؛ كي يستولي على أملاكه.

ولا نجد كبار الرهبان أَقَلَّ جشعًا من هؤلاء المزارعين الأقوياء؛ فإنهم رغبوا في الدنيا بقدر ما كان يجب عليهم أن يزهدوا فيها، وتعدوا على حقوق الجيران الفقراء فوسعوا حدود الأوقاف على حسابهم واستولوا في بعض الأحيان على المواشي وعلى الخيل والجِمال، وعاشوا عيشة هناء ورخاء، ودعوا لرهبانياتهم فتزايد عدد الرهبان تزايدًا مخيفًا، فأفرغوا الحقول من اليد العاملة وقطعوا عن صندوق الخزينة العامة دخلًا كبيرًا.

وتضاءلت الطبقة المتوسطة في الأرياف، وازداد الأقوياء قوة والضعفاء ضعفًا، وقلت الثقةُ بالحكومة، وأفظع ما هنالك أن نجاح الأقوياء في ابتلاع الضعفاء المدنيين شجع أولئك على مَدِّ الأيدي إلى مَزارع العسكريين الذين كانوا قد أُقطعوا الأراضي ليعيشوا منها ويتسلحوا بمدخولها.

وهبت الحكومة المركزية تُعالج هذه المشكلات، فمنعت الكبار — بادئ ذي بدء — من الاستفادة من ديون هي موضعُ جدل وخصام بينهم وبين الصغار، ومنعت هؤلاء عن وضع شعائر الكبار على أبواب بيوتهم ما دامت هذه البيوت أو الحقولُ موضعَ خصام بينهم وبين كبيرٍ قويٍّ، وأصدرت الحكومةُ في القرن التاسع — كما سبق وأشرنا في حينه — قوانينَ ثلاثةً، منعت بموجبها انتقال الملكية من ضعيف إلى قوي بالتبني أو الهبة أو الوصية، كما حرَّمت بيع أملاك الضعفاء وتأجيرها. وألغت كذلك مفعول مرور الزمن في جميع هذه الحالات، فجَمَّدَت بذلك كل علاقة من هذا النوع بين الفريقين.٢٩
وعلى الرغم من هذا كله، فإن هؤلاء الكبار Dunatoi ما فتئوا يطاردون الصغار Penes حتى فسَّخوا الدولة تفسيخًا وقضَوا على معنوياتها ودفاعها.

الدولة ورجال الصناعة

وفي الوقت الذي كان فيه الفلاح الصغيرُ يعاني هذه المتاعب والمصاعب، كان الصانعُ في المُدُن منهمكًا في أشغاله ميسورًا، فدولةُ الروم لم تعرف عهدًا في تاريخها زَهَتْ فيه الصناعةُ والتجارةُ زهوهما في هذين القرنين، ولم تكن القسطنطينية في أي وقت من أوقاتها أكثر نتاجًا وأوفر ربحًا، وأصبحت بوفرة مالها وحذق صناعها أمَّ المال والذهب والفن والعجائب للعالم أجمع، وقصدها أمهر الصنَّاع وأطمع التجار من سواحل البلطيق حتى الأسود والأدرياتيكي، ومن أرمينية والقوقاس حتى إسبانية والبرتغال، وتمنى بذخها وثروتها أمراءُ الأقطاع في الغرب المسيحي وأسياد السياسة في الشرق الإسلامي.

ويستدل من وثيقة ترقى إلى عهد لاوون السادس سمَّاها رجال الاختصاص «كتاب البرايفكتوس» (حاكم العاصمة) أنه علاوةً على البقالين واللحَّامين والخبازين، والبنائين والنحاتين والرخامين، والنجارين والحدادين والخياطين والرسامين؛ كان هنالك طبقةٌ من التجار والصنَّاع يُعنون بنسج الحرير وصَبْغِهِ وتزيينه بالرسوم وبالفضة والذهب، وأن هؤلاء أَدْهَشُوا العالم بدقة صُنْعهم ومهارتهم، فجمعوا أموالًا طائلة، وجعلوا من القسطنطينية، ومن ثيسالونيكية وثيبة وكورونثوس وبتراس، قبلةَ أنظار أهل البذخ والتَّرَف في الشرق وفي الغرب معًا. ويُستدلُّ من هذه الوثيقة أيضًا أَنَّ صناعةَ الروائح الطيبة لم تَقِلَّ شأنًا عن صناعة الحرير، وأَنَّ رجالها توصلوا إلى درجةٍ من الرقي مَكَّنَتْهُم مِنْ بسط بضاعتهم في كنف القصر نفسه «وأن روائحهم الطيبة التي تصاعدت كالبخور إلى أيقونة المسيح فوق باب خلقة عطرت جو هذا المدخل الفخم.»٣٠

ولمست الحكومة أهمية هذه الصناعات؛ فضبطت أحوالها وأَخْفَتْ أسرارها، وراقبتها مراقبة شديدة، فحددت مدى اختصاص كل حرفة، وعينت شُرُوط الانتماء إليها، وحَدَّدَت عدد الصناع فيها، ونوع النتاج وكميته، ومقدار الأُجُور، ودَقَّقَتْ في قيودها وحساباتها وموازينها، ونَهَتْ عن الغش في الصنع وأنزلت بالمرتكب عقابًا صارمًا، ثم حَمَتْ هذه الصناعات من مزاحمة الأجانب فحددت الاستيراد، أو مَنَعَتْه — كما جاء في كتاب البرايفكتوس عن صابون مرسيلية.

١  Guerdan, R., Vie, Grandeurs et Misères de Byzance, 1–5.
٢  Guerdan, R., Op. Cit., 4–7.
٣  ابن رسته: ص١٢٣–١٢٦.
٤  Bréhier, L., Inst. Emp. Byz., 447.
٥  Mansi, Amplissima Collectio Conciliorum, III, 559.
٦  Mansi, Amplissima, VII, 428-429.
٧  Lingenthal, Novelles de Justinien, 109, 123, 131.
٨  Lingenthal, Op. Cit., 174.
٩  Patrologia Graeca, CXII, 1040–1048.
١٠  Patrologia Graeca, CLV, 441–444.
١١  Patrologia Graeca, CVII, 403, 415-416; Laurent, Byzantion, 1929, 629–631.
١٢  Vailhe, S., Titre de Patriarche Oecumenique, Echos d’Orient, 1908, 65–69.
١٣  Dolger, F., Regesten, 823; Grummel, R. P., Regestes des Actes du Patriarcat Byzantin, I, 830; Schlumberger, G., Epopée, III, 60.
١٤  Epanagoge, II–III; Treitinger, O., Die Ostromische Kaiser und Reichsidee, 158-159.
١٥  Bréhier, L., Institutions, 432.
١٦  Bréhier, L., Institutions, 432–435.
١٧  Lingenthal, Z., Nov. Just., 16 Mars, 535.
١٨  Jus Graeco-Romanum, V, Responsio II; Patrologia Graeca, Balsamon, 93.
١٩  Pargoire, Eglise Byzantine, 114; Leclercq, H. Dict. d’Arch. Chrét., XII, 910–916, XIV, 1720.
٢٠  Dolger, F., Regesten, 147.
٢١  Theophanes Continuatus, V, 8.
٢٢  Dolger, F., Regesten, 1466.
٢٣  Oeconomus, L., Les Oeuvres d’Assistance et les Hopitaux Byzantins; Codellas, S., The Pantocrator, Bull. of Hist. Of Medicine, 1942, 392–410.
٢٤  Guerdan, R., Op. Cit., 23.
٢٥  Guerdan, R., Op. Cit., 27-28.
٢٦  Bury, J. B., Later Rom. Emp., I, 429–432.
٢٧  Guerdan, R., Op. Cit., 29–31.
٢٨  Bury, J. B., The Emperial Adm. System; Benesevic, Die Byz. Ranglisten Nach dem Kletorologion Philothei; Bréhier, L., Institutions, 89–165.
٢٩  Vasiliev, A. A., On The Question of Byzantine, Feudalism, Byzantione, 1933, 584–604; Diehl et Marçais, Monde Oriental, 523–531.
٣٠  Andreades, Byzance, Paradis du Monopole et du Privilège, Byzantion, 1934.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤