الفصل العاشر

في الأزهر

وقفنا بتاريخ الأزهر الحديث عند أوائل النصف الأخير من القرن التاسع عشر، وهو يومئذٍ حومة صراع خفي بين طلاب الإصلاح المجدِّدين وبين شيعة الجمود والتقليد من المحافظين على القديم؛ إذا تولاه شيخ عصري، أو شيخ فتى بالقياس إلى شيوخه المعمرين، سعى سعيه البطيء إلى تنظيم الإدارة وترتيب أوقات العمل ومواعيد الامتحانات وشروطها دون مساس بجوهر التعليم من موضوعات الدروس وكتب التدريس وأشخاص المدرسين، وإذا أحس ولاة الأمر بادرة السخط على هذا النصيب المقتصد من الإصلاح البطيء، أعادوا إليه شيخًا من المشهورين بالتعصب للقديم، وأعادوا الأزهر في الحقيقة إلى ذلك الشيخ ليتولى عنهم ستر نياتهم نحو الإصلاح، ويدفع عنهم بجموده وتقليده شبهات العدوان على حرمات هذا المعهد العتيق، بل شبهات العدوان على حرمات الدين؛ إذ كان كل تغيير في المألوف بينهم لا يقل عن سبة الخروج من الدين.

وكانت الحكومة — كما تقدَّم — تخشى أن تتعرض لهذه الشبهات في زمن تكاثرت فيه الشبهات عليها من سياستها الأجنبية، وأوشكت هذه السياسة أن تجعلها رهينة بالسلطان الأجنبي في أمور القضاء والتشريع، وفي أمور «الامتيازات الأجنبية» على التعميم، فلم تكن لها بقية من السمعة الحسنة في هذا الباب تجازف بتعريضها للثورة عليها من رجال الدين، في أكبر معاهد الإسلام، فاتَّبَعت مع الأزهر خطة الانتظار، وآثرت أن تتلقى طلب الإصلاح من أهله فتلبيه، وظلت على هذه الخطة لا تجرؤ على تبديلها إلى ما بعد الاحتلال البريطاني واستيلاء المحتلين علانية على دواوين الحكم بدعوى الإصلاح والتنظيم.

عندئذٍ تحوَّل الموقف كله من جانب السلطة الشرعية أو سلطة الخديو بمعزل عن وزرائه وموظفيه، فإن استئثار المحتلين بدعوى الإصلاح والتنظيم في دواوين الحكومة جميعًا لم يَدَعْ له مكانًا يعمل فيه منطلِق اليدين غير الجامع الأزهر وديوان الأوقاف والمحاكم الشرعية، وهي الجهات الدينية التي أمسك المحتلون عن التعرض لها، إلا فيما يتعلق منها بميزانية الدولة كوظائف القضاة الشرعيين وموظفي المحاكم الشرعية، فأصبح من هَمِّ الخديو أن يدفع عنه تهمة العجز عن الإصلاح والتنظيم فيما بين يديه من الدواوين والمعاهد، فإن هذا العجز حجة عليه وعلى الحكم الوطني برمته في أيدي السلطة الأجنبية، وبرهان محسوس يرتكن إليه المحتلون — أمام العالم — كلما التمسوا ذلك البرهان المحسوس للحجر عليه وعلى أداة الحكم التي ترتبط بها «المصالح الأجنبية» ودعوى الامتيازات.

ومع هذه الضرورة الملحة على ولي الأمر لم يجرؤ على «اقتحام العقبة» بغير تمهيد يعفيه من تهمة التهجم على حرمة المسجد وتقاليد الدين، فدبَّر مع المخلصين من طلاب الإصلاح «حيلة شرعية» للبدء بالإصلاح المطلوب، واتفقوا على استفتاء شيخ الجامع الزهر ومفتي الديار المصرية في مسألة العلوم التي يجوز تدريسها بالجامع، ولا تعتبر العناية بها في أماكن العبادة مخالفة للتقاليد الإسلامية، وكلَّفوا عالمًا تونسيًّا فاضلًا — هو الأستاذ محمد بيرم أشهر علماء جامع الزيتونة في عصره — أن يتوجه بهذا الاستفتاء إلى الشيخ محمد الإنباني شيخ الجامع يومذاك (١٣٠٥ﻫ/١٨٨٧م)، فكتب إليه بعد تمهيد وجيز:

… ما قولكم رضي الله عنكم، هل يجوز تعلُّم المسلمين للعلوم الرياضية مثل الهندسة والحساب والهيئة والطبيعيات وتركيب الأجزاء المعبَّر عنها بالكيمياء وغيرها من سائر المعارف، لا سيما ما ينبغي عليه منها من زيادة القوة في الأمة بما تجاري به الأمم المعاصرين لها في كل ما يشمله الأمر بالاستعداد؟ بل هل يجب بعض تلك العلوم على طائفة من الأمة، بمعنى أن يكون واجبًا وجوبًا كفائيًّا على نحو التفصيل الذي ذكره فيها الإمام حجة الإسلام الغزالي في إحياء العلوم، ونقله علماء الحنفية أيضًا وأقرُّوه، وإذا كان الحكم فيها كذلك، فهل تجوز قراءتها مثل ما تجوز قراءة العلوم الآلية — من نحوٍ وغيره — الرائجة الآن بالجامع الأزهر وجامع الزيتونة والقرويين … أفيدوا الجواب لا زلتم مقصدًا لأولي الألباب.

وقد كان الأستاذ الإنباني يعلم مصدر الاستفتاء، فلم يهمله كما أشار عليه بعض أعوانه، وكتب في جوابه ما يلي:

… يجوز تعلُّم العلوم الرياضية مثل الحساب والهندسة والجغرافية؛ لأنه لا تعرُّض فيها لشيء من الأمور الدينية، بل يجب منها ما تتوقف عليه مصلحة دينية أو دنيوية وجوبًا كفائيًّا، كما يجب علم الطب لذلك — كما أفاده الغزالي في مواضع من الإحياء — وأن ما زاد عن الواجب من تلك العلوم مما يحصل به زيادة في القدر الواجب فتعلُّمه فضيلة، ولا يدخل في علمِ الهيئةِ الباحثِ عن أشكال الأفلاك والكواكب وسيرها علمُ التنجيم المسمَّى بعلم أحكام النجوم، وهو الباحث عن الاستدلال بالتشكيلات الفلكية على الحوادث السفلية، فإنه حرام كما قال الغزالي وعلَّل ذلك بما محصله أنه يخشى من ممارسته نسبة التأثير للكواكب والتعرض للإخبار بالمغيبات، مع كون الناظر قد يخطئ لخفاء بعض الشروط. وأما الطبيعيات، وهي الباحثة عن صفات الأجسام وخواصها وكيفية استحالتها وتغيُّرها كما في الإحياء في الباب الثاني من كتاب العلم، فإن كان ذلك البحث عن طريق أهل الشرع، فلا منع منها كما أفاده العلامة شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي في جزء الفتاوى الجامع للمسائل المنتثرة، بل لها حينئذٍ أهمية بحسب أهمية ثمرتها، كالوقوف على خواص المعدن والنبات المحصل للتمكن في علم الطب، وكمعرفة عمل الآلات النافعة في مصلحة العباد، وإن كان على طريقة الفلاسفة فالاشتغال بها حرام؛ لأنه يؤدي للوقوع في العقائد المخالفة للشرع كما أفاده العلَّامة المذكور. نعم، يظهر تجويزه لكامل القريحة الممارِس للكتاب والسنة، للأمن عليه مما ذكرنا قياسًا على المنطق المختلط بالفلسفة على ما هو المعتمَد فيه من أقوال ثلاثة ثانيها الجواز مطلقًا، ونسبه الملوي في شرح السلم للجمهور، وثالثها المنع مطلقًا ونسبه صاحب السلم لابن الصلاح والنووي. قال الملوي: ووافقهما على ذلك كثير من العلماء، ولما كان الإمام النووي ممَّن يقول في المنطق بالمنع مطلقًا مشى على نظير ذلك في الطبيعة، فعَدَّ في كتاب السير من الروضة من العلوم المحرَّمة علوم الطبيعيات بدون أن يُفصِّل، لكن حيث يعتمد التفصيل هناك فَلْنعتمده هنا؛ إذ لا فرق في ذلك، فإن مظنة الضرر والنفع موجودة في كلٍّ منهما …

إلى آخر الجواب مما يدل عليه أوله المتقدم.

وبعد أسبوعين من صدور هذه الفتوى من قِبَل شيخ الأزهر — الشافعي — صدرت الموافقة عليها من مفتي الديار المصرية، وهو حنفي المذهب، فقال: إن «ما أفاده حضرة الأستاذ شيخ الإسلام موافِق لمذهبنا، وما استظهره من أن الخلاف الجاري في علم المنطق يجري في علم الطبيعة أيضًا وجيه، والله سبحانه وتعالى أعلم.»

•••

ويستطيع الناظر في تضاعيف هذه الفتوى أن يلمح منها أنها تفتح الباب فيما أباحته للتفرقة بين طريقة وطريقة وغاية وغاية، ولا سيما في المنطق والطبيعيات، فلا يشق على المعارض في تدريس علم منها أن يؤجل تدريسه على الأقل إلى أن يثبت خلوص الكتاب المقرَّر من الشوائب الممنوعة، وابتعاد المدرس له عن مذهب الفلاسفة أو مذهب المنجمين، ولا يصعب على المعترض أن يحسب الإنباء عن مواعيد الكسوف والخسوف والقرانات الفلكية المحققة افتياتًا على الغيب، لجواز الخطأ فيها على الناظر كما جاء في الفتوى.

وتلك كانت النية منذ صدرت الفتوى اضطرارًا بهذا التحفظ والتقييد، فإن الشيخ قد أصدرها وهو ينوي تعطيل برنامج الإصلاح بأمثال هذه الحجج التي لا تُعْيِي أحدًا يريدها بعد السير في خطوات التنفيذ العملية. وقد عاد الشيخ محمد عبده من المنفى، واقترح على الشيخ الإنبابي هذا تدريس مقدمة ابن خلدون، فلم يُجِبْه إلى مقترحه وقال: «إن العادة لم تَجْرِ بذلك …» ثم سكت حين أراد الشيخ محمد عبده أن يبين له وجه المشابهة بين المقدمة وما يدرَّس من كتب المتأخرين على عهده، ولم يُرِدْ أن يدخل في الحديث.

•••

لا جرم يكون صدور هذه الفتوى العقيمة هو كل ما تم من «مشروعات» هذا الإصلاح، فلم تَزَلْ حبرًا على ورق إلى العهد الذي أنشئ فيه للأزهر مجلسٌ خاصٌّ لوضع الفتوى في موضع التنفيذ، وكان الشيخ محمد عبده عضوًا فيه، وقد عُيِّن للأزهر وكيل ذو كفاية وخُلُق، له «شخصية قوية» لا يسهل إهمالها، وهو الشيخ حسونة النواوي من أصدقاء الشيخ محمد عبده، وأركان المدرسة الجديدة من بين العلماء المجددين، وقد اتفقت الآراء على اختياره ليحول دون تعطيل «المشروعات» عند تطبيقها، إذا صدرت بها القوانين والمراسيم.

مضى بين اتصال الشيخ محمد عبده بالأزهر وصدور تلك الفتوى نيف وعشرون سنة، حضر فيها مراحل هذه الحركة من بداءتها الأولى وهو طالب ومدرِّس ومُشرِف على الإدارة والتدريس.

وصل إلى الأزهر طالبًا حوالي سنة ١٨٦٦ ميلادية، فاجتهد لنفسه في البحث عن أساتذته ودروسه، ثم أغناه حضور جمال الدين إلى مصر عن المعلمين فيما يحتاج إلى المعلم، وأغناه ذكاؤه وصبره عن الكتب المقروءة في حلقات التدريس؛ إذ كان يبحث عن الكتاب المفيد حيث أصابه، فيقرؤه لنفسه ويجني منه خير ما يجني من الفائدة في زمن وجيز، يريحه من حضور دروسه على المعلمين «التقليديين»، وكثيرًا ما يكون من غير الكتب المقرَّرة لدراسة الحلقات.

وقد مر بنا كيف كان الناشئ محمد عبده يُبتلَى بالنقيضين على مفترق الطريق في معاهد تعليمه منذ صباه، ولكن مفترق الطريق هذا كان في عهده الأول بالأزهر على أبعد ما تكون الشقة بين النقيضين، فقد كان من طرف الجمود يترامى إلى زاوية الجمود السحيقة في كهف الشيخ محمد عليش، وكان من طرف التجديد يترامى إلى غاية مرماه، حيث تتطامن العقبات والسدود، في ساحة جمال الدين، بل في ميدان جمال الدين.

وقد كان الشيخ محمد عليش رجلًا صالحًا عفيفًا عن المطامع الدنيوية التي كانت تستهوي طلاب المظاهر من علماء عصره، وكان مخلصًا صادق النية في كراهة البدع التي يُخشى منها على الدين، ولكنه إخلاص قاده إلى التطرف الشديد، وأوشك أن يبغض إليه كل تفكير يستقل به طالب العلم، ولو كان من تفكير حكماء الإسلام.

وأبلغه ابنه يومًا أن طالبًا بالأزهر يحضر على جمال الدين ويقرأ كُتُب المعتزلة والمتكلمين، فحمل عكازه وذهب مع ابنه وأصحابه الشبان إلى حيث يجلس ذلك الطالب الجريء، ودارت بين العالم الكبير والطالب الناشئ مشادة، أحرى أن تُسمَّى مشاجرة؛ لأنها انتهت إلى التماسك بالأيدي واعتصام العالم الكبير بعكازه، وألجأت الطالب الناشئ إلى اصطحاب عصاه كلما ذهب إلى حلقته؛ ردًّا لعادية الزملاء المستأنسين بحماية شيخهم، إن لم يكن ردًّا لعادية الشيخ الوقور.

وتقدَّم إلى امتحان شهادة العالمية، وهو بهذه السمعة في دوائر الجامدين ودوائر المجددين، فدخل أعضاء اللجنة وهم متعاهدون على إسقاطه كيفما كانت إجابته على أسئلتهم التي قدَّروا أن تكون معجزة لمثله، فلم يستطيعوا أن يحرموه بعد العنت والمكابرة، بل لم يستطيعوا أن يكتفوا بمنحه الدرجة الصغرى وهي شهادة اللجنة من الدرجة الثالثة، حتى أنقذه منهم بعض الإنقاذ رئيس اللجنة ورئيس الجامع في ذلك الحين الشيخ «المهدي العباسي»، أحد كبار العلماء المناصرين لحركة التجديد وإن لم يكن من المحبين لجمال الدين، وأقسم الرجل أنه لو عرف درجة فوق الأولى لما استكثرها عليه، وكادت اللجنة أن تنفض على غير اتفاق، لولا خشية العاقبة من مجابهة شيخ الجامع بالتحدي والإجحاف، فاقترح بعض الأعضاء التوسط بين الدرجتين، واتفقوا أخيرًا على منحه الدرجة الثانية، ثم رُفِعت هذه الدرجة إلى الأولى بعد سنوات، وكانت سنه في نحو الثامنة والعشرين حين دخوله الامتحان (١٨٨٧).

وبعد التدريس في الأزهر نحو سنتين عُيِّن أستاذًا بدار العلوم (١٨٧٩)، وفُصِل منها بعد أشهر معدودات لغير سببٍ مذكورٍ في قرار فصله، ولكنه كان مفهومًا بين المطَّلعين على سياسة القصر قبيل الثورة العرابية، فإنه كان قد عُرِف بالدعوة في دروسه إلى المبادئ الخطرة التي أشارت إليها الحكومة في قرار نفيها للسيد جمال الدين، وكان أكثر من ذلك تلميذ جمال الدين الأول، فكان خطر جمال الدين أهون عليهم من خطر هذا التلميذ، وهم يكلون إليه تعليم المعلمين!

أي مكان أسلم — أسلم للحكومة الخديوية — تضع فيه المدرس المعزول من وظيفة التدريس للمعلمين؟

إن السؤال عن المكان المأمون الذي يشغله هذا الفتى الريفي قد أصبح في تلك الآونة شغلًا للدولة تُعنَى به، مع عنايتها بكل مكان تتوقع منه الخطر على وجودها، ولم يمضِ على هذا الفتى الريفي في الثلاثين من عمره سنتان، أو سنوات ثلاث، في الحياة العامة حتى أصبح في رأي الدولة واحدًا من آحاد معدودين يُحسَب لهم حسابهم عند كل حركة من حركاتهم، بل كل نية تحسها الدولة من نياتهم!

نعم، إنه في حالته وبيئته و«مؤهلاته» التقليدية واحد من عدة آلاف لا يُعرَف لهم اسم ولا يُحسَب لهم حساب، ولكنه في نفسه، أو في هموم نفسه وآمالها، واحد لا ثاني له من غراره، وإن يكن في توقُّع الخطر منه واحدًا من بضعة آحاد معدودين، خارج الوظائف والدواوين.

ولقد عُزِل من وظيفة التدريس بدار العلوم وهو عالم من علماء الأزهر، فإذا كان تعليمه هو الخطر المحذور، فهو عائد إلى التعليم في مدرسةٍ أكبر باتساعها وأخطر بقدوتها من دار العلوم، وهي الجامعة الأزهرية ما لم تشغله عنها وظيفة يرضاها، وقد أخذ في ذلك الحين ينشر مقالاته في الصحف، ويجمع حوله طائفة من قرَّاء أدبه والمعجَبين بآرائه، فإذا خُلي بينه وبين الصحافة فمَنْ ذا يعلم العاقبة المنتظرة بعد قليل؟ وماذا يمنع أن تتيح له الظروف لسانًا من ألسنة الصحافة السيارة، يستقل به ويملي منه دروسه التي حِيلَ دون إملائها بين الجدران في دار العلوم؟

إن التحرير عمل يناسبه، فَلْيكن إذن محرِّرًا في صحيفة الحكومة بين سمعها وبصرها، وَلْيؤخذ عليه سبيل التدريس في الأزهر والكتابة في الصحافة السيارة، بعمل يعجبه في ظاهره ويحد من نشاطه المحذور في باطنه، وهو تحرير الوقائع المصرية، تحرير الصحيفة التي يدل اسمها عليها، وهو نشر الوقائع الرسمية.

لو قال قائل: إن هذا الإنسان خلقة مجبولة للتعليم، وإن رمق الحياة ورمق التعليم فيها شيء واحد. لما وصل إلى حدود الإغراق الذي تبيحه المبالَغَة للمبالِغ في مثل هذا المقام.

فإنه عُزِل من مدرسة التعليم للمعلمين ليلحق بمكان يقال فيه بحقٍّ إنه آخِر مكان ينتظر منه إلقاء الدروس، وإنه المكان الذي لا يقع في أن الدروس تُلقَى منه على الأمة وعلى الحكومة، وهما على أبواب ثورة قلَّمَا تجمعهما على وفاق.

ولكن صحيفة الوقائع الرسمية تحوَّلت على يد هذا المحرر «الرسمي» إلى منبر لنشر الدعوة وإعلان الشكوى، وإسماع الحكومة ما تريد أن تسمعه وما لا تريد أن يُسمَع بحال، وقال الشيخ محمد عبده على صفحاتها كل ما كان قائله لو تكلَّم في حلقات الأزهر أو على منصة التدريس بدار العلوم.

ولا تتسع هذه المناسبة لأكثر من الإشارة إلى عناوين بعض المقالات التي نشرها للناس باسم الوقائع الرسمية، ومنها مقال في انتقاد التعليم بوزارة المعارف، ومقال عن التربية في المدارس والمكاتب الأميرية، ومقال في الحملة على الرشوة، ومقال في الإنحاء على البدع التي تصدر من نظارة الأوقاف، ومقال عن تأثير التعليم في العقيدة، ومقال عن الشورى، وآخَر عن اختلاف القوانين باختلاف الأمم، وآخَر عن المَلَكَات والعادات، وآخَر عن تعدُّد الزوجات، وآخَر عن إسراف الفلاح وضرر الديون وغيرها قرابة أربعين مقالًا، أو أربعين درسًا، في أمثال الشئون القومية التي يتجه فيها الخطاب إلى الأمة والحكومة، وتلام فيها كلتاهما بمقدار حقها من الملام.

ولم يهمل شأن الأزهر وهو يتكلم عن إصلاح التعليم ويتصل برئيس الوزارة بحكم وظيفته في الصحيفة الرسمية، فكل ما عملته الوزارة الرياضية من أعمال الإصلاح وتنظيم الإدارة بالأزهر، فإنما على علم منه بمشورته وبفضل وساطته بين الحكومة وعلمائه، ولكن الثورة العرابية شغلت علماء الأزهر يومئذٍ عن مسائل التعليم والإدارة، وضمت الكثيرين منهم إلى جانب الثائرين في وجه الخديو بعد انضمامه إلى السلطة الأجنبية، وكان الشيخ محمد عبده أحد العلماء الذين كانوا يأخذون العهد والقسم من الثائرين على الإخلاص والأمانة، وجُوزِيَ على ذلك بالنفي إلى خارج الديار ثلاث سنوات امتدت إلى سبع سنوات، ولم ينقذه من حكم الموت إلا تلك الصلة القديمة التي سبقت له مع الوزارة الرياضية.

•••

وعاد إلى الاتصال بالأزهر على إثر عودته من منفاه، ولكنه حِيلَ بينه وبين الانقطاع للتدريس فيه بإسناد الوظائف المختلفة إليه، وكانت أول مشاركة له في وظائفه تعيينه عضوًا بمجلس إدارته (سنة ١٨٩٤)، ثم تعززت مكانته الرسمية بولايته منصب الإفتاء بعد ذلك بخمس سنوات، وكان وجود مثله عضوًا بمجلس الإدارة كافيًا لإخراج الفتوى القديمة — فتوى الشيخ الإنبابي — من حيز القول المهمَل إلى حيز العمل الفعَّال، ولكن قيامه على منصب الإفتاء رجع بالفتوى إلى صاحبها، وأغنى العاملين على الإصلاح داخل الأزهر وخارجه عن مهمة التوفيق بين الوعد والإنجاز، وبين النية والتنفيذ.

•••

وقد كان في وسع الشيخ محمد عبده وأعوانه الثقات أن ينجزوا في ثلاث سنوات، أو أربع سنوات، ما استغرق إنجازه منهم أكثر من عشر سنين، وهي المدة التي أشرف فيها الشيخ محمد عبده بشخصه على إدارة الأزهر، منذ تعيينه عضوًا بمجلس الإدارة إلى استقالته من منصب الإفتاء، ولكنه آثَر أن يتمهل اختيارًا لتسويغ الانتقال من القديم إلى الجديد في نفوس أنصار القديم المتشبثين ببقائه بين الموافقة باللسان والمراوغة في التنفيذ، واضطر في كثير من الأحيان إلى التمهل اضطرارًا لتراجع ولي الأمر — الخديو عباس الثاني وحاشيته — في وعودهم، وعدولهم عن العمل على التغيير الصريح إلى مراوغة كمراوغة الشيوخ الجامدين بين الموافَقة اللسانية والتعويق في التنفيذ، ولكن دعاة الإصلاح تمكَّنوا — مع هذه التعويقات — من إقامة الأسس التي يصعب على المعارضين أن يهدموها بعد إقامتها، وكان عملهم مدى السنين العشر أعظم مما يتسع له هذا الأمد القصير بالقياس إلى القرون المتوالية التي تم تبديلها في خلالها، بعد الشروع فيه والعدول عنه واستمرار الدعوة إليه أعوامًا إثر أعوام.

ويطول بنا بيان التشريعات والإجراءات الإدارية التي تقضي المراسم الضرورية باستصدارها قبل كل خطوة تخطو في تغيير شيء من القديم واعتماد شيء من الجديد، ولكن المقارنة السريعة بين ما كان عليه الأزهر في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، وما صار إليه في مطلع هذا القرن العشرين هي الأثر العملي المحسوس لجميع تلك التشريعات والإجراءات في حيز التقرير والتنفيذ.

كانت سيئات الإدارة لا تُحصى، وكانت حسناتها القليلة تجري — إذا جرت — عفوًا على غير نظام.

كان مشايخ الأزهر يوزعون المرتبات والجرايات على غير قاعدة مرعية، حسبما يتجمع عندهم من محاصيل الأوقاف المحبوسة على أتباع المذاهب أو على أبناء الأقاليم، فربما هبطت مكافأة العالِم في الشهر إلى ما دون العشرين قرشًا أو ارتفعت إلى بضعة جنيهات، ولا ضمان لعودتها في السنة التالية إذا تغيَّر الشيوخ واختلف حساب الأوقاف، واختلف معه حساب توزيعها بين الشيوخ والمقدمين على الأروقة والأقسام.

وكان شأن كساوي التشريفة كشأن المرتبات والجرايات، يختص بها الشيخ الأكبر مَن يشاء من أبناء مذهبه أو إقليمه أو خاصة أشياعه ومريديه، ولا وجه لمراجعته أو الاحتجاج عليه عند هيئة مسموعة الكلمة في الجامع، أو عند ولاة الأمور من الولاة والوزراء.

ولا يُنتظَر في مثل هذه الحالة أن يجري عمل المدرسين والطلاب على وتيرة مطردة، أو تجري رقابة التدريس كله على مبدأ معروف، فمَن شاء من الأساتذة أو التلاميذ حضر حلقات الدرس، ومَن شاء منهم غاب عنها ولم يُسأَل عن حضوره أو غيابه، وليس للعمل أو للإجازة أو الامتحان موعد مقرَّر في سنة من السنين، فإذا قيَّد الطالب اسمه بين مستحقي الجراية أو السكن بأروقة الجامع، فقد يُحسَب من طلابه إلى أن يتجاوز الستين ولا تنقطع جرايته ما دام من المرضِيِّ عنهم بين شيعة صاحب الرواق.

وكانت العلوم الحديثة محرَّمة لا تُدرَّس ولا يُرضَى عن طلابها في غير الحلقات الأزهرية، وكانت علوم السلف التي تُنسَب إلى الفلاسفة أو المعتزلة قرينة بتهمة الكفر والزندقة، ومَن اشتغل بها معلمًا أو متعلمًا فسبيله أن يعتزل الجماعة خفية … ولا سلامة له باعتزالهم جهرة على سنة الأقدمين ممَّن اشتهروا بالاعتزال.

وكانت تدبيرات الصحة مهمَلة، بل كادت أن تكون ممنوعة، لقلة اطمئنان العلماء الجامدين إلى المواد التي تُستخدَم للتعقيم والتطعيم، بل قلة اطمئنانهم إلى أقوال الأطباء في عدوى الجراثيم، ولولا أن النظافة أدب من آداب الإسلام لما تَقبَّل القائمون على إدارة الجامع عملًا من أعمال الوقاية في أزمنة الوباء، غير الأمر بإغلاق الجامع ووقف الشعائر والدروس في أروقته، وهو الأمر الذي يتحرج منه المسئولون ويحتالون له بمختلف الحيل كلما استطاعوا أن يتجنبوه بالإعلان الصريح.

وتبدَّل ذلك كله في سنوات قلائل، وأول ما تبدَّل منه أمر العناية بالتدبيرات الصحية، فأُنشِئت للجامع صيدلية خاصة، وعُيِّن له طبيب منقطع لعلاج طلابه والكشف عليهم بالمجان.

ولم يكن باليسير تنظيم أعمال التدريس بغير تنظيم أوقات العمل والمرتبات؛ إذ لم يكن للأزهر مورد محصور عند المراجع الرسمية، يُصرَف منه على المرتبات الكافية لمدرسيه المعتمَدين، فسعى الشيخ محمد عبده عند الوزارة لتخصيص مبلغ من ميزانية الدولة تنفق منه على الدراسة في الأزهر، وكانت حجة الشيخ على المستشار المالي الإنجليزي — الذي كانت له الرقابة على الميزانية — أن الأزهر يخرج الموظفين لدواوين الحكومة من القضاة الشرعيين، فالإنفاق عليه واجب حكومي كالإنفاق على مدارس الحقوق والشرطة والمعلمين، وواصل الشيخ سعيه عند ديوان الأوقاف حتى أرصدت في ميزانيته مبالغ سنوية للجامعة الأزهرية، وكان من فتواه للديوان أن هذا المصرف جائز، بل مفروض على الديوان، في مقدمة مصارفه الخيرية، وأولها الصرف على تعليم الدين وإعداد الوعَّاظ والأئمة للمساجد التي تقام فيها الصلوات الجامعة، فتوافر للأزهر مَدَد من ميزانية الحكومة وميزانية الأوقاف يكفي لتنظيم التدريس ورفع المرتبات إلى مستواه اللائق بطبقة العلماء، وأقله في مبدأ الأمر لا يقل عن اثني عشر جنيهًا مشاهرة، عدا الإعانات المرصدة من بعض الأوقاف الخاصة، ومنها أوقاف السكن والجراية.

وتقرَّر تدريس العلوم الحديثة مع الترغيب فيها بالمكافأة الحسنة، والترشيح لوظائف القضاء والتعليم.

إن المصاعب التي وجب تذليلها لوضع هذا التغيير موضع التنفيذ أطول شرحًا من وجوه الإصلاح بكل ما اقتضاه بحثها وترتيبها والمضي في تنفيذ قوانينها وإجراءاتها، ولكن القارئ الذي لم يشهد ذلك العهد قد يتمثلها أمامه كلما تذكَّر الموانع التي كانت تعترض هذا التغيير، وتذكَّر القوى الظاهرة والخفية التي كانت تدعم تلك الموانع، وما تستطيع أن تثيره من زوابع القلق والسخط في أنحاء العالم الإسلامي بما رحب، فضلًا عن جوانب الأزهر وجوانب المدينة المصرية، والقرية المصرية، التي عرفنا علاقتها المتأصلة بذلك المسجد العتيق.

من تلك الموانع منافع الشيوخ الذين رُفِعت أيديهم عن موارد الأوقاف، وامتنع عليهم جاه التصرف بكساوي التشريف ومنازل العلماء في المجتمع وعند ولاة الأمور.

ومن تلك الموانع لبانات المقدمين على الأروقة وأهواؤهم التي انقضى زمانها بانقضاء زمان التحكم في الجرايات والمساكن والطلاب والعلماء.

ومنها جاه العلم الذي ضاع على زمرة «السلفيين» الجامدين، بعد أن حفظوه لأنفسهم دون «الدخلاء» عليهم من رجال العلوم الدينية والعلوم «الدنيوية» على السواء.

ومنها جيوش الطلاب والمتطلعين إلى الطلب ممَّن أحسوا وعورة الطريق بعد اقترابهم من نهايتها الميسَّرة لهم على «النظام» القديم، وقد يزيد عليهم في العدد طلاب «الجراية» والمسكن بغير أمل في نهاية قطُّ على نظام قديم أو جديد.

ومنها قوة الجهل المطبق والظن السيئ في عقول الدهماء الذين سمعوا من «الأئمة» المصدقين أن القول بدوران الأرض كفر بواح، وأن معلم الجغرافية مسخَّر من أعداء الدين ليعلم أبناء المسلمين أنها كرة مستديرة دوارة في الفضاء، وأكفر منه مَن يعلمهم الطبيعيات … لأن القول بالطبيعة إنكار لوجود الله وإثبات لوجود المخلوقات بطبيعتها دون وجود الخلَّاق.

ومنها — ولعله يجمعها بحذافيرها — سلطان ولي الأمر؛ إذ أدرك بعد حين أن الإصلاح قد فوَّت عليه سلطانه وفوَّت عليه الغنيمة التي يجنيها لنفسه ويغدق منها الأجور على خدَّامه وحواشيه.

•••

ونقول إن مناوأة الأمير لحركة الإصلاح الأزهرية تجمع تلك الموانع والعراقيل بحذافيرها، اعتبارًا بما عهدناه من أساليب الأمراء والملوك في اضطهاد المصلحين من رعاياهم كلما وقع الصدام بين أرباب التيجان ودعاة الإصلاح منذ أقدم العصور، فإن الملوك والأمراء الذين يضيقون ذرعًا بدعوات الإصلاح قد جرت عادتهم قديمًا باستفزاز رعاياهم واستثارة الجهلاء والمغرضين على قادة الرأي فيهم، لمداراة سلطتهم وإخفاء مكيدتهم وتمويه سياستهم على الناس، كي يتقبلوها منهم كأنها استجابة لرجائهم وتلبية لمطالبهم وغيرة على عقائدهم وشعائرهم، فيحمدهم الناس على شرورهم وهم أحرى أن يضاعفوا لهم المقت بما أصابوا من أفهامهم وعقائدهم فوق مصابهم في المصالح والأرزاق. وقد كان الملوك والأمراء يخدعون شعوبهم هذه الخديعة وهم وحدهم في بلادهم منفردون بسلطة الحكم وجاه الولاية، فأما الخديو عباس الثاني فقد كانت معه سلطة أخرى في بلاده أقوى منه وأقدر على كبحه والحد من مآربه وأطماعه، فكانت حاجته إلى استثارة الجهلاء باسم الدين تزيد على حاجة أسلافه من أهل بيته، وحاجة الأسبقين من زملائه في أساليب الاضطهاد، وقد أسفَّ غاية الإسفاف، وتبذَّل غاية التبذُّل، فلم يَدَعْ وسيلةً يدرك بها مأربه لم يتوسل بها غير مبالٍ بما يعقبها من الأثر على سمعته وسمعة وطنه، بل على سمعة دينه البريء مما يفتريه عليه وعلى أهله، ولم يتورع — وهو أمير البلاد — عن التحريض على إثارة الشغب بين طلاب الأزهر وخَدَمَته وعمَّاله، ولا عن تسخير الصحف التي تتجر بنهش الأعراض والمساومة على الفضائح والوشايات للافتراء على مخالفيه، وهم أعلم الناس بنزاهتهم عما يدعيه. وخلع نقاب الحياء فلم يتورع عن اتهام الإسلام والمسلمين بكراهة العلم الحديث وتصوير العلوم التي أدخلها المفتي إلى الأزهر في صورة الجناية على الدين، ولم يُبالِ أن يعلنها حربًا دينية بين الكفر والإسلام؛ إذ تأتَّى له بذلك أن يقصي الشيخ محمد عبده وكبار الموظفين من أعوانه عن إدارة الأزهر كما يقصيهم عن الإفتاء وديوان الأوقاف، بل تطوع بالوقوف تحت العَلَم البريطاني لاستعراض جيش الاحتلال، لعله يضمن بذلك أن يكف يد العميد البريطاني عن معارضته فيما يتعلق من تلك المسألة بالميزانية ونظام الدواوين!

•••

ومن البديهي أن الخديو قد عوَّل على الدسيسة الخفية في تدبير هذه الحملة الواسعة على المفتي وأعوانه بمجلس الإدارة ومجلس الأوقاف الأعلى، ولكن الدسيسة التي يتآمر عليها عشرات من المغرضين والجامدين والمأجورين لا تكتم عن الناس في أوانها، وإن جازت فيها المغالطة أو المكابرة بين أنصارها وخصومها، إلا أن التاريخ قد ينفض يديه من دسائس هذه الفترة جميعًا ولا يحتفظ بشيء من أخبارها غير مراسيم الخديو وخطبه المنشورة التي ألقاها في قصره، ولا حاجة بالمؤرخ إلى بيان للدسيسة كلها أوضح من بيانها، فإنها ناطقة بدعواها الظاهرة عن مكيدتها الخفية، ودعواها الظاهرة أن تدريس العلوم الحديثة في الجامعة الأزهرية خطر على الإسلام، وأن المفتي وأعوانه قد أُبعِدوا من مناصبهم؛ لأنهم يصرون على تدريس تلك العلوم.

قال الخديو في الاحتفال بخلع الكسوة على الشيخ عبد الرحمن الشربيني شيخ الجامع الجديد:

إن الجامع الأزهر قد أُسِّس وشُيِّد على أن يكون مدرسة دينية إسلامية تنشر علوم الدين الحنيفي في مصر وجميع الأقطار الإسلامية … وأول شيء أطلبه أنا وحكومتي أن يكون الهدوء سائدًا في الأزهر الشريف والشغب بعيدًا عنه، فلا يشتغل علماؤه وطلبته إلا بتلقي العلوم الدينية النافعة البعيدة عن زيغ العقائد وشغب الأفكار؛ لأنه هو مدرسة دينية قبل كل شيء.

وقد صدرت المراسيم بعد خروج الشيخ محمد عبده باختيار شيخين من الحزب القديم لأكبر المناصب الدينية، وهما منصب الإفتاء ومنصب مشيخة الأزهر، فعُيِّنَ الشيخ عبد القادر الرافعي مفتيًا للديار، وعُيِّن الشيخ عبد الرحمن الشربيني شيخًا للجامع الأزهر. فأما المفتي فقد توفي على إثر تعيينه، فلم يُؤثر عنه عمل ولا قول في برنامج التعليم الذي يرتضيه رجال العهد الجديد، وأما شيخ الجامع الأزهر فقد صرَّح برأيه في حديث نشرته صحيفة الجوائب المصرية (١٣ مارس سنة ١٩٠٥)، فقال عن رأيه في الغرض من إنشاء الأزهر:

إن غرض السلف من تأسيس الأزهر إقامة بيت لله يُعبَد فيه ويُؤخَذ فيه شرعه، ويُؤخَذ الدين كما تركه لنا الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم، وأما الخدمة التي قام بها الأزهر للدين ولا يزال يؤديها فهي حفظ الدين لا غير، وما سوى ذلك من أمور الدنيا وعلوم الأعصر، فلا علاقة للأزهر به ولا ينبغي له.

ثم قال عن إصلاح التعليم:

إن الذي حدث من شأنه أن يهدم معالم التعليم الديني فيه، ويحوِّل هذا المسجد العظيم إلى مدرسة فلسفة وآداب تحارب الدين وتطفئ نوره في هذا البلد وغيره من البلاد الإسلامية … وإني أسمع منذ سنوات بشيء يسمونه حركة في الأزهر، ولكني لم أَرَ لهذه الحركة وهذا الإصلاح من نتيجة تُذكَر سوى انتشار الفوضى في ربوعه.

ثم قرن بين حركة الإصلاح والسياسة فقال:

إني رأيت الكثيرين من إخواني خَدَمَة العلم في منصب المشيخة، فوجدتهم أبعد الناس عن الاشتغال بالسياسة وأشدهم فرارًا من مظاهر الدنيا الباطلة.

•••

وهذا هو شرط «الأزهر» الصالح في عُرْف المشيخة التي اختارها ولي الأمر لتعتدل به من طريق الزيغ والشغب إلى طريق الإيمان والأمان!

معهد يستبد ولي الأمر بإدارته وتعليمه ليستخدم سمعته الدينية في تعزيز سلطانه وتوفير ثروته، ثم يَكِلُ المشيخة فيه إلى أناس يريدونه في القرن العشرين مدرسة كبرى لا تعرف شيئًا عن علوم «الأعصر»، ولا تدري شيئًا عن الدنيا والديوان؛ لأن كل شيء عن الدنيا والديوان إنما هو سياسة تُترَك لولي الأمر، ولا يحسن برجل الدين أن يعرض لها من قريب أو بعيد!

ومن تمام العلم بهذه السياسة التي نعاها الشيخ الصالح على المفتي وأصحابه أن نذكر أنها سياسة في صميم العمل الأزهري؛ لأنها سياسة الحاكم الشرعية ومساجد العبادة والتدريس، وقد كانت في صميم السياسة التي أدخلها المفتي في برنامج الإصلاح بعد ولاية الإفتاء، وعلى أساسها تم الإصلاح اليسير الذي سمحت به الأحوال بعد ذلك بسنوات، ولكنه لم يَسْلَم قطُّ من دسائس الخديو وحلفائه في دور التعليم وفي دور التوظيف؛ فقد كان من أصعب الأمور تخريج قضاة يحكمون في المواريث، ويبرمون العقود والمواثيق، وينظرون في مشكلات الأسرة والوصاية على التركات وهم لا يعرفون شيئًا عن الحساب والرياضة وعن نُظُم الإدارة وتقاليد الدواوين، وكان أصعب من ذلك حرمان طلاب الأزهر من وظائف المحاكم الشرعية قضائية وكتابية، وهم ألوف يتخرجون بلا عمل ولا يستعدون بتعليمهم الأول لوظائف التدريس في المدارس الأميرية أو الأهلية، وقد كان الخديو أشد المعارضين لإنشاء المدرسة الخاصة التي يتخرج منها القضاة الشرعيون، ولكنه كان لا يبالي أن يعلن الوعد بإنشائها على حدة يوم كانت المسألة عنده مسألة الحملة على تدريس العلوم العصرية في الأزهر، فقال في خطابه الذي تقدَّم ذكره عن تاريخ القضاة الشرعيين: «إنه ستنشأ له مدرسة مستقلة يقصدها كل مَنْ يحصل على شهادة العالمية في الأزهر ويريد التوظف في القضاء.»

وبهذا الوعد الذي أعلنه وهو ينوي المراوغة فيه خُيِّلَ إليه أنه يُسكِت طلاب الأزهر وعلماءه عن تحريم العلوم، وعن تخريج القضاة والموظفين الشرعيين من مدرسة خاصة، غير الجامعة الأزهرية!

أما إصلاح المساجد فقد كان مشروعًا من مشروعات الإصلاح الكثيرة التي عُنِي بها ذلك الرجل المغضوب عليه؛ لأنه لا يترك موضعًا للإصلاح بمكان يُسنَد فيه إليه عمل، ولو كان من أعمال الاستشارة والمراجعة.

كان المفتي — بحكم وظيفته — عضوًا في المجلس الأعلى لديوان الأوقاف، ومن عملها الإشراف على مساجد العبادة والتعليم في الأقاليم، فكان أول ما نُظِر فيه إنشاء إدارة مستقلة بالديوان تسمَّى إدارة المساجد، وتتخصص لتعيين الأئمة والمدرسين في مساجد المدن والقرى التي تتسع لإلقاء الدروس على مثال الدروس العصرية بالجامعة الأزهرية، ولزم من ذلك أن تُرصَد النفقات لتدبير الوسائل الصحية في المساجد وما يلحق بها من أماكن الوضوء، وأن يختار الأئمة من العلماء الأزهريين الذين يصلحون للخطابة والتعليم ونشر التربية العصرية عن طريق الوعظ والإرشاد، وأن تُرفَع مكافآت الأئمة والوعَّاظ من جنيه واحد أو جنيهين في الشهر إلى المرتب الذي يناسب طبقة العلماء والمدرسين، واشتمل التقرير المتقدم إلى المجلس الأعلى بديوان الوقاف على تفاصل لهذه اللائحة — لائحة المساجد — تبسط الغاية من هذا المشروع لولاة الأمور، وهي تزويد البلاد بقوة من قوى التربية الاجتماعية واليقظة الوطنية، تحقق للأمة مقصدًا لا يقل في أثره الواسع عن أثر المدارس والجامعات.

ولو كُتِب لهذا المشروع أن يُنفَّذ على الوجه الأمثل لخلق تلك العناية في مدى سنوات، ولكنه لم يَكَدْ ينتهي إلى علم الخديو قبل عرضه على المجلس الأعلى، حتى تحركت دواليب الدسيسة لإحباطه والتشهير به في كل مكان، ولم يكن من السهل أن يجترئ أحد على التشهير بمشروع كهذا المشروع لا يختلف في نفعه رأيان، ولكن الحجة التي لا يسندها الرأي قد تسندها حروف المواثيق المطوية في أضابير الديوان، وليس في تلك المواثيق نَصٌّ على المباخر الصحية، ولا على دروس التربية الاجتماعية، وليس لكل مسجد وقف محبوس عليه يكفي لمرتب الإمام العالم وتكاليف الدراسة العامة، وقد يجوز للناظر على الأوقاف عامة أن يرصد تكاليفها جملة ولا يفرقها أجزاء ينفصل بعضها عن بعض بإداراته والإشراف عليه، ويجوز له أن يتمم النفقة على المسجد بالنفقة على سائر الخيرات التي لم يقيدها الواقفون بوجه من وجوه الإنفاق غير وجوه الإحسان، ولكن الناظر العام على الأوقاف يصنع ذلك إذا كان من همه أن يصنع الخير حيثما السبيل وجد إليه، ولكنه يقف عند كل حرف من حروف الحجج المطوية إذا كان من همه غير ذلك، أو كان من همه — على عكس ذلك — أن يغلق الباب دون كل مشروع من هذه المشروعات العامة تتحول إليه مصارف الأوقاف وتخرج بذلك من قبضة يديه. وقد كان القاضي الأكبر في القاهرة لذلك الحين يتولى منصبه بالإرادة السلطانية من دار الخلافة العثمانية، وكان ينقم على المفتي رأيه في استقلال مصر عن السيادة التركية، وينقم عليه فوق ذلك مكانته في البلاد الإسلامية، وهو في رأي نفسه أولى بتلك المكانة من مفتي القاهرة التابعة لمقر الخلافة في الآستانة، فلم يكن أيسر من حمله على الحكم بمخالفة المشروع لشروط النظارة واحتجاجه على تنفيذه بغير إذن من صاحب الولاية الشرعية، ولم تكن شئون المساجد مما يُعرَض على الوكالة البريطانية؛ لأنها من صميم المسائل الدينية التي تعهدت باجتناب المساس بها فيما أعلنته من سياستها العامة، ولكن ولي الأمر الشرعي أرسل اللائحة إلى دار الوكالة، ثم أبلغها احتجاج القاضي الأكبر عليها، وأراد مرة أخرى أن يأباه الدين ويخشى أن يعرضه لاستنكار دار الخلافة وتدخل الوكالة البريطانية!

•••

أما الرجل المغضوب عليه؛ لأنه مصاب بداء الإصلاح … فقد لاحقه ذلك الداء العضال إلى عقر داره بعين شمس، ففارق الجامعة الأزهرية وهو يفكر في خطته الأولى التي اقترحها على أستاذه السيد جمال الدين في مقتبل صباه، وراح يعدُّ العدة لافتتاح مدرسته إلى جوار بيته لتخريج الدعاة ورسل الإصلاح ممَّن يتقبَّل دعوته ويُؤمن بمقاصده، وتمت العدة لذلك، أو كادت، لو لم تدركه المنية قبل موسم العمل، فقضى نحبه صيف ذلك العام بعد اعتزاله إدارة الأزهر بثلاثة أشهر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠