الفصل الثامن

أصولية التجارة في المناطق الاستوائية

في مارس عام ١٩٦٠، سافر جيمس ميد — الأستاذ المتمرس بجامعة كامبريدج والذي حصل في وقت لاحق على جائزة نوبل عن أبحاثه في مجال الاقتصاد الدولي — إلى المستعمرة البريطانية موريشيوس مع مجموعة صغيرة من خبراء الاقتصاد. كانت الجزيرة تتأهب لنيل الاستقلال، الذي انتزعته لاحقًا عام ١٩٦٨. وكان البريطانيون قلقين بشأن فرص البلاد المستقبلية في ظل الحكم الذاتي وزوال الدعم الذي تحصل عليه من لندن. كان ميد — الاقتصادي اليساري وأحد المعجبين بكينز — قد تلقى دعوة من حاكم الجزيرة البريطاني كي يُجريَ دراسة شاملة لاقتصادها ويقدِّم مقترحات لتنميتها في المستقبل.

كان هذا الأستاذ يمثل علم الاقتصاد العملي المنطقي، وتعكس توصياته النهائية هذه البراجماتية. لكن بعد ثلاثة عقود من رحلته إلى موريشيوس، كانت مبادئ اقتصاديات التنمية قد تحوَّلت جذريًّا وصارت خاضعة لرؤية تضع التحرير الساميَ للأسواق والتجارة فوق كل اعتبار؛ ومن ثَمَّ، كانت أفكار ميد ومعاصريه — الحاجة إلى تكييف الإصلاحات مع الظروف المحلية، وتطبيق سياسات حكومية استباقية لتحفيز التحول الهيكلي — قد نُحيت جانبًا. ولم تُبعث هذه الأفكار حية من جديد إلا مؤخرًا لتجريَ إعادة إدماجها في التفكير بشأن استراتيجية للتنمية. هذا الفصل يروي هذه القصة الغريبة عن فقدان المنطق السليم ثم التعافي من ذلك (جزئيًّا).

(١) تبديد مخاوف مالتوس

تبعد جزيرة موريشيوس الواقعة قبالة ساحل أفريقيا حوالي ٥٦٠ ميلًا عن شرق مدغشقر. شعبها مزيج من النسل الأفريقي (الكريوليين)، والهندي (هنود موريشيوس)، والفرنسي (فرنسيي موريشيوس)، والصيني (صينيي موريشيوس)، مزيج متنوع من الأعراق واللغات والأديان، يمكن وصفه بأنه «نشط» أو «متفجر» تبعًا لمزاج المرء. كانت موريشيوس وقت زيارة ميد بلدًا فقيرًا للغاية؛ إذ كان اقتصادها يعتمد كليًّا على زراعة السكر، التي كانت تستوعب ما يزيد على ثلث القوة العاملة وتنتج السلعة التصديرية الوحيدة للبلاد.

يضاف إلى ذلك أن الجزيرة كانت تواجه خطر الانفجار السكاني؛ فبفضل القضاء على مرض الملاريا في ظل السياسات الاستعمارية في مجال الصحة العامة، ازداد معدل النمو السكاني من نحو ٠٫٥٪ سنويًّا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة إلى ما يقرب من ٣٪ وقت زيارة ميد. كان من المتوقع أن يرتفع عدد سكان الجزيرة من ٦٠٠ ألف نسمة إلى ٣ ملايين نسمة بحلول نهاية القرن العشرين. وقد كتب ميد عن ذلك وقت زيارته: «هذا احتمال مرعب بحق.»1
كانت المشكلة، من منظور ميد، أن تزايد عدد السكان سيشكل ضغطًا على ما تحويه الجزيرة من أراضٍ محدودة صالحة للزراعة وسيدفع مستويات المعيشة إلى الانخفاض. ولن تكون زراعة السكر وغيره من المنتجات الزراعية قادرة أبدًا على استيعاب القوى العاملة المتنامية العدد. الهجرة من الجزيرة ليست سوى حل جزئي، والاستثمار المحلي محدود بسبب قلة حجم الادخار المحلي. علاوةً على أن انقسامات الجزيرة العرقية والاجتماعية كانت بالفعل مشكلة صعبة تكاد تنعدم الوسيلة لحلها. يشير ميد إلى ذلك بقوله: «سيكون من الصعب في ظل المواقف الحالية في موريشيوس تصوُّر رجل ذي حنكة تجارية (يتصادف أنه صيني مثلًا) يدير شركة موَّلها شخص ثري (يتصادف أنه هندي) لاستغلال فكرة مبدعة لمهندس (يتصادف أنه من أصل أوروبي).»2

لم يستسلم ميد بالرغم من تشاؤمه. ورأى أن الحل يكمن في خلق عدد كبير من فرص العمل في صناعات خفيفة لكنها كثيفة العمالة. دعا أحد بنود استراتيجيته المقترحة إلى تقييد زيادات الأجور لضمان إزالة أي عقبة تَحُول دون إقامة هذه الصناعات. ودعا الآخر إلى تنسيق جهود الحكومة لتحفيز إنشاء صناعات جديدة. ونظرًا لأن الجزيرة لا تملك إلا صناعات قليلة فهي بحاجة إلى أن تبدأ من الصفر، وهذا تطلَّب حكومة نشطة.

أوصى ميد بتشكيل «مجلس التنمية الصناعية» الذي سيبحث عن فرص استثمارية جديدة، بالتشاور مع القطاع الخاص، وسيمنح إعفاءات ضريبية وحوافز أخرى لأكثر الشركات التي يُتوقع لها أن توفر فرص العمل. ودعا إلى إنشاء مجمعات صناعية ذات بنية تحتية كافية كي تؤجِّر مصانع وورشًا للمصنِّعين بتكلفة منخفضة. أدرك ميد أن المنتجين في موريشيوس يستطيعون التغلب على القيود الناجمة عن صغر حجم السوق المحلية عن طريق التصدير إلى العالم، بالضبط مثلما بدأت تفعل نمور شرق آسيا. لكنه اعتقد أن هذه «الصناعات الوليدة» ستحتاج للرعاية إلى أن تصبح قادرة على المنافسة وحدها دون مساعدة، فأوصى بزيادة التعريفات الجمركية على الواردات زيادةً معتدلة من شأنها أن تحميَ الصناعات الناشئة من المنافسة الأجنبية.

رأى ميد أن الهدف الرئيسي لضمان مستقبل موريشيوس يكمن في التنويع الاقتصادي وتنمية الصناعات الجديدة؛ إذ لا ينبغي أن يظل اقتصاد الجزيرة قائمًا على محصول واحد، بل يمكنه أن ينتقل إلى تصنيع المصنوعات؛ فيخفف ضغط السكان على الأراضي ويمهد الطريق نحو النمو المستقبلي. كان ميد يدرك أن هذا التحوُّل لن يحدث من تلقاء نفسه، بل سيتطلب أن تمد الحكومة يد العون؛ إذ يجب أن تكمِّل قوى السوق برامج حكومية رامية إلى تحفيز الصناعات الجديدة. كان يتعين أن تشكل السياسة الصناعية جزءًا من استراتيجية التنمية.

وعلى الرغم من أن بدايات موريشيوس بدت غير مبشرة، تحوَّلت الجزيرة فيما بعدُ إلى إحدى قصص النجاح القليلة في أفريقيا؛ ففي الوقت المناسب، حلَّت المنسوجات والملابس محل محصول السكر لتصبحا السلعتين التصديريتين الرئيسيتين للجزيرة. وتمكَّنت الديمقراطية السياسية النابضة بالحياة فيها من احتواء التوترات العرقية التي كانت تمور تحت السطح. ولم تصدق المخاوف من الانفجار السكاني قط؛ فالنمو الاقتصادي السريع الذي تحقق لم يوفر فرص العمل فحسب، بل أدَّى أيضًا إلى انخفاض معدلات المواليد؛ فقد بلغ عدد سكان الجزيرة ١٫٢ مليون نسمة عام ٢٠٠٠، وهذا ليس سوى جزء من ثلاثة الملايين نسمة التي توقعها ميد. انتقلت الجزيرة ضمن الدول ذات الدخل المتوسط المرتفع، بعد أن صار مستوى الدخل فيها مماثلًا لمستويات الدخول في دول جنوب شرق أوروبا.

كانت للاستراتيجية التي اقترحها ميد دور كبير في تحقق هذا النجاح، ولو أن المسئولين لم يلتزموا بجميع توصياته؛ إذ اكتشفت الحكومات المتعاقبة في موريشيوس أن من الصعب كبح زيادات الأجور، فارتأت بدلًا من ذلك أن تشتريَ السلام الاجتماعي عن طريق برامج اجتماعية سخية، وعقدت صفقات أجور مع العمال على مستوى البلاد بأسرها؛ الأمر الذي منح التنظيمات العمالية صوتًا قويًّا على طاولة المفاوضات. لكن مقترحات ميد بشأن تشجيع الصناعة تحوَّلت بالفعل إلى سياسة حكومية على مدى العقد اللاحق. فقد مُنحت الصناعة المحلية حوافز كبيرة وحماية تجارية، وبحلول نهاية الستينيات كانت مجموعة كبيرة من منتجي الصناعات الخفيفة المتوجهة نحو السوق المحلية قد نشأت. وبدءًا من عام ١٩٧٠، بدأت الحكومة تشجع الشركات المتوجهة نحو التصدير أيضًا، لا سيما التي تعمل في مجال الملابس الجاهزة، من خلال مشروع فائق النجاح تضمَّن تأسيس منطقة لمعالجة الصادرات (أو منطقة تجارة حرة)، وبمنح حوافز ضريبية وإعفاءات جمركية على الواردات، وبتخفيف قوانين العمل. وقد ازداد النشاط الصناعي قوة من خلال تخفيض قيمة العملة إبان الثمانينيات.

ظل هذان القطاعان الصناعيان — القطاع المتوجه نحو السوق المحلية والآخر المتوجه نحو التصدير — موجودَين معًا وقتًا طويلًا نسبيًّا. وظلت موريشيوس حتى مطلع التسعينيات أحد أكثر اقتصادات العالم تمتعًا بالحماية، على الرغم من ازدهار «منطقة معالجة الصادرات» والنمو السريع في الصادرات.3 لم يكن أداء القطاع المحمي بجودة أداء «منطقة معالجة الصادرات»، لكن كما توقع ميد تمامًا، كان القطاع المحمي بمنزلة محضن ضروري لتفريخ مشاريع الصناعات الحديثة. وهذا صحيح بالفعل؛ فنمو «منطقة معالجة الصادرات» لم يحدث بفضل المستثمرين الأجانب والتكنولوجيا الأجنبية فحسب، بل أيضًا بفضل رأس المال المحلي وإقامة المشاريع المحلية. وخلافًا لما كان يحدث في مناطق مماثلة في بلدان أخرى، شارك المستثمرون ورجال الأعمال المحليون مشاركة كبيرة في «منطقة معالجة الصادرات» بموريشيوس.4 وهذا يساعد على معرفة السبب وراء كونها أنجح بكثير من نظيراتها في بلدان أخرى.

واليوم، صارت موريشيوس تملك اقتصادًا مفتوحًا ذا قاعدة صناعية قوية، لكنه يواجه تحديات المراحل القادمة من التنويع؛ فقطاع صناعة الملابس الجاهزة لم يعد يدفع الاقتصاد قدمًا نتيجةً لزيادة الأجور المحلية والضغط التنافسي من جانب منتجين يتمتعون بميزة التكلفة المنخفضة في السوق العالمية؛ لذا لا بد من استراتيجية جديدة لتعزيز النمو.

ما الذي كان جيمس ميد سيوصي به لو كان موجودًا في العصر الحديث؟

(٢) التنقيحيون يتولَّوْن زمام الأمور

اتخذت آراء خبراء الاقتصاد بشأن سياسة التنمية منعطفًا مثيرًا للاستغراب خلال العقود التي تلت صدور تقرير ميد؛ فخلال الخمسينيات والستينيات، كان معظم الاقتصاديين الذين درسوا حالة بلدان العالم المتخلفة — كما كانت تسمى آنذاك — يسلِّمون بأن صناعاتها الوليدة بحاجة إلى الرعاية، وبأن قيادة الحكومة لها دور مهم. بل ظهر ما هو أكثر من ذلك، وطرأ التشكك في الأسواق وفي تأثير الاقتصاد العالمي. بطبيعة الحال جادل في هذه الشكوك كبار خبراء اقتصاد التنمية في ذلك الوقت مثل وليام آرثر لويس، وراءول بريبيش، وبول روزنشتاين رودان، وألبرت هيرشمان. لكن لم يدعم أحد الرأي الذي يذهب إلى أن تحرير التجارة وتقليل دور الحكومة يشكلان أفضل وسيلة لتعزيز النمو الاقتصادي والتنمية.5 فقد كانت الدروس التي استُمدت من «التحول الكبير» الذي جرى خلال القرن التاسع عشر — انقسام العالم إلى قلب صناعي غني ومحيط خارجي منتج للسلع الأساسية وفقير — واضحة للجميع.

وبحلول الثمانينيات، كان الرأي السائد وسط خبراء التنمية الأمريكيين الشماليين وأتباعهم قد شهد انحرافًا كبيرًا؛ فقد تحوَّلت الدولة في نظرهم من خادمة للنمو الاقتصادي لتصبح العقبة الرئيسية التي تعرقله. وتحوَّل التقسيم الدولي للعمل من تهديد إلى طوق نجاة. خلال التسعينيات، أُضيف التحمس لتحرير حركة رأس المال إلى حزمة تحوُّلات الآراء هذه، كما رأينا في فصلٍ سابق. بث هذا التوجه في وكالات تنمية، مثل البنك الدولي، رؤية جديدة، وغيَّر شكل ما توزعه على الدول من توصيات بشأن السياسة التي ينبغي اتباعها.

وقد جرى إعداد نسخة مبدئية من حزمة مقترحات التنقيحيين فيما أُطلق عليه «إجماع واشنطن». صك هذه التسمية الخبير الاقتصادي جون ويليامسون عام ١٩٨٩، وقد كانت تشير في الأساس إلى بعض العناصر العامة في الإصلاحات التي شرعت بلدان أمريكا اللاتينية في تطبيقها في ذلك الوقت. اشتملت قائمة ويليامسون الأصلية على حزمة من عشرة إصلاحات مختلفة، ركزت تركيزًا شديدًا على إزالة القيود القانونية، والتحرير التجاري والمالي، والخصخصة، وتجنُّب تقييم العملات بأعلى من قيمتها، والتنظيم المالي الحكومي. بمرور الوقت، تحوَّل إجماع واشنطن إلى نهج أكثر تشددًا، وشعار لمتطرفي التحرير. كان ويليامسون من المشككين في فائدة العولمة المالية، لكن مع ذلك جرى إدراج تحرير سوق رأس المال أيضًا ضمن هذه الحزمة؛ الأمر الذي سبَّب له ضيقًا شديدًا.6

وبحلول منتصف التسعينيات، لم يعد هناك وجود للبنود المحددة التي وردت في قائمة ويليامسون الأصلية إلا في ذاكرة عدد قليل من الأشخاص، لكن الجميع كان يعلم لقب الأجندة التي يمكن تلخيصها في ثلاث كلمات: الاستقرار، والتحرير، والخصخصة. في الواقع، حتى ويليامسون نفسه، بالرغم من كونه اقتصاديًّا معتدلًا، كان سيواجه كثيرًا من الهجوم باعتباره واضع هذه «العقيدة الليبرالية الجديدة». في رحلاتي إلى البلدان النامية خلال التسعينيات، أثارت دهشتي قوة الحماس الأيديولوجي الذي كان صُناع السياسة — لا سيما في بلدان أمريكا اللاتينية — يعتنقون به هذه الأجندة التي اعتبروها المسار الوحيد للخلاص الاقتصادي. كان الأمر قد تحوَّل إلى عقيدةٍ ما، لكنه ظل في شرق آسيا مجرد تقدير براجماتي لقدرة الحوافز السعرية والأسواق العالمية.

(٣) التغيير الكبير

في نهاية الأمر، استمد إجماع واشنطن جاذبيته من كلام ساذج عن قدرة العولمة على انتشال الدول النامية من مستنقع الفقر. شدَّد مؤيدو هذا الرأي على أهمية دور الانفتاح على الاقتصاد العالمي، بدلًا من أن يشجعوا على الاستراتيجيات البراجماتية المختلطة التي استخدمتها الصين وغيرها من البلدان لتطوير قدراتها الصناعية المحلية. وقالوا إن البلدان الفقيرة تظل فقيرة بسبب صغر أسواقها المحلية التي تعج بأوجه القصور الناجمة عن فرض قيود حكومية على التجارة. ومضَوْا يشيرون على هذه البلدان بأن تنفتح على التجارة والاستثمار الدوليَّين، كي يعمل المد التجاري المتصاعد على رفعها من الفقر. وهكذا، لم يعد الحديث مُنصبًّا على بعض مكاسب الكفاءة ذات الأهمية الثانوية نسبيًّا — وهي الحجة الرسمية لمكاسب التجارة — وإنما الاقتراب السريع مع مستويات المعيشة في الدول الغنية.

ثم بلغ الأمر حد تقديس هذه الحركة في مقال نُشر عام ١٩٩٥ للاقتصادي البارز جيفري ساكس بالاشتراك مع أندرو وارنر، وكلاهما كان في جامعة هارفرد في ذلك الوقت.7 كان مقالًا طويلًا ومعقدًا، وحفل بكافة التفاصيل عن الإصلاح الاقتصادي في الدول النامية والتطور التاريخي للعولمة. لكن العمود الفقري للمقال تمثَّل في تحليل إحصائي ذي نتائج مذهلة؛ إذ قسَّم ساكس ووارنر الدول إلى مجموعتين: دول منفتحة على التجارة الدولية وأخرى منغلقة. كانت النتيجة الأساسية التي خرجا بها أن بلدان المجموعة الأولى نمت (من حيث نصيب الفرد من الدخل) على المدى الطويل أسرع من بلدان المجموعة الثانية بنسبة بلغت ٢٫٤٥ نقطة مئوية. وهذه نسبة كبيرة جدًّا، وتعني أن أيًّا من البلدان النامية التي كانت تنمو بمعدل سنوي ٢٪ مثلًا، كانت ستنمو بأكثر من ضعف هذا المعدل من خلال مجرد الانفتاح على التجارة الدولية.
المدهش أيضًا، أن تحليل ساكس ووارنر أوحى بأن جنْي هذه الفوائد ممكن بصرف النظر عن مدى سوء السياسات المحلية وعن ضخامة العوائق الأخرى؛ وبِناءً على ذلك لا أهمية أبدًا لرداءة الحكومة على سبيل المثال، أو لسوء تعليم قوة العمل. يمكنك أن تكون فقيرًا للغاية ولا تملك إلا صناعات قليلة، ومع ذلك كله لن يشكل هذان العاملان أي فرق يُذكر. ليس عليك سوى أن تخفض الحواجز أمام التجارة كي تحفز النمو.8
اعتمدت هذه النتائج اعتمادًا حاسمًا على الأسلوب الذي استخدمه ساكس ووارنر في تصنيف البلدان إلى «منفتحة» و«منغلقة».9 على سبيل المثال، اعتبرا أن بلدانًا سريعة النمو مثل كوريا الجنوبية وتايوان وإندونيسيا وموريشيوس «منفتحة»، على الرغم من أنها ظلت تفرض حواجز مرتفعة أمام الواردات حتى الثمانينيات، ولم تخفض هذه الحواجز إلا بعد أن اكتسبت قدرات تصنيعية كبيرة. حتى ساكس نفسه بدا أن له رأيًا أكثر دقة، حينما أولى تركيزًا على أهمية تشجيع الصادرات المصنَّعة أكثر من التركيز على تحرير التجارة نفسه.10 ومع ذلك، لم يكن ذلك هو ما جرى التركيز عليه في التحليل الإحصائي؛ إذ كانت الرسالة التي وجدها التكنوقراط وصناع القرار في البحث واضحة ومباشرة: إذا كنت ترغب في اللحاق بمستويات المعيشة في الدول المتقدمة، فما من وسيلة أكثر فعالية لتحقيق ذلك من خفض تعريفاتك الجمركية على الواردات وتخفيف القيود الأخرى المفروضة على التجارة.11
كان التحوُّل كاملًا بدرجة جعلت من الصعب فهم السبب في أن الجيل السابق من الاقتصاديين كان شديد التشكك في التجارة وشديد الترحيب بالتدخل الحكومي. وفي مقال يحتفي بالتوافق الجديد، تتساءل آن كروجر — وهي واحدة من أهم من صمموا هذا التوافق — كيف أمكن «التخلي دون أدنى اكتراث» عن مبدأ الميزة النسبية؟ وكتبت: «في الوقت الحاضر، لا أكاد أتصور أن قطاعًا كبيرًا كهذا من خبراء الاقتصاد جنح جنوحًا هائلًا كهذا عن المبادئ الأساسية للتجارة الدولية.»12 لم يكن أي اقتصادي غربي بارز في مكانة مهنية جيدة خلال الثمانينيات والتسعينيات ليحلم مجرد حلم بأن يقترح على الملأ خطة كخطة جيمس ميد، وإلا اعتُبر مؤيدًا مهووسًا للحمائية.
أصبحت الدراسة التي أجراها ساكس ووارنر وغيرها من الدراسات — التي أُجريَ كثير منها في البنك الدولي — سلاحًا قويًّا تستخدمه الحملة التي كانت تقودها وكالات التنمية بالتعاون مع التكنوقراط من أجل إعادة تشكيل استراتيجيات التنمية؛ فقد دعمت هذه الوكالات التوجه المحموم نحو العولمة لدى صناع السياسة في البلدان النامية. وتعامل التوافق الجديد مع التجارة الخارجية والاستثمار الأجنبي باعتبارهما المعيارَين الأساسيَّين للحكم على كفاءة السياسات الاجتماعية والاقتصادية المحلية، وهذا تشوُّه جوهري ناجم عن السعي المهووس إلى بلوغ العولمة المفرطة. كانت أفضل حجة يمكن استخدامها لعلاج أي اعتلال محلي — سواء انتشار الجريمة والفساد أو تهالك البنية التحتية أو انخفاض المهارات — هي التحذير من أنه يحبط التكامل مع الاقتصاد العالمي؛13 إذ يكفي فقط أن يورِد صُناع السياسة في حديثهم ذِكر «معنويات المستثمرين الأجانب» أو «القدرة التنافسية في الأسواق العالمية»، كي يخطفوا الانتباه؛ فقد صار السعي إلى العولمة بديلًا عن استراتيجية التنمية، وغاية في حد ذاته، لا فرصة يتعين استغلالها استغلالًا استراتيجيًّا.

وقد تعالت أصوات متشككة في الأوساط الأكاديمية، لكن في العالم الحقيقي، قليلون من اهتموا بالتصدي لهوس العولمة هذا. كان من الممكن أن يتحدث العديد من الاقتصاديين في اجتماعاتهم الخاصة بأن الدراسات التي تؤكد أن انفتاح التجارة له الفضل في نتائج النمو الهائل هذه؛ تفتقر إلى المصداقية. لكن أيًّا منهم لم يرغب في أن يبدوَ كمن يتسامح مع الحمائية. قد يكون التنقيحيون، الذين تحوَّلوا إلى تشجيع الانفتاح الكامل، قد بالغوا كثيرًا في تقديرهم آثار النمو الناجمة عن تحرير التجارة، لكن ماذا في ذلك؟ ربما صارت استراتيجيات التنمية تركز إلى حدٍّ مبالَغ فيه على السياسات والاتفاقات التجارية، لكن مرة أخرى، ما المشكلة؟ إن أي توجُّه نحو سياسات الانفتاح التجاري كان يعد بالضرورة أمرًا جيدًا.

حينما قدمتُ تحليلًا نقديًّا لبحث ساكس ووارنر وأبحاث أخرى مماثلة أمام مجموعة من الأكاديميين عام ٢٠٠٠، كان رد الفعل دلاليًّا معبرًا؛ إذ قاطعني اقتصادي بارز بسؤاله: «لماذا تفعل هذا؟» فشعرت بالارتباك. كان هؤلاء الاقتصاديون من هواة الجدل، وكنت معتادًا على أن توجَّه لي أسئلة بشأن أدلتي أو الأساليب البحثية التي استخدمتها، لكنني لم أواجِه كل هذا القدر من التشكك من قبل. لقد أصبحت الفكرة القائلة إن التجارة الحرة محرك للنمو كالعقيدة المقدسة التي لو حاول شخص أن يعيد النظر في صحة أدلتها لصار من اللازم التشكك في دوافعه لذلك.14

(٤) عندما تكون المظاهر خادعة

راقت أصولية التجارة لكثيرين لأن الشواهد التي ظهرت بعد الحرب بدت ظاهريًّا وكأنها تدعمها، لكن النجاح الهائل الذي حققته كوريا الجنوبية، وتايوان، وغيرهما من دول شرق آسيا وجنوبها الشرقي في الأسواق العالمية؛ دفن الفكرة التي كانت شائعة في الخمسينيات والستينيات، والتي تقول إن الشركات الصناعية الناشئة في الدول الفقيرة لن تتجاوب مع الحوافز التجارية، أو ستظل ضعيفة جدًّا بدرجة لا تؤهلها لأن تزدهر في الأسواق العالمية. حتى ميد نفسه كان شديد التشاؤم حيال آفاق التصدير في موريشيوس. لكن التنقيحيين تمادَوْا أكثر؛ فقد فسروا تجربة شرق آسيا على أنها انتصار للأسواق على الحكومة وانتصار للتجارة الحرة على التجارة الخاضعة لضوابط. فجرى إغفال كثير من تدخلات الدولة أو اعتُبرت بلا قيمة؛ إذ أدَّت إلى نتائج مماثلة لتلك التي كانت الأسواق ستنتجها لو كانت تُركت لتتحرك وفق آلياتها الخاصة دون تدخُّل.15 وكملاذ أخير، قال التنقيحيون إن اقتصادات شرق آسيا كانت ستنمو بسرعة أكبر بعدُ لولا تأثير التدخلات الحكومية. لكننا رأينا ما واجهه هذا المنظور من تعقيدات حينما شهدنا تقرير البنك الدولي عن «معجزة شرق آسيا» في الفصل السابق.

ثَمَّةَ أمر مُشكِل آخر تمثَّل في الخطأ في تشخيص تجربة دول مثل البرازيل والمكسيك وتركيا، التي اتبعت استراتيجيات ركزت أكثر على السوق المحلية. فعلى عكس دول شرق آسيا أو موريشيوس، لم تبذل هذه البلدان سوى جهد قليل كي تدفع شركاتها للتصدير، واعتمدت في الأغلب على السوق المحلية لدعم النمو. وقد أبقت على أنظمة تجارية شديدة التقييد حتى وقت متأخر من الثمانينيات. وهذه هي استراتيجية «التصنيع لإحلال الواردات»، التي أصبحت النموذج السائد في أمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط، وأفريقيا، وأجزاء من آسيا (لا سيما الهند) منذ الثلاثينيات وبعد نيل الاستقلال. وكما يوحي اسم الاستراتيجية، كانت تركز في بادئ الأمر على إحلال السلع التي كانت تُستورد من قبلُ بسلع استهلاكية بسيطة، ثم بعد ذلك صار إنتاجها المحلي يحل محل سلع رأسمالية أكثر تطورًا. لم يكن هذا الهدف ليتحقق إلا من خلال مجموعة من الإجراءات التدخلية الحكومية، في شكل الحماية من الواردات والدعم الحكومي للائتمان، والحوافز الضريبية، والاستثمار العام. ولم تكن هذه الاستراتيجية تركز كثيرًا على ضرورة تمكُّن الشركات المحلية من التصدير والمنافسة في الأسواق العالمية أو تثق كثيرًا بأن ذلك سيتحقق.

رسم التنقيحيون صورة قاتمة لسجل هذه الاستراتيجية؛ فقالوا إن هذه البلدان عرقلت تنميتها بشدة نتيجةً لعدم استفادتها من الأسواق العالمية، ومنْحها دورًا بالغ الكبر للحكومة. مرة أخرى، هذا التصوير مبالغ فيه. وللتأكيد على صحة وجهة نظرهم، لم يكن هناك ما هو أسهل من التنقيب عن قصص مروعة عن تجاوزات الحمائية وتدخلات الدولة لسردها؛ ففي بعض الحالات، حدث أن شوهت الحواجز الجمركية حوافز الاستثمار إلى درجة أن أصحاب المشاريع الخاصة اكتشفوا أن من المربح إقامة مصانع حيثما تتوافر مدخلات الإنتاج التي يستخدمونها بتكلفة تفوق قيمة ما ينتجونه.16 وقد كان أداء بعض البلدان، لا سيما الأرجنتين والهند، ضعيفًا بالفعل.
ومع ذلك، كان تاريخ استراتيجية «التصنيع لإحلال الواردات» بوجه عام مثيرًا للإعجاب بحق؛ فقد شهدت البرازيل والمكسيك وتركيا، وعشرات من الدول النامية الأخرى في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا؛ معدلات نمو اقتصادي في ظل هذه الاستراتيجية أسرع بكثير من سرعتها في أي وقتٍ مضى على امتداد تاريخها الاقتصادي؛ إذ نمت أمريكا اللاتينية بمعدل سنوي تجاوز ٢٫٥٪ في الفترة بين عام ١٩٤٥ ومطلع الثمانينيات — وهي وتيرة نمو تفوق بكثير ما سجَّلته المنطقة من معدلات نمو منذ عام ١٩٩٠ (١٫٩٪).17 ونما أيضًا بضعة وعشرون بلدًا من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بعد استقلاله نموًّا سريعًا في الفترة بين منتصف السبعينيات حتى آخرها.
كان التصنيع هو ما دفع هذا الأداء قدمًا. شهدت البلدان التي اعتمدت الاستراتيجية زيادة سريعة في نمو الإنتاجية بعد أن نوَّعت اقتصاداتها وخرجت من دائرة الزراعة التقليدية إلى مجال الصناعات التحويلية. ومما يثير الدهشة، أن أفضل ما لدينا من دراسات يشير إلى أن الإنتاجية نمت في كافة الأصعدة الاقتصادية خلال الستينيات والسبعينيات في بلدان أمريكا اللاتينية التي كانت تنتهج استراتيجية «التصنيع لإحلال الواردات»، بوتيرة أسرع من نمو بلدان شرق آسيا التي كانت متوجهة نحو التصدير.18 صحيح أن اقتصادات أمريكا اللاتينية توسعت بوتيرة أبطأ من وتيرة توسع نظيرتها في شرق آسيا، لكن هذا لم يكن لأنها تقدمت تكنولوجيًّا بوتيرة أبطأ، بل لأن الجزء الذي استثمرته من دخلها القومي كان أقل. لم تتمكن أمريكا اللاتينية من تحقيق هذه المعدلات الإنتاجية مجددًا على الرغم من (أو ربما بسبب) اعتمادها التحرير الاقتصادي والاندماج السريع في الاقتصاد العالمي على مدى عقدين. فقد حدث أن اتجهت بعض بلدان «التصنيع لإحلال الواردات»، لا سيما البرازيل، نحو الأسواق العالمية خلال السبعينيات بفضل ما لديها من تصنيع. وحتى في المناطق التي لم تؤتِ فيها استراتيجية الإحلال ثمارها المرجوَّة، غالبًا ما تركت إرثًا من القدرات الصناعية التي ستتبين فائدتها العظيمة في وقتٍ لاحق؛ ففي الهند على سبيل المثال، تحوَّلت الشركات التي شملتها حماية الدولة في مجالات المنتجات الدوائية وقطع غيار السيارات والمعادن الأساسية في نهاية الأمر إلى شركات عالمية المستوى، وصار المهندسون العاملون في شركات الإلكترونيات المملوكة للدولة يشكلون العمود الفقري لكثير من شركات تكنولوجيا المعلومات التي نمت في بنجالور، المنافس الهندي لوادي السليكون.19

كان ارتباط استراتيجية «التصنيع لإحلال الواردات» بأزمة الديون التي اجتاحت أمريكا اللاتينية عام ١٩٨٢ سببًا جزئيًّا في اكتسابها سمعة سيئة؛ فقد اعتبر التنقيحيون الأزمة ناتجًا ثانويًّا من نتائجها، وفسروا ذلك على النحو التالي: إن إفراط الدولة في التدخل أسفر عن اختلالات مالية وخارجية كبيرة، وفي الوقت نفسه أدَّى عدم القدرة على توليد عائدات من الصادرات إلى زيادة صعوبة التأقلم مع التوقف المفاجئ في تدفقات رأس المال. لكن هذا التفسير الذي تردد كثيرًا تشوبه عيوب كبيرة.

وقد نجحت بعض الدول الأكثر تحمسًا لاستراتيجية «التصنيع لإحلال الواردات» في تجنُّب التورط في أزمة الديون. ولنضرب مثلًا بالهند. أثَّرت سياسات الهند تأثيرًا كبيرًا على وضع النشاط الاقتصادي، لكنها لم تُحدث فوضى على صعيد توازنات الاقتصاد الكلي — أعني التوازن بين الإيرادات والنفقات — أو على صعيد التمويل الأجنبي. وحينما أصبح التوسع المالي الذي شهدته الهند في أواخر الثمانينيات ينذر بأزمة على غرار أزمة أمريكا اللاتينية، سارع سياسيو الهند بتعديل سياسات الاقتصاد الكلي، وهذا ما لم يفعله السياسيون في نظيراتها في أمريكا اللاتينية. في الواقع، ما من شيء في استراتيجية إحلال الواردات يزيد احتمالية وقوع أزمة ديون خارجية.

وكذلك التوجه نحو الخارج لا علاقة له بتقليل احتمالية وقوع مثل هذه الأزمات؛ فالأزمة المالية الآسيوية عام ١٩٩٧ والأزمة الأرجنتينية في ٢٠٠١-٢٠٠٢ وقعتا لاقتصادات لم تعد تعتمد سياسات إحلال الواردات — شرق آسيا في الستينيات والأرجنتين في التسعينيات — وكانت بالغة الانفتاح على التجارة الدولية وقت وقوع أزمتها. لكن الانفتاح لم يقدم شيئًا يُذكر لحماية البلدان المتضررة من الضربة التي تعرضت لها. وكما رأينا من قبل، الأزمات المالية لها آلياتها الخاصة ولا تميز بالضرورة بين البلدان ذات الاستراتيجيات التجارية المختلفة.

(٥) البحث عن إجماع يخلف «إجماع واشنطن»

اليوم، بات إجماع واشنطن «بضاعة معطوبة»، كما سبق أن أقرَّ جون ويليامسون بذلك منذ عام ٢٠٠٢.20 لم يكن السبب الوحيد وراء سوء سمعته المعارضة الأيديولوجية التي استنفرها في جبهة اليسار السياسي، بل الأهم من ذلك سِجل نتائجه الاقتصادية الذي خيب الآمال. كان ساكس ووارنر قد كتبا في مقالهما عام ١٩٩٥: «إننا لا نجد حالات من شأنها أن تدعم القلق المتكرر من أن أي بلد يمكن أن ينفتح ومع ذلك يفشل في النمو.»21 قد يكون ادِّعاؤهم صحيحًا في ذلك الوقت، لكن لاحقًا ظهر من الأدلة ما يتناقض معه تناقضًا واضحًا؛ فقد آل أمر أغلب دول أمريكا اللاتينية وغيرها من الدول التي نبذت «التصنيع لإحلال الواردات»، كي تتبنَّى ما جاء في إجماع واشنطن، إلى انخفاض كبير في معدلات نموها. وبالنظر إلى مدى تضليل سياسات إحلال الواردات بمقاييس اليوم، سبَّب هذا إحراجًا شديدًا لأنصار إجماع واشنطن؛ ومن ثَمَّ لا بد من تقديم الكثير من التفسيرات كي يتماشى النهج الذي دعا إليه التنقيحيون مع ما ظهر في النهاية من نتائج مخيبة للآمال.22 حتى جيفري ساكس نفسه سارع بإنكار أي تأكيد على أن الانفتاح التجاري وحده يمكن أن يحقق النمو السريع أو حتى يشكل ضرورة أساسية لذلك. ونتيجةً لطول المدة التي قضاها في أفريقيا، فقد ركَّز فيما بعدُ أكثر فأكثر على القيود المحلية التي تعوق التنمية مثل: انخفاض مستويات التعليم، وسوء مستويات الصحة، وتدهور الإنتاجية الزراعية، وعدم كفاية الاستثمار في البنية التحتية العامة.23

خلَّف فشل إجماع واشنطن الاقتصاديين في مواجهة مشكلة محيرة؛ فالامتناع عن إجراء الإصلاحات التي حددوها في أجندتهم لم يكن خيارًا محببًا بالنسبة إليهم؛ حيث لا يزال تحرير التجارة وإزالة القيود والخصخصة، وغيرها من الإصلاحات المقترحة، إصلاحات معقولة تمامًا؛ فهي تستطيع أن تجعل سياسات الدول الفقيرة تبدو أشبه بسياسات اقتصادات السوق المتقدمة. والرفض المباشر لهذه الإصلاحات كان سيدفع الاقتصاديين إلى التخلي عن بعض أكثر مبادئهم أصولية؛ إذنْ فالمشكلة التي تواجه إجماع واشنطن لا بد أنها تكمن في مكان آخر.

تمثَّل إصلاح إجماع واشنطن في الإبقاء عليه لكن مع توسيع نطاقه بحيث يشمل مجموعة واسعة من الإصلاحات الإضافية. من هذا المنظور لم يكن هناك عيب يشوب إجماع واشنطن نفسه، لكنه لم يكن طموحًا بما فيه الكفاية وحسب. ومضى هذا الرأي يقول إن الفشل أظهر أن هناك حاجة إلى إصلاحات مؤسسية أكثر عمقًا بكثير كي نضمن أن يؤتيَ إجماع واشنطن ثماره التي جرى الحديث عنها. وقد تضمَّن تقرير صندوق النقد الدولي عام ٢٠٠٥ شكوى من أن الإصلاحات الفعلية التي أُجريت لم تكن منتظمة أو مكتملة، يقول نص التقرير: «لقد تم إحراز قدر أكبر من التقدم من خلال تدابير منخفضة التكاليف على نحوٍ واضح — مثل الخصخصة — إذا ما قورنت بالإصلاحات التي كانت تَعِدُ بتحقق قدر أكبر من الفوائد الطويلة الأمد، مثل تطوير مؤسسات سوق العمالة وتعزيز النظامَين القانوني والقضائي.»24 عبَّرت آن كروجر عن الرأي الوارد في التقرير في عنوان المحاضرة التي ألقتها عام ٢٠٠٤، الذي وصف إجماع واشنطن بأنه: «قصد خيرًا، ولم يُجرَّب بما فيه الكفاية، وفشل كثيرًا.»25

ذهب هذا الرأي إلى أن البلدان النامية عليها أن تعمل بمزيد من الجد؛ فخفض التعريفات الجمركية على الواردات وإزالة الحواجز أمام التجارة ليس كافيًا، بل يجب أن تكون سياسات التجارة المفتوحة قائمة على إصلاحات واسعة النطاق في مجال الإدارة العامة، من خلال «مرونة» سوق العمل، واتفاقيات التجارة الدولية. كان لا بد من ترسيخ استقرار الاقتصاد الكلي عن طريق إصلاح المؤسسات المالية، ومنح البنوك المركزية الاستقلالية، وبالطبع، اتباع سياسة أفضل؛ فمراعاة حقوق الملكية تتطلب تطبيق إصلاحات واسعة في الحكم وفي النظم القانونية. أُضيفت إلى ذلك كله قائمة طويلة من المتطلبات في المجالات التنظيمية والإشرافية ومجالات الاقتصاد الكلي لضمان تحرر تدفقات رأس المال. وتلقى صُناع السياسة قائمة ممتدة بالإصلاحات، التي تطلَّب كثير منها إجراء تغييرات مؤسسية استغرق إجراؤها في الدول المتقدمة عقودًا إن لم يكن قرونًا.

حملت الإصلاحات الجديدة اسم «الجيل الثاني من الإصلاحات»، لتمييزها عن التوصيات الأقل تعقيدًا التي سبقتها. فيما بعدُ ستتحول هذه الإصلاحات إلى أجندة واسعة النطاق وطموحة على نحوٍ غير معقول تحت عنوان عام هو: «إصلاحات الحوكمة». لم تقدم هذه الأجندة المفتوحة عونًا يُذكر لصُناع السياسة في بلدان العالم النامي. فإخبار البلدان الفقيرة في أفريقيا أو أمريكا اللاتينية بأنها ينبغي أن تضع نصب أعينها مؤسسات الولايات المتحدة أو السويد كي تحذوَ حذوها مثل إخبارها بأن السبيل الوحيد لتحقيق التقدم هو أن تصبح متقدمة. وهذه ليست مشورة مفيدة على الإطلاق فيما يتعلق بالسياسة؛ إلا أنها تشكل تغطية ممتازة يمكن اللجوء إليها لتبرير إخفاق المشورة. وكما قال أحد مؤيدي الإصلاح التجاري: «لا شك أن الانفتاح على التجارة ليس كافيًا وحده لتعزيز النمو؛ فمن الضروري أيضًا توافر الاستقرار السياسي واستقرار سياسات الاقتصاد الكلي «وغيرها من السياسات»» (استخدمت الخط الأسود العريض هنا للتوضيح).26 وهكذا، يجب في نهاية الأمر أن يكون هناك دائمًا أمرٌ ما يجعل اللوم من نصيب متلقي المشورة لأنه قصَّر في أداء هذا الأمر على النحو الصحيح.

في حين ركز البنك الدولي ومعظم خبراء اقتصاد التنمية على توسيع نطاق إجماع واشنطن وتضخيمه، اتخذت جهود أخرى مركزها الأمم المتحدة مسارًا مختلفًا؛ فقد أعلن «مشروع الأمم المتحدة للألفية»، الذي يرأسه جيفري ساكس، رفضه الصريح لإجماع واشنطن، وأوصى بإقامة استثمارات عامة ضخمة في مجالَي الصحة والبنية التحتية لأفريقيا، بتمويل من المساعدات الأجنبية. ووضعت «الأهداف الإنمائية للألفية» التابعة للأمم المتحدة — وهو مخطط إنمائي وافقت عليه دول العالم عام ٢٠٠٠ — أهدافًا محددة لتحقيقها بحلول عام ٢٠١٥، شملت تقليل عدد من يعانون من الفقر المدقع إلى النصف (أولئك الذين يقل دخلهم اليومي عن دولار واحد)، ووقف انتشار فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، وتوفير حصول الجميع على التعليم الأساسي.

على النقيض من هذا النهج الشمولي الذي يتضمن قائمة طويلة جدًّا من الإصلاحات، حاول آخرون ابتكار إصلاح كبير جديد. في هذه المرة، لم تكن الفكرة الكبيرة التي اعتملت في أذهان القنافذ هي التجارة، كان لا بد من فكرة أخرى جديدة. لكن استدلالهم اتخذ الشكل المعتاد لتفكير القنافذ، على النحو التالي: «السبب الرئيس في فقر الدول الفقيرة أنها تفتقر إلى س؛ ومن ثَمَّ، إذا وفَّرنا لها س، فسنحل مشكلة الفقر في العالم.» من وجهة نظر الناشط والخبير الاقتصادي البيروفي هرناندو دي سوتو، كان س يمثل: قوانين رسمية تضمن ملكية الممتلكات. كان يعتقد أننا إذا أعطينا الفقراء أوراقًا تعطيهم حقوق ملكية قانونية لمنازلهم أو أراضيهم، فسنكون بذلك قد حوَّلناهم إلى أصحاب أعمال ورأسماليين ناجحين.27 أما بالنسبة إلى الاقتصادي والمصرفي البنجلاديشي محمد يونس، فكان س يمثل القروض؛ إذ كان يعتقد أننا إذا منحنا كل صاحب مشروع قرضًا صغيرًا (قرضًا متناهيَ الصغر) فسوف نكون بذلك قد أطلقنا شرارة عملية النمو والتنمية بادئين من أدنى الطبقات.28 أوحت هاتان الفكرتان بنشوء تحركات نشطة، وطبَّقتهما أعداد كبيرة من الناس في جميع أنحاء العالم.

وبالرغم من الاختلافات الواضحة بين كل هذه الاستراتيجيات، إلا أنها جميعًا ترى أن البلدان النامية تعاني العلل نفسها وتتطلب بوجه عام علاجًا مماثلًا، وأننا نملك دراية كافية بنوع العلاجات؛ بحيث نبذل جهودًا جريئة وطموحة، ومكلفة في كثير من الأحيان، من أجل القضاء على الفقر في العالم. قد لا يكون كل هذا صحيحًا بالضرورة؛ فرغم كل شيء، كانت إخفاقات الجهود الحكومية والدولية لدفع عجلة التنمية أكثر من نجاحاتها. وقد يذهب منظور آخر أقل يقينًا وغرورًا إلى أننا لا ندري الكثير عما يمكن أن يعود بالنفع في مختلِف الظروف والسياقات وعن السبب في نفعه أو عدمه.

طرح ويليام إيسترلي، الخبير الاقتصادي السابق في البنك الدولي وعدو المساعدات الأجنبية، أكثر أشكال هذا النهج الفكري تطرفًا؛ إذ أكد أن من غير المجدي على الإطلاق محاولة فرض التنمية بالقوة من فوق، أي من جانب الدولة، من خلال تنفيذ مخطط ضخم حلم به الخبراء في الأوساط الأكاديمية أو السياسيون في أروقة واشنطن.29 فخبراء التنمية ليس لديهم أي شيء مفيد يمكنهم أن ينصحوا به صُناع السياسة، ربما باستثناء كيفية تجنُّب ارتكاب الأخطاء الجسيمة. وأفضل ما يمكننا فعله هو أن نضمن ألا تقف الدولة المفرطة في الاعتداد بقراراتها وفي تدخُّلها حجرَ عثرة في طريق التنمية من الأدنى إلى الأعلى.

إن انتظار حدوث التنمية من تلقاء نفسها سيستغرق وقتًا طويلًا جدًّا، في هذا العالم الذي تستطيع فيه العولمة أن تحكم عليك بمنتهى السهولة بأن تعتمد على تصدير السلع الأساسية، مثلما تعزز بمنتهى السهولة أيضًا النمو السريع من خلال التصنيع؛ لذا فإن رأي إيسترلي يبعث على اليأس لا الأمل. لكن لحسن الحظ، ثَمَّةَ حل وسط يمكن اللجوء إليه.

(٦) استخدام استراتيجيات تنمية مختلفة للبلدان المختلفة

قبل بضع سنوات، في زيارة لي إلى أحد بلدان أمريكا اللاتينية، قال لي وزير اقتصاد متفاخر إن حكومته أنجزت بالفعل كل إصلاحات الجيل الثاني، وإنها الآن على وشك الشروع في تنفيذ «إصلاحات الجيل الثالث». فقد انفتح الاقتصاد على التجارة وعلى تدفقات رءوس الأموال، وأُزيلت القيود المفروضة على الأسواق، وخصخصت مشروعات القطاع العام، وعولجت اختلالات الاقتصاد الكلي. أما النظام الضريبي، والأنظمة المصرفية، ومؤسسات الضمان الاجتماعي، والقوانين المالية، وإصلاح النظام القضائي، فقد تكيفت جميعًا بحيث تتماشي مع معايير «الممارسة المُثلى». وباتت أسواق العمل «مرنة» للغاية؛ ما يعني أنها تحررت من أية قيود. ومع ذلك لم يكن الاقتصاد ينمو. فما هي المشكلة؟ هل كان السبب أنه لم تُنفذ كل الإصلاحات الضرورية بعد، أم أن شيئًا آخر أكثر جوهرية يشوب استراتيجية التنمية المطبقة؟

جسدت الصعوبة التي واجهها هذا البلد مواطن الخلل في نهج قائمة الإصلاحات المعدة سابقًا؛ إذ تفترض أجندة الإصلاحات أن جميع الدول النامية تعاني من المشكلات نفسها، وأن جميع هذه المشكلات متساوية الخطورة. وهذا يجعل منها برنامجًا جاهزًا وتعميميًّا يعجز عن استهداف أزمات الاقتصاد الأكثر حدة. وما تفعله في أحسن الأحوال هو أنها قد تدفع صُناع القرار السياسي إلى تفريق أنفسهم من أجل تحقيق مجموعة كبيرة من الإصلاحات الطموحة للغاية. أما في أسوأ الأحوال، فيمكنها أن تأتيَ بنتائج عكسية حينما تؤدي الإصلاحات الحسنة النية في نهاية الأمر إلى تفاقم المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد في قطاعات أخرى.

وما إن نبدأ في التفكير في مشكلات بعينها وفيما لها من أهمية نسبية، حتى نكون في الواقع في طريقنا إلى التوصل إلى استراتيجية أكثر فعالية للنمو، تقوم على النهج الثعالبي الأكثر عمليةً واتصالًا بالواقع. هب أن لديك سيارة قديمة خربة لم تعد تعمل، إذا أضفت إليها مصدات جديدة، وتشكيلة مصابيح أمامية، وطبقة لامعة من الطلاء، ومحركًا أكثر قوة؛ فهذا كله ربما يجعلها تبدو وكأنها سيارة مثالية. لكن لا يبدو أن هذه التحسينات سوف تجعلها تعمل. قد يكون من الأفضل لك بكثير أن تحاول تحديد مصدر المشكلة المباشر في هذه السيارة. فإذا كانت المشكلة ثقبًا في إطار السيارة، فلتُبدِّل الإطار ثم تشرع في قيادتها. وإذا كانت المشكلة في نظام الإشعال، فلتصلحه. وبعد ذلك، ربما تحتاج السيارة مصابيح أمامية جديدة وطبقة لامعة من الطلاء، وربما محركًا جديدًا أيضًا. لكنك تستطيع حينئذٍ أن تقود السيارة لمزيد من الأميال الإضافية، وبتكلفة أقل، إذا عالجت كل مشكلة على حدة، الواحدة تلو الأخرى، بدلًا من أن تُجريَ قائمة طويلة من التجديدات التي اقترحها عليك ميكانيكي لم يقم حتى بفحص السيارة.

يسري هذا المثال أيضًا على استراتيجيات النمو؛ فالبلدان الفقيرة تعاني أوجه قصور متعددة، لكن لا حاجة إلى علاج هذه الأوجه جميعًا في الوقت نفسه كي يتسنَّى لاقتصاداتها أن تتمتع بنمو سريع لفترةٍ من الوقت. الفكرة الأساسية هنا هي تحديد أشد المعوقات التي تمنع أصحاب الأعمال من الاستثمار في الصناعات الحديثة والخدمات التي تحفز نمو الاقتصاد. قد تكون أشد المشكلات إلحاحًا متمثلة في نقص التمويل، أو أن الممارسات الحكومية (مثل فرض الضرائب الباهظة أو شيوع الفساد) هي التي تثبط أرباح مشاريع القطاع الخاص، أو قد تكون المشكلة في ارتفاع معدلات التضخم أو الدَّين العام مما يزيد نسبة المخاطرة عند إقامة المشاريع. أو ربما تكون التأثيرات المعرفية غير المباشرة المستمدة من ممارسة الصناعات الوليدة هي التي تحرم رجال الأعمال في القطاع الخاص من جنْي كامل القيمة الاجتماعية التي تعود بها استثماراتهم.30

كل معوق من هذه المعوقات، فضلًا عن عدد لا حصر له تقريبًا من المعوقات الأخرى الممكنة، يستلزم اتباع نهج مختلف. على سبيل المثال، إذا كان العائق الرئيسي يتمثل في أن القيود التجارية تَحُول دون حصول أصحاب المشاريع الخاصة على مدخلات الإنتاج والتكنولوجيات المستوردة، فسيشكل الانفتاح التجاري في هذه الحالة أولوية دون شك. من ناحية أخرى، إذا كانت المشكلة عدم استقرار في الاقتصاد الكلي ناجمًا عن عُجوزٍ مالية ضخمة، فسيحقق البرنامج التقليدي لإحداث الاستقرار (الذي يتضمن تخفيض الإنفاق الحكومي وزيادة الضرائب) المعجزات على صعيد النمو، حتى لو لم يُطبَّق انفتاح تجاري أو تُجرى إصلاحات مؤسسية واسعة النطاق. في هذه الحالة، قد يؤدي خفض التعريفات الجمركية على الواردات عمليًّا إلى زيادة تدهور الأمور من خلال مفاقمة العجز المالي. وقياسًا على ذلك، إذا كان العائق الرئيسي يكمن في عدم كفاية حوافز المشاريع الخاصة لأن الكثير من فوائد الاستثمارات في مجال التكنولوجيا تذهب إلى شركات أخرى، فقد تكون هناك حاجة إلى منح القطاع الخاص حزمةً ما من الحوافز. وفي هذه الحالة الأخيرة تحديدًا، تهدد التحركات الرامية إلى تحرير التجارة بتفاقم المشكلة الأساسية من خلال تخفيض ربحية الصناعة أكثر وأكثر.

تُبيِّن هذه الأمثلة كيف تتسبب السياسات، التي عادة ما تكون مرغوبة لتحسين عمل اقتصادات السوق المتقدمة، في إحداث تأثيرات عكسية ضارة في البيئة غير المثالية للدول النامية. تشكل تدفقات رءوس الأموال الدولية مجالًا هامًّا شهد هذه التأثيرات مرارًا. لكن إذا تركْنا لوهلةٍ مسألة الأزمات المالية، فسنجد أن تدفق رءوس أموال ضخمة حلٌّ عظيم حينما تكون أشد العوائق التي تعرقل الاستثمار المحلي هو عدم توافر القروض الكافية. لكن حينما يكون أشد العوائق أمام الاستثمار هو انخفاض الربحية — وهو ما يحدث في كثير من الاقتصادات الناشئة، إن لم يكن معظمها — يؤدي تدفق رأس المال إلى زيادة تفاقم المشكلة لا إلى تخفيف حدتها. فهو يؤدي إلى زيادة توافر الدولارات وانخفاض سعرها؛ الأمر الذي يحد من القدرة التنافسية للصناعات المحلية على مستوى الأسواق العالمية.31 وهكذا، قد يكون من المنطقي زيادة تكاليف المعاملات المالية الدولية في الدول ذات الأحوال غير المثالية.

توجد طرق متنوعة يمكن من خلالها إزالة أي عائق محدد، وبعض هذه الطرق أكثر تلاؤمًا مع الظروف المحلية من سواها. فإذا كنت تريد أن تزيد توجه الاقتصاد نحو الخارج، يمكن تحقيق هذا عن طريق دعم الصادرات (كما حدث في حالتَي كوريا الجنوبية وتايوان)، أو عن طريق إنشاء منطقة لمعالجة الصادرات (كالتي في موريشيوس)، أو عن طريق إنشاء مناطق اقتصادية خاصة (كالتي في الصين)، أو عن طريق التجارة الحرة (كما هي الحال في هونج كونج). ويمكن تعزيز الصناعات المحلية من خلال منح قروض مدعومة (كوريا الجنوبية)، أو حوافز ضريبية (تايوان)، أو حماية تجارية (البرازيل والمكسيك وتركيا). ويمكن تعزيز حقوق الملكية عن طريق استيراد التشريعات القانونية الأجنبية واعتمادها (كما هي الحال في اليابان خلال فترة إصلاح ميجي) أو عن طريق تطوير القوانين المحلية القائمة (كما في الصين وفيتنام). من الضروري أن تحظى البلدان بفرصة لتجريب ترتيبات بديلة، وغير تقليدية في أغلب الأحيان؛ فاختيارك أن تصلح إطار سيارتك المثقوب بأن تبدِّله أو بأن ترتقه يتوقف على ما إذا كان لديك إطار احتياطي في صندوق سيارتك، أو كان هناك مرأب لتصليح الإطارات على مقربة منك.

في الواقع، لا ضرورة لأن تفعل الحكومات الكثير من الأمور دفعة واحدة كي تطلق العنان للنمو السريع — على الأقل لفترةٍ ما — إذا كان ما تجريه من تدابير قليلة يزيل أشد العوائق التي تواجهها. خير مثال على ذلك الأداءُ الاقتصادي الرائع للهند خلال السنوات الأخيرة. تقول أسطورة معجزة الهند الاقتصادية إن الهند انطلقت إثر موجة من التحرر الاقتصادي بدأت عام ١٩٩١. لكن تسارع النمو في الهند بدأ في واقع الأمر قبل عقد من هذا العام، منذ مطلع الثمانينيات، بإجراء إصلاحات تجريبية وصغيرة نسبيًّا ترمي إلى التراجع عن مواقف الدولة الهندية التي ظلت تعوق الأعمال التجارية على مدى فترة طويلة. بدأ حزب المؤتمر بقيادة أنديرا غاندي ثم (بعد وفاتها عام ١٩٨٤) راجيف غاندي التودد للأعمال التجارية والمنشآت الصناعية الخاصة، كان الهدف من ذلك إلى حدٍّ كبير هو إبطال التهديد السياسي الذي يواجهه حزب المؤتمر من جانب حزب جاناتا الأكثر توجهًا نحو القطاع الخاص، والذي هزم حزب المؤتمر في انتخابات ١٩٧٧.32
هذا التغير في المواقف، وما صاحبه من تعديلات بسيطة من جانب الحكومة المركزية — مثل خفض الضرائب على بعض المشاريع وتيسير الحصول على المدخلات المستوردة — أحدث أثرًا قويًّا ملحوظًا على النشاط الاقتصادي؛ فقد زاد معدل النمو في الهند — الذي كان كثير من المراقبين يعتبرونه ثابتًا مسْتتبًّا — إلى أكثر من الضعف، من أقل من ٢٪ (على أساس نصيب الفرد) إلى ما يقرب من ٤٪ خلال سنوات الثمانينيات.33 ومع ذلك، لم تُزَل سوى عقبات قليلة من سلسلة العقبات الكبيرة التي كانت تعوق نمو الهند. كان القصور البيروقراطي والروتين لا يزالان يشكلان كابوسًا، وكانت الحواجز التجارية لا تزال مرتفعة، والبنية التحتية لا تزال في حالة بالغة السوء.

إذا كان بلد ما لا يستفيد إلا بقدر ضئيل للغاية من إمكاناته، فهو لا يحتاج لأن يفعل الكثير كي يطلق العنان للنمو الاقتصادي. هكذا كانت الهند، التي راكمت بعض الإمكانيات المهمة خلال عقود طويلة شهدت قمع نشاط القطاع الخاص. وما إن تحرر القطاع الخاص، حتى بدأت الاستثمارات السابقة في الصناعة والتعليم الفني تؤتي أُكُلها. فيما بعدُ ستفتح الهند اقتصادها، لكنها، على عكس أمريكا اللاتينية، فعلت ذلك على نحوٍ حذِر وتدريجي وعقب انتعاش نموها بأكثر من عقد من الزمان.

لكن ما إن يُزال أي عائق حتى يحل مكانه آخر؛ لذا فإن النهج الانتقائي يقتضي أن تكون على استعداد لعلاج المجموعة التالية من القيود فورًا. وهذا يتطلب تطبيق سياسات مرنة، ورغبة في تغيير المسار بحسب ما تقتضيه الظروف. البلدان التي نمت نموًّا مطردًا هي التي التزمت هذه الاستراتيجية لأجل طويل. والصين، مرة أخرى، خير مثال على ذلك؛ فقد طبق الإصلاحيون السياسيون الصينيون نهجًا استراتيجيًّا وتسلسُليًّا كان يستهدف مجموعات العوائق الواحدة تلو الأخرى. فقد بدءوا بإصلاح الزراعة في أواخر السبعينيات، ثم انتقلوا إلى الصناعة في الثمانينيات، ثم إلى التجارة الخارجية في التسعينيات، وهم يبذلون قصارى جهدهم الآن في قطاع التمويل. لكن قادة الصين لم يجهزوا بعد الأسس المؤسسية الكاملة اللازمة لبناء اقتصاد سوق حديث. وأبرز ما تفتقر إليه الصين هو المؤسسات السياسية النيابية. لكن قادة الصين في الوقت الراهن نجحوا على الأقل في تحويل بلادهم من اقتصاد فاشل إلى اقتصاد متوسط الدخل، وخلَّصوا نصف مليار إنسان من براثن الفقر المدقع.

من قبيل المفارقة والأسف أن قواعد العولمة تطوَّرت على نحوٍ صعَّب — ولم يسهِّل — على بلدان أخرى محاكاة النجاح الذي حققته دول مثل موريشيوس وكوريا الجنوبية وتايوان والهند والصين؛ فقواعد منظمة التجارة العالمية، وممارسات صندوق النقد الدولي، وتوصيات مستشاري السياسة الغربيين أحدثت تأثيرًا شاملًا قلَّص حيز السياسات الذي كان سيمنح فرصة لابتكار مناهج محلية متعاقبة مماثلة وتطبيقها؛ وكل هذا باسم نشر فوائد العولمة.

(٧) مأزق جنوب أفريقيا

عقب ما يقرب من نصف قرن من زيارة ميد لموريشيوس، تلقيتُ ومجموعة من الزملاء دعوة من وزير المالية في جنوب أفريقيا في ذلك الوقت، تريفور مانويل، كي نساعد في تطوير استراتيجية لنمو البلاد. وعلى الرغم من أن مانويل، الذي كان زعيم مقاومة قبل ذلك، هو الذي ثقَّف نفسه بنفسه في مجال الاقتصاد، كان مع ذلك على دراية واسعة بالمؤلفات الاقتصادية إلى حد أنه كان يستطيع أن يستشهد بأجزاء من آخر أبحاثي التي صدرت في غضون أيام من نشرها على شبكة الإنترنت. كان يدرك أن أداء جنوب أفريقيا دون المستوى نسبيًّا إذا ما قورن بأداء الدول الأخرى وبما تملكه من إمكانات.

لا شك أن حالة جنوب أفريقيا عام ٢٠٠٥ كانت تختلف اختلافًا كبيرًا عن حالة موريشيوس عام ١٩٦٠؛ فقد كانت دولة متوسطة الدخل ذات اقتصاد متنوع إلى حدٍّ ما، وكانت مندمجة بدرجة كبيرة مع الأسواق العالمية، وتتمتع بقطاع مالي متطور. لكن التحديَ الرئيسي الذي واجهته جنوب أفريقيا هو نفسه الذي واجهته موريشيوس: كيف يمكن توفير الوظائف اللازمة لتشغيل الفائض الكبير من العمال ذوي المهارات المتدنية؟

كانت جنوب أفريقيا قد مرت بتحوُّل سياسي واقتصادي مهم منذ تحوُّلها الديمقراطي عام ١٩٩٤؛ فعقب انتهاء حكم الأقلية البيضاء هناك، نجحت البلاد في تجنُّب الانزلاق إلى تبادل الاتهامات اللاذعة، وعمليات إعادة توزيع سلطات لا تنتهي، والشعوبية التي تستطيع أن تدمر الاقتصاد وتحوِّل البلاد إلى ديمقراطية زائفة. نجحت حكومة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في تأسيس نظام مستقر وسلمي ومتوازن من الناحية العنصرية، يتميز بسجل نموذجي للحريات المدنية والحريات السياسية. وكانت سياسات جنوب أفريقيا الاقتصادية حصيفة وحذرة باتباعها التوصيات التي كانت سائدة خلال التسعينيات؛ فانفتح الاقتصاد على التجارة وتدفقات رأس المال، وانتهجت الحكومة سياسات مالية حذرة، وركز البنك المركزي الذي كان يحظى باستقلالية على مكافحة التضخم.

لو كان العالم عادلًا لتمخض هذا القدر الهائل من الانضباط السياسي والصواب الاقتصادي عن ازدهار الاقتصاد في جنوب أفريقيا بدرجة تجعله يحقق التشغيل الكامل للعمالة. لكن مع الأسف، كانت معدلات النمو هزيلة منذ عام ١٩٩٤، بأقل من ٢٪ سنويًّا لكل فرد، وظلت الاستثمارات الخاصة قليلة، وفوق ذلك كله، ارتفعت معدلات البطالة إلى ٢٦٪. وبإضافة عدد العمال المحبَطين (أي العمال الذين يئسوا من الحصول على فرصة عمل وتوقفوا عن البحث عنها، وهؤلاء لا يدرجون عادة في إحصاءات قوة العمل المدنية)، بلغ معدل البطالة نحو ٤٠٪. هذان المعدلان من أعلى معدلات البطالة التي سُجلت على الإطلاق. تركزت النسبة الأكبر للبطالة، كما هو متوقع، في صفوف الشباب، والأشخاص غير المهرة، والمواطنين السود.

لم يكن الاقتصاد قادرًا على توليد ما يكفي من فرص العمل بأجور معقولة لعدد كبير من الباحثين عن وظيفة، سواء الوافدون الجدد إلى سوق العمل، أو العمال المسرَّحون من عملهم في القطاعات التي تشهد تقلصًا (التعدين والزراعة). كان عدم التوافق بين الارتفاع البطيء في الطلب على اليد العاملة والارتفاع السريع في المعروض من الأيدي العاملة يعني وجوب أحد أمرين: إما أن تنخفض الأجور إلى الحضيض، أو أن ترتفع معدلات البطالة. اختارت حكومة جنوب أفريقيا ارتفاع معدلات البطالة، لكنها مع ذلك اعتمدت نظامًا سخيًّا إلى حدٍّ ما لمنح المساعدات المالية للعامة كي تدعم مستويات معيشة الفقراء والعاطلين عن العمل.

كان السبيل الوحيد لتوفير وظائف جيدة الأجور في المستقبل للعاطلين عن العمل هو توسيع قاعدة الإنتاج الصناعي بدرجة كبيرة. لم يكن يبدو أن الزراعة والتعدين سيعودان لسابق ازدهارهما، ولم تكن مجالات الخدمات مثل مجال التمويل (الذي حقق أداءً جيدًا بدرجة معقولة) توظِّف في الأغلب إلا العمال المهرة. وهذا جعل من الضروري زيادة ربحية قطاع التصنيع في جنوب أفريقيا؛ الأمر الذي من شأنه أن يحفز الاستثمار الخاص في هذا القطاع. باختصار، كان ينبغي أن يكون الحل مثيلًا للحل الذي كان ميد قد اقترحه في حالة موريشيوس.34

تعيَّن على جنوب أفريقيا أن تواجه هذا التحديَ في عالم باتت فيه قواعد اللعبة مختلفة تمامًا؛ فصعود الصين باعتبارها مصدرًا يتمتع بميزة التكلفة المنخفضة زاد كثيرًا من صعوبة التنافس في مجال التصنيع. كانت جنوب أفريقيا قد خفضت التعريفات الجمركية على الواردات، علاوةً على أن الاتفاقات الدولية جعلت من الصعب، أو المستحيل، زيادتها زيادة كبيرة. صحيح أن الحكومة دعمت بعض الصناعات التحويلية، مثل صناعة السيارات، لكن برامج المساعدات هذه كانت في الحقيقة محاولة للتخفف من قيد قانون منظمة التجارة العالمية. يضاف إلى ذلك أن البنك المركزي المستقل للبلاد والنظام الحر لتدفقات رأس المال جعلا من المستحيل مجرد التفكير في تخفيض قيمة العملة (الراند) بهدف منح دفعة لربحية صادرات التصنيع.

في النهاية، أوصيتُ أنا وزملائي بتطبيق مزيج انتقائي من السياسات. أوصينا بتشديد السياسة المالية مما سيتيح للبنك المركزي أن يخفض سعر الفائدة، ويسمح بتخفيض قيمة عملة الراند. واقترحنا تقديم دعم في شكل توفير وظائف مؤقتة للحد من التكلفة التي يتحملها أصحاب العمل في توظيف الشباب المتخرجين. وأوصينا باتباع نهج جديد للسياسة الصناعية رأينا أنه سيكون أكثر فعالية وأكثر ملاءمة للسوق، وأقل عرضة لاعتراض منظمة التجارة العالمية.

عادةً ما يشمل النهج التقليدي للسياسة الصناعية قائمة من القطاعات التي ينبغي تشجيعها إلى جانب قائمة من الأدوات اللازمة لهذا التعزيز (على سبيل المثال، الحماية الجمركية وتخفيضات في الضرائب، تقديم الدعم في مجال البحث والتطوير، وتوفير ائتمان منخفض الفائدة، وتأسيس مناطق صناعية). في المقابل، كان نهجنا يركز أكثر على إدارة العملية نفسها؛ فقد ركز على إعادة المؤسسات القائمة — مثل وزارة التجارة والصناعة أو مؤسسة التطوير الصناعي — إلى صلب الحوار بين الحكومة والأعمال التجارية. هذا الحوار سيسعى إلى تحديد العوائق والفرص المتاحة في الأنشطة الصناعية — التي أمكن معرفة عدد قليل منها من قبل — وإلى الاستجابة سريعًا للفرص التي سيحددها الحوار بمجموعة متنوعة من السياسات.35
هل ستعود هذه المقترحات بالفائدة؟ من الصعب التكهن بذلك. لا شك أن بعضها سيفشل، والبعض الآخر سيحتاج إلى التعديل كي يصبح فعالًا تمامًا. لكن ما يهم في نهاية المطاف هو وجود حكومة تستطيع أن تتفهم طبيعة التحدي، وتكون على استعداد لتجريب حلول مختلفة للتغلب عليه. بحلول عام ٢٠٠٩، كانت جنوب أفريقيا قد انتخبت رئيسًا جديدًا، هو جاكوب زوما، ونصَّبت حكومة جديدة. كان المسئولون الحكوميون يحذرون من خطورة التخلي عن النشاط الصناعي ويتحدثون عن السياسة الصناعية باعتبارها أهم الركائز التي ينبغي أن يقوم عليها رد فعل جنوب أفريقيا إزاء الأزمة المالية العالمية.36

(٨) حديث جديد عن التنمية

عام ١٧٩١ قال ألكسندر هاملتون إن من يعتقدون أن الصناعات الحديثة تتطور من تلقاء نفسها، ومن دون دعم الحكومة، مخطئون في اعتقادهم هذا.37 وقد كانت هناك عقبات كثيرة جدًّا — أبرزها منافسة الدول الأكثر تقدمًا — عرقلت تطور هذه الصناعات تلقائيًّا وعلى نحوٍ طبيعي في الولايات المتحدة. عارض هاملتون بالقوة نفسها من يعتقدون أن جهود الحكومة ستزيد الأمور سوءًا ولن تصلحها. لم تكن المسألة هي وجوب تدخُّل الحكومة أو عدمه، بل كيفية هذا التدخل.

لكن أصوليِّي التجارة تجاهلوا وجهات نظر هاملتون واقتصاديين آخرين كثيرين بعده. ولم يتمكنوا بالأساس من فهم طبيعة التحديات التي تواجهها الدول النامية؛ فالنمو الاقتصادي والتنمية لا يمكن تحقيقهما إلا من خلال تراكُم القدرات عبر الزمن، في مجالات عديدة تتراوح من المهارات والتقنيات إلى المؤسسات العامة. أما العولمة وحدها فلا تستطيع توليد هذه القدرات، إنما كل ما تفعله أنها تتيح للدول أن تزيد استفادتها من قدراتها التي تملكها أصلًا. وهذا هو السبب في أن الناجحين في عالم العولمة — دول شرق آسيا في عصرنا — يعززون قدراتهم الإنتاجية المحلية أولًا كي لا يقتحموا ميادين المنافسة الدولية دونما عتاد.

وتلك السياسة الصناعية، أيًّا كان اسمها، باتت مقبولة مرة أخرى — بل وضرورية — وهذا يبين بوضوح إلى أي مدًى تراجعنا عن الأصولية التجارية التي كانت سائدة في التسعينيات. لكن من السابق لأوانه أن نعلن أننا انتصرنا؛ فتعاليم الأصولية التجارية لا تزال متأصلة في قواعد منظمة التجارة العالمية وفي ممارسات المؤسسات المتعددة الأطراف الأخرى، وكذلك في وعي الكثيرين جدًّا من التكنوقراط وصناع السياسات.

وهذا يعكس إلى حدٍّ كبير عدم وجود أي فكر بديل يحظى بجاذبية معقولة؛ فالتقليد الأقدم المتعلق بالتعامل مع استراتيجية التنمية وفق مقتضيات الواقع الفعلي لا الأحوال المثالية لَهُوَ أقرب إلى نهج الثعالب منه إلى نهج القنافذ، ويملك الأساسيات اللازمة، لكنه يبدو باليًا ومستهلكًا؛ لذا يتطلب إنعاشه إعادة ضبط التوازن بين سلطة الدولة والأسواق مع الحفاظ على جوهره.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢