الفصل الرابع

الدعاية الخفية

كانت الدعاية من الأسلحة القاطعة التي أجاد النازيون استخدامها كل الإجادة منذ قبضوا على أزِمَّة الحكم في ألمانيا. ومن الحقائق المعروفة الآن، أنهم كانوا يقصدون من نشر دعايتهم إلى تأييد أركان الحزب النازي في دولة الريخ الثالث، ثم إدماج الريخ في الحزب النازي نفسه، وفرض مبادئهم وتعاليمهم فرضًا على الشعب الألماني؛ حتى يتمكنوا من تأليف تلك الكتلة الصلدة المتماسكة التي كانوا يرون أنه لا غنى عن وجودها إذا أرادوا الوصول إلى السيطرة العالمية المنشودة. وكانوا يقصدون كذلك إلى تهيئة بقية الشعوب الأوروبية وإعدادها لاعتناق هذه المبادئ والتعاليم، وقبول سيطرة السادة النازيين عليهم. وقد نجحوا في داخل بلادهم نجاحًا منقطع النظير كان من نتيجته أن أصبح الحزب يسيطر كل السيطرة على الحياة الألمانية، ويدفع بالأمة دفعًا عن يقين وعقيدة، أو دون تفكير وتدبر أو تحت ضغط ما سلطوه من صنوف الإرهاب على الشعب الألماني، إلى مناصبة الأمم الأخرى العداء والالتحام معها في معارك الحرب الطاحنة. ولم يكن من أهداف «الدعاية» الداخلية بطبيعة الحال أن يعود الشعب الألماني التفكير مطلقًا؛ لأن التفكير من شأنه أن يبعث المرء على أن ينقد كل ما يعرض له من مشاكل، ويدعو إلى مناقشة أعمال رجال الحكم، ويسبب لذلك صعوبات جمة تتطلب جهودًا معينة لإزالتها، ولا يتفق وجودها مع برامج النازيين وخططهم.

ومن ناحية أخرى، أصاب النازيون نجاحًا كبيرًا في بقية أوروبا، وبخاصة في فرنسا والأراضي المنخفضة والبلقان، فظهر في هذه البلدان التي خضعت لطغيانهم سلمًا، أو من غير مقاومة تذكر، فريق من الكويسلنجيين تقدم ذكرهم، قبلوا التعاون مع النازيين، وأيدوا السيطرة الأجنبية في بلادهم، ومع أن خروج كل هؤلاء إلى الميدان، بمجرد وقوع الاعتداء النازي على أوطانهم، كان مفاجأة دُهش لها العالم، فإن الحقيقة هي أن النازيين ظلوا منذ مدة طويلة يلقون بشباكهم في البلاد المجاورة لهم، وكذلك في الأقطار البعيدة عنهم حتى يتصيدوا الموالين لهم، وحتى يجذبوا إليهم الأنصار والمؤيدين، يشترونهم بالمال تارة وبالوعد «أو الوعيد» تارة أخرى. ولعبت الدعاية النازية في ذلك كله دورًا دلَّ على مهارة فائقة، واستطاعت أن تقنع كثيرين من هؤلاء الموالين والأنصار «بالأمور» التي شاء النازيون أن يقف العالم كله على «حقيقتها»، ومن هذه «الأمور» — على سبيل المثال — أن اليهود والشيوعيين يأتمرون بالعالم، وأن من الخير كل الخير أن تتحد الشعوب الأوروبية مع النازيين في بناء حضارة جديدة، وأن الكاثوليك أيضًا مع أعداء الحضارة، وأنه ينبغي أن يمهد السبيل إلى ذلك كله بإزالة ما لحق بألمانيا من إساءات في معاهدات صلح فرساي المعروفة، وإدخال هذه الدولة في زمرة الدول الكبيرة على قدم المساواة معها وإشراكها في توزيع موارد العالم الأولية. ومن بين هؤلاء «المقتنعين» بصحة هذه الأقوال وجد النازيون ضالتهم، وبفضل مؤازرتهم استطاعوا شيئًا فشيئًا تحطيم روح الشعوب المعنوية حتى إذا جد الجد وأزف موعد الغزو، اعتمد النازيون على تسليم أهل هذه البلاد في غير حرب أو مقاومة، ثم كان لهم ما أرادوا حتى قيل إن الجيش الألماني في فتوحه الخاطفة الأولى دخل بلادًا كان قد سبق فتحها وإخضاعها منذ مدة طويلة.

بيد أن دور الدعاية النازية لم ينته في الحقيقة عند ذلك، بل سرعان ما طلب إليها بعد الانتصار الخاطف أن تنشر الدعوة بين الشعوب المقهورة لقبول النظام الجديد على نحو ما تقدم ذكره، ومن ذلك الحين صار النازيون يحرصون على تفسير معنى النظام الجديد، ويقيمون البرهان بعد البرهان على أنه النظام الذي يكفل من جميع النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية دعم أركان تلك الحضارة الجديدة التي أطالوا الحديث عنها في السنوات الماضية. ثم اجتهدوا حتى يحببوا أساليبهم وطرائقهم إلى أهل البلاد المفتوحة، وينشروا بينهم تعاليمهم ومبادئهم، ويشوقوهم إلى الإقبال على مناصرتهم وتأييدهم، والتعاون معهم لا لتعزيز شكل الحكم الجديد وتأييد أداته، بل ومن أجل إقصاء العناصر المعارضة جميعها، والقضاء على المقاومة بمختلف أنواعها، وتسخير الأهلين في إنتاج عتاد الحرب، ثم إشراكهم أخيرًا في معارك الحرب القاتلة.

واعتمد النازيون على الصحافة والراديو في نشر الدعوة إلى النظام الجديد، ووجدوا في إثارة الإشاعات والأقاويل سلاحًا ماضيًا لا يقل في أثره عن فعل الكلمة المكتوبة، أو الأحاديث التي ينقلها الأثير إلى كافة الأرجاء، واستند النازيون فيما كانوا يذيعون إلى مبادئ معينة، وصلوا إليها كما قالوا بعد دراسة سيكولوجية الجماعات والشعوب، وأهمها: أن التكرار الكثير من شأنه أن يلصق في ذهن المخاطب نوع الصورة أو الفكرة التي يريد أصحابها أن تعلق في ذهنه وتتغلغل في فؤاده، وأن الكذب الفاضح يجد من سامعه قبولًا وتصديقًا؛ لأن الشخص إذا اعتاد الكذب «الصغير» في حياته اليومية، وصار لا يصدق الأكذوبة الصغيرة، بل الأكاذيب الضخمة وحدها هي التي تترك أثرًا عالقًا في نفسه، وأن مثل الجماهير في قدرتها على التفكير كالقطيع من الغنم الذي لا إدراك له ولا تمييز عنده.

ولما كان من شرائط نجاح «الدعاوة» أن تظل الآراء والأقوال الموحى بها والمنقولة إلى الجماعات من نوع واحد وعلى وتيرة واحدة، فقد أصبح ضروريًّا أن تحاط هذه الجماعة بسياجٍ قوي يعزلها عن غيرها من الجماعات، فلا تجد الآراء والأقوال المغايرة طريقًا تنفذ من هذا السياج إليها. ولذلك أُنشئت «الرقابة» وصارت مهمتها في الدول الديكاتورية — وفي ألمانيا بطبيعة الحال — السهر على أن يكون الكتَّاب والناشرون والقصيصون والمهيمنون على التعليم وتربية النشء، ومن إليهم، كالرسامين، ومديري المسارح، ومخرجي الصور المتحركة وشركات النشر والتوزيع من طراز معين. ذلك بأن هؤلاء جميعًا من أصحاب العلم والرأي، وينبغي لذلك أن يسير تفكيرهم في مجرى واحد، فلا يُترك الفكر حتى يخرج عن هذا الطريق المرسوم أو يطغو على جوانب هذا المجرى، ولما كانت عدوى الرأي والفكر أخطر من غيرها على النظم القائمة وكانت الصحف السيارة بفضل ما تنشره من أخبار أو تعده من بحوث مبسطة تقرب المعاني وما تشاء من آراء إلى أذهان الجماهير، وتوحي إليها بما تريد أن توحي به أعظم أداة إلى جانب الراديو لإذاعة ما يبغي أصحابها وكتَّابها إذاعته، وضع النازيون مراسلي الصحف على وجه الخصوص تحت رقابة شديدة، ثم صار الرقيب لا ينشر رسائلهم إذا اشتملت على خبر أو رأي من شأنه أن يفتح أذهان القوم، أو يجعل الشك من ناحية ما يعيشون فيه يتسرب إلى نفوسهم.

ولذلك لم تكد الدعاية النازية تبدأ في نشر الدعوة إلى النظام الجديد من أواسط عام ١٩٤٠ تقريبًا حتى طبَّق النازيون «الرقابة» الصارمة في البلاد المفتوحة، فسيطروا على الصحافة وعلى «الراديو»، وكانت لهم في ذلك أساليب وطرائق منوعة، الغرض منها جميعًا تنظيم نشر الأخبار وإذاعة الآراء التي يوافق النازيون على نشرها وذيوعها. ومن بين تلك الأساليب والطرائق أن يحدث نشر الخبر في البلدان المفتوحة في وقت واحد، على شريطة أن يدرج الخبر أو يدبج المقال في صفحة معينة وفي مكان معين في جميع الصحف وفي جميع المدن، وإذا كان الغرض ترويج فكرة معينة والإيحاء برأي من الآراء لخدمة مآربهم، أفرغوا هذه الفكرة وهذا الرأي في قوالب منوعة تستسيغها أفهام الجماهير والشعوب التي يُراد نقل الخبر إليها أو نشر الرأي المعين بين ظهرانيها، والغاية من ذلك ألا يتسرب خبر أو يَذيع رأيٌّ لا يرغب النازيون فيه، وأن يكون النشر مقصورًا على ما يريدون أن يعرفه سواد الناس وخاصتهم، وفي الصيغة التي تروقهم.

ولهذا التصرف في نظر النازيين عدة مزايا، أولها: تهيئة الفكر حتى يقبل تفسير حادث معين سبق أن دبر النازيون وقوعه منذ مدة، مثال ذلك: الحملة العنيفة التي أثارها النازيون ضد بولندة بدعوى أن البولنديين يسيئون إلى الأقلية البولندية التي تنتمي إلى أصل ألماني Volks genosse في بلادهم شر إساءة، ولا يتورعون عن ارتكاب كل جرم من أجل إفناء هذه الأقلية؛ وذلك حتى يشعلوا نيران الحقد والكراهية في نفوس الألمان ضدد الشعب البولندي، وحتى يستنكر الرأي العام الأوروبي أعمال البولنديين الإجرامية المزعومة، فلا تجد بولندة من يعطف عليها حينما تنزل بها الكارثة، ويجتاح الألمان أرضها.

والمزية الثانية: هي أن يألف أهل الريخ أنفسهم، بسبب ما تغمرهم به الدعاوة النازية من أخبار وآراء متلاحقة وعلى وتيرة واحدة — السكون إلى ما يتلقونه من زعمائهم والرضى بما يُلقى في روعهم — فينصرفون عن إعمال الفكر والروية، اطمئنانًا إلى أن قادتهم إنما يقومون بمهمة التفكير وإعمال الرأي بدلًا عنهم، فيصبحون في الحقيقة شبه آلات مسيرة يحركها الزعماء ويوجهونها حسبما يريدون.

ولزيادة أحكام هذا الجهد التوجيهي المنظم — أو كما يسميه النازيون Gleichschaltung — عني النازيون بكل صغيرة وكبيرة من مسائل النشر، فأصدروا أوامر عدة تقيد الصحف فيما تنشر، وترغمها على اتباع أنظمة خاصة في تدوين الأخبار. ولما خشوا أن تتسرب إلى الصحف آراء مغايرة لآرائهم على الرغم مما قد يتخذونه من احتياطات، حرص النازيون على أن يكون محررو الصحف والكُتاب من الأفراد الذين يثقون بهم كل الثقة، ويطمئنون إلى ميولهم ونوع تفكيرهم، ومن ثم أخذوا يُبعدون عن إدارات الصحف في جميع البلدان المحتلة، الكتاب والمحررين المشكوك في إخلاصهم، والذين يعتبرونهم من أعداء النظام الجديد، وأحلوا مكانهم أفرادًا من الذين يقبلون التعاون معهم. ثم لم يلبث أن دعاهم الحرص إلى إنشاء صحف محلية تكتب باللغة الألمانية في عواصم البلدان المفتوحة، حتى يضمنوا تنفيذ التعليمات التي تصدرها مراكز الدعاوة الألمانية الرئيسية في الريخ، على علاتها ومن غير تعديل أو تحوير يذهب — ولا شك — بقيمتها وأثرها، مهما كان التعديل أو التحوير طفيفًا في ظاهره. ومن ثم أصدر النازيون في باريس صحيفة Pariser Zeitung الألمانية، وفي وارسو Warschauer Zeitung كما أصدروا صحفًا أخرى في كركاو، وبلغراد، وبراج، والنرويج، والدانمرك، وكرواتيا، وسلوفاكيا، هذا عدا المئات بل الآلاف من الصحف الصغيرة والمجلات المصورة والنشرات وغير ذلك. ومع أن هذه الصحف كانت تصدر في بلدان مختلفة؛ فقد جاءت جميعها متفقة في الشكل والتبويب وفي نوع الأخبار والبحوث التي تنشرها، حتى لتكاد تكون كلها في الحقيقة نسخًا متعددة من صحيفة واحدة، فلا يشعر القارئ بأي اختلاف، ولا يميز بعضها عن بعض سوى ما يدرج في مكان الأنباء المحلية.

•••

وكان من أثر هذه الرقابة الصارمة، وهذا «الجهد التوجيهي المنظم» الذي تقوم عليه الدعاوة النازية وإدارتها، أن وجد أهل البلاد المقهورة أنفسهم آخر الأمر في عزلة كاملة عن بقية العالم، يقرءون ما يسمح به «التنظيم» النازي فحسب، ولا يدرون من أحوال الشعوب الأخرى غير ما يجيز النازيون معرفته. ولكن سرعان ما نجم عن هذا الوضع الشاذ رد فعل عميق في نفوس هؤلاء المقهورين، والسبب في ذلك تلك العزلة ذاتها التي فُرضت عليهم في وقت عظمت دعاوة النازيين إلى النظام الجديد، وكثرت أقاويلهم التي وصفوا بها «مزايا» النظام المزعومة. هذا بينما وجد الأهلون بالبرهان الساطع مما يلمسونه في حياتهم اليومية أن هذه الدعاوة وهذه الأقاويل كاذبة؛ لأنه بدلًا من العيش في ظل حياة وادعة مطمئنة — كما أسرف النازيون في وعودهم — أصبح الأذى من نصيبهم، وصار الظلم ينزل بهم من كل جانب، ويعيشون عيش الذل والضعة في كنف نظام يعمل على انحلال الأسرة وتشتيت أفرادها، ويسخر الشباب والنساء وكبار السن والصغار في العمل الإنتاجي المرهق لمصلحة الريخ وحده، ويسلب أقوات الأهلين ويتركهم يتضورون جوعًا ويموتون من العري والبرد زرافات ووحدانًا كما حدث في بلاد اليونان وغيرها. لذلك صار من الطبيعي أن يداخلهم الشك في كل ما يقرءونه ويسمعونه عن النظام الجديد، وباتوا لا يصدقون ما تروجه الدعاية النازية من ادعاءات وأقاويل عن مزايا هذا النظام، ويتوقون إلى الخلاص منه.

ومنذ شعرت هذه الشعوب المقهورة بأن الدعاية النازية: إنما تريد أن تضللهم بما تنشره عليهم من أكاذيب لم يكن المقصود منها في الحقيقة سوى إخماد الروح المعنوية فيهم وتستخيرهم في خدمة مآرب النازيين، وإحكام السيطرة الجرمانية على الشعوب الأوروبية المحقرة. بدأ عهد ما صار يُعرف في تاريخ المقاومة في أوروبا المحتلة باسم «الدعاوة المضادة» أو «الدعاوة الخفية».

والواقع أنه كان من المنتظر أن تظهر إلى عالم الوجود هذه «الدعاوة المضادة»، عندما تنتهي موجة الفتوح الخاطفة النازية، وبمجرد أن تفيق الشعوب المقهورة من أثر صدمة الغزو العنيفة؛ إذ يسترد المذهول، سمعه وبصره، ويستعيد إدراكه ووعيه، ومن ثم يصبح في استطاعته أن يميز بين أقوال النازيين وفعالهم، ويمعن النظر فيما يشاهده حوله، ولم يكن من السهل على المغلوب المقهور أن يفيق من ذهوله، ما دامت آلة الحرب النازية الضخمة ماثلة أمامه، وما دام النازيون المنتصرون يستأثرون بأكاليل الغار، ويدوسون تحت نعالهم شعوبًا برمتها، وما دام النصر حليفهم في كل مكان وزمان. لذلك أصبح من الضروري أن تلحق بالنازيين الهزيمة، وأن تعترض أعمالهم العسكرية بعض العقبات الكأداء؛ حتى يزول من الأذهان ذلك الزعم بأنهم شياطين لا سبيل إلى قهرهم، وحتى يدرك أهل البلاد المفتوحة أنهم بشر يقعون في الخطأ ويعتريهم الضعف، وأن مقاومتهم والتغلب عليهم في حيز الإمكان.

ولما كانت التعاليم النازية لا تستند إلى شيء من المبادئ التي أخذ بها العالم المتحضر منذ أجيال وقرون، ولما كانت دعواهم في إنشاء النظام الجديد الذي يريدونه دعوى عاتٍ جبار لا يرضى عن إذلال الشعوب غير الجرمانية بديلًا، ولما كان البرهان قد قام على أن النازيين بشر قد يفلت النصر من أيديهم، وقد تدركهم الهزيمة، فإنه سرعان ما اجتمعت الأسباب التي أفضت إلى ظهور ضروب المقاومة المختلفة التي شهدناها في أوروبا المحتلة، وإلى ظهور الدعاوة المضادة. وغنى عن البيان أن المقاومة والدعاية الخفية سارتا جنبًا إلى جنب، بل إن الذي حدث فعلًا هو أن الدعاوة المضادة سبقت المقاومة بعض الشيء، كما أنها كانت في الحقيقة من أساليب المقاومة السلبية المبكرة، هذا إلى أنها كانت من عوامل انتشار المقاومة ذاتها وتوجيهها — كما سيأتي ذكره بعدُ.

وعلى ذلك كان من أسباب ظهور الدعاوة المضادة، مسلك النازيين أنفسهم في تطبيق النظام الجديد في أوروبا المحتلة، كما كان من عواملها المباشرة هزيمة النازيين في معركة بريطانيا المشهورة «من ٨ أغسطس إلى ٣١ أكتوبر ١٩٤٠»، هذا على الرغم من جهودهم الجبارة المتوالية، وبخاصة عندما أطلق «جورنج» سلاحه الجوي على لندن في ثمانية وعشرين هجومًا كبيرًا في وضح النهار ما بين السادس من شهر سبتمبر والخامس من شهر أكتوبر، فقد تطلع أهل البلاد المقهورة إلى نتيجة هذا الصراع العنيف، ولم تفد «رقابة» النازيين الصارمة شيئًا في كتم أخبار الخسارة الجسيمة التي نزلت بسلاحهم الجوي. وفي هذه الشهور العصيبة أخذ ينمو الشعور بضرورة المقاومة لدى الشعوب المغلوبة، ثم لم يلبث أن وجد هذا الشعور مكانًا في صحف البلدان المحتلة تحت أنوف النازيين، وعلى الرغم من وجود «الرقابة» الصارمة التي أنشأوها، فكان فشل النازيين في هذه المعركة الجوية الهائلة موضع أحاديث القوم وتعليقاتهم، بل وموضع «نكاتهم» في بعض الأحايين، وزادت جرأتهم عندما صار البريطانيون بعد ذلك يرسلون الحملات الجوية المدمرة على أوروبا المحتلة وعلى ألمانيا ذاتها — وهي التي قال عنها جورنج: إنها محوطة بحلقة حديدية من الاستحكامات القوية — فتكررت إغارات البريطانيين على فرنسا الشمالية والغربية وعلى الدانمرك وهولندة وبلجيكا والنرويج، ومن هذه الأحاديث والتعليقات بدأت تظهر «الدعاوة المضادة»، ووجدت هذه الدعاية الخفية في بادئ الأمر طريقها إلى الصحف التي أجاز النازيون صدورها. فقد صارت هذه الصحف تنقل أخبار المعارك الجوية إلى قرائها بكل دقة وأمانة، وكثيرًا ما حاول محرروها الإفلات من الرقابة الصارمة، وقد نجحت محاولاتهم في بعض الأحايين. ومن أمثلة ذلك أن صحيفة بلجيكية نشرت ذات يوم خبرًا فحواه أن «خمسين قاذفة قنابل ألمانية شوهدت تطير صوب بريطانيا، ولم يعد منها ست وأربعون»، فجاءها إنذار شديد من سلطات الاحتلال الألمانية. ولم تكد تمضي بضعة أيام حتى نشرت هذه الصحيفة نفسها خبرًا آخر عن قاذفات ألمانية ذهبت للإغارة على بريطانيا فقالت: «شوهدت اليوم ٣٤ قاذفة ألمانية تطير صوب إنجلترا، وقد عادت منها ٤٣ طائرة إلى قواعدها سالمة!» فأغلقت السلطات إدارة هذه الصحيفة. وهناك تلك الصحيفة الدانمركية التي أرادت أن تنقل إلى قرائها خبر إغارة موفقة قامت بها الطائرات البريطانية ودمرت مصنعًا كان يشتغل لحساب ألمانيا في هذه البلاد، ومنعت سلطات الاحتلال نشر خبر هذه الإغارة حتى مضى يومان، فذكرت إدارة الأخبار الألمانية في اليوم الثالث من وقوعها أن الإغارة التي حدثت لم تكن ناجحة وأن كل ما أصابه الطيارون الإنجليز بقذائفهم كان بقرة واحدة، فانتهزت الصحيفة الدانمركية إذاعة خبر الغارة، وحاولت أن تبين لقارئيها مدى الضرر الحقيقي الذي نجم عنها، على خلاف ما ادعته الدعاية النازية، فأثبتت الخبر كما صاغته السلطات الألمانية، ثم أضافت التعليق الآتي: «ولا تزال هذه البقرة تحترق!»

وبطبيعة الحال لقيت قصة البقرة التي لا تزال تحترق، ذيوعًا كبيرًا، لا يقل في الحقيقة عن ذيوع قصة الطيارات النازية الثلاثة والأربعين التي عادت إلى قواعدها سالمة! ووجد الأهلون في الأراضي المنخفضة والدانمرك وغيرها في ترديد هاتين القصتين على وجه الخصوص وسيلة للسخر بالسادة النازيين الذين ظلوا في فترة الحرب الأولى يمنون النفس بقهر البريطانيين وغزو بلادهم، وأعلنوا عن هذه الأمنية العزيزة لديهم مرارًا وتكرارًا، وأكثروا من ترديدها زهوًا وافتخارًا حتى وضعوا «أغنية» في هذا المعنى:

نحن ذاهبون — أو مبحرون — إلى إنجلترا Wir fahren gen Engelland.
وصارت الدعاية النازية تذيع هذه الأغنية في برامجها، وأصبحت الأغنية المفضلة أيضًا من الجند النازيين في كل مناسبة، وكان الغرض من إذاعة هذه الأغنية وترديدها إخماد أي أمل لدى الشعوب المقهورة في إمكان الاعتماد على بريطانيا في نجدتهم. ولذلك لم يكد يظهر فشل النازيين وعجزهم، وتعرف حكاية الطائرات الثلاثة والأربعين وقصة البقرة ذات الحظ السيئ حتى زالت هيبة الألمانيين إلى حد كبير من النفوس، كما تزعزع الاعتقاد في أن النصر لا بد أن يكون دائمًا من نصيب السادة الألمان. ثم اتخذ السخر بالنازيين في هولندة وبلجيكا والدانمرك وفرنسا خصوصًا أشكالًا منوعة، منها أن أهل الموانئ في هذه البلدان المفتوحة صاروا ينقبون عن الإعلانات القديمة وجداول مواعيد قيام السفن في القنال الإنجليزي، حتى إذا عثروا على عدد من هذه الجداول أو الإعلانات، أعادوا لصقها على جدران ثكنات الجند الألمان، والبنايات العسكرية الألمانية، ثم كتبوا في ذيلها يستفهمون: «وما موعد قيام المركب التالية إلى إنجلترا؟» وفضلًا عن ذلك فإن كثيرين من أهل هذه الموانئ صاروا يعترضون الجند الألمان في الطريق حتى يسألوهم إذا كانوا يعرفون أن الهر هتلر قد ابتاع حديثًا أقوى جهاز للراديو في العالم! فإذا لم يكن الجندي لبقًا متيقظًا وسأل بدوره ولماذا يشتري الهر هتلر هذا الجهاز، أجابوه على الفور: «لأن هذه هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تأتيه بإنجلترا!» ولعله كان من نتائج إخفاق الألمان في مشروع غزو إنجلترا اختفاء «الأغنية» السابقة، ثم ظهور أغنية أخرى سماها أصحاب «الدعاوة المضادة» بأنشودة «عدم الوصول قط إلى هناك — أي إنجلترا Niegelungenlied

•••

وكان من أسباب نمو «الدعاوة المضادة» قيام الحرب بين ألمانيا النازية والروسيا في يونية ١٩٤١. صحيح أن النصر ظل حليف الألمانيين في المعارك الأولى من هذه الحرب، واقتطع النازيون من دولة السوفييت أقاليم شاسعة، وكان من المنتظر أن يضعف إيمان الشعوب المقهورة من جراء هذا الانتصار السريع في بداية الحملة الروسية، ولكن شيئًا من ذلك لم يحدث، لعدة أسباب: منها أن اشتباك النازيين في حرب مع الروسيا التي لا تعرف الجماهير عنها سوى أنها من الأقطار السحيقة ذات الموارد التي لا تنضب من الرجال الصالحين لحمل السلاح، لا بد وأن يخلق لأداة الحرب النازية مشاكل عويصة، لا يكفي النصر السريع لتذليلها ما دام هذا النصر غير حاسم، وما دامت الجيوش الروسية الجرارة تتخذ خطة المراوغة والاستدراج، وتفوت على النازيين كل فرصة للالتحام مع أعدائهم في معركة فاصلة ترغم الروس على التسليم وطلب الهدنة ثم الصلح مع ألمانيا. وقد أصابت الشعوب المغلوبة كبد الحقيقة في تفكيرها هذا، وسرعان ما وضح على الرغم من الانتصارات الأولى، أن النازيين لا يستطيعون شن الحرب الخاطفة في أملاك الاتحاد السوفيتي ذات الأطراف المترامية ومناطق الإنتاج الكثيرة المتباينة؛ ولذلك فإنه بدلًا من أن يكون النصر النازي المبكر في هذه الحرب سببًا في إخماد «الدعاوة المضادة»، أصبح على العكس من ذلك من أسباب ازدياد «الدعاية الخفية» وانتشارها.

أضف إلى هذا أن الحملة الروسية — على نحو ما سبقت الإشارة — اقتضت إرسال مئات الألوف من الألمان المجندين إلى جبهة القتال، هذا إلى جانب الفرق المتعددة من أبناء الدول البلقانية الضالعة مع النازيين خصوصًا، ونشأت عن هذه الحال معضلة جديدة في الريخ الثالث، هي تزويد المصانع المشتغلة في إنتاج عتاد الحرب الألماني بالأيدي العاملة، وعمد النازيون إلى تذليل هذه الصعوبة بنقل العمال الأجانب للعمل بالمصانع والمناجم الألمانية، ثم تنظيم إنتاج المصانع والمناجم في البلدان المحتلة تحت إشراف سلطات الاحتلال ورجال الجستابو. وقد تقدم بحث مشكلة العمال الأجانب في الريخ عند الكلام عن «الاقتصاد النازي» في أوروبا؛ ولذلك كانت تعبئة الأيدي العاملة وتسخير الأهلين في الإنتاج الألماني من أهم أسباب نمو حركة «الدعاوة المضادة»، ثم إمعان أهل هذه البلدان المغلوبة في اتباع خطة المقاومة بنوعيها معًا: السلبي والإيجابي.

وزيادة على ذلك فإنه سرعان ما ظهر أن الحملة الروسية قد كلفت النازيين أثمانًا باهظة في العتاد والرجال، وأن تقهقر الروس أمام الجحافل النازية الزاحفة عليهم، كان يجري وفق خطة موضوعة إلى حد كبير؛ لأن الروس علمتهم تجارب الحروب الماضية منذ أكثر من مائة عام — وبخاصة إبان حملة نابليون المشهورة على بلادهم في عام ١٨١٢ — أنه كلما أوغل العدو في أرضهم الشاسعة وبعد عن مراكز تموينه، سهل على عصابات المقاتلين الروس قطع خطوط مواصلاته وإرهاق مؤخرته، مما يجعل النصر بعيدًا عن متناول يده والغلبة في نهاية الأمر لهم. ومن المعروف أن الروس اتبعوا في حملة نابليون خطة «الأرض المحروقة»، واتبعوا في الحرب الهتلرية الماضية خطة إحراق الأرض بما عليها، وتدمير المرافق وأنابيب المياه وتخريب المساكن وإقفار القرى والدساكر من أهلها، ونقل مخزونها من المؤن والأغذية؛ وذلك حتى لا يجد الفاتح مأوى أو مأكلًا أو موضعًا لراحة أو استجمام، وقد ظهرت نتائج ذلك كله عندما اعترف النازيون بأن الحرب الروسية سوف يطول أمدها، وأن الشتاء سوف ينزل عليهم ببرده القارس وهم في الميدان الشرقي المتعب، وأن أساليب الحرب الخاطفة والوحدات الميكانيكية السريعة، لا تفيد شيئًا في كسب نصر سريع، على غير ما كان جمهور القادة وسواد الشعب الألماني يتوقع. وهناك أدلة كثيرة على أن النازيين ما كانوا ينتظرون أن يمتد أجل الحرب إلى شتاء العام التالي (١٩٤١-١٩٤٢). وقد أحدثت هذه الخيبة المرة أثرًا عميقًا في نفوس النازيين، كما أحيت آمالًا عريضة في صدور الشعوب المقهورة. وفي الفصول التالية سوف نتحدث عن أثر هذه الخيبة في داخل ألمانيا ذاتها.

•••

وفي نهاية العام نفسه (ديسمبر ١٩٤١)، جدَّ عاملٌ آخر كان ذا أثر بعيد في نمو الدعاية الخفية، وانتشار الدعاوة المضادة في أوروبا النازية: هذا العامل هو دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب ضد النازيين وأحلافهم. وجاء دخول الولايات المتحدة الحرب — إلى جانب اعتبارات أخرى قيمة — بمثابة الهزيمة الشنيعة لأداة الدعاية النازية. فقد كان انضمام هذه الديموقراطية العظيمة إلى جانب البريطانيين والأمم المتحدة معهم في الصراع ضد طغمة النازيين نذيرًا بأن الحملة الروسية المشئومة على السادة النازيين سوف تزداد شؤمًا عليهم بمرور الأيام والشهور، وأن الحرب سوف تجد ميادين جديدة خارج القارة الأوروبية تنتقل إليها، ولا يكون للنازيين أمل الانتصار فيها أو الاحتفاظ بالقدرة على السبق في العمليات العسكرية دائمًا، وأن الحلفاء الجدد عاملون — ولا شك — على إيجاد جبهات للقتال ثانية وثالثة، توزِّع جهد النازيين وتشتت قوى إنتاجهم، وأن عتاد الحرب من مؤن وأغذية وخامات وذخائر وأسلحة وعقاقير وأدوية، وأيدٍ عاملة ورجال، سوف يتدفق تدفقًا على روسيا المحاربة الصامدة، وأن أي أمل لدى النازيين في النصر لا بد وأن ينقضي ويزول عاجلًا، وأن فرصة التحرر من سلطان النظام النازي الجديد لا بد آتية، وأن العاملين من أجل الحرية في جميع البلدان المغلوبة على أمرها سوف يظفرون بالخلاص قريبًا إذا هم ساهموا من جانبهم بنصيب في إلحاق الهزيمة الماحقة بالنازيين وبأذنابهم من الكويسلنجيين والمتعاونين معهم في أوروبا النازية.

والواقع أن انحياز الديمقراطية الأمريكية إلى المبادئ التي ناضل البريطانيون وحلفاؤهم من أجل تعزيزها كان حدثًا عظيمًا، لا في تاريخ هذه الحرب الضروس وحدها، بل وفي تاريخ الحضارة الإنسانية كذلك. فمن المعروف أن النازيين ظلوا ينشرون دعاوتهم في جميع أرجاء العالم المتمدين — ومنها الأمريكتان: الشمالية والجنوبية — منذ اللحظة التي وصلوا فيها إلى مراكز الحكم في ألمانيا ١٩٣٣. وقصة الطابور الخامس ونشاط أعضاء هذا الطابور من الموضوعات التي صار لا يجهلها إنسان منذ أن خلعت ألمانيا النازية القناع وامتشقت حسام الغزو والفتح في وجه الديمقراطيات «المتداعية». ولم تتورع دولة الريخ الثالث لنشر دعاوتها عن استخدام سفاراتها وقنصلياتها في الدول الأجنبية، كخلايا ومراكز لجمع شتات رعاياها فيما وراء البحار، وتنظيمهم في شكل جماعات تأتمر بأمر «الفوهرر» وتذعن لمشيئة الزعيم ورغباته، حتى تألفت من بين الألمان، وأقارب الجرمان، والذين ينحدرون من أصل ألماني ولكنهم تجنسوا بجنسيات غير ألمانية، جماعةٌ ضخمة صارت بمثابة الأداة التي يعتمد عليها الريخ في إضعاف الروح المعنوية لدى الشعوب غير الجرمانية، وبذر بذور الانقسام بين الأهلين، واستمالة الأنصار وهلم جرًّا. ثم ظهرت من بين أعضاء الطابور الخامس الكبير طائفة من المخربين والمدمرين الذين كانت مهمتهم إضعاف أداة الإنتاج الاقتصادي وتعطيلها في الدول التي شعر النازيون بالخوف من ضخامة مواردها. ولذلك حرصت الدعاية النازية، كما حرص وكلاء النازي في الولايات المتحدة الأمريكية على أن يكثر إنشاء الخلايا النازية بحيث تكون شبكة عريضة تمتد في أرجاء هذه الديموقراطية العظيمة، وكان الغرض من هذا التنظيم نشر الدعاوة القوية ضد دخول الولايات المتحدة الأمريكية هذه الحرب الطاحنة بأي حال من الأحوال، مستندين فيما يبثونه من آراء وينشرونه من كتابات ويروجونه من أقوال، إلى رغبة سواد الشعب الأمريكي في التمسك بخطة الحياد التقليدية وعدم الاشتباك في حروب قد يخرج منها صفر اليدين إلى جانب ما تكلفه هذه الحرب عادة من ضحايا جسيمة في الأموال والأرواح كما حدث في الحرب العالمية الأولى … أو كما قال النازيون وصنائعهم!

ومع هذا فإن تمسك الولايات المتحدة بخطة الحياد حيال ذلك الصراع العالمي لم يكن كل ما رغبه النازيون، بل كان من أهدافهم القريبة تنظيم مقاومة فعالة تقف في وجه كل محاولة ترمي بها الدولة إلى تحديد أسلحتها وزيادتها وتقوية استحكامات الدفاع بما يقتضيه هذا الدفاع من بناء السفن الحربية وتجهيز أدوات الحرب الحديثة وما إليها، حتى إذا جد الجد وحدث ما لم يكن في الحسبان، شعرت هذه الديموقراطية العظيمة بنقص استعدادها العسكري، وخشيت لذلك دخول الحرب، فإذا لم يمنعها هذا الخوف، لحقت بها الهزيمة سريعًا، أو ظلت عاملًا ثانويًّا لا يقدم ولا يؤخر في سير الحرب ولا يغير شيئًا من نتائجها الحاسمة.

وقد أصاب النازيون بعض النجاح فيما أرادوا، وتأخر بالفعل دخول الولايات المتحدة الحرب مدة، وظلت الشعوب المقهورة تردد أثناء ذلك هذا السؤال: هل تخوض هذه الجمهورية العظيمة غمار الحرب إلى جانب «الديموقراطية» وتساهم في تحرير الأمم وخلاصها؟ ومتى تنحاز الولايات المتحدة إلى جانب البريطانيين وأحلافهم؟ ولا شك في أن انضمام هذه الجمهورية إلى جانب الأمم المتحدة كان غُنْمًا كبيرًا يقدر أهل البلدان المغلوبة قيمته، كما كان النازيون يدركون خطر الآثار المترتبة عليه. وقد شمرت الدعاية النازية عن ساعدها في شهور الحرب الأولى حتى تمنع نزول هذه الكارثة … وكانت المهمة شاقة متعبة؛ لأنه لم يكن من واجبها تعزيز رغبة الحياد في داخل الولايات المتحدة فحسب، بل كان عليها أيضًا أن تُدخل الطمأنينة إلى قلوب الشعب الألماني نفسه في دولة الريخ الثالث؛ لأن الألمان كانوا ما يزالون يذكرون ما أحدثه اشتباك الولايات المتحدة الأمريكية من رجحان كفة الحلفاء السابقين في الحرب العالمية الأولى، ثم هزيمة القيصرية وانتشار الفوضى والاضطراب في البلاد سنوات عدة، حتى وصل النازيون من جراء ذلك كله إلى الحكم والسلطان على أنقاض جمهورية ويمار البائسة. ولعبت الدعاية النازية في هذه المسألة الشائكة دورًا غريبًا. فبينما كان وكلاؤها وعمالها يبذلون كل جهد في العالم الجديد لاستمالة الرأي العام الأمريكي إليهم وإلى قبول مبادئهم، وكسب صداقة الأمريكيين وعطفهم على «مطالبهم»، والتمتع بثقتهم، كانوا من ناحية أخرى في داخل ألمانيا ذاتها يحطون من قدر الأمريكيين، ويعتبرونهم من بين الأمم المنحلة التي يسيطر اليهود على شئونها وينفثون سمومهم القاتلة في كيانها.

بيد أنه سرعان ما تبين أن الدعاية النازية في الولايات المتحدة كانت فاشلة، فلم يكد يمضي عام واحد على بداية اعتداء النازيين على أوروبا حتى أصدر رئيسها «فرانكلين ديلانو روزفلت» تصريح «الحريات الأربع» المشهور في ٧ يولية ١٩٤٠ الذي قال فيه:

نأمل أن يطلع علينا المستقبل الذي نعمل على إعداده في الوقت الحاضر بمدنية تقوم دعائمها على حريات البشر الأساسية، وأولى هذه الحريات: حرية القول والرأي، والثانية: الحرية التي تجعل في استطاعة كل إنسان أن يعبد الله وفق معتقده، والثالثة: الحرية التي يحصل عليها الإنسان بالتحرر من نير البؤس، والرابعة: الحرية التي تنتج عن التحرر من الخوف، وليست هذه الحريات أحلامًا بعيدة المنال يتطلب تحقيقها أجيالًا طويلة، ولكنها مبادئ حقيقية ملموسة يجب على جيلنا الحاضر أن ينشرها في العالم أجمع.

فدل هذا التصريح — تصريح الحريات الأربع — على أن الديموقراطية الأمريكية العظيمة لا يمكن بأي حال أن توافق على مبادئ النازيين وتعاليمهم أو تقبلها، وأنها تسير في الحقيقة بخطى حثيثة صوب الانضمام إلى جانب بريطانيا ومجموعة الأمم المتحدة، وأن الفشل الذريع كان في نهاية الأمر نصيب الدعاية النازية في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي الواقع كان التناقض واضحًا بين هذه «الحريات الأربع» التي أراد الرئيس الأمريكي ذيوعها حتى تصبح أساسًا تقوم عليه حضارة البشر، وبين المبادئ التي انطوى عليها ذلك النظام الجديد، الذي كان يطبقه النازيون في أوروبا المحتلة تمهيدًا لفرض السيطرة الجرمانية على أمم العالم قاطبة.

وفي الشهور التالية ترقبت الشعوب التي وقعت تحت نير النازيين بزوغ فجر ذلك اليوم الذي يصبح فيه وقوف الولايات المتحدة إلى جانب الأمم المتحدة حقيقة واقعة، ولم يفد طغيان النازي على أيدي رجال الجستابو الملطخة بالدماء، ولا قسوة سلطات الاحتلال الألماني ولا الرقابة الصارمة، شيئًا في إخماد آمالهم أو عزلهم عن بقية العالم ومنع تسرب الأخبار إليهم. وظل الحال على ذلك، حتى جاء اليوم الذي استطاع أن يجتمع فيه رئيس الحكومة الإنجليزية «ونستون تشرشل» برئيس الجمهورية الأمريكية على ظهر سفينة حربية وسط المحيط الأطلنطي، ووضع الزعيمان «وثيقة الأطلنطي» التاريخية في يوم ١٤ أغسطس ١٩٤١، فكانت هذه الوثيقة بمثابة العهد الأعظم الذي يتمسك به كل شعب يرغب في الحياة الحرة الصادقة في عالم يقوم على مبادئ إنسانية عالية تضمن له البقاء في ظل سلام مستقر لا يهدده طمع الدول الكبيرة ولا يجد فيه النازيون ومن سلك مسلكهم طريقًا يمكنهم من تحقيق أغراضهم. وأي برهان أقوى على إيمان الديموقراطية الأمريكية بقدسية المبادئ الإنسانية النبيلة التي تناضل من أجلها بريطانيا والأمم المتحدة، من قول الزعيمين في المادة السادسة من هذه الوثيقة أنهما يأملان بعد سحق الاستبداد النازي أن تتوطد دعائم السلم الذي ينتج لجميع الأمم وسائل العيش بسلام في دائرة حدودها، ويمكن الناس في جميع أنحاء المعمورة من العيش في مأمن من الشقاء والخوف؟ وأي تنديد أشد من هذا التنديد بمبادئ النازية الغاشمة وتعاليمها؟ والحقيقة أنه لم تكد تمضي فترة وجيزة على وضع هذا الميثاق التاريخي حتى اعتدى اليابانيون اعتداءهم الأثيم الغادر على «بيرل هاربور» في ٧ ديسمبر ١٩٤١، وفي ١١ منه أعلنت ألمانيا وإيطاليا الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية، فأعلنت أمريكا الحرب عليهما!

وجدد صدور وثيقة الأطلنطي نشاط أنصار المقاومة السلبية والإيجابية في أوروبا النازية ووجدت «الدعاوة المضادة» في المبادئ التي تضمنتها هذه الوثيقة وسيلة لإحياء الأمل في النفوس وزيادة الثقة في النصر القريب. ولعل أظهر آثار هذه «الوثيقة» أن الشعوب المقهورة صارت تتخذها مثالًا تنسج على منواله في تحديد الأغراض والأهداف التي تسعى جماعات المقاومة لتحقيقها. فقد استرشد أنصار المقاومة السرية في فرنسا بمبادئ هذا الميثاق في وضع أسس الاتفاق الذي أرادوا أن يجمع بين جبهة المقاومة الداخلية في فرنسا والفرنسيين الأحرار من أنصار «ديجول De Gaulle» في العمل المشترك من أجل تحقيق البرنامج الذي يرتضونه لتنظيم الحياة الحرة المستقبلة في فرنسا ذاتها وفي إمبراطوريتها. وجرت هذه المفاوضة تحت أنوف النازيين وعلى الرغم من سيطرة الجستابو الرهيبة، على أساس إزالة حكومة فيشي الآثمة، وتمتع فرنسا «الموحدة» بمطلق السيادة في داخل البلاد وفي الإمبراطورية، بعد استرداد هذه السيادة وهذه الوحدة. ومعنى ذلك أن يسترد الشعب الفرنسي جميع حرياته المفقودة، بالقضاء على دكتاتورية النظام الوطني الاشتراكي الذي أنشأه النازيون في البلاد، وبإنزال العقوبة الشديدة بأولئك الذين تعاونوا مع أعدداء الوطن وساعدوا على تحطيم حقوق الفرنسيين وألحقوا الأذى بمصالحهم ودنسوا شرفهم، وبإعطاء فرنسا جميع الضمانات الداخلية والخارجية، التي تكفل الحرية والاحترام والأمن والطمأنينة لكل مواطن في داخل البلاد، وتمنع عدوها التاريخي من غزوها، ثم تمكِّنها من رد عدوانه إذا حدثته النفس بالاعتداء عليها مرة ثانية، وكذلك بالإبقاء على فرنسا أمينة على تقاليدها الجمهورية والديموقراطية، وإحياء مثلها العليا في الحرية والإخاء والمساواة! وقد سُمي هذا الاتفاق الذي عُقد في عام ١٩٤٢ ﺑ «الميثاق الأطلنطي الفرنسي».
وفي الحق إن الدعاوة المضادة أو الدعاية الخفية قد بلغت أشدها في عام ١٩٤٢ وصار من المتعذر على النازيين إخمادها مهما استخدموا من أساليب، بل إن حوادث المقاومة الإيجابية التي زادت زيادة كبيرة في ذلك العام أيضًا، كان من شأنها هي الأخرى تأييد الروح المعنوية لدى الشعوب المقهورة، وتغذية الدعاوة المضادة بسلسلة لا تنقطع من الأخبار يجد الأهلوان في قراءتها شاحذًا لهممهم من جهة ومسريًا عن نفوسهم من جهة أخرى. وفضلًا عن ذلك فقد لحقت بالنازيين في ذلك العام أكبر هزيمة «حاسمة» في ميدان من الميادين التي عقدوا على الانتصار فيها آمالًا عريضة: وهو الميدان الأفريقي، ولم يكن هذا الميدان في يوم من الأيام — كما أذاعت الدعاية النازية والمحورية، بعد أن تذوق السادة النازيون طعم الهزيمة — من الميادين الثانوية؛ لأن فرض السيطرة الجرمانية على القارة الأوروبية ودعم أركان هذه السيطرة كان يقتضي نشر سلطان النازية أيضًا في حوض البحر الأبيض. ومنذ بداية الحرب أدرك ثقاة الخبراء العسكريين، وفي مقدمتهم «ماكس فرنر Max Werner» أن السيطرة على هذا البحر يقتضي دعمها الاستحواذ على الأراضي الواقعة في حوضه والتي تحد هذا البحر من جنوبه، أي الاستيلاء على أقطار البحر الأبيض الشرقي والقطر المصري وأفريقيا الشمالية والغربية، فكان يومًا عظيمًا ذلك اليوم الذي فوَّت فيه البريطانيون وأحلافهم على النازيين فرصة النصر في معركة العلمين التاريخية في ٤ نوفمبر سنة ١٩٤٢. ولذلك كله لم يكن غريبًا أن تظل الشعوب المغلوبة في أوروبا النازية، أشد الشعوب قلقًا وترقيًا لنتائج هذه المعركة الفاصلة، ولم يكن غريبًا أن يكون البولنديون — وهم من أشد أنصار المقاومة بنوعيها السلبي والإيجابي — أول من عرف بخبر هذه الهزيمة!
فقد حدث في الساعة العاشرة والربع من مساء ٤ نوفمبر ١٩٤٢ أن كان جماعة من الرجال والنساء البولنديين من أنصار الدعاوة المضادة مجتمعين في أحد الأقبية حول جهاز للراديو ينصتون إلى الأخبار بسماعات وضعوها على آذانهم خوفًا من أن يتسرب صوت الإذاعة إلى الخارج، فيكشف الجستابو مقرهم ويكون جزاؤهم الإعدام، وإذا بصوت المذيع يتحدث إليهم بلغتهم البولندية من محطة لندن B. B. C. وينقل إليهم خبر اندحار «روميل» في معركة العلمين وهزيمته في أفريقيا الشمالية! فكان لهذا الخبر وقع عظيم الأثر في نفوسهم: كيف لا وقد أحرز الحلفاء بعد ثلاث سنوات نصرًا حاسمًا!

ولم يكن البولنديون وحدهم في هذا المساء هم الذين أنصتوا إلى الإذاعة البريطانية؛ فقد سمع هذا الخبر أيضًا البورتغاليون، نقله إليهم الراديو بلغتهم البورتغالية، ولم يكن على البورتغاليين من حرج إذا استمعوا إلى إذاعة المحطة الإنجليزية؛ ولذلك لم يكد يشرق صباح اليوم التالي «٥ نوفمبر» حتى كان الخبر قد انتشر في أرجاء أوروبا النازية. ولم يكن الراديو وحده صاحب الفضل في ذيوع خبر الهزيمة المنكرة الفاصلة؛ بل خرجت على أهل البلاد المقهورة في صباح اليوم نفسه «الصحف السرية» تحمل هذا النبأ العظيم إلى قرائها في بولندة والنرويج وهولندة وبلجيكا وفرنسا وغيرها، وكانت الصحف السرية من أعظم وسائل الدعاوة المضادة شأنًا ومن أشدها خطرًا على سلطان النازيين في أوروبا.

•••

وهكذا بدا كأن إله الحرب قد أخذ ينصرف عن تأييد النازيين، وبدأت من ثم تنزل الهزائم بقواتهم بعد ذلك في كل ميدان تقريبًا. ثم تفاقمت حوادث التخريب والتدمير في قلب قلعة هتلر الأوروبية. وقد مر بنا كيف أُرغم النازيون على خوض غمار الحرب مع العصابات والجيوش اليوغوسلافية واليونانية وغيرها في البلقان، كأنما الحرب قد استؤنفت من جديد من أجل أن يفتح النازيون هذه البلدان مرة ثانية. وفي العام التالي «١٩٤٣» انهزم «روميل» نهائيًا في أفريقيا الشمالية والغربية، واستسلم «فون باولوس» قائد الجيش السادس الألماني مع هيئة أركان حربه أمام ستالينجراد، ثم غزا الحلفاء صقلية وإيطاليا وتوالت هزائم النازيين في الروسيا. وكان من حوادث هذا العام أيضًا اجتماع أقطاب الديموقراطيات العظيمة في سلسلة من المؤتمرات في موسكو والقاهرة وطهران؛ لتوحيد الجهد من أجل إحراز النصر النهائي في الحرب ضد ألمانيا واليابان وإيطاليا، وتخليص الإنسانية من شرور النازية المستطيرة، ودعم الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها عالم المستقبل على قواعد «الحريات الأربع» ومبادئ ميثاق الأطلنطي.

•••

تلك إذن كانت العوامل التي أدت إلى ظهور الدعاوة المضادة في أوروبا النازية وسببت ذيوعها وانتشارها. وإنه يحق لنا الآن أن نتساءل عن أغراض هذه الدعاية الخفية، ثم ننتقل من ذلك إلى بحث الوسائل التي استخدمتها في دعاوتها ضد الطغيان النازي في أوروبا.

كان للدعاوة المضادة من أول الأمر غرض واحد؛ هو المساهمة في الجهد الذي تتطلبه زحزحة كابوس النازيين الجاثم على صدور أهل البلدان المقهورة، ومن أول الأمر أيضًا، عرف الأهلون الذين حز في نفوسهم ما شهدوه من وقوع أوطانهم فريسة في أيدي الطغاة الباغين أنه كان من المستحيل عليهم أن يطردوا هؤلاء الغزاة الفاتحين من غير سلاح يشحذونه في وجوههم، ولم يكن هناك من سبيل إلى الحصول على الأسلحة أو إعداد الجيوش المنظمة في عدد كبير من هذه البلدان المغلوبة على أمرها ما دام النازيون أصحاب الحكم والسيطرة، وما دام النصر حليفهم، وما دام سواد الشعب — في المراحل الأولى من الحرب — ينظر إليهم كأنصاف آلهة خلقوا من غير طينة البشر وقُدت قلوبهم من الصخر لا يلينون ولا يرحمون. بيد أنه من جهة أخرى، لم يلبث أن تبدد الذهول الأول رويدًا رويدا، وسرعان ما صار طبيعيًّا أن يتساءل القوم عن خير الطرق المؤدية إلى جمع الشمل وتوحيد الكلمة وتوجيه الرأي لتدبير المقاومة ضد السادة النازيين وإضعاف شوكتهم. ومن ثم ظهرت أغراض الدعاوة المضادة أو الدعاية الخفية منذ اللحظة الأولى ذات معالم معينة واضحة يمكن تلخيصها في أن أصحابها صار دأبهم الآن إحياء الآمال في صدور مواطنيهم، وانتشالهم من الوهدة التي أرداهم فيها النصر الألماني، وإقناعهم بأن ساعة الخلاص لا بد آتية إذا هم أيقنوا أنه يستحيل على الغزاة مهما أوتوا من قوة وسلطان، أن يمحوا من عالم الوجود تقاليد الأمم وأمانيها وآمالها، وأن صاحب الإيمان في قدسية قضيته وعدالتها لا بد منتصر في النهاية. ثم كان من مقتضيات إحياء هذا الأمل في النفوس أن يسترد الأهلون الثقة، وأن تزول من أذهانهم الصورة التي رسمتها انتصارات النازيين الخاطفة، وأن يقوى الشعور بأنه ليس من العسير قط هزيمة أنصاف الآلهة هؤلاء.

ولذلك عنيت الدعاية الخفية عقب الاحتلال النازي في أوروبا بعدة أمور: أولها؛ نشر الأخبار المحلية التي منعت الرقابة النازية نشرها، وأكثر هذه الأخبار متعلق بموقف كبار الشخصيات حيال سلطات الاحتلال الألماني وعدم إذعان بعض هذه الشخصيات لأوامر النازيين الضارة بمصلحة الوطن، وكذلك حرصت الدعاوة المضادة على إذاعة أنباء المقاومة وحوادث التخريب والتدمير والمظاهرات في أرجاء البلاد، والغرض من ذلك كله إقامة البرهان على أن عرق الحياة ما زال ينبض في جثمان الأمة، وأن هناك من يرفض التسليم، وأن من الخير ألا يقنع الأهلون بالعيش الذليل في ظل الاحتلال الألماني.

أما الأمر الثاني: فهو أن الدعاية الخفية اتبعت أسلوب السخر بالسادة الألمان، وكان ذلك من السهولة بمكان، بسبب ما كانوا يبذلون من محاولات خادعة لكسب محبة الشعوب المقهورة وصداقتها، الأمر الذي جعلهم يتغالون في التودد إلى الأفراد وإظهار العطف على الأطفال وحديثي السن. هذا في وقت كانت أداة الحرب النازية تجِدُّ في سلب محصولات البلاد وأموالها وثرواتها، وتسخِّر الأهلين في الإنتاج المرهق لمصلحة الريخ، وتنقل النفائس التاريخية والتحف والكنوز، وتحرم الأهلين من الأقوات ووقود الدفء، وتستولي على الماشية، وتصدر الألبان ومنتجاتها إلى ألمانيا، وتترك أطفال الأمم المقهورة جوعى لا يجدون من الغذاء ما يسد الرمق ويقيم الأود، ثم لا تتهاون أخيرًا في القبض على المئات والألوف من الرجال والنساء وإرسالهم إلى معسكرات الاعتقال، ولا تحجم عن إعدام الرهائن زرافات ووحدانًا، بعد أن ترغم هؤلاء التعساء على حفر قبورهم بأيديهم!

أما الأمر الثالث: فهو أن الدعاوة كانت تعمد دائمًا إلى نشر أخبار العمليات العسكرية التي يقوم بها البريطانيون وحلفاؤهم، كما كانت تحرص على إذاعة أنباء الهزائم الألمانية بكل وسيلة، ولو أن هذه الهزائم كانت قليلة ومتباعدة في بداية تلك الحرب الطاحنة، وكان غرض الدعاية الخفية من ذلك إقامة الدليل على أن السادة النازيين لم يكسبوا المعركة الأخيرة بعد، وأن أممًا ما تزال تناضل من أجل الحرية، وأن الألمان ما دام النضام قائمًا لا يستطيعون الادعاء بأن في قبضتهم تقرير مصير الشعوب نهائيًّا، وأن الإيمان بالنصر الأخير والثقة الكاملة هما أداة الشعوب العزلاء، وأن المستضعف وحده هو الذي يرضى بالعيش الذليل.

لذلك لم تكد تمضي مدة طويلة على استقرار الاحتلال الألماني في أوروبا النازية، وظهور جماعة الكويسلنجيين الذين دبروا مع النازيين منذ أمد طويل هزيمة أوطانهم، ثم أقبلوا يؤيدون الحكم الجديد ويتعاونون مع الطغاة، حتى اضطلعت الدعاوة المضادة بمهمة أخطر شأنًا من غيرها، هي كشف القناع عن حقيقة ذلك النظام الجديد الذي فرضه السادة النازيون على أوروبا فرضًا، وتحذير الأهلين مغبة التعاون مع الغزاة الفاتحين. لذلك نشطت الدعاية الخفية في إظهار أكاذيب الألمان وادعاءاتهم، وعكفت على تفسير القواعد التي بنى عليها هؤلاء نظامهم الجديد بأمثلة مستمدة مما كان يفعله الألمانيون كل يوم في البلدان المحتلة. ولما كان الاستقرار ضروريًّا لدعم أركان النظام الجديد، وكان من أهم عوامل هذا الاستقرار إقبال الأهلين على التعاون مع الفاتحين، فقد أثارت الدعاية الخفية حربًا شعواء ضد الكويسلنجيين الذين أجرموا في حق الوطن بتيسير السبل على الألمان حتى يقيموا نظامهم الجديد على أنقاض الحريات القديمة والمثل العليا الإنسانية التي كسبها البشر بعد نضال قرون عدة. ولذلك أذاعت الدعاية الخفية أسماء «المتعاونين» ووجهت لهم النصح تارة والوعيد تارة أخرى، وحذرت الأهلين أن يثقوا بهم أو يركنوا إليهم أو ينسجوا على منوالهم. ومما يجدر ذكره أنه كثيرًا ما حدث من جراء إذاعة شخصية بعض الكويسلنجيين المتسترين — وكانوا أشد خطرًا من بقية المتعاونين مع السادة الألمان؛ لأنهم يعملون في كثير من الأحايين كعيون لقوات الجستابو على مواطنيهم — أن كان نصيب هؤلاء الموت في ظروف مريبة، وكانت الوفاة دائمًا على أيدي الجستابو نفسه تخلصًا منهم، حتى لا يحملهم الشعور بالخزي والعار بعد افتضاح أمرهم على السعي للتكفير عن خطاياهم بكشف الستار عن كويسلنجيين آخرين ما يزال سواد الشعب يجهل وجودهم، وحتى لا يبوحوا بشيء مما قد يعرفونه عن نظام الجستابو الخفي في بلادهم.

وفي المدة الأخيرة، وعلى الخصوص بعد ذيوع خبر «ميثاق الأطلنطي» الذي سبق الكلام عنه والحديث عن أثره في أرجاء أوروبا النازية، صارت الدعاية الخفية تُعنى بجمع كلمة الشعوب المقهورة على النظام الذي يصح لها اختياره من أجل العيش في ظل حياة هادئة مستقرة عند زوال دولة الصليب المعقوف من القارة الأوروبية، مثال ذلك ما فعلته هذه الدعاية في فرنسا ووضع مبادئ الميثاق الأطلنطي الفرنسي، في عام ١٩٤٢، وما نُشر في موسكو في يناير ١٩٤٤ عن البرنامج الذي تحدثت عنه جريدة «وولنا بولسكا»، وهي صحيفة اتحاد الوطنيين البولنديين؛ إذ قالت إن البرنامج يتضمن عدة مسائل: منها مد حدود بولندة المحاربة غربًا، وتسوية جميع الخلافات القائمة بين بولندة والاتحاد السوفيتي، وإنشاء نظام ديموقراطي برلماني في البلاد، وإخراج جميع العناصر الرجعية من بولندة، وتوزيع الأراضي على الفلاحين، والتوحيد بين البولنديين من غير نظر إلى عقائدهم السياسية، مع استثناء العناصر الرجعية في الخارج. كما ذكرت أن مهمة البدء بتغيير مركز بولندة في العالم، وإدخال التغييرات المنتظرة في بولندة نفسها يجب أن يكون من شأن البولنديين أنفسهم، ولا بد للديموقراطية البولندية من أن تبحث لها عن مخرج مما هي فيه وأن تجد هذا المخرج، وينبغي لها أن تبعث الوحدة الوطنية وتثبت أركانها في أثناء مناضلة المغير ومكافحته.

•••

هذا، وقد تنوعت وسائل هذه الدعاية وتعددت، ومع هذا فإنه لم يكن قط من السهل على أصحابها — وهم جميع الوطنيين في كل أمة منهزمة ما عدا تلك الفئة القليلة التي قبلت التعاون مع الألمان — أن يوحدوا جهود دعاوتهم المضادة، أو ينشئوا بعض الصلة بينهم جميعًا حتى يعرف فريق منهم ما يفعله الفريق الآخر، أو تبذل جماعة مساعدة قيمة قد تكون جماعة أخرى في حاجة إليها، إلى غير ذلك، بل إن من أبرز مظاهر هذه الدعاية الخفية استقلال «خلاياها» في العمل، فكانت كل منها منفصلة عن الأخرى، وبلغ من إمعان أصحابها في المحافظة على سرية هذا النشاط حدًّا جعل توزيع العمل ضروريًّا على الأفراد متفرقين حتى لا يعرف فرد ما يقوم به فرد آخر من نفس الجماعة الواحدة، وسبب ذلك، الخوف الشديد من بطش سلطات الاحتلال الألمانية في البلدان المقهورة، والخوف من الوقوع في مخالب رجال الجستابو المنتشرين في كل بلد وقرية، ثم الحذر من أن يقف أنصار النظام الجديد من الأهلين على حقيقة ما يفعله أصحاب هذه الدعاية الخفية، فيبلغون ما يعرفون إلى النازي، ويكون نصيب الوطنيين التشريد في معسكرات الاعتقال أو الإعدام، أو الاقتصاص الصارم من ذويهم.

وفي الواقع كان الأفراد، وحدهم في أول الأمر هم الذين أخذوا على عاتقهم نشر الدعاوة المضادة وترويجها، ووجد الفرد في اعتماده على نفسه فحسب فيما يريد فعله أو إذاعته وسيلة تخلصه من الوقوع في قبضة الجستابو. فظهر من ثم إلى عالم الوجود في أوروبا المحتلة فريق من الأفراد «أو الأشخاص» الذين ظل سرهم مكتومًا إلى يومنا هذا، وكان بعض هؤلاء أصحاب جرأة عظيمة؛ إذ قاموا بعمليات التخريب والتدمير في الحقول والمصانع ومحطات السكك الحديدية وأحواض السفن وما إليها. ثم ظهر إلى جانبهم فريق من نوع آخر اكتفى أفراده بنقل الأنباء التي منعت الرقابة ذيوعها ونشرها بين مواطنيهم، حتى إذا وجد الناقل أو المتحدث مستمعًا له، جمعت بين الاثنين روابط الكراهية للحكم النازي، ثم لم يلبث أن ينضم إليهم ثالث، ثم رابع، وهكذا حتى تكبر جماعتهم ويتعاون جميعهم في نقل الأخبار بعد أن يسلكوا كل الطرق في سبيل الحصول عليها. ومن أهم تلك الطرق الاستماع إلى الإذاعات الأجنبية «المحرمة» وعلى وجه الخصوص الإذاعة البريطانية المشهورة B. B. C. وهم في الأقبية ووراء جدران البيوت المغلقة، وكلهم عيون وآذان حتى لا تأخذهم الغفلة فيفتضح أمرهم ويكون نصيبهم الموت.

ومع أنه قد يسهل على المرء أن يعترف بأن الجماعة المخربة المدمرة كانت أكثر الجماعات جرأة وشجاعة، فإن ناشري الأخبار المسيئة إلى سمعة النازيين، ومروجي الدعاوة المضادة كانوا أيضًا أصحاب جرأة وشجاعة فما كان في مقدورهم أن يفلتوا من أقسى العقوبات النازية إذا قُدر لهم الوقوع في قبضة سلطات الاحتلال الألمانية.

ولم يكتف هذا الفريق من أنصار الدعاية الخفية بأن يظل نشاطهم مقصورًا على نقل الأحاديث أو الاستماع إلى الإذاعة المحرمة، بل إنهم سرعان ما صاروا يجدون طرقًا منوعة للهزء بالألمان والسخر بهم وإظهار أباطيلهم في كل فرصة مناسبة، وكانت فرنسا في طليعة الأمم التي أتقن أبناؤها هذا النوع من أساليب الدعاية الخفية، وعلى الخصوص في شهور الاحتلال الأولى، فمن ذلك أنه كثيرًا ما كان يحدث أن يجد الألمان في باريس مكتوبًا على إعلانات السيارات: «زوروا إيطاليا!» أو «تطوعوا في الجيش اليوناني!» وكثيرًا ما كانوا يعثرون في مدن أخرى على عبارات مخطوطة على جدران المنازل وغيرها: «أيها اليونانيون قفوا هنا؛ لأن هذه فرنسا!» وحدث عقب معركة بريطانيا أن قرأ الباريسيون — ومعهم بطبيعة الحال رجال الجستابو وسلطات الاحتلال — عبارات بالطباشير على الجدران تنادي بحياة فرنسا وحياة إنجلترا، وحياة تشرشل والروسيا، كما وجد الألمان أن كثيرًا من أعلام الصليب المعقوف قد أُنزلت، ورُفعت بدلًا منها أعلام الجمهورية الفرنسية، ولم يستطع الألمان مكافحة هذه «الحملة الطباشيرية»، بل زاد أصحابها جرأة، ثم صاروا يصوغون عبارات جديدة مثل «يحيا ديجول، ويسقط الألمان!» ووجد أنصار الدعاية الخفية ميدانًا واسعًا لنشاطهم في داخل المصانع المشتغلة لحساب النازيين في فرنسا، فوزعت المنشورات العدة بين الصناع، وعنيت هذه المنشورات على وجه الخصوص بإذاعة أنباء هزيمة الألمان في معركة بريطانيا. وحدث ذات صباح أن قرأ الباريسيون بين مجموعة الإعلانات التي أجازها الألمان إعلانًا طريفًا فات ذكاء النازيين إدراك معنى ما به من عبارات التهكم اللازع؛ لأنه كان يحمل عنوانًا جذابًا: «إني أتهم إنجلترا!» أما بقية الإعلان فكان كالآتي:

إني أتهم إنجلترا؛ لأن إنجلترا هي التي غزت فرنسا في عام ١٩٤٠؛ ولأن إنجلترا هي التي أخرجت إلى عالم الوجود فكرة ألمانيا العظمى أو الكبرى؛ ولأن إنجلترا هي التي ضمت إليها النمسا؛ ولأن إنجلترا هي التي اغتالت مانجان، وماجينو، وبارتو، والملك إسكندر الأول «ملك يوغسلافيا»؛ ولأن إنجلترا هي التي قامت بتسليح نفسها تسليحًا خطيرًا وعبأت جيشها كله، بما في ذلك الرقيق؛ ولأن إنجلترا هي التي غزت النمسا وتشيكوسلوفاكيا، وهولندة، وبولندة وبلجيكا والنرويج؛ ولأن إنجلترا … أوه ياللعجب من هؤلاء الإنجليز!

ولم يفطن النازيون إلى حقيقة ما يحمله هذا الإعلان من دعاوة مضادة إلا بعد أن شاهدوا الباريسيين يستغرقون في الضحك بعد قراءته، فأزالوه بعد مضي أربع وعشرين ساعة.

وفي بقية أوروبا النازية لم يقل أنصار هذا النوع من الدعاوة المضادة عن زملائهم في فرنسا؛ فالحملة «الطباشيرية» كانت تجد ميدانًا فسيحًا في كل بلد مقهور. ومن الحكايات المشهورة الواقعية ما حدث في بروكسل عاصمة بلجيكا، ذلك بأن الألمان علقوا ذات مرة في شوارع هذه المدينة إعلانًا يحمل رسم «ونستون تشرشل» واقفًا يطل على أسرة من أم وأولاد صغار أضناهم الجوع ولا يجدون على مائدتهم سوى صحاف فارغة، ثم كتبوا تحت هذه الصورة: «أيها الوحش! إنك تسقينا من العذاب كئوسًا مُرة؟» وكان الغرض من لصق هذا الإعلان إظهار أن بريطانيا وحدها هي المسئولة بسبب الحصار البحري الذي ضربته على أوروبا النازية، عن انتشار المجاعة في بلجيكا. ولكن حدث أن انتهز الأهالي فرصة الظلام الدامس فأجروا تغييرًا في الصورة، حتى بدت رأس المستر تشرشل في الصباح التالي، وقد أُعطيت «قصة» عجيبة كما نبت له شارب صغير، فظهر «أدولف هتلر» بدلًا من المستر تشرشل يطل على هؤلاء الأطفال الجياع، وانطبق عليه القول: «أيها الوحش! إنك تسقينا من العذاب كئوسًا مرة!»

ومن أمثلة هذه الدعاوة المضادة، ما كان يحدث في الدانمرك على نحو ما سبقت الإشارة إليه؛ فقد وجد أهلها أن خير وسيلة لبعث الثقة في النفوس وإشعال جذوة الوطنية إحياء الأناشيد والأغاني القومية الشعبية، وخصوصًا في جوتلند الجنوبية «أو شلزويج»، حيث يعتز القوم هناك بهذه الأغاني القديمة ويجدون في ترديدها عزاء وسلوى؛ ولذلك صار مئات منهم يجتمعون للإنشاد في الهواء الطلق، وذاع خبر هذه الأناشيد القومية في أنحاء الدانمرك وسرت العدوى إلى كل مدينة وقرية، وخرج الأهلون في كل مكان لترديدها. وهكذا حدث في سبتمبر من عام ١٩٤٠ أن قامت أكبر مظاهرة «غنائية» في كوبنهاجن، عندما اجتمع حوالي ١٥٠٠٠٠ دانمركي في ساحة Faelled Park للغناء ذات مساء، وحدث مثل ذلك أيضًا في بلدة Esbjerg حيث احتشد عشرون ألفًا من سكانها البالغين ٣٦ ألفًا للغرض نفسه، وكذلك في «هازل Hasle»، ووقع ذلك كله في وقت واحد وفي يوم واحد، حتى يعبر الدانمركيون عما يشعرون به نحو الوطن. وفي الواقع كان شهر سبتمبر من ذلك العام شهرًا تاريخيًّا في قصة الدانمرك الوطنية؛ إذ قرر الشباب في أنحاء الدانمرك تأسيس جماعة «الشباب الدانمركي العامل» برئاسة «هال كوش Hal Coch» أحد الأساتذة المعروفين. ثم تأسست في طول البلاد وعرضها «أندية تشرشل» تحت أنوف الجستابو وأنصارهم، وغنى الدانمركيون النشيد القومي الإنجليزي بعد أن وضعوا له معنى جديدًا: «سوف يكسب تشرشل الحرب لا محالة!» حتى سمى النازيون تلك الحماسة الدافقة «بالمرض الإنجليزي»!

وفي هذه الظروف لم يكن من العسير على أصحاب الدعاوة المضادة أن يروجوا ما يشاءون من أقوال وأقاصيص من أجل إضعاف شوكة النازيين والسخر بهم. ومن النوادر التي انتشرت في هذه البلاد أن أحد بائعي السمك اعتاد المناداة على سمكة في أسواق كوبنهاجن: «سمك من الطراز الأول، وسمين كالماريشال جورنج!» فأُلقي القبض عليه وحُبس مدة أسبوعين، ولكن لم يكد يطلق سراحه حتى استأنف المناداة على بضاعته قائلًا: «سمك من الطراز الأول: ما يزال سمينًا كما كان منذ أسبوعين!» وكذلك ظل الدانمركيون زمنًا يجدون في موقف ملكهم كريستيان مثالًا يُحتذى في مقاومة الألمان، وحرصت الدعاية الخفية على إذاعة واقعة من وقائع هذا الملك مع السادة الألمان، وهي أنه كان من عادة الملك كريستيان أن يخرج كل صباح على حصانه للتجول في شوارع كوبنهاجن، فحدث ذات مرة أن مر ببناء من الأبنية العامة، فوجد الصليب المعقوف مرفوعًا على أعلى البناء، فطلب إليه ضابطًا ألمانيًّا وأخبره بمخالفة هذا العمل لنصوص الاتفاق القائم وقتذاك بين الدانمرك وألمانيا، فلما أجاب الضابط بأن العلم النازي قد رُفع على هذا البناء بمقتضى أمر صادر من برلين، أعلن كريستيان نيته على إرسال جندي دانمركي لإنزال العلم النازي إذا ظل العلم مرفوعًا إلى وقت الظهر. وفي الساعة الحادية عشرة والدقيقة الخامسة والخمسين كان العلم ما يزال مرفوعًا، فظهر الملك وقال إن أحد الجند الدنمركيين سوف ينتزع العلم من موضعه في الساعة الثالثة عشرة تمامًا. فهدد الضابط بإطلاق الرصاص على ذلك الجندي، فأجاب الملك: «إذن يمكنك إطلاق الرصاص عليَّ؛ لأني أنا هذا الجندي!» فاضطر الألمان إلى إنزال العلم بعد دقيقة واحدة.

وهكذا تنوعت الأمثلة وتعددت في كل بلد من بلدان أوروبا المحتلة. على أنه كان أيضًا من أهم أساليب نشر الدعاية الخفية استخدام ما يُعرف باسم «الخطابات المسلسلة»، وذلك أنه لما كان من المتعذر في كثير من الأحايين الحديث علانية في موضوع يهم الوطنيين تحت رقابة الجستابو وعيونهم، فقد كان ناقل الخبر يعمد إلى كتابة ما يريد إذاعته في رقعة صغيرة يضعها في كفه، حتى إذا صافح أحد الوطنيين ترك هذه الرقعة في يد ذلك الوطني الذي يعمد بدوره إلى نسخ عدة رقاع منها يوزعها على أصدقائه ومعارفه الذين يثق بهم، فيقوم هؤلاء بتوزيعها على آخرين بعد أن ينسخوا منها أعدادًا أخرى وهكذا. وتتضمن هذه الرقعة عادة، خبر هزيمة لحقت بالنازيين، أو ذكر حادث تخريب أو تدمير، أو أمر تدبير مظاهرة كبيرة، أو مجرد تحذير الجمهور من بعض حيل النازيين الجديدة لسلب أموال الأهلين أو مواشيهم أو أغذيتهم، وكثيرًا ما كانت هذه الرقاع تنقل بعض الأقاصيص التي يُقصد من إذاعتها الترويح عن النفس والزراية بالسادة النازيين والسخر بهم وتقوية الروح المعنوية، وشد أزر المقاومة عند سلطات الاحتلال الألماني بجميع الطرق الممكنة. ومن ذلك ما يذكرونه في النرويج حيث أراد النازيون في بداية الاحتلال أن يجتذبوا النرويجيين بالتودد إليهم، ووجدوا «فيدكون كويسلنج» وأنصاره مقبلين على التعاون معهم، وكان من واجب أصحاب الدعاوة المضادة أن يبذلوا كل جهد حتى يعرف سواد الشعب أنه كان هناك أناس ما يزالون يشيدون بذكر الملك والوطن ويرفضون في قرارة نفوسهم العيش الذليل في ظل الاحتلال الألماني، هذا إلى ضرورة التمسك بأهداب الأمل والرجاء دائمًا. ومن الوقائع التي أذاعت أنباءها الدعاية الخفية ما حدث في «أوسلو»؛ إذ دخل أحد النازيين محلًّا تجاريًّا، ثم رفع يده محييًا بالتحية الهتلرية وسأل البائعة أن ترشده إلى مكان بيع ملابس الرجال، وكان هذا النازي ينتظر أن تجيبه الفتاة بالتحية النازية ولكنها أبت ذلك، فأجابته على الفور: «يحيا الملك! خلفك إلى الشمال». وفي أبريل ١٩٤١ حدث أن استفسر رجال الاحتلال الألماني من أحد وكلاء الكنائس النرويجيين «تليفونيًّا»، عن مكان في كنيسته يتسع لإيواء مائة جندي ألماني، فأجاب الرجل: «بكل تأكيد! في استطاعتنا أن نجد مكانًا يتسع لإيوائهم في فناء الكنيسة المخصص لدفن الموتى.»

•••

غير أن الدعاية الخفية سرعان ما وجدت في «الراديو» و«الصحف السرية» أكبر أدواتها الفعالة في نشر دعاوتها ضد النازيين ونظامهم الجديد في أوروبا. ودل استخدام الراديو في الحقيقة على مهارة كبيرة وجرأة عظيمة من جانب أنصار المقاومة في أوروبا النازية، والسبب في هذا، أنه كان من مقتضيات التنظيم الألماني «الرقابة» الصارمة التي أنشئوها من أجل ترويج دعاوتهم للنظام الجديد من جانب، ومن أجل إخماد أية دعاوة مضادة من جانب آخر، أن يجري النازيون تفتيشًا دقيقًا لمصادرة جميع أجهزة الراديو ذات الموجات القصيرة خصوصًا، وإصدار العقوبات القاسية على كل من يضبط متلبسًا بجريمة الاستماع للإذاعات الحرة الأجنبية، وفي مقدمة هذه الإذاعات المرسلة من محطة لندن المشهورة B. B. C.، وزيادة على ذلك قام النازيون من جهة أخرى بتوزيع أجهزة للراديو ذات موجات معينة تمكِّن صاحبها من الاستماع للإذاعات النازية المحلية فحسب، هذا إلى أنهم دققوا على وجه الخصوص في التنقيب عن كل أجهزة الإرسال في حوزة الأفراد، وكان غرض النازيين من ذلك كله ألا يستمع الأهلون في البلدان المقهورة إلى أنباء لا يريد النازيون ذيوعها بينهم، وأن يتعذر على الوطنيين الذين رفضوا التعاون معهم، وكان ما يزال لديهم بقية من أمل في الخلاص من سلطانهم أن يقف بعضهم على حقيقة ما يفعله البعض الآخر ويقوم به من ضروب المقاومة ويأتيه من حوادث التخريب والتدمير، أو أن يستطيعوا إنشاء صلة تؤدي إلى جمع الكلمة وتوحيد الصفوف في وجه سلطات الاحتلال الألمانية.

ومع هذا فقد نجح كثيرون من أهل الشعوب المقهورة في الاحتفاظ بأجهزة الراديو ذات الموجات القصيرة، واتخذوا التدابير لإخفاء هذه الأجهزة، ورتبوا الاجتماعات «السرية» في أوقات الإذاعة الأجنبية للاستماع إلى ما يقوله أنصار الحرية في الأمم الديموقراطية. ثم عظم الإقبال على استخدام الراديو عندما صارت محطة الإذاعة البريطانية تنظم برامج باللغات الأجنبية، وقد بلغ عدد اللغات التي كانت تذيع بها هذه المحطة سبعًا وأربعين، وتحتل الإذاعة البريطانية مكانًا ظاهرًا في تاريخ الدعاية الخفية والدعاوة المضادة بسبب ما كانت تنشره من أنباء وتعليقات على هذه الأنباء، ولم يكن يقصد من إذاعتها أن تقف الشعوب المقهورة على حقيقة ما يقع من حوادث وتطورات في أرجاء العالم من أجل القضاء على الطغيان النازي فحسب؛ بل كانت تبغي إلى جانب ذلك إحياء الأمل والرجاء في صدور الأهلين وشد عزيمتهم بفضل ما تنشره من أخبار القوات المحاربة الحرة إلى جانب جيوش البريطانيين والأمريكيين في ميادين القتال المتعددة، ثم بفضل ما كانت تنقله إليهم من أقوال الزعماء الأحرار الذين كانوا يتولون قيادة هذا النضال إلى جانب أقطاب الديموقراطية المعروفين في العالم، وكانت تُظهِر لهم بين وقت وآخر طرفًا من الأساليب التي كان يتبعها النازيون لدعم أركان نظامهم الجديد في أوروبا وبسط سيطرتهم العالمية. وأخيرًا صارت الإذاعة البريطانية إلى جانب ذلك كله تُعنى أيضًا بجمع كلمة الوطنيين الذين آلوا على أنفسهم مقاومة الاحتلال الألماني في بلادهم.

وقصة الإذاعة البريطانية (B. B. C.) طريفة حقًّا. فمن المعروف أن النازيين منذ خلص لهم الحكم في ألمانيا، كانوا أول من استخدم الراديو في الإذاعة السياسية لترويج مبادئهم قبل نشوب الحرب الماضية بعدة أعوام. ثم أتقن زعيم الدعاوة والنشر في ألمانيا الدكتور «جوبلز» تنظيم هذه الأداة حتى أصبح الراديو من أدوات الحرب الفعالة، وكان يعتمد عليه النازيون في تعبئة الرأي العام الألماني في بلادهم بما يذيعونه من أخبار وادعاءات مضلِّلة كاذبة، وكذلك في حرب الأعصاب المشهورة لإضعاف جبهة المقاومة والدفاع في البلدان التي أرادوا اجتياحها. أما الإذاعة البريطانية فظلت في سنوات السلم لا تُعني بالإذاعة الأجنبية. ثم استمر الحال على ذلك المنوال إلى أن وقعت الأزمة التشيكوسلوفاكية المعروفة في سبتمبر ١٩٣٨، وعندئذ أدركت الحكومة الإنجليزية خطر الموقف، وأيقنت أنه من المتعذر عليها أن تنشر على الملأ آراءها، ورأي رئيس حكومتها وقتذاك المستر نيفل تشمبرلين، بين الشعوب الأوروبية بصدد هذه المسألة الشائكة ما دامت محطة الإذاعة البريطانية لا تُعنى بتنظيم برامج أوروبية تاركة للنازيين وحدهم ترويج آرائهم وادعاءاتهم في أنحاء العالم، وكانت تقوم بذلك «وزارة الدعاية» النازية بإشراف الدكتور جوبلز وأعوانه. ولهذا تقرر في ٢٧ سبتمبر من العام نفسه أن تنشر محطة الإذاعة البريطانية B. B. C. باللغات الفرنسية والإيطالية والألمانية جميع الخطب التي يلقيها رئيس الوزارة الإنجليزية، ثم الأنباء الهامة. واقتضى تنفيذ هذا القرار وقتذاك تنظيمًا واسعًا لإعداد المترجمين والمذيعين، هذا إلى جانب إجراء تغييرات فنية منوعة. ثم لم تلبث هذه الصعوبات الفنية أن زادت عندما صارت «المحطة» ترتب برامج للإذاعة باللغتين الإسبانية والبورتغالية في صيف العام التالي «١٩٣٩»، كما صارت تذيع بلغات أخرى بلغت في ذلك الحين سبعًا. ثم ازداد العبء المُلقى على عاتق هذه الإذاعة الأجنبية عقب نشوب الحرب الماضية مباشرة، وما تبع ذلك من نجاح الألمان في اجتياح عدة دول في وقت قصير، وإنشاء الحكومات «الحرة» التي صارت تمثل مجموعة الأمم المتحدة في لندن واتجاه الأنظار إلى بريطانيا كموئل للاجئين السياسيين والمضطهدين، ومن إليهم، بل وكمركز لتنظيم المقاومة الشديدة ضد الطغيان النازي. ثم غدت بريطانيا قلعة الحرية التي شاء النازيون أن يفرضوا عليها العزلة فرضًا قبل غزوها هي الأخرى. وعلى ذلك نشطت الإذاعة البريطانية نشاطًا عظيمًا في عامي (١٩٤٠-١٩٤١)، وكان واجبها الأكبر أن تسمع أوروبا المقهورة صوت بريطانيا عاليًا مرتفعًا وسط ضوضاء أسلحة الحرب الميكانيكية وإغارات الطائرات النازية، وأن تُسمِع القلقين أو اليائسين دقات «ساعة بن» المشهورة، وكان عصيبًا ذلك اليوم من أيام ربيع عام ١٩٤١ عندما هدمت قذائف النازيين بناية محطة الإذاعة البريطانية. ومع هذا فقد أُعيد البناء على عجل وكانت الإذاعة النازية في هذه الأيام الشديدة «من عامي ١٩٤٠-١٩٤١» تكاد لا تلقى منازعًا أو منافسًا في ميدان الدعاية الأوروبية أو العالمية.
ولكن الحال سرعان ما تبدل بعد ذلك؛ إذ تمكنت الإذاعة البريطانية من تنظيم برامج للإذاعة في أنحاء الممتلكات المستقلة، وفي بلدان الإمبراطورية المختلفة. وفي أغسطس وسبتمبر ١٩٤٠ كانت قد أحكمت الصلة بطريق الأثير، بين لندن والولايات المتحدة الأمريكية، وقد مهد لذلك — ولا شك — ما قررته الولايات المتحدة ذاتها من ضرورة النزول إلى ميدان الصراع المستعر منذ أبريل في العام السابق «١٩٣٩»، فلم يكد يمضي أسبوع واحد على استيلاء «موسوليني» على مملكة ألبانيا، حتى ألقى «روزفلت» خطابه المشهور على هيئة الاتحاد الأمريكي Pan American Union في ١٤ أبريل سنة ١٩٣٩، وقال: إن المسألة باتت في الواقع مسألة اختيار بين إقحام الحضارة الحالية في النزاع والحروب التي يثيرها العسكريون، وبين التمسك بمثل السلام العليا واحترام حقوق الفرد والحرص على المدنية التي ينبغي أن تظل جميع الشعوب متمتعة بها. ثم حدث بعد ذلك أن ذهبت أدراج الرياح جميع الجهود التي بذلها الرئيس الأمريكي من أجل تأمين سلامة الأمم ومنع نشوب الحرب، حتى جاء في آخر الأمر انهيار فرنسا في يونية ١٩٤٠ مؤذنًا في نظر الكثيرين من أهل الولايات المتحدة بقرب انتهاء الحرب في مصلحة ألمانيا، وبأن مقاومة بريطانيا لا طائل تحتها وأنه من المنتظر أن ترضى هذه الدولة بالتسليم عاجلًا أو آجلًا. وفي هذه الظروف، كان من واجب بريطانيا أن تبذل كل جهد حتى يقف الشعب الأمريكي على مقدار المقاومة التي تبديها من أجل الدفاع عن سلامتها، وإقامة البرهان. على أن هذه الجزر العظيمة لا يمكن أن ترضى بالتسليم للألمان حتى يفنى آخر رجل وامرأة بها، ووقع على عانق الإذاعة البريطانية B. B. C. إبلاغ هذه الرسالة إلى العالم الجديد، وكان لصوت المستر «ونستون تشرشل» السحري، أبلغ الأثر في نفوس الأمريكيين. وزيادة على ذلك فقد ظهر في تلك الآونة أن الرأي والشعور قد تحولا نهائيًّا إلى جانب الديموقراطية البريطانية في النضال الدائر؛ لأن الأمريكيين سرعان ما صاروا يطلبون في خريف ١٩٤٠ معرفة الشيء الكثير عن جهود بريطانيا الحربية ويتساءلون لماذا تذيع لندن إلى الشعوب البريطانية في كندا ونيو فوندلند، والهند الغربية، بينما تترك الأمريكيين من غير الإذاعة لهم؟ ثم كان لأهل هذه الديموقراطية العظيمة ما أرادوا فكتبت جريدة «نيويورك تيمس» في ١٤ يولية ١٩٤٠ تثني على جهود محطة الإذاعة البريطانية، ثم قالت ما معناه: إنه سرعان ما تبين من فحص بعض البرامج التي تذاع من هذه المحطة أن بريطانيا أصبحت الآن لا تضيع وقت المستمعين سدى في الإصغاء إلى روايات خيالية! ومن ذلك الحين أصبح الأثير الصلة الفعالة التي ربطت بين بريطانيا وأمريكا، ونقل الأثير خبر ميثاق الأطلنطي بين «روزفلت» و«تشرشل» في أغسطس ١٩٤١، وأسدت الإذاعة خدمات جليلة عقب حادث «بيرل هاربور» المشهور، وذلك في أثناء زيارة المستر تشرشل للولايات المتحدة وكندا. ومنذ صارت الولايات المتحدة ترسل جندها إلى الشرق الأوسط والهند، نقلت محطة الإذاعة البريطانية إلى هؤلاء برامج مذاعة من المحطات الأمريكية.
بيد أنه إلى جانب هذا كله، سرعان ما أتمت محطة الإذاعة تنظيم إذاعاتها الأجنبية لا لقوات الأمم المتحدة المحاربة في الميادين فحسب، بل ولأهل البلدان المقهورة في أوروبا النازية. ثم كان أظهر آثار هذا التنظيم ما حدث في ربيع عام ١٩٤١ عند بدء الدعوة لحملة جيش النصر V-Army المشهورة، ومع أنه قد سبق الحديث عن هذا الجيش عند الكلام عن ضروب المقاومة الإيجابية والسلبية في أوروبا الهتلرية، فإن ثمت حقيقة واحدة لا ينبغي إغفالها؛ هي أن الفضل في قيام هذه الحملة الواسعة يرجع في الحقيقة إلى الشعوب الأوروبية المقهورة نفسها أكثر من أي شيء آخر، وتفسير ذلك أن أحد أعضاء الحكومة البلجيكية السابقين، «المسيو فكتور ديلافيلي Victor Delaveleye»، وهو من أولئك الذين عاهدوا النفس على الحديث من لندن إلى البلجيكيين في أرض الوطن، أراد أن يتحقق من أن هناك من يستمع لأحاديثه من مواطينه، فاقترح عليهم ذات مرة أن يحملوا شارة معينة ترمز إليهم هي حرف V حرف النصر، وأن يخطوا هذا الحرف بالطباشير على الجدران حتى يكون ذلك بمثابة علامة يعرف بها كل مستمع لإذاعته اللندنية غيره من المستمعين الآخرين، ونال هذا الاقتراح قبولًا لدى مذيع آخر، يدعى «جيرسن Geersens»، فطلب إلى مستمعيه من البلجيكيين في إذاعته الفلمنكية أن يفعلوا هم أيضًا مثل إخوانهم، فأجاب أهل بلجيكا — من والون وفلمنك — هذه الرغبة، ثم لم يلبث أن ذاع الخبر، فتبع هؤلاء أهل البلدان الأخرى، وهكذا لم يجيء شهر أبريل من عام ١٩٤١، حتى كان حرف النصر V منتشرًا من أقصى القارة الأوروبية إلى أقصاها من النرويج في الشمال إلى البلقان في الجنوب، وقد تقدم كيف تسلم الكلونيل «بريتون Britton» إدارة هذه الحملة من لندن. وفي خريف العام نفسه أسدت هذه الحملة خدمة كبرى، عندما انتشر في أرجاء أوروبا «رمز» جديد لنوع المقاومة الإيجابية الخطيرة — وهو رسم السلحفاة — وكان هذا رمزًا لحركة الإبطاء المتعمد! وقد سبق ذكر مبلغ الأضرار التي لحقت بأداة الحرب الألمانية من جراء هذا النوع من المقاومة.

•••

هذا هو الدور الخطير الذي لعبته محطة الإذاعة البريطانية B. B. C. في إثارة المقاومة الفعالة في وجه السادة النازيين في أرجاء القارة. وواضح أن استخدام هذه الإذاعة كان من أمضى أسلحة الدعاوة المضادة أو الدعاية الخفية التي كانت ترمي إلى تقويض أركان النظام الجديد في أوروبا النازية؛ ولذلك، وقَّع النازيون عقوبات صارمة على كل متهم بالاستماع إلى الإذاعة البريطانية خصوصًا، وتنوعت هذه العقوبات، من الحبس الانفرادي أو الإرسال إلى معسكرات الاعتقال، إلى السجن عدة سنوات أو الإعدام (وذلك على وجه الخصوص في كل من بولندة والنرويج، ثم في ألمانيا ذاتها)، إذا ثبت أن المستمع للإذاعة البريطانية يمتلك جهاز الراديو، ويدعو إخوانه ومواطنيه إلى منزله أو أي مكان آخر للاستماع معه؛ إذ إن النازيين كانوا يعتبرونه في هذه الحالة مروجًا لدعاوة العدو ضد سلطات الاحتلال. وقد عنيت حكومات الأمم المتحدة المحاربة (في خارج أوروبا النازية) بإعداد قوائم طويلة بأسماء سيئي الحظ الذين ارتكبوا «جريمة» الإصغاء إلى محطات الإذاعة الأجنبية، وخصوصًا محطة B. B. C. وصدرت ضدهم أحكام بالسجن أو الإعدام، واشتملت هذه القوائم أيضًا على تواريخ صدور هذه الأحكام ذاتها بكل دقة. ولم يكن من العسير على الحكومات إعداد مثل هذه القوائم الكاملة؛ لأن الصحف النازية نفسها في البلدان المحتلة درجت على نشر أخبار هذه الأحكام بين الأنباء المحلية، على أمل أن يكون هذا النشر زاجرًا للأهلين، يمنعهم من الاستماع للإذاعات الأجنبية، بيد أن صرامة هذه الأحكام لم تفد شيئًا في ردعهم؛ لأن هؤلاء ما كانوا يجدون طريقًا يعرفون به شيئًا مما يحدث في بلادهم أو يجري في أوروبا النازية وفي العالم عمومًا غير الاستماع لأنباء محطات الإذاعة الحرة، وعلى وجه الخصوص المحطة البريطانية. وعلى ذلك فإنه بدلًا من أن يفلح الألمان في إقناع سواد الشعوب المقهورة بالانصراف عن الإذاعة اللندنية، زاد إقبال الأهلين على هذه الإذاعة وصاروا يحكمون الأساليب التي تمكنهم من مراوغة الجستابو والإفلات من أيديهم.

وانتشرت في أرجاء أوروبا المحتلة أقاصيص عن وقائع كثيرة تبين في الحقيقة مدى فشل سلطات الاحتلال الألماني في مقاومة الإذاعة البريطانية. من ذلك أن أحد الجنود الألمان سأل ذات يوم في شارع من شوارع مدينة «بروكسل» رجلًا من البلجيكيين عن الوقت، فتجاهل الرجل معرفة الألمانية، فسأل الجندي آخر، ولكنه لم يظفر منه بطائل. وعندئذ تقدمت إليه ابنة صغيرة وأظهرت دهشتها كيف لا يعرف هذا الألماني الوقت، مع أن كل إنسان يعرف أن الساعة هي السابعة والربع مساء. فدُهش الألماني بدوره، وسألها كيف استطاعت هي أن تحدد الوقت بهذه السهولة دون أن تنظر إلى ساعة ما؟ فقالت: «الأمر يسير هل ترى أحدًا من الناس في الشارع؟» فأجاب الألماني بالنفي، فقالت: «حسنًا كل الشوارع تكون مقفرة الآن؛ لأن الناس يهرعون في هذه اللحظة إلى بيوتهم حتى يستمعوا للإذاعة الحرة، وهذه موعدها كل مساء الساعة السابعة والربع تمامًا!»

وحدث أن كتب أحد المتحمسين من أنصار التعاون مع ألمانيا في بلجيكا إلى جريدة «نوفو جورنال» البلجيكية، يشكو من أنه سمع في الترام حديثًا بين تلميذتين: قالت إحداهما في أثنائه: «إن مدرس الإنجليزية في مدرستنا رجل عظيم حقًّا! هل تدرين ماذا يفعل؟ إنه يبدي كل يوم تعليقات منوعة على الأنباء المذاعة من إنجلترا، إن النصر آت لا محالة!»

ومن الأقاصيص الطريفة ما حدث في بروكسل أيضًا عندما غادر رجل مسن أحد المقاهي، فسأله رفاقه: «إلى أين؟» فقال: «إلى المنزل لأن هذا وقت الاستماع إلى الإذاعة البريطانية!» ثم ذهب الرجل إلى حال سبيله، ولكنه لم يكد يستقر به المقام في بيته حتى سمع طارقًا، ثم لم يلبث أن دُهش عندما وجد الجستابو في ردهة البيت يسألونه: «هل أنت الرجل الذي يستمع إلى الإذاعة البريطانية؟» فأجاب: «نعم، وأفعل ذلك كل يوم!» فسألوه: «وأين هذا الراديو؟» فأجاب: «ولكني لا أملك جهازًا للاستماع، وإنما جدران المنزل رقيقة لدرجة تمكنني من الاستماع لإذاعة جهاز الراديو الذي يملكه جاري، وحضرته ضابط ألماني.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١