الفصل الخامس

الصحف السرِّية

أما أخطر وسائل الدعاية الخفية وأشدها أثرًا فكانت الصحف السرية التي انتشرت في أرجاء أوروبا النازية. وظهور هذه الصحف كان معناه في الحقيقة وجود حركة مقاومة خفية واسعة يصعب على سلطات الاحتلال الألماني ورجال الجستابو إخمادها، على الرغم من أن النازيين كانوا أصحاب السطوة في البلدان المفتوحة. ويعتبر ظهور هذه الصحف السرية، ورواجها برهانًا ساطعًا على أن الهتلريين قد فشلوا تمامًا، أولًا: في كسب صداقة الشعوب المقهورة، واستمالتهم إلى التعاون معهم في ظل النظام الجديد من أجل دعم السيطرة الألمانية، وثانيًا: على أنهم بالرغم من تنظيماتهم الواسعة ظلوا عاجزين عن كبح جماح الأهلين والقضاء على الروح المعنوية في البلدان التي دانت لسلطانهم. وزيادة على ذلك فقد قامت الصحف السرية بدور خطير في جمع وتوحيد الصفوف وشد أزر المقاومة ضد السادة الألمان، وهذا بفضل ما كانت تنشره من أنباء وموضوعات متعلقة بنشاط الديموقراطيات العظيمة ونضالها المميت من أجل خلاص الحضارة من شرور النازيين وطغيانهم من جهة، ثم بفضل ما كانت تقوم به من وسائل الدعاوة المضادة التي مر ذكرها. ويكفي برهانًا على خطر المهمة التي أُلقيت على عاتق هذه الصحف السرية، أنها كانت تعتمد في الأنباء التي تنشرها على إذاعات المحطة البريطانية B. B. C.، ومعنى هذا أن الصحف السرية تروج الأنباء التي يفرض النازيون عقوبات صارمة بلغت حد الإعدام في أحايين كثيرة على كل مستمع لهذه الإذاعة، مما يدل أيضًا على أن جميع الجهود التي بذلها النازيون لمقاومة هذه الإذاعة الحرة قد ذهبت سدى ومن غير طائل.

هذا إلى أن نجاح الدعاوة المضادة في استخدام الصحف السرية دل على أن أنصار الدعاية عديدون بل ومنتشرون في أرجاء أوروبا المحتلة؛ لأن إصدار هذه الصحف السرية لم يكن بالأمر السهل الهين، فهناك قبل كل شيء مشكلة الحصول على الورق؛ لأن سلطات الاحتلال الألماني تهيمن على توزيعه، فلا يستطيع إنسان أو هيئة الحصول على الورق إلا إذا سمح الحاكم الألماني، وعرفت سلطات الاحتلال الوجوه التي يراد استخدامه فيها، وهذا إلى أن الكميات التي تسمح بها السلطات محدودة وتكاد تكفي حاجة البلاد العادية، فكيف يحصل إذن أنصار الدعاوة المضادة على الورق الذي يلزم لصحفهم؟ لا بد من وجود مؤيدين لهذه الدعاية الخفية قبل كل شيء من بين الأهلين الذين استطاعوا التمتع بثقة الألمان؛ لأن هؤلاء وحدهم هم الذين كانوا يحصلون على هذه الكميات المحدودة من الورق. وكانت هناك مجازفة أخرى؛ إذ كيف يحمل مصدرو الصحف السرية كميات الورق التي يحصلون عليها تحت أنوف هيئات الشرطة والجستابو اليقظين؟ وإذا استطاع أصحاب الصحف الإفلات من ذلك كله، فأين يجدون المطبعة التي تطبع صحيفتهم؟ بيد أنه كما كان هؤلاء يجدون أفرادًا وشركات وطنية تعطيهم حاجاتهم من الورق خفية، فإنهم كانوا كذلك يجدون أصحاب مطابع لا يضنون على أصحاب الصحف السرية بما يريدون من أدوات الطباعة كالحبر والحروف والآلات وغير ذلك؛ وكان مصدرو الصحف دائمًا يعمدون إلى استخدام حروف الطباعة من «البنط» الذي لا تختص باستعماله شركة أو هيئة دون أخرى، حتى يصعب على رجال الجستابو الوقوف على المصدر الذي أمد الصحف السرية بأدوات الطباعة. ورغبة في أن يتعذر العثور على المكان الخفي الذي أقيمت فيه المطبعة السرية كثيرًا ما كان أصحاب هذه الصحف يختارون مكانًا منعزلًا خوفًا من أن يسمع القاطنون في الأماكن المجاورة صوت الآلات، ويُعرف خبر وجود المطبعة، وقد حرص مصدرو الصحف السرية على ألا يعتمدوا على شركة واحدة لتموينهم بالورق أو مدهم بآلات الطباعة وأدواتها، أو يظلوا في مكان معين يطبعون فيه صحيفتهم مدة طويلة. والسبب في ذلك الإمعان في الحيطة حتى لا يتسرب شيء عن نشاطهم، أو يتعرض معاونوهم في هذا كله لإثارة سخط سلطات الاحتلال عليهم فيكون نصيبهم الموت أو التشريد لا محالة، فإذا ما تم طبع الصحيفة، صادف أصحابها صعوبة التوزيع، فكان عليهم أولًا أن ينقلوا ما طبعوه من نسخ عدة قد يثير نقلها الريبة والشكوك، وأن يجدوا موزعين، يوصلون هذه النسخ إلى أيدي الأهلين في كل مدينة وقرية.

ومع هذا، وبالرغم مما كان ينتظر كل مشترك في أية عملية من هذه العمليات جميعها من عقوبة قاسية، الأمر الذي كان يعرفه الأهلون في أوروبا المحتلة حق المعرفة، وبالرغم مما كان ينزله النازيون بمصدري هذه الصحف ومحرريها وموزعيها من عقاب صارم يبلغ حد الإعدام في حالات كثيرة، فإن أصحاب الصحف السرية مضوا في إنجاز أعمالهم وطبع صحفهم وتوزيعها، وكان من الطبيعي أن يتمكن النازيون بين حين وآخر من القبض على بعض الأفراد المسئولين عن إصدار هذه الصحف وإعدامهم. ومع هذا فإن ذلك لم يفد شيئًا في منع صحف أخرى، غير تلك التي مات أصحابها أو أُرغموا على الفرار من قبضة الجستابو وترك أوطانهم، من الظهور في أماكن أخرى، وكثيرًا ما كان يحدث أن تصدر الصحيفة نفسها التي ظنت سلطات الاحتلال الألماني أنه قد قُضي عليها، محتفظة بنفس الشكل الذي اعتادت الظهور به، يتولى تحريرها آخرون لا يقلون وطنية ورغبة في مقاومة الطغيان النازي عن أسلافهم.

•••

والوقوف على طرف من قصة هذه الصحف السرية وانتشارها يظهرنا على مبلغ نشاطها وأهمية الخدمة التي كانت تؤديها كأداة من أدوات الدعاية الخفية ذات الأثر الفعال في مكافحة دعاة النظام الجديد في أوروبا النازية. ولما كان عدد من أصحاب هذه الصحف ومحرريها قد استطاع الفرار إلى إنجلترا أو إلى غيرها من الدول الحرة المحاربة أو المحايدة، وكانت أسرات الكثيرين منهم ما تزال تعيش في البلدان المحتلة تحت رقابة الجستابو وفي خطر التعرض للموت أو التشريد والنفي إلى معسكرات الاعتقال، أو قضاء بقية العمر في غياهب السجون، إذا عرف النازيون شيئًا عن نشاط أعضاء الأسرة الهاربين، فقد أصبح من المتعذر وقتذاك نشر أسمائهم أو تدوين قصة نشاطهم الخفي كاملة. ولذلك حرصت الحكومات الحرة المحاربة على أن تظل شخصيات هؤلاء الشجعان المغامرين بحياتهم مجهولة، واكتفت بتمجيد ذكرى الأبطال الذين لم يستطيعوا الخلاص والنجاة وكشفت سلطات الاحتلال الألماني أمرهم، فلقوا حتفهم على أيدي الجستابو اللعينة أو قدموا للمحاكمة أمام المحاكم الألمانية العسكرية، ونُفذت فيهم أحكام الإعدام الرهيبة، وأصبح من حق التاريخ وحده أن يرفع ذكرهم عاليًا، كمثال للتضحية الحرة النزيهة من أجل مصلحة الوطن، وفي سبيل خلاصه من ربقة الاستعمار الأجنبي.

وفي فرنسا بدأ ظهور الصحف السرية من وقت مبكر، عقب الاحتلال الألماني مباشرة. فقد سبب انهيار فرنسا كوارث عظيمة، وكان «بول سيمون» من بين الذين فقدوا ثرواتهم وهو من الوطنيين الممتلئين حماسة وغيرة، متوقد الذهن عظيم النشاط، قرر منذ اللحظة الأولى أن يشن بمفرده حربًا شعواء على السادة الألمان. هذا إلى أنه وجد في هذه الحرب المزمعة وسيلة للترويج عن نفسه إلى جانب إشباع رغبته في الانتقام من غير الاصطدام بالنازيين المدججين بالسلاح والذين كان لا يجرؤ — وهو الأعزل — على الاصطدام بهم. لذلك عمد «بول سيمون» في أيام الاحتلال الأولى، إلى العمل على تعكير صفو الألمان، فصار لا يدع فرصة تمر دون أن يلصق على نوافذ سيارات ضباطهم وكبار رجالهم قصاصات الورق المعد لتغطية ألواح الزجاج حتى لا تتحطم وتتناثر قطعها وقت الإغارات، بعد أن يكتب عليها عبارات مثيرة، مثل: «من هو أجمل رجل آري في أوروبا؟ الدكتور جوبلز على وجه التأكيد!» و«من هو أعظم البلوتاركيين في أوروبا؟ — أي أعظم رجال الحكومة البلوتاركية أو التي تتألف من الأغنياء — الماريشال جورنج دون شك!» هذا عدا عبارات أخرى تهتف بحياة ديجول أو كتابة شعار الجمهورية الفرنسية المعروف: «الحرية والمساواة والإخاء»!

واعتمد «بول سيمون» من مبدأ الأمر على معاونة ثلاثة من الوطنيين، واستطاع مع زملائه العثور على حروف للطباعة صغيرة مصنوعة من الكاوتشوك — مما يلعب به الأطفال عادة — ثم اشترى الجماعة كل ما استطاعوا شراءه من ورق الزجاج المصمغ واستخدموا ذلك كله في لصق عبارات مماثلة لتلك التي تقدم ذكرها، من عبارات الدعاوة المضادة، على جدران باريس. وذات مساء، فكرت الجماعة في إنشاء صحيفة سرية. وبعد مضي أربع وعشرين ساعة كان «بول سيمون» يبذل كل جهد لإقناع أحد أصحاب المخازن المعدة لبيع الورق وأدوات الكتابة حتى يبيعه مطبعة من الكاوتشوك ذات حروف أكبر حجمًا من الحروف التي كانوا يستخدمونها وتمكنهم من طبع أربعة سطور في وقت واحد. وفي مكان سري أمين، وبعيد عن أعين رجال الجستابو، وبعد عمل شاق مضنٍ استمر شهرًا بأكمله وكلف أحدَهم فقد إحدى عينيه من كثرة الإجهاد، تمكنت الجماعة من إخراج أول أعداد هذه الصحيفة السرية، وكان اسمها «فالمي Valmy» وهو اسم المعركة التي أحرز فيها الفرنسيون أول انتصاراتهم على البروسيين في عام ١٧٩٢ في أثناء حروب الثورة الفرنسية المعروفة. وأما الاسم الآخر فكان: «عدو واحد، هو الغاضب! Un seul ennemi-L’envahisseur» وكانت جملة ما طُبع من هذا العدد الأول خمسين نسخة فحسب، ولكن سرعان ما أحدث ظهور هذه الصحيفة أثرًا عظيمًا وضجة هائلة، والسبب في ذلك أن ظهور «فالمي» كان تحديًا صريحًا لسلطات الاحتلال الألماني، وبرهانًا ساطعًا على أنه ليس من العسير أن يجد الوطنيون سبيلًا للإفصاح عما يشعرون به نحو السادة الألمان من كراهية واستخفاف. هذا على الرغم من عيون الجستابو المنبثة في كل مكان، وعلى الرغم من سيف العقوبة الصارمة المسلط على أعناق كل من تحدثه النفس بمقاومة النظام الجديد.

بيد أن «بول سيمون» لم يلبث أن واجه بضع عقبات، أهمها ناشئ من عدم وجود ما يكفي من حبر الطباعة لإصدار العدد الثاني من صحيفته. ولما كان يعرف حق المعرفة أنه كلما قل عدد المشرفين على إصدار هذه الصحيفة، كان ذلك أعون على كتمان سرها، فضلًا عن أنه لم يكن يريد أن يلحق بأصدقائه أي أذى بسبب ما قد يقدمونه لصحيفته من معاوية. فقد قرر أن «يسرق» ما يريد من حبر من مقر القيادة الألمانية العامة نفسه في شارع ريفولي، وكان من المتعذر على أي فرنسي الاقتراب من هذا المكان؛ لأن الألمان منعوا سير الفرنسيين في ميدان الكونكورد وفي الشارع الموصل إلى تمثال جان دارك، فكيف إذن يحقق «بول سيمون» رغبته؟ إن ما فعله «بول سيمون» ذات مساء حتى يدخل إلى مقر القيادة الألمانية العامة، ويأخذ ما يشاء من كميات الحبر اللازمة لمطبعته، ما يزال من الأسرار. ولا شك في أن هذا العمل كان يتطلب من «بول سيمون» شجاعة خارقة! ومهما يكن من شيء استطاع هذا الفرنسي أن يصدر العدد الثاني من صحيفته «فالمي» مطبوعًا بمداد ألماني!

واتبع «سيمون» نظامًا دقيقًا في توزيع صحيفته؛ فقسَّم الموزعين إلى جماعات تعمل منفصلة، ولا تعرف إحداها شيئًا مما تفعله الجماعة الأخرى، زيادة في الحيطة وحرصًا على حياة المشرفين على إصدار الصحيفة وعلى حياة موزعيها أنفسهم. وتفنن هؤلاء في ابتكار الطرق التي مكنتهم من توزيع الصحيفة في أماكن لا تخطر على بال إنسان، كما حدث في مقر القيادة الألمانية العامة في شارع «ريفولي» في باريس، عندما عثر الجند الألمان وهم يلبسون خوذاتهم على نسخ مطوية بعناية من صحيفة «فالمي». على أن «بول سيمون» لم يلبث أن وجد في الشابات الباريزيات موزعات من الطراز الأول، يحملن نسخ صحيفته إلى كل مكان يذهبن إليه، حتى صار الجند والضباط الألمان أنفسهم يجدون هذه الصحيفة «المكروهة» مخبأة في جيوبهم، مما سبب لهم الحيرة والارتباك؛ لأن الجستابو ما كان ليدعهم يذهبون بسلام إذا عرف أن «فالمي» قد وجدت طريقًا إلى الاستقرار في جيوبهم. وكان من بين هؤلاء الفتيات الجريئات عدد من اللواتي فقدن أزواجهن أو شهدن أخًا يختفي وراء جدران مركز قيادة الجستابو العامة في شارع فوش، أو رأين السادة الألمان يسوقون الشبان لإرغامهم على العمل الإجباري في ألمانيا.

وسرعان ما ذاعت شهرة «فالمي» في أرجاء فرنسا، وصار توزيعها غير مقصور على باريس، بل صارت توزع في الأقاليم أيضًا. وجدَّ الجستابو من أجل ذلك كله في البحث والتنقيب عن أصحابها ومحرريها وموزعيها عندما بلغ ما يطبعه «بول سيمون» من جريدته حوالي العشرة آلاف نسخة في كل شهر. بيد أنه لم يكن من العسير على رجال الجستابو بما أوتوا من قوة وسلطان وبفضل ما بذلوه من جهود، أن يعثروا بعد مشقة عظيمة على المكان الذي تطبع فيه هذه الجريدة، وعندئذ تعرض أصحابها لخطر داهم. ولكن شاء حسن الحظ أن يبلغهم الخبر في الوقت المناسب، فغادر «سيمون» ورفاقه الوكر قبيل هجوم الجستابو ورجع هؤلاء بخُفي حنين، ثم عادت الصحيفة إلى الظهور كعادتها، وبلغ عدد قرائها في أكتوبر من عام ١٩٤١ المائة ألف.

ومما تجدر ملاحظته أن «فالمي» لم تحاول معالجة شتى الأمور التي تتناولها بالأسلوب الجدي الذي يتطلب من القارئ إعمال الفكر وكد الذهن، كما أنها امتنعت عن إثارة الموضوعات الجدلية التي قد تعطي للألمان فرصة الرد ومحاولة الإقناع. فقد فطن محرروها إلى أن أمضى سلاح يستخدمونه ضد السادة النازيين إنما هو سلاح التهكم والسخرية والنقد اللاذع الذي يذهب بهيبة سلطات الاحتلال الألمانية، ويحطم ما يكون قد رسخ في أذهان الباريسيين الذين أذهلهم انهيار بلادهم بهذه السرعة الخاطفة، من أن النصر لا يمكن أن يفلت من قبضة الآلهة النازيين، وأن أحدًا لن يجرؤ على نقدهم أو مقاومتهم. وفي الواقع ظلت«فالمي» تقض مضاجع الألمان مدة طويلة، وصار لا يهدأ لهم بال حتى يقبضوا على أصحابها وموزيعها، ومن ثم أحكم رجال الجستابو رقابتهم، وضاعفوا نشاطهم حتى استطاعوا في نهاية الأمر أن يعثروا على مكانها الجديد. ولكن صاحبها «بول سيمون» تمكن في اللحظة الأخيرة من الإفلات من قبضتهم، ونجا بنفسه عبر الحدود، قبل أن يطبق عليه الجستابو شبكتهم الحديدية، ثم اتخذ مقره في لندن يعمل مع جماعة الفرنسيين الأحرار في إنجلترا.

غير أن فرار بول سيمون لم يكن معناه نجاح النازيين في إخماد حركة الصحف السرية في فرنسا. ومع أن هؤلاء بدءوا يتشددون في مراقبة جميع العناصر المعادية في هذه البلاد منذ شهر ديسمبر١٩٤١، فإن الصحف السرية والمنشورات والرسائل الصغيرة وما إليها سرعان ما انتشرت انتشارًا كبيرًا حتى بلغ عدد النشرات الإخبارية السرية في تلك الآونة حوالي العشرين. ولم تكن «فالمي» الصحيفة الوحيدة التي صدرت منذ أيام الاحتلال الأولى؛ لأن صدورها ونجاة صاحبها سرعان ما أفضيا إلى ظهور صحيفتين أخريين: هما «بنتاجرول Pantagruel» وهو اسم البطل الذي أوجده خيال «رابليه» أحد أعلام الأدب الفرنسي القدماء — و«ريزيستانس Resistance» — أي المقاومة، وقد تبع ظهور هاتين الصحيفتين، إصدار صحف سرية أخرى، منها: «فرنسا الحرة La France Libre» «صوت باريس La Voix de Paris»، و«شعب فرنسا Peuple de France»، و«النضال Combat»، وغير ذلك.

ومما هو جدير بالذكر أن الأطباء في فرنسا «قبل عام ١٩٤٣» أصدروا صحيفة علمية طبية، ظلت تُعنى بجمع الحقائق التي تساعد على معرفة مبلغ الأثر السيئ الذي أحدثه الاحتلال الألماني وتطبيق النظام الجديد النازي في صحة الأهلين. وقد وصلت هذه الصحيفة السرية إلى نتائج معينة في هذا الموضوع: أهمها؛ أن عدة أمراض ناجمة عن سوء التغذية وقلتها مثل «الأنيميا وضعف الأعصاب وهكذا» صارت تفتك بالأهلين حتى بات متوسط الوزن الذي يفقده الشخص العادي ثلاثة كيلو جرامات في الشهر الواحد.

ولم يكن الوطنيون وحدهم هم الذين أصدروا هذه الصحف السرية، بل اشترك معهم في ذلك أيضًا الشيوعيون، وكان لهؤلاء قبل الحرب الأخيرة صحيفة تدعى «الإنسانية L’Humanité»، أغلقها النازيون في أيام الاحتلال الأولى، ولكنه لم تمضِ فترة صغيرة حتى عادت الجريدة إلى الظهور وصارت في عداد الصحف السرية ذات الخطر، وتولى تحريرها وإصدارها أحد الراديكاليين المعروفين في باريس وهو «جبرائيل بري Gabriel Peri». وكان «بري» هذا عندما بدأ يصدر صحيفته السرية رجلًا مريضًا بالسل، ولا يرجو شفاء من علته الصدرية؛ ولذلك انكب على عمله الجديد بكل همة مضحيًا في سبيل مقاومة الاحتلال الألماني بكل ما يملك من مال وصحة، وظلت التبرعات تنهال على صحيفته من كل جانب، لا سيما وأنها صارت لا تقنع في عهدها الجديد بمجرد تأييد قضية الشيوعية، بل أخذت على عاتقها الدفاع عن مصلحة الوطن قبل أي اعتبار آخر، وهذا بترويج الدعاوة المضادة ضد السادة النازيين والعمل على تقويض أركان النظام الجديد في فرنسا، ولكن أيام «بري» كانت معدودة؛ فقد قبض عليه الجستابو، وأُودع السجن مدة ساءت في أثنائها صحته كثيرًا، وكاد المرض يفتك به لولا أن قرر الألمان إعدامه رميًا بالرصاص، وقابل «بري» الموت برباطة جأش وعدم مبالاة وأخذ يردد أغنية من الأغنيات المفضلة لديه، وعبثًا حاول جلادوه إرغامه على إبطال التغني بها، بل ارتفع صوته قليلًا قبل إطلاق الرصاص عليه، وأثار عمل «بري» هذا إعجابًا لا حد له، وعرفه الفرنسيون من ذلك الحين باسم «الرجل الذي مات وهو يغني»، وفي اليوم التالي زار ألوف من الباريسيين وغيرهم المكان الذي أُعدم فيه، والذي كان لا يزال ملطخًا بدمائه، ووضعوا عليه أكاليل الزهر.
بيد أن متاعب النازيين لم تنقضِ بوفاة «بري»؛ فقد ظلت تحمل راية المقاومة في فرنسا صحف جريئة، منها جريدة «التحرير أو الخلاص Liberation»، وجريدة «بنتاجرول Pantagruel»، أما جريدة «التحرير» السرية فقد عنيت بنشر أنباء محطة الإذاعة البريطانية B. B. C. وأسماء الذين أعدمهم الألمان ولقوا حتفهم على أيدي رجال الجستابو. هذا إلى أنها صارت تعني أيضًا بتحذير الأهلين حتى لا يقعوا في فخاخ رجال الشرطة وشباكهم، وكانت تنشر كذلك أسماء الفرنسيين الذين قبلوا التعاون مع السادة النازيين في بلادهم، وعظم ذيوع هذه الجريدة حتى صار الضباط الفرنسيون الأسرى في المعتقلات الألمانية لايجدون صعوبة في الحصول على أعداد منها. وكان من بين المشتركين في تحريرها وإصدارها أحد أعضاء البرلمان السابقين عن مدينة ليون، وهو المسيو «أندريه فيليب André Philip» أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة ليون، وقد عمل في أثناء الحرب كضابط اتصال مع قوات الحملة الإنجليزية في فرنسا، ثم أُعيد إلى عمله في الجامعة بعد انهيار فرنسا، ثم استطاع بعد ذلك الفرار إلى إنجلترا. وقبل أن يغادر «أندريه فيليب» فرنسا كانت جريدة «التحرير» توزع خمسين ألف نسخة.
وكان أهم ما عنيت به هذه الجريدة تنظيم المظاهرات، وبث روح المقاومة السلبية في ليون وفي بقية فرنسا لتعطيل سياسة النازيين الأولى والتي أرادوا بها كسب مودة الفرنسيين وصداقتهم في المنطقة المحتلة. وزيادة على ذلك، اضطلعت هذه الجريدة بمهمة توحيد صفوف الفرنسيين حتى لاتظل المقاومة مقصورة على طبقة العمال وحدها؛ لأنه كان ينبغي أن ينضم أهل الطبقة المتوسطة أيضًا إلى صفوفها، وكان هؤلاء ما يزالون يعقدون على الماريشال «بيتان Pétain» الآمال في انقاذ فرنسا. فلما استقدم «بيتان» إلى «فيشي Vichy» المسيو «ببير لافال Laval» وأعاد استخدامه: انتهزت الجريدة هذه الفرصة لإثارة حملة شعواء ضد حكومة فيشي ونظامها، ولم يكن ذلك في الحقيقة أمرًا عسيرًا؛ لأن انضمام «لافال» إلى «بيتان» لم يلبث أن نفَّر القلوب في فرنسا المحتلة وقتذاك من الماريشال الطاعن في السن، وانفض من حوله الأنصار الذين عقدوا على زعامته الآمال العريضة، واستطاعت جريدة «التحرير» أن تكتب عقب هذا الحادث ما معناه: «إن الاختلاف الحقيقي بين فرنسا المحتلة وغير المحتلة، هو أن ألمانيا في فرنسا المحتلة هي العدو الأول، و«فيشي» هي العدو الثاني، أما في فرنسا غير المحتلة فإن «فيشي» هي العدو الأول، وألمانيا هي العدو الثاني!»
وتعتبر «بنتاجرول Pantagruel» من أقدم الصحف السرية في فرنسا، إن لم تكن أقدمها جميعًا. وقبل أن يستطيع «بول سيمون» الفرار من باريس، كان الألمان قد قبضوا على محرر «بنتاجرول» وأعدموه. وقد أسدت «بنتاجرول» خدمات جليلة في الفترة التي قُدر لها الظهور في أثنائها، جاء في عددها الأول ما معناه: «إن هذه الصحيفة مخصصة لنشر الأنباء ولا يمكن أن يذهب نضالها ضد سلطات الاحتلال سدى، وغرضها نشر الأخبار التي يذيعها الراديو الإنجليزي، حتى يقف عليها كل من يتعذر عليهم الإصغاء إلى نشرة الأخبار البريطانية والذين يتألمون بسبب عجزهم هذا. إننا نرجو رجاء حارًا أن يكون النصر من نصيب الإنجليز؛ لأن هذا من شأنه أن يخلص فرنسا ويرد إليها عددًا من أقاليمها المفقودة ومستعمراتها، ثم يحقق لها النجاة من العبودية الاقتصادية والتضخم النقدي. وماينبغي أن ننسى أن إنجلترا قد أعلنت عن أغراضها الحربية التي تتضمن إعادة كيان الأراضي الفرنسية برمتها سليمة، وهذا هو السبب الذي يجعلنا نرغب في انتصارها، ولو أن هذا لا يعني بالضرورة إذلال الشعب الألماني …» ولعل أهم ما يسترعي النظر في هذه الجريدة أنها أخذت على عاتقها مقاومة الدعاية النازية عند اشتداد إغارات الطائرات البريطانية على الموانئ الفرنسية، فكان مما قالته: «وإذا سلمنا بأن الإنجليز إنما يحاربون من أجلنا كما يحاربون من أجل مصلحتهم — وهذا هو الوضع الصحيح وما يحدث فعلًا — فإنه يجب علينا ألا نلومهم؛ لأنهم إنما يفعلون ما يفعله جنودنا أنفسهم عندما ينسف هؤلاء الجسور أو يهدمون القلاع والحصون …» ومع هذا فقد حرصت الجريدة على أن توضح لقارئيها أنها ليست بالصحيفة الإنجليزية، بل على العكس من ذلك، فإنه من الواجب على كل قارئ أن يساعد على وصول هذه الصحيفة إلى المواطنين الأحرار في بريطانيا العظمى، إذا استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ إذ ينبغي أن يعرف أصدقاؤنا وحلفاؤنا في إنجلترا، أن الأذى الذي يحاول أعداؤنا أن يلحقوه بهم بطريق النشر والكتابة في صحفهم لم يفد شيئًا في تحطيم عاطفة الصداقة التي تشعر بها نحوهم الجمهرة العظمى من الشعب الفرنسي. وفي عدد من أعداد هذه الصحيفة جاء التعليق التالي: «إن هجوم الربيع ١٩٤١ الذي قام به هتلر، أفضى إلى إرسال الجيش الألماني إلى بلغراد، ولكن بلغراد هذه إنما هي عاصمة أوروبية وليست بكل تأكيد عاصمة بريطانيا العظمى! وهكذا يتعطل سير النظام الجديد مرة أخرى، والواقع أن من المستحسن كثيرًا أن يذهب الألمان إلى أثينا وإلى بلغراد، ولا ينزلون في لندن!» وكان هذا تهكمًا واضحًا.

والحقيقة أن «بنتاجرول» كغيرها من الصحف السرية كانت تعتمد على التهكم والسخر بالسادة النازيين فيما تكتب أكثر من اعتمادها على أي شيء آخر: الأمر الذي أثار سخط سلطات الاحتلال الألماني، وأوقد حفيظة النازيين ضد هذه الجريدة. وقبل إعدام صاحبها في نوفمبر ١٩٤١ بلغ عدد النسخ التي توزعها «بنتاجرول» عشرة آلاف نسخة!

وإلى جانب هذه الصحف السرية كان يوزع أيضًا أنصار الدعاوة المضادة عددًا من الكتب الصغيرة التي يسهل حملها في الجيب أو في حقيبة اليد الصغيرة. ومن أشهرها، كتيب انتشر انتشارًا كبيرًا في فرنسا المحتلة عنوانه «نصائح للأهلين في الأرض المحتلة Conseils á L’Occupé»، وهو كتيب يقع في ست عشرة صفحة، وبلغ عدد ما وزِّع منه نيفًا وسبعة آلاف نسخة. وهو يتضمن إرشادات فيما ينبغي أن يفعله كل رجل وامرأة في المسلك الواجب اتباعه حيال الألمان في بلادهم. وكلها إرشادات في الحقيقة لا غنى عنها من أجل إحكام أساليب المقاومة السلبية: وأهمها؛ الامتناع عن مخالطة الفاتحين، والتظاهر بجهل لغتهم والامتناع عن ارتياد المقاهي التي يؤمونها، ومقاطعة أصحاب المحلات العامة الذين يعلنون عن إمكان التخاطب بالألمانية في محالهم، وزيادة على ذلك فإن هذا الكتيب صار يحذر الأهلين من الانخداع بما تذيعه الدعاية النازية والاستماع لأكاذيب الدكتور جوبلز وأعوانه.

وفي يولية ١٩٤٢ كان قد بلغ عدد الصحف السرية في فرنسا الثلاثين، هذا عدا المنشورات والكتب الصغيرة وما إليها، فقد أربت على الستين، وفي تلك الآونة كانت جميع الدلائل تدل على أن هذا العدد آخذ في الزيادة المستمرة! ولعل أبرز نتائج هذه الدعاية الخفية زوال الفروق السياسية التي لعبت فيما مضى دورًا خطيرًا في تفكك فرنسا وانهيارها، فصار الأهلون جميعًا يربطهم الآن رباط واحد، هو ضرورة مجابهة الخطر المحدق بهم من جراء وقوع الوطن تحت أقدام النازيين، وواجب التطلع إلى مستقبل جديد يحفظ على فرنسا وحدتها ويعيد إليها إمبراطوريتها ومجدها، ويكتب لها الخلاص والتحرر من ربقة الاستعباد الألماني، لا في هذا الجيل وحده، بل وخلال الأجيال المقبلة كذلك.

•••

ولم تكن فرنسا وحدها موطن هذه الصحف السرية؛ فقد كان من نتيجة الاحتلال الألماني وما تبعه من التضييق على حريات الشعوب وخنقها، وإذلال الأهلين وسلب اقتصادهم القومي، ثم تسخيرهم في العمل لدعم أركان النظام النازي الجديد؛ أن صار أهل البلدان المقهورة يجدون في الصحف السرية وسيلة من الوسائل التي تمكنهم من الإفصاح عن شعورهم وإحياء الآمال في صدور مواطينهم، وجمع الرأي والكلمة على ضرورة مقاومة الطغيان النازي. وكان البلجيكيون من بين هذه الشعوب المغلوبة على أمرها والتي ظلت متشبثة بحقها في حياة حرة طليقة.

وتبدأ قصة الصحف السرية في بلجيكا بحادث جدَّد في أذهان البلجيكيين ذكريات الصراع الدامي القديم عندما وطئ الغزاة الألمان أرض الوطن بأقدامهم في عهد الاحتلال الأول في أثناء الحرب العالمية الأولى بين عامي ١٩١٥ و١٩١٨. هذا الحادث هو مفاجأة أهل بروكسل. في يوم ١٥ أغسطس ١٩٤٠ بظهور أول أعداد صحيفة «بلجيكا الحرة La Libre Belgique»، ولم يكن هذا العنوان جديدًا؛ لأنه في عام ١٩٤٠ كان لا يزال كثيرون من البلجيكيين يذكرون أنه في يوم أول فبراير ١٩١٥ طلعت إلى عالم الوجود، وتحت أنوف رجال الاحتلال القيصري السابق، جريدة المقاومة وقتذاك «بلجيكا الحرة»!
وكان ظهور هذه الصحيفة السرية في عام ١٩٤٠، نتيجة لأمر أصدره الألمان في مايو من العام نفسه، منعت بمقتضاه أية صحيفة بلجيكية من الظهور قبل أن ينال أصحابها تصريحًا بذلك من سلطات الاحتلال الألماني العسكرية، وكذلك منع أي طابع من استخدام مطبعته في أي غرض من الأغراض قبل أن ينال تصريحًا بذلك من هذه السلطات ذاتها. وقد تبع هذا الأمر، استقالة كثيرين من أصحاب الصحف ومحرريها ومراسليها، ولكن النازيين ما لبثوا أن تولوا بأنفسهم جلب المحررين والطابعين لإصدار الصحف اليومية الكبيرة وغيرها كعادتها، وكأن شيئًا لم يحدث بل إن السلطات الألمانية لم تتورع عن صب جام غضبها على أصحاب الصحف الذين رفضوا بأي حال من الأحوال، أن يكونوا ضالعين معهم فيما أرادوه. مثال ذلك ما حدث لصاحب جريدة أنتورب المشهورة Gazat von Antwerp، يُدعى «دي هاسك De Hasque»؛ إذ ألقى النازيون القبض عليه وأودعوه إحدى معسكرات الاعتقال، حيث توفي بعد زمن قصير. ومثال آخر، ما حدث لمدير وكالة بلجا Belga Agancy المعروفة ويدعى «بطرس Beetres». وفي عام ١٩٤٣ كان كثيرون من أصحاب الصحف البلجيكية ومحرريها ما يزالون في غياهب السجون، منهم «ديمارتو Demarteau» رئيس اتحاد الصحافة البلجيكية و«أوش Ochs» صاحب الرسوم الهزلية المشهورة في جريدة «بوركواباه Pourquoi Pas»، وغيرها، وهذا عدا مئات الصحفيين الذين آثروا العيش في فرنسا غير المحتلة في تلك السنوات الأولى، ثم في غيرها من البلدان الحرة.
بيد أنه كان من الطبيعي — وقد تخلى هؤلاء الصحفيون عن أعمالهم — أن يتولى جماعة من الوطنيين الشجعان هذه المهمة، مما أدى إلى ظهور صحيفة: «بلجيكا الحرة» التي أعلنت أن عنوانها التلغرافي هو «الحاكم الألماني العام في بروكسل»، وأن ناشرها هو «بيتربان Peter Pan» — وهو تمثال أقيم في ميدان بروكسل بعد الحرب العالمية الأولى — وأنه لما كانت جميع الأعمال معطلة من جراء الاحتلال الألماني، فإنه لا مسوغ بتاتًا لنشر أية إعلانات في هذه الجريدة! وفي يولية ١٩٤٢ كان قد بلغ عدد ما يوزع منها أربعين ألفًا، وفشلت جميع جهود الجستابو في العثور على أصحابها ومحرريها.
وإلى جانب «بلجيكا الحرة» ظهرت ثلاثون صحيفة سرية أخرى توزع في أرجاء بلجيكا، منها «الراية الحمراء De Roode Vaaen»، و«القناص De vrije Schuitter»، «ووطننا Dus Vederland»، وكلها صحف فلمنكية، هذا عن الصحف الوالوانية «الفرنسية» مثل: «تحت الحذاء Sous la Botte»، «البربنسون Barbançonne»، «النيران Feux de Barrage»، وغيرها، ثم الصحف الاشتراكية: «الأمل L’Eespoir»، «العصر الحديث Le Nouveau Temps» و«الراية البيضاء Le Drapeau Rouge»، «الوضوح Clarté»، «الشباب الجديد Le Jeunesse Nouvelle». وكذلك صار للنساء صحيفة سرية هي، «صوت المرأة La Voix des Femmes» هذا عن صحف أخرى مثل: «الفرقة السوداء La Legion Noire»، والصحف الهزلية مثل: Le Coup de queue du Doudon Montois.

وتدل المقالات التي كانت تنشرها هذه الصحف السرية على أن محرريها، من نخبة القوم المثقفين وأفاضلهم، وأن الغرض الذي كانت تتوخاه هذه الصحف هو كشف القناع عن أعمال السلب والنهب التي يرتكبها السادة الألمان تحت ستار دعم أركان النظام الجديد في أوروبا، كما كانت ترمي إلى دحض مفتريات الدعاية النازية، ثم تعزيز روح المقاومة وحض الأهلين على مناصبة النازيين العداء بكل ما يملكون من قوة، وإظهار شخصيات الخونة والضالعين مع العدو والمتعاونين معه، هذا إلى الإفاضة في الثناء على رجال سلاح الطيران البريطاني، ثم نقل الأخبار المذاعة من محطة لندن المعروفة، وعلى وجه الخصوص أنباء العمليات العسكرية وأخبار القوات البلجيكية الحرة المحاربة إلى جانب البريطانيين وحلفائهم في ميادين القتال. ومما يجدر ذكره أن جميع هذه الصحف كانت تؤيد تأييدًا كاملًا موقف الملك ليوبولد البلجيكي الذي كان يعتبر نفسه سجينًا في أيدي السلطات العسكرية الألمانية ويرفض الإذعان للنازيين، أو أن تكون له صلة مباشرة بهم. وزيادة على ذلك برعت هذه الصحف البلجيكية السرية في أسلوب التهكم اللاذع للنيل من هيبة الجندي الألماني، وهذا بفضل ما كانت تذيعه من أقاصيص ونوادر للسخر بهم. وإلى هذه الصحف يرجع الفضل أيضًا في تدبير حركات المقاومة لتعطيل أداة الحرب الألمانية، من ذلك أن الألمان الذين كان يزعجهم نقص كميات الورق الموجودة أرادوا أن يمتنع البلجيكيون عن إتلاف الورق القديم المهمل، بدعوى أن صناعة الورق الجديد من هذه الكمية المهملة من شأنها أن تفضي إلى استخدام حوالي ٦٢ ألف بلجيكي، فانبرت الصحف السرية عقب ذلك تطلب إلى الأهلين إتلاف الورق المهمل القديم؛ لأن الألمان، كما قالت الصحف: «إنما يحتاجون إلى هذا الورق لخدمة أغراض سيئة ليست في مصلحة الوطنيين في شيء». ثم حدث مثل هذا عندما شرع النازيون يجمعون النيكل، فنصحت الصحف السرية الأهلين «أن يخفوا قطع النقد المصنوعة من النيكل لديهم؛ لأنها سوف تنفعهم — ولا شك — في يوم عصيب!» فكانت النتيجة أن النازيين لم يستطيعوا سوى جمع ما يقرب من ٦٪ فقط من النيكل الموجود بالبلاد، وكانت تقدر قيمته بنحو مليونين من الفرنكات. أضف إلى ذلك اتساع أعمال التخريب والتدمير في بلجيكا بفضل تشجيع الصحف السرية، مثل إشعال الحرائق في المصانع وانتزاع قضبان السكك الحديدية وتعطيل محطات الإنارة وتوليد الكهرباء، وانفجار القذائف دائمًا بين الألمان.

ولذا أوقع النازيون عقوبات قاسية على كل من يضبط متلبسًا بجريمة قراءة الصحف السرية أو توزيعها أو يشترك في تحريرها أو إدارة أعمالها. وكانت هذه العقوبات تتراوح بين السجن بضعة شهور، والسجن المؤبد، والحبس الانفرادي، والإعدام. مثال ذلك ما حدث في «لييج Liège»؛ إذ أصدرت المحكمة العسكرية الألمانية في شهر يولية ١٩٤١ أحكامًا صارمة على عدد من الناس اتُّهموا بالاشتراك في إدارة وتحرير وتوزيع صحف غير مصرح بصدورها، أو ما حدث في فلندرا الشرقية إذ حُكم على اثنين بالإعدام؛ لأنهما كانا يوزعان بعض هذه الصحف وبعض النشرات التي تضمنت أنباء مذاعة من لندن، كما سُجن كثيرات من الفتيات المتهمات بجريمة توزيع صحف غير قانونية! ومع هذا فإن الصحف السرية كانت منتشرة في بلجيكا. وكان يصدر من «بلجيكا الحرة La Libre Belgique» وحدها ثلاث طبعات: إحداها في بروكسل، والثانية في لييج، والثالثة في أنتورب.

•••

وفي هولندة ظهرت الصحف السرية عقب الاحتلال الألماني مباشرة. بيد أن الحظ لم يكن من نصيب الهولنديين من أنصار الدعاوة المضادة؛ إذ استطاع النازيون في مبدأ الأمر أن يقفوا على حقيقة أمر الكثيرين ممن اشتركوا في تحرير هذه الصحف أو توزيعها؛ فألقوا القبض على عدد كبير من الرجال والنساء، كان نصيب كثيرين منهم الإعدام أو الحياة البائسة في معسكرات الاعتقال، ومع ذلك فقد عجز الألمان عن إخماد هذه الدعاية الخفية. وفي طليعة الصحف السرية في هولندة جريدة «القول الحق Het Parool»، وبلغ مقدار ما يوزع منها حوالي العشرين ألف نسخة يقرؤها ما يقرب من المائة ألف قارئ، وكان شعار هذه الجريدة قول النشيد الوطني الهولندي: «سوف أبقى أمينًا لوطني حتى أموت!» وكانت هذه الجريدة تقاوم النظام الجديد، فتبين للأهلين ما ينطوي عليه تطبيق هذا النظام من أعمال السلب والنهب الاقتصادي، وتقف بالمرصاد لكل فرد من أعوان «مسيرت Mussert» كويسلنج هولندة المعروف؛ تكشف عن أعمالهم، وتحذر الأهلين من تصديق ادعاءاتهم، وتزيح الستار عن كل خيانة جديدة يرتكبونها. وكان موزعو هذه الجريدة يتفننون في ابتكار الطرق التي تضمن لجريدتهم الوصول إلى أيدي الأهلين في كل مكان تقريبًا، كما كان أصحابها ينتهزون الفرص دائمًا لزيادة ما يُوزَّع منها. وعند الاحتفال بعيد ميلاد الملكة ولهلمينا في ٣١ أغسطس سنة ١٩٤٢ طبع أصحابها رسائل صغيرة ذات لون برتقالي، ووزعوا منها آلاف النسخ في أمستردام وحدها، وكانت تحمل عبارة: «أورنج — وهو اسم البيت المالك الهولندي — سوف ينتصر!»
وهناك غير هذه الجريدة عدة صحف سرية أخرى، منها: «الأرض النرلندية الحرة Vrij Nederland»، و«شحاذ والبحر! De Geuzen» و«من الصحراء Uit de Woestijn» و«شعبنا Ons Volk» وغير ذلك. والسبب في تعدد هذه الصحف السرية وتنوعها، أن كل جماعة من الأهلين، كالكاثوليك، والعمال، وهلم جرًّا كانت تمتلك صحيفتها الخاصة بها.

•••

ومع أن لكسمبورج تبدو صغيرة في مساحتها بالقياس إلى مجموعة الدول المحيطة بها والتي استولى النازيون عليها في حربهم الخاطفة، إلا أن أهلها لم يكونوا أقل حماسة في مقاومة الاحتلال الألماني من غيرهم من الشعوب المقهورة. وكانت تعترض النازيين في هذا الإقليم الصغير صعوبات كبيرة جعلت من المتعذر عليهم أن يخمدوا صحافتها السرية. فقد استطاعت المقاومة الخفية في هذه الدويلة الصغيرة إنشاء «اتحاد وطني» غرضه الأول جمع كلمة الوطنيين ضد الاحتلال الألماني، وكان ينضم إلى هذا الاتحاد حوالي ٩٨٪ من أهل لكسمبورج. ثم ساعد صغر مساحة الإقليم على إحكام الصلة بين أعضاء «الاتحاد»، وتنظيم جهود أعضائه على نحو جعل منه في نطاق الدولة القديمة دولة أخرى لها قوانينها وصحفها السرية الخاصة بها.

وكان عدد الصحف السرية التي يملكها هذا الاتحاد ثلاثة، وأهمها: صحيفة De Freie letzeburger جريدة المعارضة الوطنية، وكانت تعلن عن أخبارها أنها مستقاة من لندن وموسكو ونيويورك، التي تتصل بها جميعًا عن طريق الراديو. وقد حاول الألمان منع وصول الأخبار إليها بقطع التيار الكهربائي في أوقات الإذاعة البريطانية من لندن، ولكن هذه المحاولة أخفقت؛ لأن الجريدة سرعان ما أحضرت أجهزة للراديو من ذوات البطاريات، كما أنه كان من الميسور على محرريها الانتقال إلى الأرض الفرنسية المجاورة والاستماع منها إلى الإذاعة الأجنبية. أما أقطاب هذا «الاتحاد الوطني» فقد مات ثلاثة منهم، أعدم الجستابو اثنين وانتحر الثالث بعد أن قتل برصاص مسدسه ثلاثة من الجستابو الذين هاجموه للقبض عليه، ثم استطاع رابع هو «جون فرسل John Vercel» الفرار من لندن.

•••

وفي «تشيكوسلوفاكيا» عُرفت الصحف السرية، قبل أن يجتاح الألمان هذه البلاد بشهرين على الأقل، أي منذ أن تلبد الأفق السياسي في أوروبا بالغيوم، وقلق التشيك على مصير وطنهم، فتألفت من بينهم الجمعيات الوطنية التي أزعجها مسلك الدكتاتوريين النازي والفاشي، وصار أعضاؤها يفكرون في طرق الخلاص من الأخطار التي توقعوا إحداقها بهم، ومن هؤلاء أنصار الديمقراطية الذين ظلت ثقتهم كاملة بزعيم هذه الدولة الحديثة، الدكتور بنيش Benés، وكان من بين هؤلاء الديمقراطيين رجل قُدر له أن يلعب دورًا خطيرًا في تاريخ الدعاية الخفية في تشيكوسلوفاكيا هو «يوسف سكالدا Joseph Skalda»، وكان «سكالدا» من الوطنيين المتحمسين الذين جذبوا إليهم القلوب والتف حولهم الأنصار، حرَّ الرأي صادق العزيمة، ظل في أثناء الأزمة التشيكوسلوفاكية المعروفة «سبتمبر ١٩٣٨–مارس ١٩٣٩» يتردد على المنتديات والمقاهي وكانت في براج، وفي أكثر بلدان البلقان بمثابة «الصالونات» القديمة التي كان يقصدها أصحاب الفكر والرأي، يتباحثون ويتناقشون في شتى الموضوعات الأدبية والاجتماعية والسياسية.
وحدث ذات مساء أن اجتمع بيوسف سكالدا، في مقهى من هذه المقاهي، رجل من الوطنيين، لم تكن له به أية معرفة سابقة، ودار الحديث بينهما في هذا الاجتماع بشأن إصدار صحيفة سرية، واختار الاثنان لهذه الجريدة الجديدة اسم V-Boj ومعناها: «هيا إلى السلاح!» ومنذ وافق «سكالدا» على ذلك، انكب على عمله الجديد بهمة لا تعرف الكلال حتى استطاع أن يخرج العدد الأول من صحيفته السرية قبل نشوب الحرب، واحتلال الألمان البلاد لمدة شهرين، وكان هذا العدد يتألف من عشرين صفحة، نُشرت فيها البحوث التي تروج لآراء أصحابها الديمقراطية، أكثر من عنايتها بنشر الأنباء، ثم ذاعت ذيوعًا كبيرًا حتى صار لها وكلاء يتولون توزيعها في كل مدينة وقرية تقريبًا. ومع هذا لم تتعرض الحكومة القائمة الوطنية وقتذاك لهذه الجريدة بشيء، وصار الناس يتداولونها علنًا. ولذلك لم يكد الألمان يحتلون تشيكوسلوفاكيا ويضعون بوهيميا ومورافيا تحت حماية الريخ الثالث حتى نقلت V-Boj نشاطها من ميدان الحياة العامة إلى ميدان العمل في طي الخفاء، وساعدت دقة تنظيمها السابق على بقائها واستمرار ذيوعها.
وتدل المقالات التي كانت تنشرها هذه ومع أنه كان من المنتظر أن يفضي مجيء الألمان، ورجال الجستابو، إلى مقاومة الصحف السرية والعمل على إخمادها، فإن السادة الجدد لم يعنوا في بادئ الأمر بمكافحة أصحابها، وظل الحال على ذلك مدة سبعة شهور بتمامها بعد الغزو، واستطاع «سكالدا» ورفاقه — وكان عددهم جميعًا عشرة — أن يصدروا عدد V-Boj الأول في عهد الاحتلال أو الحماية الألمانية. وفي هذه المرة كان عدد صفحات الجريدة أربعة مزدانة برسوم الأسلحة الهوسية القديمة وصورة أسد بوهيميا الأبيض، وقد تضمن هذا العدد الأول مقالًا افتتاحيًّا يحض التشيك على التمسك بأهداب الأمل والرجاء، وعدم اليأس، ورفض السيطرة الألمانية؛ إذ إنه مهما أصدر النازيون من أوامر وتعليمات، فإنهم لن يستطيعوا التحكم في أفكار الناس، هذا إلى أنه كانت توجد قوات نشيطة في البلدان الأخرى — وعلى وجه الخصوص في بريطانيا — من المنتظر أن تمكن هذه الأفكار من الظهور حرة طليقة.
ومع هذا، فإنه لم يلبث أن حدث في الشهر الحادي عشر، ما دل على أن السلطات الألمانية قد أخذت تهتم بأمر هذه الجريدة، وشرع الجستابو يبحث عن أصحابها ومحرريها. وإزاء هذه اليقظة الجديدة اضطر «سكالدا» ورفاقه إلى تغيير مقرهم من وقت لآخر، وتسلح كل فرد منهم للدفاع عن نفسه عند الحاجة. والواقع أن الخطر عليهم كان عظيمًا في تلك الآونة؛ لأن الجريدة كانت قد نمت نموًّا كبيرًا، وزاد مقدار ما يوزع منها، واشترك كثيرون في توزيعها ومن شأن ذلك كله أن يسهل على الجستابو معرفة مقر الصحيفة أو العثور على أحد هؤلاء الموزعين، ثم إرغامه بعد تعذيبه على إفشاء سر الجماعة. على أنه بالرغم من هذه الأخطار ظلت V-Boj تظهر بانتظام في الفترة التالية، ثم صارت تنهال عليها البحوث والمقالات من كل جانب، لا يرسلها محرروها بالبريد، بل يرسلونها بطرق أخرى منوعة زيادة في الحيطة والتكتم. وفي هذه المقالات والبحوث وجد «سكالدا» ومعاونوه مادة طيبة للنشر، ولو أنهم حرصوا على نشر الأنباء المذاعة من محطة الإذاعة البريطانية B. B. C.. هذا إلى أن الجريدة صارت تنشر بعض الصور الهزلية وعددًا من الصور الشمسية، حتى غدت V-Boj صحيفة بالمعنى الصحيح، ولو أنها لم تصل إلى درجة الكمال والإتقان السابقة قبل العهد الألماني.
وكان أول ما قامت به هذه الصحيفة من أعمال المقاومة السلبية أن حذرت الوطنيين الذين أرادوا في يوم ٢٨ أكتوبر من عام ١٩٣٩ الاحتفال بذكرى اليوم الذي ظفرت فيه دولة تشيكوسلوفاكيا الحديثة باستقلالها منذ عشرين عامًا من نوايا النازيين الذين قرروا إراقة دماء الوطنيين المحتفلين بهذا العيد، فنصحت الجريدة بدلًا من إحياء هذه الذكرى في مواكب ومظاهرات، بأن يلزم التشيك منازلهم حتى يتركوا شوارع براج خالية يتجول فيها السادة الألمان وحدهم، ثم اقترحت إلى جانب هذا أن يحتفل الوطنيون بعيدهم القومي، بحمل شارة صغيرة ذات ثلاثة ألوان — شارة الدولة الحديثة: الأزرق والأبيض والأحمر — ونجحت دعوة V-Boj نجاحًا عظيمًا. ولكن لسوء الحظ لم يلبث هذا النجاح أن كلف الوطنيين ثمنًا غاليًا، فقد حدث عندما بزغت شمس يوم ٢٨ أكتوبر ١٩٣٩، وظهرت براج يخيم عليها السكون من كل جانب كأنه لم يكن بها قاطن، أن قرر «كارل هرمان فرانك» وزير الحماية الألماني أن يخرج مع أعوانه وفي عدد من قواته النازية ليتجول في أنحاء المدينة؛ عله يعثر ببعض عاثري الحظ الذين اقتضت أعمالهم أن يغادروا منازلهم في هذا اليوم المشئوم، أو عله يستطيع أن يحمل الخراب والدمار إلى بيوت الأهلين المسالمين؛ ولذلك ركب «فرانك» مع جماعته السيارات، وقصدوا جميعًا إلى أحد الأحياء الأثرية القديمة في براج «طريق الفلكيين»، فخرج لاستقبالهم يهودي هرم ظن أنهم من السائحين الزائرين الذين يقصدون مشاهدة معالم هذا الحي الأثري، فكان نصيبه الموت. ثم قصد «فرانك» وأعوانه بعد ذلك أحد الميادين الكبيرة في قلب المدينة، وهناك عثروا ببعض المارة فألقوا عليهم القذائف اليدوية، وما أن سمع النازيون صوت هذه المفرقعات حتى تدفقوا من أماكنهم وثكناتهم، وامتلأت بهم الشوارع، واستطاعوا أن يخرجوا اليهود من بيوتهم أو من مخابئهم، وقتلوا منهم سبعة عشر شخصًا، ثم قاد الجستابو ٣٦ شخصًا آخر أذاقوهم العذاب. وبذلك استطاع النازيون أن يسيلوا الدماء في يوم تشيكوسلوفاكيا الوطني! وكان لهذه المأساة آثار خطيرة؛ إذ إن الأهلين — وقد ذاقوا الأمرَّين من عنت السلطات الألمانية، وإصرارها على سفك دمائهم — لم يلبثوا أن قرروا بدورهم اتباع أساليب المقاومة الإيجابية المعروفة. ومن ذلك الحين لم تذق «براج» طعم الهدوء يومًا واحدًا، وقُضي من ثم على كل أمل في إمكان التعاون بين التشيك وسلطات الحماية الألمانية.
بيد أن هذا لم يكن كل ما نجم من شرور، فقد أفضى إصرار الأهلين في الأيام التالية على العمل باقتراح V-Boj وحمل الشارة التي تقدم ذكرها، إلى إثارة سخط النازيين عليهم، حتى إن هؤلاء كثيرًا ما كانوا يوقفون حامليها في الطريق، من أجل أن ينتزعوا هذه الشارة عنوة، ولما أعيتهم الحيل، صاروا ينهالون على أصحابها باللكم والضرب، ثم لجئوا في آخر الأمر إلى إطلاق الرصاص على كل شخص جرؤ على حمل هذه الشارة في عروته!
ولما كانت جريدة V-Boj هي المسئولة عن ظهور هذا النوع من المقاومة السلبية، فقد حنق الألمان عليها، ونشط الجستابو نشاطًا عظيمًا للقبض على أصحابها ومحرريها وموزعيها، وعرضت السلطات مكافأة مالية كبيرة لمن يرشد عن أشخاصهم، أو يدل على مكان طبع الصحيفة. وأسفرت جهود الجستابو الجديدة عن معرفة مكان مؤقت كان قد اختاره «سكالدا» ورفاقه لطبع صحيفتهم بعد حوادث ٢٨ أكتوبر المشئومة في أحد فنادق براج الكبيرة، فأحاط الجستابو بهذا المكان، ثم هاجموه، وباغتوا فيه رجلين، استطاع أحدهما أن يشعل النار في عدد الجريدة الذي أُعد للظهور، وأطلق الجستابو عليه الرصاص من الخلف، وقفز الثاني من النافذة فدُق عنقه عند سقوطه، وكان كل ما ظفر به الجستابو عبارة عن ٢٠ نسخة فحسب من آخر أعداد الجريدة!

ولم يعطل هذا الحادث نشاط «سكالدا»، بل إن الصحيفة لم تلبث أن أخرجت كتيبًا جديدًا بعد الحوادث الآنفة تخاطفته الأيدي، ولم يفطن الجستابو في بادئ الأمر إلى حقيقة هذا الكتيب؛ لأنه كان يشبه كتيبًا من سلسلة معروفة كانت تصدر في تشيكوسلوفاكيا في تلك الآونة، ولا تعالج الموضوعات السياسية، هذا إلى أن الذي يتصفح هذا الكتيب ما كان يجد سوى أحاديث عن الأدب، حتى إذا بلغ الصفحة الرابعة، عثر على أقوال معادية للسلطات الألمانية وصور هزلية من النوع الذي تجيده الدعاية الخفية، وإلى جانب ذلك بعض النصائح والإرشادات الضرورية لإحكام أساليب المقاومة السلبية.

وفي «براج»، ظل «سكالدا» يصدر صحيفته السرية V-Boj بالرغم من الأخطار التي اكتنفته، معتمدًا هو وأعوانه على النساء بصفة خاصة في توزيع الصحيفة، حتى اضطر الجستابو إلى استخدام عدد من الألمانيات لمراقبة المحال العامة التي ترتادها السيدات بنوع خاص، ومع هذا فقد أخفقت محاولات الجستابو. وفي هذه الأثناء كانت V-Boj قد صارت صحيفة المقاومة السلبية الأولى، وقد نشرت في أحد أعدادها الأخيرة بعض النصائح لقارئيها، كقولها:

إذا قادك سوء الطالع إلى الوقوع في أيديهم — أي الألمان — فلا تنسَ دائمًا هذه العبارة: لا أعرف! لا أذكر! وإذا ضربوك وعذبوك فاطلب من الله أن يمنحك القوة والجلد، ثم تذكر مرة أخرى: لا أعرف! لا أذكر! وإذا جابهوك بأحد رفاقك المتعاونين معك، أو أحد أصدقائك ومعارفك، ممن يقولون أمامهم دون تردد: إنه من العبث نكران أي شيء، ثم يطلب إليك أن تعترف، فتذكر العبارة نفسها: لا أعرف لا أذكر؛ لأن ما تفوه به عدا ما تقدم يحمل بين أطوائه الضرر والسوء. كن شجاعًا وفخورًا وجلدًا صبورًا، كن صاحب مكر ودهاء، ثم تعلَّم كيف تقدر العواقب وتزن الأمور، وفكِّر طويلًا قبل أن تنضم إلى صفوفنا وتعمل معنا، ولا تكن عجولًا …

وزاد غيظ الجستابو وحنقهم، عندما ظهرت صحيفة جديدة في هذه الآونة تُسمى التعاون Collaboration، وكانت في مظهرها، وما اشتملت عليه من عبارات عند بدء القول في بحث أو موضوع، ثم عند اختتام هذا البحث أو الموضوع، ما يدل على أنها كانت تدعو حقيقة إلى التعون مع الألمان: حتى إذا أنعم القارئ في وسط المقال وفي نهاية الصفحة وجد عبارات من نار تدعو الوطنيين إلى مقاومة الطغيان النازي، وتنشر في الواقع «إنجيل الوطنية» الذي حرصت V-Boj نفسها على إذاعته. وكانت هذه الصحيفة تتألف من ثماني صفحات، وتشبه كتب الجيب في حجمها، وبلغ ما صدر منها ثلاثة أعداد فحسب، قبل أن يجِدَّ الجستابو وراء أصحابها، وقنع هؤلاء بأن يلزموا السكون مؤقتًا حتى تهدأ العاصفة.
بيد أن ذيوع V-Boj من جهة، وظهور «التعاون» — وهي الجريدة التي روَّجت تعاليم ومبادئ الصحيفة الأولى — من جهة أخرى، سرعان ما جعل الجستابو يضاعف جهده حتى يقبض على مصدري V-Boj ومحرريها. ثم شاء الحظ أن يخدمهم في هذه المرة، ووقع «يوسف سكالدا» في قبضتهم أخيرًا، فألقوا به في غياهب السجون مدة طويلة، وبعد مضي ثمانية عشر شهرًا، صدر بيان جاء فيه: «إن محكمة الشعب في برلين قد أصدرت حكمها بإعدام يوسف سكالدا، وهو كاتب تشيكي، ثم حكمت بالسجن مددًا طويلة على خمسة عشر تشيكيًّا آخرين؛ لأنهم ساهموا في إصدار ونشر صحيفتين من الصحف التشيكية الحرة!»
وبهذا أُسدل الستار على نشاط «يوسف سكالدا»، ولو أن هذا كان لا يعني أن الجستابو قد قضى على جريدة V-Boj نهائيًّا.
ولا تتم قصة الصحف السرية في تشيكوسلوفاكيا من غير الإشارة إلى كتيب لقي إقبالًا عظيمًا في تلك البلاد، هو كتاب «الجندي الطيب شفايك في عهد الاحتلال»، وشفايك Schweik هذا من الشخصيات المحبوبة في الأدب التشيكوسلوفاكي الحديث، أخرجها إلى عالم الوجود «ياروسلاف هازيك Jaroslav Hasek» (١٨٨٤–١٩٣٣م). وتقع حوادث القصة الأصلية ونوادر «شفايك» في عهد الإمبراطورية النمساوية القديمة وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، أما في كتاب الدعاوة المضادة الجديد، فتقع حوادث هذا البطل «شفايك» في عهد الحماية الألمانية في بوهيميا ومورافيا. والكتاب مملوء بالنوادر والقصص التي يُقصد بها تشجيع المقاومة ضد الحماية الألمانية.
وكذلك كان من الكتب الصغيرة التي صادفت نجاحًا كبيرًا، كتيب لا يحمل عنوانًا، لم يلبث أن عرفه الوطنيون باسم كتاب «أقاصيص الصيد»، ثم هناك عدة صحف سرية كانت توزع في تشيكوسلوفاكيا المحتلة، منها: «تحرير الوطن Narodni Osvobozeni» و«الصدق Pravad»، «جمهورية تشيكوسلوفاكيا Cesko sloveuskia Republike».

•••

وفي بولندة حيث أخفق النازيون تمامًا في استمالة الأهلين إلى التعاون معهم، وصاروا لذلك لا يتورعون عن ارتكاب أية جريمة من أجل إبادة البولنديين وإفنائهم، كانت تنتشر الصحف السرية انتشارًا عظيمًا، ولم يقل عدد ما ظهر منها منذ بداية الاحتلال الألماني عن ١٥٠ صحيفة. وأكثر هذه الصحف كانت تتألف من أربع صفحات مخصصة لإذاعة الأنباء، هذا عدا صحف شهرية كانت تعنى بنشر البحوث العلمية والفنية، وتكتب في شئون الاقتصاد والزراعة والتربية، ولكنها لم تلبث أن تنوعت وتعددت، حتى شملت مقالاتها وبحوثها جميع نواحي الحياة البولندية. وفي سبتمبر ١٩٤٣ كان عدد الصحف السرية التي تظهر بانتظام لا يقل عن ٧٢ صحيفة، وكثير من هذه الصحف لم ينقطع ظهوره منذ بداية الاحتلال الألماني، فإذا أدركنا مقدار الصعوبة التي كان يصادفها أصحابها ومحرروها في العثور على الورق، كان صدور مثل هذا العدد الكبير من الصحف السرية عملًا يدعو إلى الإعجاب.

ومن أشهر هذه الصحف: «صوت بولندة Glos Ploski»، «الرقيب Warto»، «الثورة Insurekja»، «نضال العمال Robotnik in Walce»، «الشعلة Pochodina»، «الشباب Mlodziez»، «بولندة الحرة Wolna Polska»، «القضية Sprawa»، وغيرها. واتخذت أكثرية هذه الصحف شعارًا لها بعض العبارات الوطنية، كقولها: «إن النصر هو عدم التسليم بعد الهزيمة!» أو «إن الهزيمة تكون دائمًا بمثابة الدرس اللازم لإحراز النصر في النهاية!» أو«إن الفرد الذي يرفض التضحية بنفسه من أجل الخلاص، لا يكون أهلًا المتمتع بمزايا الحرية!» هذا عدا بعض الإرشادات، كأن يعطي القارئ العدد الذي بيده إلى قارئ بولندي آخر يثق به. ثم كثيرًا ما كانت هذه الصحف تنشر قوائم بأسماء المتبرعين الذين يجودون بالمال وغيره حتى يمكنوها من الظهور. ومما يسترعي النظر أن بعض هؤلاء الوطنيين كانوا يتبرعون بالأغذية كالزبد والبيض والسجاير لمحرري الصحف السرية ومصدريها، والسبب في هذا أنه كان من المتعذر على أصحاب هذه الصحف الذين يطاردهم الجستابو ويُرغمون على الانتقال كثيرًا من مكان إلى آخر، أن يجدوا كفايتهم من الأغذية، لا سيما وأنهم ما كانوا يستطيعون استخدام بطاقات التموين.

ولعل أهم ما كانت تقوم به هذه الصحف، هو حديثها عن الطرق والأساليب التي يتبعها النازيون في تطبيق النظام الجديد في بولندة، ووصف الآثار التي أحدثها هذا النظام الجديد في حياة البلاد كإغلاق المصانع وتعطل ألوف العمال البولنديين، وصعوبات النقل المتزايدة بالسكك الحديدية، وعجز السلطات الألمانية عن تغيير القضبان الحديدية القديمة البالية والفوضى المنتشرة في مصالح النقل عمومًا، وما يتبع ذلك، كتعذر نقل الحيوانات والمواشي التي ظفر بها الألمان في «الأوكرين»، فقد كانوا يبغون إرسالها إلى ألمانيا أو إلى ميادين القتال لغذاء الجنود. غير أن عددًا كبيرًا من هذه المواشي كان يَنفُق في أفنية المحطات وعلى قارعة الطريق. وغنيٌّ عن البيان أن مرجع هذا الخلل وهذه الفوضى، إقدام البولنديين على أعمال المقاومة الإيجابية العنيفة.

وكذلك كانت الصحف السرية تشجع الوطنيين على إتقان أساليب المقاومة السلبية كالامتناع عن إعطاء «الفرو» الذي طلبه الألمان حتى يتدثر به جنودهم في الميادين الروسية، أو تسليم أحذية الانزلاق على الجليد التي طلبوها أيضًا لاستخدامها في الروسيا وفي النرويج، أضف إلى ذلك أن الصحف السرية صارت تعنى بنشر الموضوعات التي تبحث في آمال البلاد وأمانيها والأغراض التي تعتزم تحقيقها في المستقبل! من ذلك ما نشرته جريدة «بولندة الحرة» في عدد ٢٨ يناير ١٩٤٢ حيث قالت: «إننا نناضل من أجل دولة بولندية يكون هدفها الأعلى خدمة جميع مواطنيها على السواء، وهذه الدولة سوف يجري تنظيمها وفق إرادة العدد الأكبر من أهلها، ولفائدة كل فرد من أفرادها؛ ولذلك ينبغي أن تزول جميع الفروق الاجتماعية غير العادلة.» والحقيقة أنه على الرغم من وجود عدة أحزاب سياسية فقد اتفقت كلمتها جميعًا على ضرورة توزيع الثروة على أثر انتهاء الحرب توزيعًا عادلًا، والعمل على تحقيق مبدأ تكافئ الفرص لأبناء الدولة الجديدة.

أما السادة الألمان فقد كافحوا هذه الصحف السرية بكل قسوة وبطش، وليس أدل على ذلك مما حدث في وارسو في أغسطس ١٩٤٠ عندما قبض الجستابو على فتاتين تبلغان من العمر ١٤–١٦ سنة، وعثر معهما على عدد من الصحف السرية، فأعدم الألمان الفتاتين ثم سلموا الجثتين لأسرتيهما حتى لا يتحمل الألمان نفقات الدفن! أو ما حدث في ٤ يولية ١٩٤١ عندما فاجأ الجستابو منزلًا صغيرًا في «تزرنيا كوف Czerniakov»، كان يقيم به جماعة من المسئولين عن إصدار جريدة «صوت بولندة Glos Polski»، فلم يكتفِ الجستابو بإطلاق المدافع السريعة على تعساء الحظ في هذا المنزل، بل قبضوا على الأهلين في المنازل المجاورة، وأعدموا الجميع بالرصاص، وبلغ عدد ضحايا هذه المجزرة ٨٣ قتيلًا من الإناث والذكران، واشتدت حملة الجستابو على محرري وموزعي الصحف السرية في عام ١٩٤١ حتى بلغ متوسط الذين أُعدموا «بالجيلوتين» في مدينة «بونزان Ponzàn» ٢٥ شخصًا في الأسبوع الواحد. وفي الواقع نصب النازيون «الجيلوتين» في كل مدينة وكل قرية تقريبًا. وفي «سيليزيا» صاروا يرغمون أطفال المدارس على حضور عمليات الإعدام في كل مرة. وفي ٨ يونية ١٩٤٢ شنق الألمان علنًا في المدينة نفسها خمسة عشر شخصًا اتهموهم بتوزيع الصحف السرية، وظلت جثث المتوفين معلقة مدة ثمان وأربعين ساعة، وكان من بين هؤلاء ثلاث عشرة امرأة، هذا عدا عقوبات الإعدام والسجن لمدد طويلة، كان يوقعها النازيون على كل متهم بالاستماع إلى محطة الإذاعة البريطانية B. B. C. أو ترويج الأنباء المذاعة من لندن.

•••

وفي يوغوسلافيا انبرت صحيفتها السرية المشهورة «الحرية أو الموت! Svoboda Ali Smart» تنشر قصة معركة يوغوسلافيا الثانية، هذا بعد أن أعلن الألمان أن البلاد قد دانت بأسرها، وأن الحرب قد وضعت أوزارها في يوغوسلافيا فوقع على عاتق هذه الصحيفة السرية إذن — وكانت تصدر في «لوبليانا Llubljana» — أن تفضح كذب ادعاءات الألمان وتعلن إلى الملأ تأليف جيش يوغوسلافيا الوطني الذي ظل يرفع راية الجهاد تحت قيادة الجنرال ميخائيلوفتش. فقد استطاع السربيون والكرواتيون والسلوفينيون أن يدفنوا خلافاتهم القديمة؛ حتى يؤلفوا من بينهم جيشًا كبيرًا يتولى الدفاع عن أرض الوطن، ووقع اختيارهم على الجنرال ميخائيلوفتش للقيادة العامة؛ لأنه كان يتمتع بتاريخ حافل؛ إذ اشترك قبل ذلك في الحرب ضد الأتراك في عام ١٩١٢، وضد البلغار في عام ١٩١٣، وضد الألمان والنمساويين في عام ١٩١٤، ثم كان في استطاعته عندما اجتاح الألمان بلاده في الحرب الماضية أن يفر بسلام إلى القطر المصري على متن إحدى الطائرات، ولكنه رفض وآثر المكث بين مواطنيه، واتخذ مقره في الجبال الوعرة، وهناك انضم إليه ألوف الرجال والنساء لإعداد جيش يوغوسلافيا الوطني. ولعل أهم مميزات ميخائيلوفتش أنه كان أعظم الرجال خبرة بحرب العصابات في القارة بأسرها، وقد استطاع بعد صعوبات جمة أن يجمع جيشًا بلغ عدده في يونية ١٩٤١ مائة ألف جندي.

وفي ذات يوم من أيام هذا الشهر نفسه، فوجئ الجند الألمان وكذلك الكروات الذين عملوا معهم، بهجوم ميخائيلوفتش ورجاله عليهم، وكان هجومًا عنيفًا، اكتسح أمامه كل شيء، فاحتل رجاله مدينة بعد أخرى، وقرية بعد قرية، وكان «التشتنيك» عصب هذا الجيش الجديد. ولقي المحاربون في كل مكان حلوا فيه ترحيبًا عظيمًا، وهكذا استطاع ميخائيلوفتش بعد وقت قصير أن يسيطر على مساحة بلغت عشرين ألف ميل مربع «حوالي خمسي يوغوسلافيا»، طُهرت جميعها من الإيطاليين والألمان. ثم أنشأ هذا القائد حكومة جديدة هي حكومة «سربيا غير المحتلة»، وانكب بعد ذلك على إصدار الصحف، ومنها صحيفة «الحرية أو الموت»، وبلغ عدد صفحاتها أربعًا، ثم صار لا يقتصر توزيعها على الأرض التي دخلت في حوزة «التشتنيك» بل انتشرت في الأراضي التي احتلها الألمان والإيطاليون أنفسهم.

بيد أن جريدة «الحرية أو الموت» لم تكن وحدها الصحيفة التي صارت توزع في الأراضي المحتلة، فقد نجم عن عمل الألمان على إخماد جميع الصحف اليوغوسلافية اليومية العادية، أن ظهر عدد من الصحف السرية المنوعة. فأصدر السربيون والكرواتيون والسلوفينيون جرائدهم الخاصة بهم، وكان للأخيرين على وجه الخصوص عدة صحف، منها: عدا «الحرية أو الموت»، «سلوفينيا الحرة Svobodna Slovenijia»، «سلوفينيا وأوروبا Slovenijia in Europa»، «فجر الحرية Zarja Svobode»، «الرابطة السلوفينية Slovenska Zarvey»، وغيرها. وكان للشيوعيين «البارتيزان» بعض الصحف، كما كانت هناك صحيفة هزلية تُسمى «طابور خامس Teti Kolunnista».

وقد تحدثت صحيفة «الرابطة السلوفينية» عن الأهداف التي كان يعمل السلوفينيون الوطنيون على تحقيقها، فقالت: إنه من الضروري أن يُطرد جميع الجنود الأجانب الذين يحتلون البلاد، وأن تنشأ دولة سلوفينية موحدة في نطاق دولة يوغوسلافية متحدة كبيرة، على أن تجمع بين الاتحاد اليوغوسلافي المنتظر والبلدان الديموقراطية في العالم أواصر المحالفة المتينة.

أما جميع هذه الصحف السرية، فقد عنيت بنشر أخبار الانتصارات التي أحرزها جيش الجنرال «ميخائيلوفتش»، كما صارت تتحدث عن ضرورة تنظيم أعمال المقاومة الإيجابية في نطاق واسع، وتنشر أخبار النسف والتدمير التي كان يقوم بها الوطنيون من حين إلى آخر، مثل تدمير الجسور، وانتزاع قضبان السكك الحديدية، وقطع أسلاك التليفون، وتعطيل الطرق وهكذا، حتى حلت الفوضى من كل مكان، وتعطل نقل المسافرين والبضائع، وأهم من هذا كله عتاد الحرب الألماني، وجيش العدو. فقد نشرت جريدة «سلوفينيا الحرة» بعض تفصيلات التخريب الذي لحق بالسكك الحديدية في يناير ١٩٤٢: من ذلك أنه لما كان الألمان يسيطرون على وادي «مورافا Morava» الذي تجري به سكة حديد «نيش Nish» التي يستخدمونها في نقل الإمدادات الكبيرة، فقد خرب «التشتنيك» هذه السكة، ثم استطاعوا بعد ذلك أن ينشروا الفوضى في نظام النقل بين «نيش» و«أوريسا» عن طريق «صوفيا»، وكان من أخطر ما فعلوه نسف ثلاثة جسور كبيرة بين «زايتشار Zajetchar» و«نيش»، وانتقم الألمان بأن أخذوا ثلاثين ألفًا من الأهلين كرهائن! ولم تلبث السلطات الألمانية ذاتها أن اعترفت بخطر هذا التدمير عندما نشرت إحدى صحفهم في هذه البلاد Donau Zeitung تحذيرًا للأهلين جاء فيه ما معناه: «لقد وقعت حوادث تخريب واغتيال، كما أُشعلت عمدًا حرائق كبيرة، ولكنه إذا ظلت الحرائق تشتعل في حقول القمح، فإن السربيين وحدهم هم الذين سوف يحرمون الخبز. وإذا خربت الطرق والمواصلات والتليفونات، وسائر وسائل الخدمة العامة، فإن الضرر البليغ سوف يلحق بالاقتصاد السربي وحده!»
وزيادة على ذلك استطاع جيش «ميخائيلوفتش» أن يحكم الصلة بينه وبين الحكومة اليوغوسلافية الملكية في لندن، فذكرت جريدة «سلوفينيا وأوروبا»، أن ميخائيلوفتش تمكن من إرسال الدكتور «سكوليتش Sekulitch» إلى لندن حتى يشرح ما كان يفعله الجيش الوطني في يوغوسلافيا، ويبيِّن مبلغ ما يحتاجه هذا الجيش من السلاح والذخيرة والعتاد الحربي عمومًا. ثم لم يلبث المحاربون الوطنيون أن أوجدوا نظامًا للمخابرات المستمرة مع الحكومة اليوغوسلافية في لندن. ثم ظهرت آثار هذا التدبير المحكم عندما نشرت جريدة «سلوفينيا الحرة» مقالًا جاء فيه: «لقد كشف الألمان في الأسبوع الماضي — ويالهول ما كشفوا! — أن ميخائيلوفتش يملك دبابات بين عتاده الحربي، كما يملك أيضًا مدافع مضادة للدبابات وعددًا عظيمًا من المدفعية … وعندما هاجمنا الألمان في أول الأمر كانت هناك عدة مطارات سرية ما تزال في دور التكوين والنمو، أما الآن فإن الجنرال ميخائيلوفتش يستخدم بعض هذه المطارات، هذا إلى جانب ما يوجد لديه من غواصات تجد في العمل، كما يعرف الإيطاليون ذلك حق المعرفة بسبب ما يعانونه منها!» والحقيقة أن الألمان سرعان ما وجدوا أنفسهم مرغمين على خوض غمار حروب شديدة، استخدموا في معاركها الطائرات المنقضة والدبابات والمدفعية الثقيلة، كما صاروا يحشدون القوات الكبيرة، ومن بينها رجال المظلات الهابطة، وذلك كله حتى يستعيدوا بلادًا أعلنت القيادة العليا الألمانية منذ مدة أنها قد دخلت في حوزة الغزاة الفاتحين نهائيًّا.
ومن بين هذه المعارك الدموية الكبيرة، كانت معركة «شاباتز Chabatz» وهو اسم المدينة التي حاصرها التشتينك من كل جانب بعد أن أبادوا حاميتها الألمانية. وكان من آثار هذه المعركة اشتداد حركة المقاومة الإيجابية ضد الألمان والطليان في كل مكان تقريبًا، حتى صار هؤلاء لا يشعرون بأمن ولا طمأنينة في «بلغراد» ذاتها. وحدث في «بلغراد» ما كان يسوغ عدم الاطمئنان قط، فقد دُمرت بها محطة توليد الكهرباء ذات مساء، كما مات الجنرال «شرودر Schroeder» فجأة وفي ظروف مريبة، ولحق به كثيرون أيضًا من الحراس الألمان بالمدينة، ولم يكن من المتوقع أن تخف وطأة هذه المقاومة الشديدة ما دامت الصحف السرية تنشر أخبارها وتشجع أبطالها على المضي في مكافحة الغزاة الفاتحين بجد وهمة.
وسرعان ما جاء دليل حاسم على فشل الألمان في قمع الوطنيين من جهة، وعلى انتصار جيش يوغوسلافيا الوطني من جهة خرى عندما نشرت جريدة «الحرية أو الموت» ذات يوم خبرًا مفاده: إن الألمان يريدون المفاوضة مع الجنرال ميخائيلوفتش والاتفاق معه على الشروط التي يرتضيها، وبالفعل حدث في الأيام التالية أن توسط في هذه المفاوضة «كويسلنج» سربيا الجنرال «نيدتش Neditch»، وعقد الفريقان هدنة وقتية، لم يطرأ في خلالها أي تحسن في حالة بلغراد المحاصَرة. ثم لم تلبث أن أخفقت مفاوضات الصلح، وعرض الألمان عقب ذلك مكافأة ٢٠٠٠٠٠ دينار ثمنًا لرأس الجنرال «ميخائيلوفتش».

وفي عام ١٩٤٣، كانت صحف يوغوسلافيا السرية في نمو مطر، حتى بلغ عدد قراء الصحف السرية وحدها حوالي المائة ألف، وهذا بينما كانت الصحف الكرواتية السرية تقوم بنشر الدعاية الخفية أو الدعاوة المضادة ضد دولتي المحور.

•••

وفي «النرويج» التي أخضعها النازيون لسلطانهم «أبريل–يونية ١٩٤٠»، كان سواد النرويجيين — على الرغم من انتصارات الألمان الخاطفة، وظهور «كويسلنج» وأنصاره ممن قبلوا التعاون مع الغزاة الفاتحين — لا يزالون كبيري الثقة بانتصار بريطانيا وهزيمة ألمانيا في النهاية؛ ولذلك فإن الصحف النرويجية التي رفضت الانحياز إلى الكويسلنجيين، سرعان ما صارت تحاول مراوغة «الرقيب» الألماني، وتتحين الفرص حتى تنشر على جمهور قرائها التعليمات السرية التي أصدرها الألمان حتى يمنعوا هذه الصحف من إظهار أي عطف نحو قضية إنجلترا أو قضية الديمقراطية عمومًا، ومن تقديم النقد اللاذع إلى حكومة «كويسلنج» وأعوانه، ومن الإشادة بذكر «هاكون» ملك البلاد، ومن إذاعة القصص أو النوادر التي تقلل من هيبة السادة النازيين وتجعلهم موضع زراية أهل النرويج وسخريتهم. وكانت الرقابة التي فرضها النازيون على الصحف شديدة في العاصمة «أوسلو» على وجه الخصوص، وكذلك في «برجن»، وانتشر الجستابو في كل مكان لمراقبة أصحاب الصحف ومحرريها. أما في سائر المدن الداخلية فقد تعذر على الألمان أن يوجدوا رقابة صارمة، وكان من أعمال هذه الرقابة اختيار الأنباء التي أجازت سلطات الاحتلال الألمانية إذاعتها، وكذلك بعض المقالات الافتتاحية التي أُرغمت الصحف إرغامًا على نشرها، وكانت تتضمن تعليقات تنطوي على المبالغة في جسامة الأضرار الناجمة عن إغارات الطائرات البريطانية على الموانئ والمدن النرويجية الساحلية، ثم محاولة إقناع الشعب النرويجي بأنه ما كان ينبغي أن تحل به هذه الكوارث، لو أن الملك «هاكون» قبل البقاء في مملكته ولم يتخذ مقر حكومته في لندن، ويتحالف مع البريطانيين الذين يغيرون على بلاده بطائراتهم وتفتك قذائفهم بأبناء وطنه.

ولما كان سواد الشعب في شهور الاحتلال الأولى يجهل أن أصحاب الصحف الوطنية «النرويجية» ومحرريها إنما يُرغَمون على كتابة هذه المقالات، ومسدسات الجستابو مسلطة على رءوسهم، كما كانوا يجهلون المحاولات التي تبذلها الصحف حتى تتخلص من «الرقابة» الصارمة، فقد ظن هؤلاء أن هذه الصحف إنما تنشر الدعاوة للنازيين، وتكيل السباب للبيت المالك مختارة؛ ولذلك تدفقت رسائل القراء من كل جانب، يلغي أصحابها اشتراكاتهم، ويقطعون صلتهم بالصحف التي اعتادوا أن يقرءوها منذ مدة طويلة.

وفي يونية ١٩٤٠ أصدر النازيون عدة تعليمات حتموا على الصحف اتباعها، فيما ينبغي نشره، من ذلك أن البلاغات الحربية الصادرة من البلدان المحاربة ضد ألمانيا لا يجوز نشرها إلا إذا أجازت ذلك وكالة الأنباء النرويجية، الخاضعة لرقابة النازيين، ولا ينبغي أن تنشر الصحف أية أنباء مذاعة بالراديو من البلدان التي في حالة حرب مع ألمانيا، وكذلك لا يجوز أن تنشر الصحف شيئًا من الخطابات التي يلقيها أعضاء البيت المالك، أو الحكومة أو القيادة العامة، كما لا ينبغي نشر صور أحد من جميع هؤلاء، وعند الحديث في شئون السياسة الخارجية، ينبغي دائمًا أن تحترم الصحف وجهة النظر الألمانية، ولا ينبغي مهاجمة دولة من الدول التي عقدت اتفاقات أو معاهدات مع الريخ الثالث، وكذلك فإنه عند الكلام عن الحالة المالية في البلاد، يجب أن تمتنع الصحف عن نشر كل ما قد يؤدي إلى إثارة الخواطر، بل عليها بدلًا من ذلك أن تعرض الموضوعات التي من هذا القبيل بشكل يضمن إدخال الطمأنينة إلى نفوس القارئين، وزيادة على ذلك، فإن من واجب الصحف أن تمتنع امتناعًا تامًّا عن الخوض في كل ما قد يغير النفوس بين النرويجين والألمان، أما إذا رفض محررو الصحف اتباع هذه التعليمات، فإنهم يصبحون معرضين لتوقيع العقوبات الشديدة عليهم عدا غلق صحفهم.

ولم يكن من المنتظر أن تذعن الصحف النرويجية لهذه الأوامر والتعليمات، بل حاول المحررون على الرغم من صرامة الرقابة النازية، أن يتحينوا الفرص حتى يتحرروا من أغلال هذه القيود الشديدة، ونجحت في أحايين كثيرة هذه المحاولات، وساعد على ذلك أن الرقباء الألمان كانوا قليلي الدراية بأساليب الكتابة النرويجية وبحقيقة الأدب النرويجي، ولكن الكويسلنجيين سرعان ما صاروا يوضحون لسادتهم النازيين ما استغلق عليهم فهمه؛ فأُغلقت صحف كثيرة، وقبض النازيون على عدد كبير من المحررين، وفي بعض الحالات استبدل النازيون «بقلم التحرير» جماعة من الموالين لهم الذين وثقوا بهم، كما فعلوا في صحيفة «أوسلو» الراديكالية المعروفة «داجبلادت Dagbladet» وفي غيرها.
بيد أنه كان من نتائج هذه الرقابة الصارمة، ظهور الصحف السرية في بلاد النرويج. وفي خلال شهور الاحتلال التسعة الأولى اعتمد الأهلون في معرفة أنباء العالم الصحيحة على الإذاعات الخارجية، ولم تفد مصادرة الألمان لأجهزة الراديو شيئًا في منع الأهلين من الاستماع إلى إذاعة المحطة البريطانية B. B. C.. إذ سرعان ما استخدم النرويجيون أجهزة جديدة. وفي أول الأمر تناقل الأهلون أخبار هذه الإذاعات شفاهًا، واستمر الحال على ذلك حتى قرر أحد الوطنيين ويدعى «أولاف Olav» إنشاء صحيفة سرية، سماها: «نريد وطننا! Vi Vil Oss et land» ثم استطاع «أولاف» أن يجد من بين الصحافيين الوطنيين خمسة قبلوا العمل معه، وانطلقوا جميعًا يعدون العدة لإصدار جريدتهم الجديدة.

غير أنه كانت هناك صعوبات عدة في بادئ الأمر كادت تقضي على هذا المشروع بالفشل أهمها: صعوبة الحصول على الورق، وحروف الطباعة والمطبعة؛ فبذل الرفاق كل جهد حتى استطاعوا الحصول على كميات مناسبة من الورق وعلى الآلات اللازمة، ثم على مكان يطبعون فيه جريدتهم، وانضم إليهم رجلان آخران فصاروا سبعة، وتمكنوا من إصدار صحيفتهم، وأحدث ظهور عددها الأول أثرًا عميقًا في النرويج، كما أزعج الألمانيين إزعاجًا شديدًا؛ لأن هؤلاء كانوا قد ظنوا النرويجيين بعد مضي هذه الفترة الطويلة عقب الاحتلال، قد بدءوا يقنعون بالعيش في ظل النظام الجديد، وتوقع النازيون لذلك أن يكثر مؤيدو هذا النظام يومًا بعد يوم. وعلى هذا، كان صدور «نريد وطننا!» قاضيًا على أحلامهم وأمانيهم، فجرد الألمان قوة الجستابو الخطيرة لمعرفة محرريها والقبض عليهم، ولكن هذه المحاولات الأولى باءت بالفشل، وعظم حنق الألمان، كما زادت حيرتهم.

ومما أوقد حفيظة الألمان، أن هذه الجريدة السرية، أخذت على عاتقها بيان أضاليل السادة النازيين وفضح أكاذيبهم، وأكاذيب الدعاية النازية، وزيادة على ذلك أتقنت الجريدة أساليب السخر بمروجي الدعاوة من أجل جذب القلوب نحو السادة الألمان، وحث الأهلين على التعاون معهم، كما أنها صارت تحذر النرويجيين من الانخداع بطرائق النازيين الذين حرصوا في هذه الآونة على استمالة أهل البلاد وكسب صداقتهم، أضف إلى هذا أنها أخذت تكشف عن حقيقة الاتفاقات التي عقدها الكويسلنجيون مع الضباط الألمان من أجل ترويج الثقافة الألمانية في البلاد في نظير الحصول على أجر مالي كبير، أو الاستفادة من هذا التعاون مع الغزاة الفاتحين في نواحٍ أخرى، ثم لم تقتصر الجريدة على توجيه النقد اللاذع لسلطات الاحتلال عمومًا، بل صار «أولاف» على وجه الخصوص ينشر الدعوة في صحيفته السرية إلى مستقبل زاهر عند هزيمة الألمان المحتومة، على أساس إرجاع الملك هاكون إلى عرش بلاده، ثم تأليف كتلة اتحادية كبيرة تضم النرويج إلى مجموعة الدول الديموقراطية في العالم، على أن تتخلى كل دولة من أعضاء هذا الاتحاد عن بعض حقوق السيادة، بحيث لا يترتب على ذلك أن يفقد عضو الاتحاد المزمع تأليفه ذلك الطابع الشخصي الذي يحفظ للدولة كيانها القومي في النهاية.

ولكن الدعوة إلى إنشاء مجموعة اتحادية من الدول، كانت رأيًا جريئًا. ومنذ نشر «أولاف» هذا الرأي، قرر الألمان أنه قد بات من الضروري القضاء على هذه الجريدة، والقبض على «أولاف» وإسكات صوته. فجدد من ثم النازيون محاولتهم، وشمر الجستابو عن ساعد الجد. ولما كان توزيع الجريدة قد زاد زيادة عظيمة، فقد أصبح من الميسور نوعًا ما على الجستابو أن يقفوا على هوية الأشخاص المشتركين في تحرير الجريدة وطبعها وتوزيعها. وذات يوم هاجم الجستابو المكان الخفي الذي اتخذه «أولاف» وجماعته مقرًّا لجريدتهم، ولكن هؤلاء كانوا قد عرفوا نية الجستابو فاستطاعوا الفرار قبل الهجوم بيومين اثنين! وفي الأيام التالية ازداد الخطر على «أولاف» حتى اضطر إلى ترك عمله وتدبير الهرب من النرويج، وبعد محاولات متعددة والتعرض لمخاطر كثيرة، استطاع الفرار إلى إنجلترا.

ومع هذا فإن جريدة «نريد وطننا!» لم تكن الجريدة السرية الوحيدة في النرويج، بل سرعان ما ظهرت صحف أخرى، على غرار صحيفة «أولاف»، فكانت هناك صحيفة Eidsvold، وهذه زينت صفحتها الأولى برسم المكان الذي صدر فيه دستور النرويج القديم في عام ١٨١٤، ثم كانت هناك صحيفة «البريد الملكي KongsPosten»، «علامة الزمان Tideus Tegn»، «حركة اتحاد العمال الحر Fri Fagbevegelae»، وأخيرًا صحيفة «الراديو Radioavisin»، وهذه كانت مخصصة لنشر أنباء الإذاعات البريطانية والأجنبية.

•••

هذه قصة الصحف السرية في أوروبا المحتلة، التي كانت من أكبر دعامات الدعاية الخفية في القلعة الهتلرية، وهي إن دلت على شيء، فإنما تدل على أن الأهلين في البلدان المقهورة، وقد تذوقوا طعم الأساليب النازية عند تطبيق النظام الجديد، وشهدوا عن كثب ضخامة الأكاذيب التي روجتها الدعاية النازية، وهالهم إذلال أوطانهم تحت نعال الفاتحين الطغاة، صار لا يهدأ لهم بال حتى يروا أوطانهم محررة من نير النازيين وسلطانهم. وقد يظن إنسان أن الشعوب المحتلة وحدها هي التي كانت تئن من حكم هتلر وطغمته، وأنها وحدها هي التي لجأت إلى أساليب المقاومة لمحاربة الطغيان النازي، وأن النظام الجديد قد أخفق في أوروبا المحتلة فحسب، وأن ألمانيا قلعة هتلر كانت موطدة الدعائم متينة الأساس، ولكن الواقع كان على خلاف ذلك، وكما فشل هتلر ونظامه الجديد في أوروبا المحتلة، فقد فشل كذلك في داخل ألمانيا ذاتها، ولم يكن ثمة مناص من أن تتصدع أركان القلعة الهتلرية المتداعية قصر الزمن أو طال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١