الفصل السادس

إريك فروم

(١٩٠٠م–…)

كان لظهور الكِتاب الرائع الذي أخرجه إريك فروم تحت عنوان «الفرار من الحرية» في عام ١٩٤١م، أثرٌ قوي في اجتذاب انتباه جمهور القراء في أمريكا إلى أهمية ما قام به إريك فروم من تعديل في التحليل النفسي الذي دعا إليه فرويد. قدَّم لنا فروم دراسةً أصيلة عميقة للأسباب النفسية والاجتماعية التي سمحت للحكم الدكتاتوري المستبد أن ينمو في العالم الحديث. أراد فروم أن ينبذ نظرية فرويد التي تقرر أن الإنسان مخلوق غير اجتماعي في صميمه، يخضع لدوافع بيولوجية ثابتة، على المجتمع أن يروِّضها ويوقفها عند حد، أراد فروم ذلك فصاغ نظريةً ديناميكية عن الإنسان الذي له حاجات فسيولوجية دون شك، غير أن له أيضًا حاجات لا تقل عن ذلك ضرورةً يبغي من ورائها أن يحقق ارتباطًا قويًّا بينه وبين العالم وبينه وبين نفسه.

ونظرية فروم هي أن الحرية التي نِلناها أخيرًا، والتي نجمت عن نمو قوًى عديدة من الضمير الفردي والسيطرة الخارجية، منذ النهضة الأوروبية، هذه الحرية يصاحبها إحساس متزايد بالعشوائية والوحشة والعزلة. والمعضلة التي برزت في الثقافة الغربية الحديثة هي أن الحرية للفرد الفذ المسئول نسبيًّا قد باتت عبئًا عليه و«التحرر من» الصور القديمة للسيطرة، هذا النوع من التحرر السلبي لم يتطور إلى «التحرر نحو» حياة منتجة يحقق فيها صاحبه ذاتيته. والبحث الذي قام به فروم في الوسائل المعروفة التي يحاول بها أقل المحدثين نجاحًا أن «يفر من الحرية» لم يُلقِ ضوءًا جديدًا على حكم الاستبداد والمتحمسين له فحسب، بل ألقى كذلك ضوءًا على المشكلات الكبرى التي يجب أن تفهم وتذلل إذا أردنا لحرية الإنسان البقاء.

للدكتور فروم أهميةٌ خاصة لقيامه بتحليل الإنسان بالمعنى الاجتماعي، وهو بالإضافة إلى ذلك أحد العلماء القلائل الصادقين، وُهب القدرة على ترجمة الآراء المتعلقة بالعلاج النفسي إلى لغة يستطيع القارئ العادي أن يفهمها، بل إنه ليستمتع بها في أكثر الأحيان. ويسمح له اتساع اهتماماته ومدى تدريبه السابق أن يخضع لتحليله عمق المعرفة الفلسفية، والإدراك التاريخي، والنظر الأدبي والفني. وكتاب «الإنسان لنفسه» الذي ظهر في عام ١٩٤٧م يكون حلقة ثانية إيجابية إنشائية من السلسلة التي بدأها بكتابه «الفرار من الحرية». ومن دراساته الأخرى التي تبعث على التفكير، ولكنها ربما تكون أقل من هذه بقاءً، كتابه «التحليل النفسي والديني» الذي نشره في عام ١٩٥٠م، وكتابه «اللغة المنسية» الذي نشره في عام ١٩٥١م، وهو دراسة ممتعة عن الأحلام والقصص الخرافية والأساطير. وأحدث كتاب له الذي نشره تحت عنوان «المجتمع السليم».١

وُلد إريك فروم بفرانكفورت في ألمانيا عام ١٩٠٠م، ودرس علوم الاجتماع والنفس في جامعات هيدلبرج وفرانكفورت وميونخ، ونال درجة الدكتوراه من هيدلبرج في عام ١٩٢٢م، وتلقَّى تدريبه الرسمي في تحليل النفس عند تطبيق هذا التحليل على الثقافة والمجتمع. وقد جاء الدكتور فروم إلى أمريكا أستاذًا زائرًا بمعهد شيكاغو لتحليل النفس في عام ١٩٣٣م، وأنفق السنوات الثلاث التالية في القيام بالبحث في معهد البحوث الاشتراكية الدولي، بجامعة كولومبيا. وفي عام ١٩٤٠م أصبح مواطنًا أمريكيًّا بالتجنس. ومنذ ذلك الحين ارتبط ارتباطًا وثيقًا بمعهد العلاج النفساني في واشنطن (الذي أسَّسه هاري ستاك سليفان)، وهو زميل في أكاديمية العلوم بنيويورك، وحاضر في جامعة كولومبيا وفي كلية بننجتن. ومنذ عام ١٩٥٢م أصبح أستاذًا في الجامعة الوطنية بالمكسيك.

وكما أن فروم قد طبَّق أحدث وسائل البحث العلمية الاجتماعية على الكشف عن صفة الإنسان ومجموعة قيمه الخلقية الأساسية، فقد أتقن نوعًا من المزاوجة بين تحقيق الذات الأرسطي والإنسانية العملية. ومن الناحية الشخصية أكَّد طبيعة الحلول المنتجة لمشكلة انعزال الإنسان — مثل العمل الخلَّاق، والضمير الإنساني الذي يعارض التسلط، والشجاعة، والمحبة، والكبرياء، والأمل في قدرة الإنسان على أن يأخذ نفسه وحياته وسعادته مأخذ الجد. وفي دراسة موجزة حديثة تحت عنوان «فن الحب»، أعلن إريك فروم «أن الحب هو الحل السليم المُرضي الوحيد لمشكلة الوجود الإنساني». ويمكن أن نقدر قيمة هذا الحل الشخصي، والتعقيد الذي نلاقيه عند تحقيقه، إذا عرفنا أن إريك فروم يقترن الآن بالزوجة الثالثة.

(١) الإنسان لنفسه

إريك فروم

(١-١) المشكلة

تميَّزت الثقافة الغربية في القرون القلائل الأخيرة بروح المباهاة والتفاؤل؛ فهي تُباهي بالعقل باعتباره أداة الإنسان لإدراكه الطبيعة وسيطرته عليها. وتتفاءل بتحقيق أعز آمال البشرية، وتوفير أكبر قسط من السعادة لأكبر عدد من الناس.

وقد برَّر الإنسان لنفسه ما يباهي به؛ فبفضل العلم بنى عالمًا ماديًّا يفوق في الواقع حتى الأحلام والرؤى في القصص الخيالية والمدن الفاضلة. إنه يستغل طاقات الطبيعة التي سوف تُمكِّن الجنس البشري من توفير الظروف المادية اللازمة لوجود كريم منتج. وبالرغم من أن الإنسان لم يحقق بعد كثيرًا من أهدافه إلا أننا لا نكاد نشكُّ في أن هذه الأهداف ممكنة التحقيق، وأن «مشكلة الإنتاج» التي كانت مشكلة الماضي قد حُلَّت من حيث المبدأ. والآن يستطيع الإنسان لأول مرة في التاريخ أن يدرك أن فكرة وحدة الجنس البشري وإخضاع الطبيعة لسيطرة الإنسان ولمصلحته لم تعد حلمًا، بل هي من الأمور الممكنة الواقعية. أليس الإنسان إذَن على حق في مباهاته وفي ثقته بنفسه وبمستقبل الجنس البشري؟

غير أن الإنسان الحديث — برغم هذا — يشعر بالقلق والحيرة المتزايدة. إنه يعمل ويجاهد، ولكنه يدرك إدراكًا غامضًا عبث ما يُبذل من نشاط. وبينما تنمو سيطرته على المادة، نجد أنه يُحس العجز في حياته الفردية وفي المجتمع. وبينما نراه يبتدع «وسائل» يسيطر بها على الطبيعة، نجده واقعًا في حبائل تلك الوسائل وقد فقد إدراك الغاية التي تعطيها — وحدها — أهميتها، وتلك الغاية هي: أن الإنسان لنفسه. فبينما أمسى الإنسان سيِّدًا على الطبيعة، بات عبدًا للآلة التي صنعها بيده. وبرغم كل ما عُرف عن المادة، فهو على جهل فيما يتعلق بالمشكلات الهامة الأساسية الخاصة بالوجود البشري: ما الإنسان؟ وكيف ينبغي له أن يعيش؟ وكيف يمكن إطلاق الطاقات الجبَّارة الكامنة فيه واستخدامها استخدامًا منتجًا؟

إن الأزمة الإنسانية المعاصرة قد أدَّت إلى التراجع عن الآمال والآراء التي سادت في «عهد النور» الذي بدأ تقدمنا السياسي والاقتصادي تحت رعايته، وأمست فكرة التقدم ذاتها وهمًا صبيانيًّا، وأصبحنا نُبشر عوضًا عنها ﺑ «الواقعية»، وهي كلمة جديدة تعبر عن انعدام الثقة المطلق في الإنسان. وبتنا نعترض على فكرة الكرامة والقوة الإنسانية، وهي التي أمدت الإنسان بالقدرة والشجاعة للقيام بالأعمال الجسيمة التي أنجزها في القرون القليلة الماضية، ونستعيض عنها بالعودة إلى فكرة العجز المطلق والتفاهة التي يتصف بها الإنسان، وتهدد هذه الفكرة باقتلاع الجذور ذاتها التي نمت منها ثقافتنا.

إن الآراء التي سادت في «عهد النور» علَّمت الإنسان أنه يستطيع أن يثق في عقله كمرشد له في إقامة معيار خلقي ثابت، وأنه يستطيع أن يعتمد على نفسه دون الحاجة إلى هداية الكنيسة أو سلطتها لكي يفرق بين الحق والباطل. إن شعار «عصر النور»، وهو «شجاعة المعرفة»، ينطوي على «الثقة في المعرفة»، هذا الشعار أصبح الحافز عند الإنسان الحديث لكي يعمل ويبذل الجهود. أمَّا الشك النامي في قدرة الإنسان الذاتية وفي عقله، فقد أوجد حالة من حالات الفوضى المعنوية التي تركت الإنسان دون إرشاد من الوحي أو من العقل.

وترتَّب على ذلك قبول الرأي الذي يقول بالأوضاع النسبية، والذي يرى أن تقدير القيم والمعايير الخلقية أمور تتعلق كليةً بالذوق أو بالمفاضلة التي تقوم على أساس، وأنه لا يمكن في هذا الميدان أن يصدر حكم واحد موضوعي ثابت، ولكن ما دام الإنسان لا يستطيع أن يعيش دون قيم أو معايير، فإن هذه النسبية تجعله فريسة سهلة لطرق التقويم التي لا تستند إلى عقل. وعندئذٍ يرتد الإنسان إلى مكانة تغلبت عليها من قبل الثقافة الإغريقية، والمسيحية، والنهضة الأوروبية، وعصر النور في القرن الثامن عشر. عندئذٍ يستمد الإنسان معاييره وقيمه من مطالب الدولة، ومن الحماسة لما عند الزعماء الأقوياء من صفات سحرية، ومن الآلات القوية، والنجاح المادي.

فهل نترك الأمر عند هذا؟ هل نرضى بالخيار بين أمرين؛ إما الدين وإما نسبية الأمور؟ هل نقبل تنازل العقل فيما يمسُّ الأخلاق؟ هل نعتقد أن الخيار بين الحرية والعبودية، بين الحب والكراهية، بين الحق والباطل، بين النزاهة والانتهازية، بين الحياة والموت، ليس إلا نتيجة للمفاضلة الذاتية في كثير من الأمور؟

هناك في الواقع وجه آخر للموضوع؛ فإن المعايير الخلقية الثابتة الصالحة يمكن أن تكون من وضع العقل البشري، وبه وحده؛ فالإنسان قادر على رؤية القيم وعلى أن يجعل لها من الصلاحية ما لكل القيم الأخرى التي يبنيها على أساس من العقل. وقد وضعت التقاليد العظيمة، تقاليد الفكر الإنساني الأخلاقي، أسس طرق التقويم المبنية على قدرة الإنسان الذاتية وعلى عقله وتفكيره. وأقيمت هذه الطرق على فرض أساسي، وهو أنك إن أردت أن تعرف ما هو خير للإنسان وما هو شر له، فلا بد لك أولًا من أن تعرف طبيعة الإنسان؛ ومن ثَم كانت هذه الطرق كذلك مباحث نفسية في أساسها.

(١-٢) فضل فرويد وحدوده

ربما كان أكبر فضل لفرويد هو أن نظرية التحليل النفساني هي أول طريقة نفسية حديثة لا تجعل موضوعها نواحي الإنسان المختلفة التي تنفصل إحداها عن الأخرى، وإنما شخصيته بكليتها؛ فقد اكتشف فرويد طريقةً جديدة مكَّنته من دراسة شخصية الإنسان بجملتها كما مكَّنته من إدراك ما يدفع الإنسان إلى أي عمل يقوم به، وأحل هذه الطريقة محل طريقة علم النفس التقليدي، التي كانت تحصر نفسها في دراسة الظواهر التي يمكن عزلها عزلًا يكفي لملاحظتها في تجربة من التجارب.

وطريقة فرويد، طريقة تحليل المعاني المتداعية تداعيًا حُرًّا، وتحليل الأحلام والأخطاء، وانتقال الأفكار، إنما هي وسيلة يمكن أن تصبح بها الوقائع «الخاصة» التي لا يعرفها ولا يتأملها إلا صاحبها، «علنية» ظاهرة في الصلة التي تقوم بين الفرد الذي يخضع للتحليل والمختص الذي يقوم بهذا التحليل؛ ومن ثَم فقد أمكن لطريقة التحليل النفساني أن تفرد الظواهر التي لم تكن بدونها لتخضع للملاحظة. كما أزاحت الغطاء في الوقت عينه عن كثير من التجارب العاطفية التي لم يمكن إدراكها حتى بالتأمل الباطني لأنها مكبوتة ومنفصلة عن العقل الواعي.

كان فرويد في بداية دراساته يهتم أساسًا بالأعراض النورستانية. ولكن كلما تقدم التحليل النفساني، اتضح أن الأعراض النورستانية لا يمكن فهمها إلا بفهم بناء الشخصية التي تظهر فيها، فأصبح الموضوع الأساسي لنظرية التحليل النفساني وللعلاج النفساني هو الشخصية النورستانية، لا مجرد الأعراض وحدها. وفي أثناء دراسة فرويد للشخصية النورستانية نجده يضع أسسًا جديدة ﻟ «علم الشخصية»، الذي أهمله علم النفس في القرون الحديثة وتركه لكُتَّاب الرواية والمسرحية.

إن «علم الشخصية» الذي يقوم على أساس التحليل النفساني، برغم حداثته، لا غِنى عنه لتطور النظريات الأخلاقية. ولا مناص من أن تبقى جميع الفضائل والرذائل التي يعالجها علم الأخلاق التقليدي غامضة؛ لأنها كثيرًا ما تدل بلفظة واحدة على مواقف إنسانية مختلفة وعلى شيء من التناقض. وهي لا تفقد غموضها إلا إذا فُهمت من حيث علاقتها ببناء شخصية الفرد الذي تُعزى إليه الفضيلة أو الرذيلة. إن الفضيلة منفصلة عن محيط الشخصية قد يتبين أنها عديمة القيمة (كالتواضع الذي ينشأ عن الخوف، أو الذي يعوض به صاحبه عن كبرياء مكبوتة). كما أن الرذيلة قد تدل على شيء آخر إذا فُهمت في محيط الشخصية كلها (كالكبرياء التي تعبر عن عدم الطمأنينة وشعور المرء بانحطاط قدره). وهذا الاعتبار له بالأخلاق علاقةٌ وثيقة. ومعالجة الفضائل والرذائل منعزلة باعتبارها صفات مستقلة تضلل ولا تكفي. إن موضوع الأخلاق هو «الشخصية»، ولا يمكن أن تقوم صفات منعزلة أو أعمال منفصلة دون الإشارة إلى بناء الشخصية بكليتها (إن الموضوع الحقيقي للبحث الأخلاقي هو الشخصية الفاضلة أو الشخصية الشريرة، وليس هو الفضائل والرذائل المجردة).

ولا يقل عن ذلك أهميةً — بالنسبة للأخلاق — فكرة التحليل النفساني عن الدوافع التي تصدر عن اللاوعي. وبالرغم من أن هذه الفكرة — في صورتها العامة — ترجع إلى ليبنتز واسبينوزا، إلا أن فرويد قد كان أول من درس الدوافع التي تصدر عن اللاوعي دراسةً تطبيقية عملية وفي تفصيل دقيق؛ ومن ثَم كان هو الذي وضَّح أسس نظرية الدوافع البشرية. إن تطور التفكير الأخلاقي يتميز بأن تقدير القيم فيما يتعلق بالسلوك الإنساني قد صيغ بالإشارة إلى الدوافع التي تختفي وراء الفعل دون الإشارة إلى الفعل ذاته؛ ومن ثَم فإنَّ فهم الدوافع التي تصدر عن اللاوعي يفتح لنا مجالًا جديدًا للبحث الأخلاقي. وقد ذكر فرويد «أنه لا يرسب في اللاوعي ما هو دنيء في الذات فقط، وإنما يرسب فيه أيضًا ما هو سامٍ»، ويُمسي أقوى دافع للعمل، ولا يستطيع البحث الأخلاقي أن يتجاهله.

وبالرغم من الإمكانيات الكثيرة التي يمدنا بها التحليل النفساني لدراسة القيم دراسةً علمية، فإن فرويد ومدرسته لم يستغلوا طريقتهم أكبر استغلال منتج مفيد للبحث في المشكلات الخلقية، بل إنهم في الواقع قاموا بكثير من الخلط في القضايا الكبرى. وينشأ الاضطراب عن موقف فرويد النسبي، الذي يفترض أن علم النفس يمكن أن يعاوننا على فهم الدافع إلى تقدير القيم، ولكنه لا يعيننا على تثبيت صلاحية القيم ذاتها.

إن نسبية فرويد تظهر في جلاء شديد في نظريته عن الذات العليا (الضمير)، وطبقًا لهذه النظرية يمكن أن يكون أي موضوع محلًّا لوخز الضمير إذا كان بالمصادفة جزءًا من الأوامر والنواهي التي ينهى عنها ضمير الأب أو التقاليد الثقافية (والضمير وفقًا لهذه النظرة ليس إلا السلطة الباطنية). إن تحليل فرويد للذات العليا ليس إلا تحليلًا ﻟ «الضمير المتسلط».

ومهما يكن من شيء، فإن موقف فرويد ليس دائمًا نسبيًّا بأية حالة من الحالات. إنه يبدي إيمانًا حارًّا بالحقيقة باعتبارها الهدف الذي ينبغي للمرء أن يجاهد في سبيله، وهو يعتقد في قدرة الإنسان على هذا الجهاد ما دامت الطبيعة قد وهبته العقل، وهو يعبر عن هذه النظرة التي تناقض النسبية تعبيرًا واضحًا في مناقشاته ﻟ «فلسفة الحياة»، وهو يعارض النظرية التي تقول بأن الحق ليس إلا نتيجة لحاجاتنا ورغباتنا؛ لأنها تُصاغ تحت ظروف خارجية متغيرة. وفي رأيه أن مثل هذه النظرية الفوضوية «يتقوض في اللحظة التي يحتكُّ فيها بالحياة العملية». واعتقاده في قوة العقل وقدرته على توحيد البشرية وتحرير الإنسان من قيود الخرافة يتميز بما تتميز به فلسفة عصر النور من عطف وحنان. وهذا الإيمان بالحقيقة ينضوي تحت فكرته عن العلاج بالتحليل النفساني. إن تحليل النفس هو محاولة الكشف عن حقيقة الفرد. وفي هذا الاتجاه يواصل فرويد الفكر التقليدي الذي يعتقد — منذ بوذا وسقراط — في الحق باعتباره القوة التي تجعل الفرد فاضلًا وحُرًّا، أو بتعبير فرويد «صحيحًا». إن الهدف من العلاج بالتحليل هو إحلال العقل (أو الذات) محل الجانب الذي لا يعقل؛ فالموقف التحليلي يمكن تعريفه من هذه الزاوية بأنه الموقف الذي يكرس فيه اثنان — هما المحلل والمريض — نفسيهما للبحث عن الحقيقة. والهدف من العلاج هو إعادة الصحة، والعلاج هو الحق والعقل. وربما كان أقوى تعبير عن عبقرية فرويد هو افتراضه موقفًا يقوم على الصراحة الشديدة في وسط ثقافي تندر فيه مثل هذه الصراحة.

(١-٣) الأخلاق الإنسانية

الأخلاق الإنسانية التي يكون فيها «الخير» مرادفًا ﻟ «خير الإنسان»، و«الشر» مرادفًا ﻟ «شر الإنسان»، تفترض أنَّا لكي نعرف ما هو خير للإنسان لا بد لنا من أن نعرف طبيعة الإنسان (الأخلاق الإنسانية هي العلم التطبيقي ﻟ «فن الحياة» الذي يقوم على أساس «علم الإنسان» النظري). وهنا — كما في أي فن آخر — يكون الامتياز في عمل الإنسان متناسبًا مع مقدار ما يعرفه الفرد عن علم الإنسان ومع مهارة الفرد ومرانه. غير أن الفرد يمكنه أن يستنتج المعايير من النظريات في حالة واحدة فقط، وهي التسليم بأن هناك ناحية معينة من نواحي النشاط ينتقيها المرء، وهدفًا من الأهداف يبغيه. إن الفرض في علم الطب هو أن علاج المرض وإطالة العمر من الأمور المرغوب فيها، فإن لم يكن الأمر كذلك فإن كل قواعد علم الطب تصبح غير ذات موضوع.

إن كل علم تطبيقي يقوم على أساس فرض ينشأ عن عملية الانتقاء، أعني أن تكون الغاية من النشاط مرغوبة. بَيد أن هناك فارقًا بين الفرض الذي ينضوي تحت الأخلاق، والفرض الذي ينضوي تحت الفنون الأخرى. نستطيع أن نتصور ثقافة فرضية لا يريد فيها الناس أن يعيشوا. إن الدافع إلى الحياة كامن في كل كائن عضوي، ولا يسع المرء إلا أن يعيش بغضِّ النظر عما يود أن يعتقد في هذا السبيل.٢ إن الخيار بين الحياة والموت أمرٌ ظاهري وليس حقيقة من الحقائق. أمَّا الخيار الحقيقي عند الإنسان فهو بين الحياة الطيبة والحياة السيئة.

ومن الشائق هنا أن نتساءل: لماذا فقد زماننا فكرة «الحياة كفن من الفنون»؟ فالظاهر أن الإنسان الحديث يعتقد أن القراءة والكتابة من الفنون التي تُتعلم، وأنه لكي يصبح المرء مهندسًا معماريًّا، أو مهندسًا ميكانيكيًّا، أو عاملًا ماهرًا، لا بد له من قدر كبير من الدراسة، ولكنه يعتقد أن «العيش» أمر من السهولة بمكان بحيث لا يحتاج إلى جهد معين لكي يؤدي. ولأن كل إنسان «يعيش» بطريقة ما، تُعتبر الحياة أمرًا يعد فيه كل فرد خبيرًا. ولقد أتقن الإنسان فن الحياة إلى حد ما، ولكن فقدانه الإحساس بصعوبته لا يُعزى إلى ذلك. ومن الواضح أيضًا أن هذا الأمر لا يفسره كذلك ما يسود الناس من فقدان للمتعة الحقيقية والسعادة الصادقة اللتين يمكن أن يستمدهما من عملية الحياة ذاتها؛ ذلك أن المجتمع الحديث — بالرغم من كل ما يؤكده عن أهمية السعادة والفردية والمصلحة الذاتية — قد علَّم الإنسان أن سعادته (وإذا جاز لنا أن نستعمل اصطلاحًا دينيًّا قُلنا خَلاصه) ليست هي الهدف من الحياة، وإنما هدفها أداء واجبه نحو العمل أو نجاحه؛ فالمال والمركز الاجتماعي والنفوذ باتت هي دوافعه وغاياته، وهو يعمل متوهمًا أن نشاطه يعود بالنفع على مصلحته الذاتية، ولكنه في الواقع يخدم كل شيء إلا مصالح نفسه الحقيقية، كل شيء يهمه إلا حياته وفن الحياة. إنه لكل شيء، ولكن ليس لنفسه.

وإذا كانت الأخلاق تؤلف مجموعة الأنماط التي تؤدي إلى التفوق في ممارسة فن الحياة، فلا بد أن تصدر قواعد الأخلاق العامة عن طبيعة الحياة عامة والوجود البشري خاصة. وطبيعة الحياة كلها — على وجه عام — هي أن تحتفظ بوجودها وتؤكد؛ فلدى كل كائن عضوي ميلٌ كامن نحو الاحتفاظ بوجوده. ومن هذه الحقيقة افترض علماء النفس وجود «غريزة» حفظ الذات. إن أول «واجب» للكائن العضوي هو أن يحيا.

و«بقاء الإنسان حيًّا» فكرة ديناميكية وليست فكرة استاتيكية ثابتة (والوجود والكشف عن القوى الخاصة للكائن العضوي أمر واحد). ولدى كل كائن عضوي ميلٌ كامن إلى إخراج إمكانياته الخاصة إلى حيز الواقع؛ وإذَن ﻓ «الهدف من حياة الإنسان» يجب أن يُفهَم على أنه الكشف عن قواه طبقًا لقانون طبيعته.

غير أن الإنسان لا يوجد وجودًا «عامًّا»، فهو يشترك مع جميع أعضاء جنسه في لب الصفات الإنسانية، ولكنه — مع ذلك — دائمًا مفرد، أو وحدة فذَّة، يختلف عن كل فرد آخر. وهو يختلف فيما يتصف به من مزيج خاص من الشخصية والمزاج والمواهب والميول كما يختلف في أطراف أصابعه، ولا يستطيع أن يؤكد إمكانياته البشرية إلا بتحقيق فرديته. إن واجب المرء أن يحيا هو نفسه واجبه في أن يكون نفسه، وأن يتطور إلى الفرد الذي تكمن فيه بذرته.

وخلاصة القول «أن الخير في الأخلاق الإنسانية هو تأكيد الحياة، والكشف عن قوى الإنسان، والفضيلة هي المسئولية إزاء وجوده ذاته»؛ والشر يتألف من العوامل التي تفل من قوى الإنسان، والرذيلة هي استهتار المرء إزاء ذاته. وهذه هي القواعد الأولى للأخلاق الموضوعية للإنسانية.

(١-٤) التوجيه المنتج

إن الفرض بأن الإنسان لديه دافع نحو النمو والتكامل لا يترتب عليه أن يكون لديه دافع إلى الكمال على اعتبار أن هذا الدافع هبة خاصة خُص بها الإنسان، إنما يصدر هذا الدافع عن طبيعة الإنسان ذاتها، عن المبدأ الذي يقول ﺑ «أن القدرة على العمل تخلق الحاجة إلى استخدام هذه القدرة، وأن الفشل في استخدامها ينتهي بشلِّ العضو عن أداء وظيفته وبالبؤس والشقاء.» ويمكن أن نتبين صحة هذا المبدأ بسهولة بالنسبة إلى وظائف الإنسان الفسيولوجية. الإنسان لديه القدرة على المشي وعلى الحركة، فإذا ما حيل بينه وبين استخدام هذه القدرة نشأ عن ذلك المرضُ أو عدم الارتياح البدني. ولدى المرأة القدرة على حمل الأطفال وإرضاعهم، فإذا ما لبثت هذه القدرة بغير استخدام، وإذا لم تصبح المرأة أمًّا، وإذا هي لم تستطِع أن تنفق قدرتها على حمل الأطفال ومحبتهم، شعرت بخيبة الأمل الذي لا يمكن علاجه إلا بزيادة إدراكها لقدراتها في ميادين حياتها الأخرى. وقد نبَّه فرويد إلى نوع آخر من عدم الإنفاق كسبب من أسباب الألم وهو الطاقة الجنسية، وذلك حينما أدرك أنَّ كبت هذه الطاقة قد يكون سببًا في الاضطرابات النورستانية. وربما بالَغ فرويد في تقدير أهمية الإشباع الجنسي، إلا أن نظريته تعبير «رمزي» عميق عن هذه الحقيقة، وهي أن فشل الإنسان في استخدام ما لديه وفي إنفاقه هو السبب في بعض الأمراض وأسباب البؤس والشقاء. إن صحة هذا المبدأ تظهر فيما يتعلق بقدرات المرء النفسية، كما تظهر فيما يتعلق بقدراته البدنية. إن عند الإنسان قدرةً طبيعية على الكلام وعلى التفكير، فإذا ما كُبتت هذه القدرات أُصيب صاحبها بضرر بالغ. ولدى الإنسان قدرة على الحب، وإذا هو لم يستطِع أن يستخدم هذه القوة، وإذا ما عجز عن الحب، عانى من هذه المأساة التي حلَّت به حتى إن هو حاول أن يتجاهل آلامه بكل أنواع التبرير أو بالتجائه إلى مخارج الهروب من الألم الذي ينجم عن فشله؛ تلك المخارج التي اتخذت لها صيغًا ثقافيةً معروفة.

والسبب في أن ظاهرة عدم استخدام المرء لقدراته تنتهي ببؤسه يكمن في ظروف الوجود البشري نفسه. إن وجود الإنسان يتميز بانقسام وجودي؛ فهو لا يجد سبيلًا إلى الاتحاد بالعالم وإلى أن يتحد مع نفسه في آن واحد، لا يجد سبيلًا إلى الاتصال بغيره وإلى أن يحتفظ بكمال نفسه وباعتباره وحدةً فذَّة، لا يجد سبيلًا إلى ذلك إلا باستخدام قواه استخدامًا منتجًا؛ فإذا هو فشل في ذلك فلن يستطيع أن يحقق الانسجام والتكامل الباطني، وانقسم وتمزق، واضطر إلى الفرار من نفسه، ومن الشعور بالتخاذل، والملل والعجز، وهي نتائج لفشله لا مناص منها. ولما كان الإنسان حيًّا، فلا يسعه إلا أن يرغب في الحياة، والوسيلة الوحيدة التي يستطيع بها أن يفلح في حياته هي استخدام قدرته والإنفاق مما لديه.

ونستطيع أن نفهم معنى «التفكير المنتج» فهمًا مبدئيًّا بالنظر إلى الفرق بين العقل والذكاء.

الذكاء هو أداة الإنسان لبلوغ الأهداف العملية، بقصد الكشف عن تلك الأوجه من الأشياء التي تُعتبر معرفتها ضروريًّا لتناولها. أمَّا الهدف نفسه — أو بعبارة أخرى — المقدمات التي يرتكز عليها التفكير «الذكي» فليست موضع الجدل، وإنما يسلم بها، وقد تكون وقد لا تكون معقولة في حد ذاتها. وهذه الصفة الخاصة التي يتصف بها الذكاء يمكن أن تُشاهَد بوضوح في حالة من حالات الشذوذ، وهي حالة المخبول؛ فقد يبدأ تفكيره مثلًا بأن الناس جميعًا يتآمرون ضده، وهي مقدمة للتفكير خاطئة غير معقولة. ولكن عملياته الفكرية المبنية على هذه المقدمة قد تنمُّ في حد ذاتها عن قدر كبير من الذكاء، وهو في محاولته أن يُبرهِن على موضوع خبله يربط بين الملاحظات ويكون التراكيب المنطقية، التي كثيرًا ما تبلغ من التماسك حدًّا يتعسر معه التدليل على ما في المقدمة من خطأ عقلي. وتطبيق مجرد الذكاء على مختلف المشكلات لا ينحصر بطبيعة الحال في أمثال هذه الظواهر المرضية. إن أكثر تفكير يتعلق حتمًا بتحقيق نتائج عملية، يتعلق بأوجه الظواهر الكمية و«السطحية» دون البحث في صحة الأهداف والمقدمات التي تنطوي عليها، ودون محاولة فهم طبيعة الظواهر ونوعها.

أمَّا العقل فينطوي على بُعد ثالث، هو العمق الذي يبلغ جواهر الأشياء والعمليات. وإذا كان العقل لا ينفصل عن أهداف الحياة العملية (وسوف أبيِّن فيما بعدُ بأي معنًى يصدق هذا القول) إلا أنه ليس مجرد آلة للعمل المباشر. إن وظيفته هي المعرفة، والفهم، والإدراك، وربط المرء بالأشياء عن طريق إدراكها، وهو ينفُذ خلال ظواهر الأمور لكي يكشف عن جواهرها، وعلاقاتها الخفية ومعانيها العميقة و«منطقها». ويمكن أن يُقال إن العقل لا يُحَد ببُعدَين اثنين، وإنما «يحيط بجميع النواحي» — على حد اصطلاح نيتشه — أي إنه يرى كل الأوجه التي يمكن تصورها ويرى جميع الأبعاد، ولا يقف عند حدٍّ ما له صلة عميقة. وليس معنى الاهتمام بجواهر الأمور الاهتمام بشيء «وراء» الأمور، وإنما معناه الاهتمام بالضروري والنوعي والعالمي، وبأعم صفات الظواهر وأشملها، متحررةً من أوجهها السطحية والعارضة (التي ليست لها صلة منطقية).

العقل نعمة الإنسان، وهو أيضًا نقمته. إنه يرغمه على أن يكافح إلى ما لا نهاية في سبيل حل مشكلة لا تحل، هي مشكلة الانقسام. والوجود البشري يختلف من هذه الناحية عن جميع الكائنات العضوية الأخرى، فهو في حالة دائمة من حالات عدم التوازن التي لا مفر له منها. إن حياة الإنسان لا يمكن أن «تُعاش» بتكرار نمط نوعه، وإنما ينبغي له «هو» أن يعيش. الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يمكن أن «يمل» ويمكن أن «يسخط»، والذي يمكن أن يشعر بطرده من الجنة. الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يكون وجوده الشخصي مشكلة عليه حلها، وليس بوسعه أن يتحاشاها، إنه لا يستطيع العودة إلى حالة ما قبل البشرية التي سادها الانسجام مع الطبيعة، ولا بد له من مواصلة تطوير عقله حتى يصبح سيد الطبيعة وسيد نفسه.

لقد خلق ظهور العقل عند الإنسان انقسامًا في نفسه يرغمه على النضال إلى الأبد في سبيل إيجاد حلول جديدة. وإن الحركة الدائمة في تاريخه هي من ضرورات وجود العقل اللازمة التي تدفعه إلى أن ينشئ وأن يطور عالمًا خاصًّا به يشعر فيه بالطمأنينة مع نفسه ومع زملائه. وكل مرحلة يبلغها الإنسان تتركه ساخطًا متحيرًا، وهذه الحيرة عينها تحثُّه على السير نحو حلول جديدة. ليس عند الإنسان «دافع إلى التقدم» طبيعي، وإنما التناقض في وجوده هو الذي يجعله يسير على الطريق الذي رسمه. لما فقد الإنسان الفردوس، أو فقد وحدته مع الطبيعة، انقلب إلى متجول دائم التجول (أوديسيس، وأوديب، وإبراهيم، وفاوست). واضطر إلى السير قُدمًا بجهد لا يني لكي يجعل المجهول معلومًا، يملأ ما في معرفته من فراغ بالإجابات والحلول، لا بد أن يبرر لنفسه نفسه، ومعنى وجوده. وهو مدفوع إلى التغلب على هذا الانقسام الداخلي، يؤرق جنبَيه التشوقُ إلى «التجرد» إلى نوع آخر من الانسجام يزيح عنه النقمة التي فصلته عن الطبيعة، وعن زملائه، وعن نفسه.

(١-٥) الإيمان كصفة من صفات الشخصية

ليس الإيمان من الآراء التي تتلاءم مع الجو العقلي الذي يسود العالم في الوقت الحاضر. إن الإنسان يربط عادةً بين الإيمان وبين الله والعقائد الدينية؛ على اعتبار أن هذا يتناقض مع التفكير العقلي والتفكير العلمي؛ إذ المفروض أن هذا التفكير يشير إلى مجال الوقائع، الذي يتميز عن المجال الذي يجاوز الوقائع، والذي لا يجد التفكير العلمي له محلًّا فيه، حيث يسود الإيمان وحده. ويرى كثير من الناس أن هذا التقسيم اعتباطي لا يمكن الدفاع عنه؛ فإذا كان الإيمان لا يتفق مع التفكير العقلي فلا بد من استبعاده باعتباره بقيةً بائدة متخلفة من المراحل الأولى للثقافة، ولا بد من أن يحل محله العلم الذي يعالج الوقائع والنظريات التي يمكن فهمها ويمكن التدليل على صحتها.

وهذه النظرة الحديثة إلى الإيمان جاءت بعد نضال طويل المدى ضد سلطة الكنيسة وادعائها حق السيطرة على أي لون من ألوان التفكير؛ ومن ثَم فإن الشك فيما يتعلق بالإيمان يرتبط بتقدم العقل نفسه. غير أن هذا الجانب البنَّاء من جوانب الشك الحديث له جانب آخر يقابله، وقد أهمله الناس.

إن إنعام النظر في بناء شخصية الإنسان الحديث والعلاقات الاجتماعية المعاصرة يؤدي بنا إلى أن ندرك أن انعدام الإيمان السائد المنتشر على مدًى فسيح لم يعد له الوجه التقدمي الذي كان له منذ أجيال. كان النضال ضد الإيمان في تلك العصور السحيقة نضالًا في سبيل التحرر من القيود الروحية، كان نضالًا ضد الاعتقاد الذي لا يستند إلى عقل، وكان تعبيرًا عن الثقة في عقل الإنسان وفي قدرته على إقامة نظام اجتماعي تحكمه مبادئ الحرية والمساواة والإخاء. أمَّا اليوم فإن انعدام الإيمان إنما هو تعبير عن اليأس والاضطراب الشديد. كان الشك وكان التعليل العقلي في وقت من الأوقات قوًى تقدمية تعمل على تطوير الفكر، أمَّا اليوم فهما تبرير لنسبية الفكر وعدم الثقة. وقد أمسى الاعتقاد في أن ازدياد جميع الوقائع سيؤدي حتمًا إلى معرفة الحقيقة خرافة من الخرافات؛ فالحقيقة نفسها يُنظر إليها — في بعض الأنحاء — على أنها صورة ذهنية ميتافيزيقية، وواجب العلم ينحصر في جمع المعارف. إن وراء اليقين العقلي المزعوم شكًّا عميقًا يعد الناس لقبول أية فلسفة تُفرَض عليهم أو للتوافق مع هذه الفلسفة.

هل يستطيع الإنسان أن يعيش بغير إيمان؟ وهلا ينبغي للرضيع أن «يجد الإيمان في صدر أمه»؟ وهلا ينبغي لنا جميعًا أن نؤمن بزملائنا، وبأولئك الذين نحب وبأنفسنا؟ هل نستطيع أن نعيش بغير إيمان في صحة أنماط معينة من الحياة؟ حقًّا إن الإنسان بغير إيمان يمسي عقيمًا، يائسًا، خائفًا في أعماق نفسه.

إن تاريخ العلم مليء بأمثلة من الإيمان في العقل ورؤية الحق. كان كوبرنكس وكبلر وجاليليو ونيوتن متشبعين بإيمان لا يتزعزع في العقل؛ ومن أجل هذا أحرق برونو، وعانى اسبينوزا من نقمة الكنيسة عليه وحرمانه منها. إن «الإيمان» ضروري في كل خطوة من تخيُّل الصورة العقلية إلى صياغة النظرية؛ الإيمان بالصورة باعتبارها هدفًا سليمًا من الناحية العقلية تنبغي متابعته، والإيمان بالفرض باعتباره رأيًا محتمل الصدق معقولًا، والإيمان بالنظرية النهائية، على الأقل، حتى نبلغ مرحلة الإجماع العام في صحتها. إن هذا الإيمان تمتد جذوره إلى خبرة الفرد، وإلى ثقته في قدرته على التفكير، والملاحظة والحكم. وإذا كان الإيمان الذي لا يستند إلى العقل هو قبول أمر من الأمور على اعتبار أنه صادق لسبب واحد فقط، وهو أن سلطة من السلطات — أو أكثرية الناس — تقول به، فإن الإيمان الذي يستند إلى العقل تمتد جذوره إلى العقيدة المستقلة التي تقوم على أساس الملاحظة والتفكير المنتج للفرد.

وليس التفكير والحكم وحدهما هما ميدان التجربة الذي يظهر فيه الإيمان الذي يستند إلى العقل؛ فإن الإيمان — في مجال العلاقات الإنسانية — صفة لا غِنى عنها لأية صداقة أو محبة لها أهميتها؛ فإيمانك بشخص ما معناه ثقتك في الاعتماد عليه وفي ثباته على اتجاهاته الأساسية، وثقتك في لب شخصيته. ولست أعني بهذا أن الشخص قد لا يَعدِل عن آرائه، وإنما أعني أن دوافعه الأساسية تبقى كما هي، وأن تقديره — مثلًا — لكرامة الإنسان واحترامه لها جزء من نفسه، لا ينحرف ولا يتغير.

وبنفس هذا المعنى عندنا إيمان بأنفسنا، فنحن على وعي بوجود نفس، بوجود لب في شخصيتنا لا يقبل التغير، ويبقى ثابتًا خلال حياتنا برغم تغير الظروف وبغضِّ النظر عن بعض التغيرات التي تتناول الآراء والمشاعر، هذا اللب هو الحقيقة التي تكمن وراء كلمة «أنا»، والتي على أساسها تقوم الثقة في تحقيق الشخصية. وما لم يكن لدينا إيمان في ثبات النفس تزعزعَ شعورنا بتحقيق ذاتيتنا، وأصبحنا نعتمد على غيرنا من الناس الذين تصبح عندئذٍ مصادقتهم أساسَ شعورنا بإدراك ذواتنا. ولا يستطيع أن يخلص للآخرين إلا من كانت له بنفسه ثقة؛ لأنه وحده يستطيع أن يثق بأنه سوف يكون هو بعينه في المستقبل كما هو اليوم، ومن ثَم يُحس ويعمل كما يتوقع الآن أن يفعل. إن ثقة المرء بنفسه شرط من شروط قدرتنا على الوعد بأمر ما. وما دام الإنسان — كما أشار نيتشه — يمكن أن يعرف بقدرته على الوعد، كان ذلك شرطًا من شروط الوجود البشري.

ومعنًى آخر من معاني توافر الإيمان بشخص ما يتعلق بما لدينا من إيمان بإمكانيات الآخرين، وبإمكانياتنا، وإمكانيات البشرية. وأبسط صورة يوجد عليها هذا الإيمان هي الإيمان الذي يتملك الأم إزاء وليدها الجديد، إيمانها بأنه سوف يعيش وينمو ويمشي ويتكلم. ومهما يكن من شيء فإن نمو الطفل بهذا المعنى يحدث بدرجة من الانتظام تجعل توقُّع حدوثه بغير حاجة إلى الإيمان فيما يبدو. غير أن الأمر يختلف عن ذلك فيما يتعلق بالإمكانيات التي قد لا تنمو، ومن ذلك قدرة الطفل الكامنة على أن يحب، وأن يكون سعيدًا، وأن يستخدم عقله، والإمكانيات الأخرى الأخص من هذه مثل المواهب الفنية؛ فهي البذور التي تنمو وتزدهر إذا توافرت لها الظروف الملائمة لنموها، والتي تذوي إذا لم تتوافر هذه الظروف. ومن أهم هذه الظروف أن يكون عند الأشخاص ذوي الأهمية في حياة الطفل إيمان بهذه الإمكانيات، ووجود هذا الإيمان هو الذي يحدد الفارق بين التربية ومجرد تناول الطفل؛ فالتربية معناها معاونة الطفل على أن يحقق إمكانياته، ونقيض التربية هو مجرد التناول، الذي يرتكز على أساس انعدام الإيمان بنمو الإمكانيات، وعلى الاعتقاد بأن الطفل لا يستقيم إلا إذا زوَّده الكبار بما يحبون، ومنعوه مما يبدو لهم غير محبوب، وليست بنا حاجة إلى الإيمان بالإنسان الآلي ما دام ليس به حياة.

والإيمان بالآخرين يبلغ ذروته في الإيمان بالجنس البشري. وقد عبَّر أهل الغرب عن هذا الإيمان بطريقة دينية في العقيدة اليهودية المسيحية، أمَّا من الناحية الدنيوية فقد التمس هذا الإيمان أقوى تعبير له في الآراء السياسية والاجتماعية التقدمية خلال الأعوام المائة والخمسين الماضية. وهذا الإيمان بالبشرية — كالإيمان بالطفل — يستند إلى الرأي الذي يقول بأن إمكانيات الإنسان مهيَّأة على صورة تجعلها قادرة على بناء نظام اجتماعي تتحكم فيه مبادئ المساواة والعدالة والمحبة، إذا توافرت لها الظروف الملائمة. ولم يتمم الإنسان بعدُ بناء مثل هذا النظام الاجتماعي؛ ولذلك فإن الثقة بأنه يستطيع بناءه تحتاج إلى الإيمان. وهذا الإيمان — ككل إيمان عقلي آخر — ليس أمنية من الأماني، ولكنه يقوم على دليل ما أنجزه الجنس البشري في الماضي، وعلى التجربة الباطنية لكل فرد، على ممارسته للعقل والمحبة.

إن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بغير إيمان، والنقطة الهامة لجيلنا وللأجيال القادمة هي: هل يكون هذا الإيمان إيمانًا غير معقول بالقادة، والآلهة، والنجاح، أو إيمانًا معقولًا بالإنسان يستند إلى ممارستنا لنشاطنا المنتج الخاص؟

المصادر

كل المختارات في هذا الفصل مقتطَفة من كتاب «الإنسان لنفسه» لإريك فروم.
١  قام المترجم بنقل هذا الكتاب إلى اللغة العربية.
٢  ولا يتنافى الانتحار كظاهرة مرضية مع هذه القاعدة العامة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤