مُعاهدة ١٩٣٦١

نُشرت بالعدد الثالث من السنة الثالثة لمجلة دار العلوم عام ١٩٣٧م

تقديم

يصدر هذا الجزء من صحيفة دار العلوم، وقد حقق الله لمصر ما كانت ترجوه، وتجاهد في سبيله جهاد الكماة في حومة الوغى — ألا وهو الاستقلال الذي كانت تصبو إليه النفوس وتتجه الآمال — وانتهى ذلك الكفاح، الذي طال أمده بين دولة قوية تملأ جنودها البر وسفنها البحر وطيرانها الفضاء، وبين مصر الفتية الناهضة، التي لم يكن لأبنائها من عدة، سوى ما يعمر قلوبهم من إيمان ثابت وعقيدة راسخة بأن من حقهم الطبيعي أن يعيشوا أحرارًا، كما خلقهم الله أحرارًا، أو يموتوا كرامًا بين طعن القنا وخفق البنود.

ففي سبيل مصر تلك الدماء الزكية التي خضبت الأرض، وفي ذمة الله تلك الأرواح الطاهرة، التي قدمها شباب الوادي فداء للوطن العزيز.

لقد استقلت مصر فشملها الفرح وعمها السرور، ولم ينس أبناؤها الأمجاد — وهم في نشوة النصر — ما للزعماء عليهم من حق، فقاموا يتناقشون في صنوف التكريم، ويتخذون مظاهر شتى لتقديرهم، والاعتراف لهم بكل ما قدموا من خير لبلادهم.

وكان من أروع حفلات التكريم، تلك الحفلة التي أقامها الموظفون لحضرة صاحب المقام الرفيع الرئيس الجليل مصطفى النحاس باشا وصحبه المخلصين، الذين أبلوا في سبيل الاستقلال بلاءً حسنًا، فقد جمعت الحفلة جمهرة من خيرة المثقفين في مصر، وكان لأبناء دار العلوم حظ في اشتراك جمهورهم فيها، وكان لشاعرهم الفذ، الأستاذ علي الجارم بك، المفتش الأول للغة العربية في وزارة المعارف قصيدة من أمهات القصائد، عبر فيها عما يكنون بين جوانحهم من وطنية صادقة، وتقدير للعاملين لخير الوطن من رجالات مصر، وإن مصر لتبدأ هذا العهد الجديد بقلب فتي وهمة وثابة، وهي ترقب من جميع أبنائها أن يشدوا العزائم، ويؤدوا للوطن ما يرفع شأنه ويعلي مكانته.

وإننا — معشر المعلمين — لنعاهد الوطن على أن نسير في إعداد الجيل الحاضر إعدادًا أساسه التفاني في حب الوطن والإخلاص لأهله والعمل لخيرهم جميعًا.

وهذه قصيدة صاحب العزة الأستاذ الكبير علي الجارم بك ننشرها في صدر الصحيفة:

أبَتْ أعلامُ مَجْدِكَ أنْ تُسَامَى
وعَزَّتْ هِمةٌ لكَ أنْ تُراما٢
تُحَلِّقُ للنجومِ فتَعتليها
وتَبْغِي فَوقَ دَارتِها مَقاما٣
بَعثْتَ الشَّرْقَ يَبْسُط ساعِديْه
وَيمسَحُ عن مَحاجِرِه المناما٤
تمرُّ بصخرهِ الأهوالُ حَسْرَى
وتَخْشى الحادثاتُ به اصطداما
وصَارتْ مصرُ قِبلةَ كُلِّ شَعْبٍ
وقامَ المصطفى فيها إماما
على دِينٍ من الأخلاقِ سَمْحٍ
ورأيٍ ساطعٍ يمحو الظلاما
وعزمٍ لو رمى جَنَبَاتِ رضوَى
لَدُكَّ الطَّودُ وانهدمَ انهداما٥
تطوفُ به الحوادثُ صاغِراتٍ
فتُغْضِي أعْيُنًا وتخرُّ هاما٦
نضاهُ الله يومَ نضاهُ عَضْبًا
يردُّ مَضاؤُهُ الجيشَ اللُّهاما٧
يُصاحِبُه من الإيمَانِ قَلْبٌ
ونَصْرُ اللهِ يتبعُه لِزاما
ويَصْقُله الصِّدامُ المُرُّ حتى
ظنَنا أنّه يَهْوَى الصِّداما
وكَمْ في الناس مِنْ سَيْفٍ صَقيلٍ
تَراهُ — إذا دعا الداعي — كَهاما٨

•••

نَهَضْتَ بمطْلَبٍ وَعْرٍ جَسيمٍ
فنِلْتَ بنَيلهِ الشَّرَفَ الجُسَامَا
تَخُوضُ له الصِعابَ الصُّمَّ خَوْضًا
وتَقْتَحِمُ الخطوبَ لهُ اقتحاما
وتزأرُ دُونَه زَأْرَ ابنِ غابٍ
أبِيٍّ أنْ يُسَاوَمَ أو يُسَاما٩
ومَنْ كالمصطفى للحقِّ رِدْءًا
إذَا الرِّعديدُ دونَ الحقِّ ناما؟١٠
ومَنْ طَلَبَ العُلا في اللهِ ألْقَى
إليهِ شامِسُ الدَّهرِ الزِّماما١١

•••

جَفَا الدُّنيا، وهامَ بحُبِّ مِصرٍ
هُيامًا أَلْهَمَ الصَّبَّ الهياما١٢
تلوذُ به، فيكلؤُها كَرَيمًا
وتَرْجوهُ، فينصُرُها هُماما١٣
وينفَحُ دونَها في الحَقِّ سَيفًا
ويَهْمِي في مرابِعها غماما١٤
محامِدُ، لو حَواها الشعرُ رَقَّتْ
حواشي الشعرِ، وانسجمَ انسجاما
وآمالٌ، يُتَوَّجُ مُبتغاها
تمامٌ، عَلَّم البدرَ التماما
لقدْ ضاقَ الحسودُ بما يُلاقي
ومَنْ ذا يكشِفُ الداءَ العُقاما؟١٥
وما عَيْبُ الضِياء وقد تجَلَّى
إذا عَمِيَ المُكابِرُ، أو تَعامى؟
إذا اعتصمَتْ بحبلِ اللهِ نَفْسٌ
دَنا الغرضُ البعيدُ وقَدْ ترامى١٦
وذُلِّلتِ السبيلُ، ودَانَ طَوْعًا
من الآمالِ أصْعَبُها مَراما١٧
ومِنْ كَرمِ النفوسِ تَرى نُضارًا
ومِنْ هَوْن النفوسِ تَرى رُغَاما١٨
ورُبَّ فَتًى كصدرِ الرُّمْحِ صُلْبٍ
وآخرَ خائرٍ يَحكي الثُّماما١٩
ومَنْ خَلَق الضّراغِمَ واثباتٍ
إلى عَزَمَاتها خَلَقَ النَّعاما!٢٠
زَعيمَ الشَّعْبِ، أنتَ لهُ رَجاءٌ
إذا ما أشجَعُ الأبطالِ خَامَا٢١
دَعَتْ مصرٌ، فكُنْتَ لها جوابًا
وَكُنتَ لِصَوْن وَحْدَتِها عِصاما٢٢
رَعَيْتَ حُقوقَها وَدَفَعْتَ عَنْها
ومَنْ كالمصطفى يَرْعى الذِّماما؟٢٣
وحامَتْ حَوْلَكَ الآمالُ نَشْوَى
كطيرٍ دَفَّ في رَوْضٍ وحاما٢٤
وأصبَحَ عَهْدُكَ الزاهي سَلامًا
يَرِفُّ فلا نِفَارَ ولا خِصاما٢٥
تَوَطَّدَتُ العقيدَةُ واطمأنتْ
فلا صَدْعًا نَخافُ ولا انقساما٢٦
وعادَ لمصر ماضيها مجيدًا
وقامَ العدلُ في مصر قِياما
بَنَيْتَ فكان حينَ بَنيْتَ أُسًّا
وأَرْسَيتَ القواعِدَ والدِّعاما٢٧
رأيتُ لكُلِّ مَمْلَكَةٍ نِظامًا
ولا كالعَدْلِ في الدُّنْيا نِظاما

•••

رَعاكِ اللهُ، قَدْ أرْضَيْتَ سَعْدًا
وكُنْت لفَوْزِ دَعْوَتِهِ قِواما٢٨
يُمِدُّك مِنْهُ رُوحٌ عَبْقَرِيٌّ
ويَنْفُثُ فيكَ رَأْيًا واعْتِزاما٢٩
خَلِيفَتهُ، وقائِدُ تابِعيهِ
إلى أنْ يَبْلُغَ المجْدُ السَّناما٣٠
تُرفْرفُ رُوحُ سَعْدٍ منْ عُلاها
عَلَيكَ وتَمْلأُ الدُّنيا ابتساما
سَلَكْتَ سَبيلَه شِبْرًا فَشبْرًا
تُقاسِي وَعْرَها عَامًا فعاما٣١
تُلاقيكَ الصِّعابُ فَلا تُبالي
أَمَاءً خُضْتَ فيهِ، أمْ ضِراما٣٢
فما ثَلَمَتْ لَكَ الأحداثُ سَيْفًا
ولا حَطَمَتْ لكَ الدُّنْيا سِهاما٣٣
ومَنْ عَقَدَ الإلهُ لهُ لواءً
فلسْتَ تَرى لعُقْدتِه انفصاما٣٤

•••

وحَوْلكَ مِنْ صِحَابِكَ كُلُّ نَدْبٍ
عَيُوفٍ أن يُضِيمَ وأَنْ يُضَاما٣٥
نَسيمُ خَمِيلةٍ، والجوُّ صَحْوٌ
وعاصِفَةٌ، إذا ما الجوُّ غَامَا٣٦
يَسيرُ لِقَصْدِهِ النَائي إمَامًا
إذا لم يُلْفَ سَبَّاقٌ أَمَامَا٣٧
شَمائِلُ لو وَعاها الحِسُّ كَانَتْ
عبيرَ المِسْكِ أو رِيحَ الخزامى٣٨
صِحَابُ المصطَفَى وَرِجَالُ سَعْدٍ
مَقَامٌ لَا يُنَالُ ولا يُسَامَى!٣٩

•••

نَزَلْتَ بِلُنْدُنٍ، فَرَأَوْا كريمًا
أبِيًّا، قَادَ أَبْطالًا كِرامًا٤٠
بَليغًا صمْتُهُ، والصَّمْتُ حَزْمٌ
وسَحْبانًا، إذا ارْتَجَل الكَلَاما٤١
فَكمْ في غُمّةٍ ألقى ضِياءً
وَكَمْ عَنْ حُجّةٍ كَشفَ اللِّثاما٤٢
لَهُ مِنْ قُوَّةِ الرحمنِ رُكْنٌ
يَلوذُ بِهِ اعتِزازًا واعتِصاما٤٣
رَأَوْا كَرَمَ النِّضَالِ فأكبَرُوه
وكانوا خَيرَ مَنْ قَدَرَ الأَنَاما٤٤
ونالتْ مِصْر الاستقلالَ طَلْقًا
وطَوَّحَت المقاودَ والخِطاما٤٥
وصارَ القولُ في جَهْرٍ حَلالًا
وكانَ الهمْسُ في سِرٍّ حَراما
ولولا المصطفى لم تَحْظَ مِصْرُ
ولا بَلَّتْ مِنَ الأمَلِ الأواما٤٦

•••

مُعاهَدةُ الصَّداقةِ والتآخي
غَدَتْ لجهودِكَ العُظْمَى وِساما
رَفَعْتَ بِها عَن الأعناقِ نِيرًا
ومزَّقْتَ الغمائمَ والكماما٤٧
وسابَقْتِ الممالِكَ مِصرُ وَثْبًا
إلَامَ تَظَلُّ وانيةً إلاما؟٤٨
تَعالى اللهُ هَذا فَضْلُ رَبِّي
كَشَفْتَ به عَن الفتحِ القَتاما٤٩
وكُلُّ عَظائِم التاريخ رَهنٌ
إلى أَنْ يَسْتَخيرَ لَها العظاما٥٠
ولا يَحْظَى بنيلِ المجدِ إلَّا
فتًى هَجَرَ الملالةَ والسآما٥١
سِجلُّ الفَضْلِ كُنتَ له ابتداءً
وصُحْفُ النُّبْلِ كُنْتَ لها خِتاما
صِفاتُكَ أَعْجَزَتْ شِعْرِي، وفَخرٌ
لمِثلي أنْ يَلم بها لماما٥٢
بَقَيْتَ لصَرْحِ الاستقلالِ رُكْنًا
ودُمْتَ لرفْعِ رايتهِ، وَدَاما٥٣

هوامش

(١) وهي اتفاقية «مونترو» التي أبرمها مصطفى النحاس باشا، عندما كان رئيسًا لوزراء مصر عام ١٩٣٦م. بين مصر وإنجلترا ثم قام بإلغائها عندما كان رئيسًا لوزراء مصر عام ١٩٥١م.
(٢) تسامى: تصل إلى مستواها في الرفعة والسمو. ترامى: يريدها وينالها أحد.
(٣) تحلق: تصل إلى علو النجوم.
(٤) يبسط: يمد. محاجره: كناية عن عيونه.
(٥) رضوى: جبل شهير بالحجاز. الطود: الجبل العظيم.
(٦) تغضي: يخفض من نظره فلا يتمكن من الرؤيا. تحر: تسقط وتنكسر. هاما: قمم.
(٧) نضاه: جرده من قرابه. عضبا: كناية عن القوة. مضاؤه: سلاحه الحاد.
(٨) صقيل: مصقول، قوي حاد. كهاما: كناية عن التفتت والاندثار.
(٩) زأر: الزئير صياح الأسد. ابن غاب: الأسد.
(١٠) ردءًا: مدافعًا وحاميًا. الرعديد: الجبان.
(١١) شامس: الصعب. الزماما: المقود.
(١٢) جفا: خاصمها. الصب: المحب.
(١٣) تلوذ به: تلجأ إليه. فيكلؤها: يرعاها.
(١٤) ينفح عنها: يدفع عنها الأذى. يهمي: يمطر: مرابعها: ربوعها. غماما: مطرًا.
(١٥) الداء العقاما: المرض شديد الخطر العسير على الشفاء.
(١٦) ترامى: بعد.
(١٧) السبيل: الطريق. دان: قرب. طوعًا: طائعًا. مراما: هدفًا وغاية.
(١٨) نضارا: ذهبًا. رغاما: ترابا.
(١٩) صدر الرمح: أول شيء في الرمح. خائر ضعيف. يحكي: يشابه. الثمام: نبت ضعيف له حوض أو شبيه بالحوض.
(٢٠) الضراغم: الأسود.
(٢١) خاما: مثل الخامة من الزرع تميلها الريح مرة هكذا ومرة هكذا أي: صيرته ضعيفًا.
(٢٢) عصاما: ما يعتصم به وملجأ وملاذ لهم.
(٢٣) الذمام: الحرمة.
(٢٤) دف في روض وحاما: هبط وقرب من الأرض وطار وعلا في السماء.
(٢٥) يرف: يتفق. نفار: نفار وكره.
(٢٦) توطدت: زادت تماسكًا. صدعًا: انشقاقًا.
(٢٧) أسسًا: أساسًا. الدعاما: ما يدعم ويثبت به.
(٢٨) قواما: عمادًا.
(٢٩) ينفث: يبثُّ.
(٣٠) السناما: أعلا الشيء.
(٣١) وعرها: طريقها الصعب غير الممهد.
(٣٢) ضراما: نارًا.
(٣٣) ثلمت: انكسر من حده شيء.
(٣٤) اللواء: العلم. انفصام: تحل عقدته.
(٣٥) ندب: خفيف وسريع في تلبية الحاجة. عيوف: مسارع في عمل الخير. يضيم: يظلم.
(٣٦) غاما: كثير الغيوم.
(٣٧) يلف: يجد.
(٣٨) شمائل: صفات حميدة. عبير: رائحة المسك: نبات طيب الرائحة. ريح الخزامى: ريح باردة مشهورة عند العرب.
(٣٩) مقام: مكانة عالية. لا يسامى: لا يرتفع ولا يصل إليه.
(٤٠) أبيًّا: يأبى فعل الصغائر.
(٤١) سحبان: من أشهر خطباء العرب البلغاء.
(٤٢) غمة: كربمة. حجة: برهان.
(٤٣) يلوذ به: يلجأ إليه.
(٤٤) الأناما: الناس.
(٤٥) طلقًا: بدون قيود. طوحت: رمت بعيدًا. الخطاما: الزمام.
(٤٦) الأوام: شدة العطش.
(٤٧) نيرًا: ظلمًا.
(٤٨) وانية: متكاسلة ومتباطئة.
(٤٩) القتام: الغبار.
(٥٠) رهن: مرهونة. يستخير. يختار. العظاما: عظماء الرجال.
(٥١) السآما: النفور من الملل.
(٥٢) يلم بها لماما: يحيط بها إحاطة سريعة.
(٥٣) صرح: بناء عظيم قوي. رايته: علمه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١