الفصل العاشر

ثقوب سوداء تبتلع العالم

تطلَّعَ الفيزيائيون طويلًا لبدء تشغيل مصادم الهادرونات الكبير؛ إذ تلعب البيانات دورًا مهمًّا في التقدُّم العلمي، واشتدَّ تَوْقُ فيزيائيي الجسيمات سنواتٍ طوالًا للحصول على بيانات حول الطاقة العالية، وإلى أن يقدِّم المصادِم هذه الإجابات، لا يمكن لأحدٍ معرفةُ أيُّ اقتراح من الاقتراحات العديدة التي قد ينطوي عليها النموذج القياسي هو الصحيح. لكن قبل استكشاف هذا الكتاب لعدد من الاحتمالات الأكثر تشويقًا، سوف نتوقَّف قليلًا في الفصول القليلة التالية مع بعض الأسئلة المهمة بشأن المخاطر والشكوك التي تلعب دورًا مهمًّا في فهم كيفية تفسير الدراسات التجريبية بالمصادم، وفي العديد من القضايا ذات الصلة في العالم المعاصر. وسوف نبدأ رحلتنا بموضوع الثقوب السوداء في مصادم الهادرونات الكبير، وكيف أن هذه الثقوب ربما نالت اهتمامًا أكثر مما تستحق.

السؤال

ينظر الفيزيائيون حاليًّا في اقتراحات عدة بشأن ما يمكن لمصادِم الهادرونات الكبير التوصُّل إليه في النهاية. في التسعينيات، تحمَّسَ الفيزيائيون النظريون والفيزيائيون التجريبيون في البداية بشأن فئة مميزة من السيناريوهات المُحدَّدة مؤخرًا، والتي لا تخضع فيها للتعديل فيزياءُ الجسيمات فحسب، وإنما الجاذبية نفسها، ومن شأنها إنتاج ظواهر جديدة في ظلِّ طاقات مصادم الهادرونات الكبير. حظيت إحدى النتائج المحتملة المثيرة لهذه التجارب بقدر كبير من الاهتمام، لا سيما ممَّنْ هُمْ خارجَ مجال الفيزياء. تمثَّلَتْ هذه النتيجة في احتمال تكوُّن ثقوب سوداء مجهرية ذات طاقة منخفضة، وهذه الثقوب السوداء الدقيقة ذات الأبعاد الإضافية قد تتكوَّن بالفعل إذا ثبُتَ أن الأفكار المتعلِّقة بأبعاد المكان الإضافية — مثل تلك التي اقترحتُها أنا ورامان ساندرم — حقيقية. تنبَّأَ الفيزيائيون على نحو متفائل بأن هذه الثقوب السوداء — في حال تكوُّنها — سوف تُثبِت صحةَ هذه الأفكار المتعلِّقة بالجاذبية المُعدَّلة.

جديرٌ بالذكر هنا أنه لم يكن الجميع متحمِّسًا بشأن هذا الاحتمال؛ فالبعض في الولايات المتحدة وغيرها انتابهم القلق بشأن احتمال ابتلاع الثقوب السوداء، التي من المحتمل تكوُّنها، لكلِّ شيء على سطح الأرض. وقد طُرِحَتْ عليَّ كثيرًا أسئلةٌ بشأن هذا السيناريو المحتمَل بعد إلقائي للمحاضرات العامة، وسُرَّ أغلبُ مَن طرحوا تلك الأسئلة عندما فسَّرْتُ لهم عدم وجود أي خطر. لكن، لسوء الحظ، لم تسنح الفرصة للجميع بمعرفة القصةِ كاملةً.

كان من بين أكثر مثيري الذعر تحمُّسًا والتر واجنر، وهو مدرس للمرحلة الثانوية، ومدير حديقة نباتات في هاواي، ومحامٍ سبَقَ له العمل كمسئولِ أمنٍ نوويٍّ؛ والإسباني لويس سانشو، وهو مؤلِّف وباحث — على حدِّ وصفه — في النظرية الزمنية. وصل الحال بهذين الاثنين إلى التقدُّم بدعوى قضائية في هاواي ضد سيرن، ووزارة الطاقة الأمريكية، ومؤسَّسة العلوم الوطنية الأمريكية، ومركز المعجِّل الأمريكي فيرميلاب، من أجل منع تشغيل مصادم الهادرونات الكبير من العمل. لو كان الهدف هو ببساطة تأخير عمل المصادم، لكان إرسال حمامة لإلقاء فتات خبز على المصادم لإعاقة عمله أيسر بكثير (حدث هذا بالفعل، إلا أن الحمامة لم تكن مبعوثة من أحد). لكن واجنر وسانشو أرادَا إيقاف المصادم قبل أن يعمل وبشكل دائم، فأخَذَا يمارسان الضغوط في هذا الشأن.

لم يقتصر القلق بشأن أزمة الثقوب السوداء على واجنر وسانشو فحسب؛ فثمة كتابٌ ألَّفه محامٍ متخصِّص في قضايا المصلحة العامة، وهو هاري ليمان، يبدو أنه يلخِّص المخاوف في هذا الشأن تلخيصًا دقيقًا. كان ذلك الكتاب بعنوان «فيزياء الكم تهدِّد بنهاية العالم: مَن يحِقُّ له تقرير ما إذا كان مصادم الهادرونات الكبير يستحق المجازفة بكوكبنا أم لا؟» وقد انصبَّ تركيز إحدى المدونات التي أُنشِئَتْ حول هذا الكتاب على المخاوف المتعلقة بانفجار سبتمبر ٢٠٠٨، وتساءلت ما إذا كان المصادم يمكنه البدء بأمان مجدَّدًا أم لا. لكن الخوف الأساسي لم يتعلَّقْ بفشل التكنولوجيا المسئولة عن الحادث المؤسف الذي وقع يوم ١٩ سبتمبر، وإنما بالظواهر المادية الفعلية التي يمكن لمصادم الهادرونات الكبير التسبُّب فيها.

تمحورت التهديدات المزعومة، التي وصفها ليمان وغيره كثيرون بشأن «آلة يوم القيامة»، حول الثقوب السوداء التي أشاروا إلى أنها يمكن أن تؤدِّي إلى انفجار كوكب الأرض داخليًّا. كان القلق يساورهم بشأن نقص التقييم الموثوق للمخاطر في ضوء الاعتماد على ميكانيكا الكم في دراسة مجموعة تقييم أمان مصادم الهادرونات الكبير — مع الوضع في الاعتبار ادعاءات ريتشارد فاينمان وآخَرين بأن «لا أحدَ يفهم ميكانيكا الكم» — بالإضافة إلى الشكوك الناجمة عن الكثير من الأمور المجهولة في نظرية الأوتار، وهي النظرية التي رأى هؤلاء المتخوفون أنها ذات صلة بهذا الموضوع. تضمَّنَتْ أسئلتهم ما إذا كان مقبولًا المخاطرة بكوكب الأرض لأي سبب كان — حتى إن كانت المخاطر المقترحة ضئيلة للغاية — ومَن عليه تحمُّل مسئولية اتخاذ القرار في هذا الشأن.

رغم أن التدمير الآني لكوكب الأرض من المخاوف المرتبطة بشكل أكبر بالتفكير في نهاية العالم، فإن الأسئلة التي طُرِحَتْ مؤخرًا بشأن مخاوف أخرى أكثر ملاءمةً في الواقع لمناقشتها، مثل تلك المتعلقة بظاهرة الاحتباس الحراري العالمي. وآمل أن يتمكَّنَ هذا الفصل والفصل التالي من أن يقنعك بأنه ينبغي القلق بشأن تخفيض قيمة بنود خطة التقاعد الخاصة بك أكثر من قلقك بشأن اختفاء كوكب الأرض بفعل الثقوب السوداء؛ ففي الوقت الذي شكَّلَتْ فيه الجداول الزمنية والميزانيات خطرًا على مصادم الهادرونات الكبير، أثبتت الاعتبارات النظرية المُدعَمة بالتحقيقات والفحص الدقيق أن الثقوب السوداء لا تشكِّل أي خطر عليه.

لكن يجدر التوضيح هنا أن ذلك لا يعني أنه لا ينبغي طرح الأسئلة، فالعلماء — شأنهم شأن أي شخص آخَر — يجب عليهم التنبؤ بالعواقب الخطيرة المحتملة لأفعالهم، لكنه فيما يتعلَّق بمسألة الثقوب السوداء، استند الفيزيائيون إلى البيانات والنظريات العلمية الموجودة بالفعل لتقييم المخاطر؛ ومن ثَمَّ توصَّلوا إلى أنه ما من تهديد يستدعي القلق. وقبل الانتقال إلى مناقشة أكثر شموليةً للمخاطر في الفصل التالي، سيستعرض هذا الفصل الأسباب وراء التفكير في احتمال ظهور الثقوب السوداء بمصادم الهادرونات الكبير، ولماذا تُعَدُّ المخاوف من تسبُّبِ هذه الثقوب في نهاية العالم التي اقترحها البعض مخطئةً تمامًا. والتفاصيل التي سيتناولها هذا الفصل ليس لها دور مهم في المناقشة العامة التي سنستعرضها بعد ذلك، أو حتى في الاستعراض العام الوارد في الجزء التالي من الكتاب والخاص بما سيكتشفه مصادم الهادرونات الكبير. لكن هذه الأسئلة ستعكس نموذجًا للكيفية التي يفكِّر بها الفيزيائيون ويبنون تنبؤاتهم، وستمهِّد الطريقَ لاعتبارات أكثر شمولًا للمخاطر التي ستنتج عن المصادم.

الثقوب السوداء في مصادم الهادرونات الكبير

الثقوب السوداء هي أجسام ذات تجاذب تثاقلي قوي يجعلها تتصيد أي شيء يقترب منها، فأي شيء يقع داخل نصف قطر الثقب الأسود المعروف باسم «أفق الحدث» يُبتلَع ويُحبَس بالداخل. حتى الضوء، الذي يبدو غير ملحوظ، يخضع للمجال المغناطيسي الضخم للثقوب السوداء. لا يمكن لأي شيء الهروب من هذه الثقوب. يمزح أحد أصدقائي المعجبين بسلسلة أفلام «حرب النجوم» بشأن هذه الثقوب، واصفًا إياها بأنها «البورغيون المثاليون». وأي جسم يواجه ثقبًا أسود يُبتلَع داخله؛ إذ تنصُّ قوانين الجاذبية على أنه «لا جدوى من مقاومته».

تتكون الثقوب السوداء عندما تتركز كمية كافية من المادة داخل مساحة صغيرة بحيث تصير الجاذبية لا تُقهَر. ويعتمد حجم المنطقة اللازمة لتكوين ثقب أسود على مقدار الكتلة؛ فالكتلة الصغيرة يجب أن تتجمع في منطقة صغيرة نسبيًّا، في حين يمكن أن تتوزع الكتلة الأكبر على منطقة أكبر. وفي الحالتين، عندما تكون الكثافة كبيرةً والكتلة الحرجة في نطاق الحجم المطلوب، تصير قوة الجاذبية غير قابلة للمقاومة، ويتكوَّن ثقب أسود. كلاسيكيًّا (أيْ وفق الحسابات التي تتجاهل ميكانيكا الكم)، تنمو الثقوب السوداء مع مراكمتها للمادة القريبة منها، ووفق هذه الحسابات الكلاسيكية أيضًا، لا تتحلل هذه الثقوب السوداء.

قبل تسعينيات القرن العشرين، لم يفكِّر أحدٌ في تكوين الثقوب السوداء في المختبرات؛ نظرًا لأن الحد الأدنى من الكتلة اللازمة لتكوين ثقبٍ أسود هائلٌ للغاية مقارَنَةً بكتلة الجسيمات العادية أو طاقات المصادمات الحالية. وفي النهاية، تنطوي الثقوب السوداء على جاذبية شديدة القوة، بينما قوة الجاذبية لأي جسيم واحد نعرفه مهملة؛ أي أقل بكثير من أي قوًى أخرى مثل المغناطيسية الكهربائية. وإذا تماشت الجاذبية مع توقعاتنا، ففي كون يتألَّف فيه المكان من ثلاثة أبعاد، تُنتِج تصادمات الجسيمات عند طاقات يمكن الوصول إليها قدرًا أقل بكثير من الطاقة اللازمة لتكوين الثقوب السوداء. رغم ذلك، فإن هذه الثقوب موجودة في جميع أنحاء الكون، بل إنها تبدو موجودة في الواقع في مركز معظم المجرات الكبيرة، غير أن الطاقة اللازمة لتكوين ثقب أسود أكبر بخمس عشرة مرة على الأقل من أي شيء يمكن لأي مختبر تكوينه.

إذن لماذا يذكر أي شخص احتمالَ تكوينِ الثقوب السوداء في مصادم الهادرونات الكبير؟ يرجع السبب في ذلك إلى أن الفيزيائيين أدركوا أن المكان والجاذبية يمكن أن يختلِفَا تمامًا عمَّا توصَّلوا إليه بالملاحظة حتى الآن. فيمكن للجاذبية الانتشار، ليس فقط في الأبعاد المكانية الثلاثة التي نعرفها، وإنما أيضًا في أبعاد أخرى لم تُرَ حتى الآن ولم يتم اكتشافها بعدُ. هذه الأبعاد ليس لها أي تأثير يمكن تحديده على أي قياسات أُجرِيَتْ حتى الآن، لكن من المحتمل أننا عندما نصل إلى طاقات مصادم الهادرونات الكبير أن تعبِّر جاذبية الأبعاد الإضافية — إن وُجِدَتْ — عن نفسها على نحوٍ قابِلٍ للاكتشاف.

ومثلما سنرى لاحقًا في الفصل السابع عشر من هذا الكتاب، فإن فكرة الأبعاد الإضافية — التي استعرضناها بشكل مختصر في الفصل السابع — هي فكرة غريبة، لكنها تقوم على أسس نظرية معقولة، ويمكن أن تفسِّر أيضًا الضعفَ الهائلَ لقوة الجاذبية التي نعرفها. فيمكن للجاذبية أن تكون قوية في عالم ذي أبعاد إضافية، لكنها واهنة وضعيفة للغاية في العالم الثلاثي الأبعاد الذي نلاحظه. ووفقًا للفكرة التي عملت عليها أنا ورامان ساندرم، قد تختلف الجاذبية في بُعْدٍ إضافي، فتكون أقوى في موضع ما، لكنها ضعيفة في موضعنا في المكان ذي الأبعاد الإضافية. لا نعلم إلى الآن أي هذه الأفكار صحيح. والأمر أبعد ما يكون عن اليقين، لكنه — كما سيوضِّح الفصل السابع عشر — من بين أكثر الأشياء التي قد يكتشفها الفيزيائيون التجريبيون في مصادم الهادرونات الكبير ترجيحًا.

تشير هذه السيناريوهات ضمنًا إلى أنه عند استكشافنا مسافات أصغر يمكن أن يظهر فيها أثر الأبعاد الإضافية، سيبدو لنا وجه مختلف تمامًا للجاذبية. فتشير النظريات، التي تتضمن أبعادًا إضافية، إلى أن الخصائص الفيزيائية للكون لا بد أن تتغيَّر عند الطاقات العليا والمسافات الصغرى التي سرعان ما سنكتشفها. وإذا كانت حقيقة الأبعاد الإضافية مسئولة بالفعل عن الظواهر المرصودة، يمكن لآثار الجاذبية أن تكون أقوى بكثير في ظل طاقات مصادم الهادرونات الكبير مما كان مُعتقَدًا في السابق. في هذه الحالة، لن تعتمد نتائج المصادم على الجاذبية كما نعلمها فحسب، وإنما أيضًا على الجاذبية الأقوى للكون ذي الأبعاد الإضافية.

في ظل هذه الجاذبية القوية، يمكن للبروتونات التصادم في منطقة دقيقة للغاية، تسمح باحتجاز الكمية اللازمة من الطاقة لتكوين ثقوب سوداء ذات أبعاد إضافية، وهذه الثقوب السوداء، إذا دامت لفترة كافية، فستبتلع المادة والطاقة، وإن فعلت ذلك للأبد، فستكون خطيرة بلا شك. هذا هو السيناريو الكارثي الذي تصوَّرَه المتخوِّفون.

لكن، لحسن الحظ، لا تعبِّر الحسابات الكلاسيكية للثقوب السوداء — وهي الحسابات التي لا تعتمد إلا على نظرية الجاذبية لأينشتاين — عن جميع جوانب هذه المسألة. لستيفن هوكينج إنجازات عديدة تحمل اسمه في هذا المجال، لكن أحد أبرز اكتشافاته هو أن ميكانيكا الكم تقدِّم مخرجًا للمادة المحاصرة في الثقوب السوداء؛ إذ تسمح هذه الميكانيكا للثقوب السوداء بالتحلل.

إن سطح الثقب الأسود «ساخن»، وتعتمد درجة حرارته على كتلته. وتنبعث عن الثقوب السوداء أشعة مثل الجمر في سخونتها، فتبعث بالطاقة في جميع الاتجاهات؛ وبذلك تبتلع الثقوب السوداء كل ما يقترب منها، إلا أن ميكانيكا الكم تخبرنا بأن الجسيمات تتبخَّر من سطح الثقب الأسود عن طريق الإشعاع المسمى إشعاع هوكينج، حاملة الطاقة بعيدًا بحيث يتبدَّد الثقب ببطء. وتسمح هذه العملية للثقوب السوداء — بما في ذلك الكبيرة منها — بأن تبدِّد في النهاية كل طاقتها في صورة أشعة وتختفي.

وبما أن مصادم الهادرونات الكبير سيتضمن بالكاد القدر الكافي من الطاقة اللازمة لتكوين ثقب أسود، فإن الثقوب السوداء التي يمكن أن تتكون فيه ستكون صغيرة. وإذا بدأ الثقب الأسود صغيرًا وساخنًا، مثل الثقوب التي يمكن أن تتكون في مصادم الهادرونات الكبير، فسوف يختفي في الحال، فالتحلل الناتج عن إشعاع هوكينج سيبدِّد الثقبَ الأسود تمامًا. لذا، حتى إذا تكوَّنت ثقوب سوداء ذات أبعاد إضافية (بفرض صحة هذا الافتراض برمته)، فلن تدوم هذه الثقوب لفترة كافية بحيث تتسبَّب في أي أضرار. تتبخَّر الثقوب السوداء الكبيرة ببطء، لكن الثقوب الصغيرة تكون شديدةَ السخونة وتفقد طاقتها على الفور تقريبًا. وتُعَدُّ الثقوب السوداء غريبة في هذا الشأن؛ فمعظم الأجسام، مثل الجمر، تبرد عندما تنبعث أشعة منها، أما الثقوب السوداء فتزداد سخونة، وكلما صغر حجم الثقب زادت حرارته؛ ومن ثَمَّ انبعثت منه أشعة على نحو أكثر فعالية.

وبما أنني عالِمة، فحري بي الالتزام بالدقة في استعراض كافة الاحتمالات. من الناحية الفنية، ثمة اعتراض محتمل للجدل الموضَّح أعلاه القائم على فكرة إشعاع هوكينج وتحلُّل الثقوب السوداء. فنحن لا نتفهم سلوك الثقوب السوداء إلا عندما تصير كبيرةً بما فيه الكفاية، وفي هذه الحالة نعرف بالضبط المعادلات التي تصف نظام الجاذبية الخاص بها. والقوانين، التي اختُبِرت صحتها جيدًا، تقدِّم وصفًا رياضيًّا موثوقًا للثقوب السوداء. رغم ذلك، فليس لدينا صيغة جديرة بالثقة لما يمكن أن تبدو عليه الثقوب السوداء المتناهية الصغر، وهنا يأتي دور ميكانيكا الكم، ليس فقط فيما يتعلَّق بتبخُّر هذه الثقوب، وإنما أيضًا في وصف طبيعة هذه الأجسام نفسها.

ما من أحد يعلم بالضبط سلوك النظم التي تلعب فيها ميكانيكا الكم والجاذبية دورًا مهمًّا. ونظرية الأوتار هي أفضل محاولة للفيزيائيين في هذا الشأن، لكننا لم نفهم بعدُ كلَّ ما تنطوي عليه من تبعاتٍ. يعني ذلك أنه يمكن أن تكون هناك ثغرة من الناحية النظرية؛ فالثقوب السوداء المتناهية الصغر — التي لا يسعنا فهمها إلا في إطار نظرية الجاذبية الكمية — من المستبعد أن تسلك نفس سلوك الثقوب السوداء الكبيرة التي نستقي معلومات عنها باستخدام الجاذبية الكلاسيكية، فربما لا تتحلَّل هذه الثقوب السوداء المتناهية الصغر بالمعدلات التي نتوقَّعها.

لكن هذه الثغرة أيضًا ليست بالأمر الخطير؛ فمَن يساورهم القلق بشأن هذه الأجسام قليلون، هذا إن وُجِدوا على الإطلاق. الثقوب السوداء التي يمكن أن تنمو لتصير كبيرةً هي وحدها التي من المحتمل أن تكون خطيرة، أما الثقوب السوداء الصغيرة، فليس بإمكانها مراكَمَةُ ما يكفي من المادة لإحداث أي مشكلة. الخطر الوحيد المحتمل هو أن الأجسام الدقيقة قد تصل إلى حجم خطير قبل أن تتبخر، لكن حتى دون معرفة ماهية هذه الأجسام بالضبط، يمكننا تقدير الفترة التي ستدوم فيها. وتصل هذه التقديرات إلى أعمار أقل بكثير مما يتطلبه الثقب الأسود ليكون خطيرًا، الأمر الذي ينفي أي خطورة عن الأحداث الأكثر استبعادًا في احتمال حدوثها. والثقوب السوداء الصغيرة لن يختلف سلوكها كثيرًا عن الجسيمات الثقيلة غير المستقرة التي نَأْلفها؛ فشأنها شأن هذه الجسيمات القصيرة العمر، تتحلل سريعًا للغاية.

رغم ذلك، يظل القلق يساور البعض لأن استنتاج هوكينج — رغم اتساقه مع جميع قوانين الفيزياء المعروفة — يمكن أن يكون خاطئًا، وقد تكون الثقوب السوداء مستقرة تمامًا. ففي النهاية، إشعاع هوكينج لم تُختبَر صحته من قبلُ قطُّ باستخدام الملاحظات؛ نظرًا لأن الإشعاع الناتج عن الثقوب السوداء المعروفة ضعيف لدرجة لا تسمح برؤيته. والفيزيائيون متشكِّكون — ولهم الحق في ذلك — بشأن هذه الاعتراضات؛ لأنها لن تفرض عليهم تنحية فكرة إشعاع هوكينج جانبًا فحسب، وإنما أيضًا الكثير من جوانب النظريات الفيزيائية الأخرى المستقلة التي تمَّ التحقُّقُ من صحتها جيدًا. بالإضافة إلى ذلك، فإن المنطق الذي تقوم عليه فكرة إشعاع هوكينج يتنبَّأ بشكل مباشِر بظواهر أخرى تمت ملاحظتها، مما يمنحنا مزيدًا من الثقة في صحة هذه الفكرة.

لكن إشعاع هوكينج لم تسبق رؤيته من قبلُ قطُّ؛ لذا، ولتوخِّي الحذر، يطرح الفيزيائيون هذا السؤال: إذا كان إشعاع هوكينج خاطئًا بصورةٍ ما، وكانت الثقوب السوداء التي قد يكوِّنها مصادم الهادرونات الكبير مستقرةً ولا تتحلل أبدًا، فهل ستكون خطيرة في هذه الحالة؟

لحسن الحظ، ثمَّةَ دليل أقوى يثبت أن الثقوب السوداء لا تتسبب في أي خطر. لا يطرح هذا الدليل أي افتراضات بشأن تحلُّلِ الثقوب السوداء، كما أنه ليس نظريًّا وإنما قائمٌ بالأساس على ملاحظاتنا للكون. في يونيو من عام ٢٠٠٨، كتب عالِمَا الفيزياء ستيف جيدينجز ومايكل أنجلو مانجانو،1 ومن بعدهما بفترة وجيزة مجموعة تقييم أمان مصادم الهادرونات الكبير،2 أبحاثًا واضحة مستندة إلى التجارب استبعدَتْ على نحوٍ مُقنِعٍ أي سيناريوهات كارثية للثقوب السوداء. أجرى جيدينجز ومانجانو حسابات للمعدل الذي يمكن أن تتكون به الثقوب السوداء والأثر الذي يمكن أن تكون قد أحدثته بالفعل في الكون إذا كانت مستقرة ولا تتحلَّل؛ فلاحَظَ العالمان أنه رغم عدم إنتاجنا الطاقات اللازمة لتكوين الثقوب السوداء — ناهيك عن الثقوب السوداء ذات الأبعاد الإضافية — في المعجِّلات الموجودة على سطح الأرض، فإن هذه الطاقات اللازمة لتكوُّنِ الثقوب تظهر كثيرًا في الكون. فالأشعة الكونية — وهي جسيمات عالية الطاقة — تجوب الفضاء طوال الوقت، وتصطدم عادةً بأجسام أخرى. ورغم عدم تمكُّنِنا من دراسة عواقب هذه الأشعة بالتفصيل مثلما نفعل باستخدام التجارب على سطح الأرض، فإن هذه التصادمات تنطوي عادةً على مستويات من الطاقة لا تقل عن تلك التي يمكن أن يصل إليها مصادم الهادرونات الكبير.

لذا، إذا كانت نظريات الأبعاد الإضافية صحيحةً، فقد تتكون الثقوب السوداء في الأجرام الفلكية، بما في ذلك الأرض والشمس. وقد قدَّرَ جيدينجز ومانجانو أنه في بعض النماذج (يعتمد المعدل على عدد الأبعاد الإضافية) تنمو الثقوب السوداء ببطء شديد يَحُول دون اتِّسَامها بالخطورة؛ فحتى على مدى مليارات السنين، تظل معظم الثقوب السوداء صغيرة للغاية. في حالات أخرى، يمكن للثقوب السوداء بلا شك جمع ما يكفي من المادة ليزداد حجمها، لكنها تحمل شحنة عادةً، وإذا كانت هذه الثقوب خطيرة، لكانت حوصِرت داخل الأرض والشمس، ولكان كلا هذين الجِرمين قد اختفيا منذ زمن بعيد. لكن بما أن الأرض والشمس لم يمسهما سوء، فمعنى ذلك أن الثقوب السوداء ذات الشحنات — حتى تلك التي تجمع المادة سريعًا — لا يمكن أن يكون لها عواقب خطيرة.

من ثَمَّ، فإن السيناريو الخطير الوحيد المحتمَل المتبقي هو ألَّا تحمل الثقوب شحنةً، لكنها يمكن أن تنمو بسرعة تكفي لأن تفرض تهديدًا. في هذه الحالة، لا يكون التجاذُب التثاقلي للأرض — وهو القوة الوحيدة التي بإمكانها إبطاء هذه الثقوب — على القدر الكافي من القوة لإيقافها؛ وبذلك تَعْبُر هذه الثقوب السوداء الأرضَ، فلا نتمكن من استخدام وجود الأرض لاستنباط أي استنتاجات بشأن خطرها المحتمل.

لكن جيدينجز ومانجانو استبعَدَا هذا الاحتمال أيضًا؛ نظرًا لأن التجاذُبَ التثاقلي للأجرام الفيزيائية الفلكية الأعلى كثافةً — النجوم النيوترونية والأقزام البيضاء — قويٌّ بما يكفي لإيقاف الثقوب السوداء قبل تمكُّنِها من الهروب. والأشعة الكونية الفائقة الطاقة التي تصطدم بالنجوم الكثيفة ذات تفاعلات الجاذبية القوية، كان من الممكن أن تنتج نفسَ نوعِ الثقوب السوداء التي يمكن لمصادم الهادرونات الكبير تكوينها. والنجوم النيوترونية والأقزام البيضاء أعلى كثافةً بكثير من الأرض؛ وهي الكثافة التي تجعل جاذبيتها وحدها كافيةً لإبقاء الثقوب السوداء بداخلها. وإذا كانت الثقوب السوداء قد تكوَّنَتْ، وانطوت على خطورة، لكانت دمرت هذه الأجسام التي نعرفها على مدى مليارات السنين الماضية. وعدد هذه الأجسام في السماء يوضِّح لنا أنه حتى إذا كانت الثقوب السوداء موجودة، فإنها بالتأكيد ليست خطيرة، وحتى إذا كانت الثقوب السوداء قد تكوَّنَتْ، فلا بد أنها اختفت على الفور، أو لعلها في أسوأ الأحوال قد تركت بقايا دقيقة مستقرة غير ضارة، وما كان ليسنح لها الوقت الكافي لإحداث أي ضرر.

وفوق كل ذلك، أثناء جمع الثقوب السوداء للمادة وتدميرها لهذه الأجرام، من المفترض أن تصدر كميات كبيرة من الضوء المرئي، وهو ما لم يره أحد على الإطلاق. ومن ثَمَّ، فإن وجود الكون كما نعرفه وغياب أي علامات تدل على تدمير الأقزام البيضاء دليلٌ مقنعٌ للغاية على أن أي ثقوب سوداء يمكن لمصادم الهادرونات الكبير تكوينها لا يمكن أن تكون خطيرةً. مع وضع حالة الكون في الاعتبار، يمكننا استنتاج أن الثقوب السوداء بمصادم الهادرونات الكبير لا تمثِّل خطرًا على الأرض.

سأمنحكم الآن لحظة لتتنفسوا الصُّعَداء بعد هذه الأخبار السعيدة، لكنني سأواصل مناقشة موضوع الثقوب السوداء باقتضاب، لكنْ هذه المرةَ من منظوري كشخص يعمل على موضوعات مرتبطة بهذه الثقوب، مثل أبعاد الفضاء الإضافية اللازمة لتكوُّن الثقوب السوداء المنخفضة الطاقة.

أثارَ هذا الموضوع اهتمامي بالفعل قبل احتدام النقاش حوله في الأخبار، فلي زميل وصديق في فرنسا كان يعمل في السابق في سيرن، لكنه يعمل الآن على تجربة تحمل اسم «أوجيه». تتناول هذه التجربةُ الأشعةَ الكونية عند نزولها عبر الغلاف الجوي نحو الأرض. شكى لي هذا الزميل من أن مصادم الهادرونات الكبير يستولي على الموارد التي يمكن استخدامها لدراسة نطاقات الطاقة ذاتها في الأشعة الكونية التي يدرسها، وبما أن تجربته أقل دقةً بكثير، فإن النوع الوحيد من الأحداث التي يمكن لهذه التجربة التوصُّل إليها هي الأحداث ذات الآثار الجلية، مثل تحلُّل الثقوب السوداء.

لذا، عملتُ برفقة زميل يدرس بمرحلة ما بعد الدكتوراه في جامعة هارفرد آنذاك، ويُدعَى باتريك ميد، على حساب عدد الأحداث التي يمكن لتجربة «أوجيه» رصدها. وباستخدام حسابات أكثر دقةً، توصَّلْنا إلى أن هذا العدد أقل بكثير من التوقعات المتفائلة للفيزيائيين في البداية. وأصف التوقعات هنا بالمتفائلة؛ يتحمَّسون دائمًا بشأن الأدلة التي من شأنها تغيير علم الفيزياء، ولم يساورنا القلق بشأن أي كوارث يمكن أن تتعرض لها الأرض أو الكون، والتي آمُلُ الآنَ أن تتفق معي في أنها لا تمثِّل تهديدًا حقيقيًّا.

بعد أن أدركنا أن تجربة «أوجيه» لن تكتشف أي ثقوب سوداء دقيقة الحجم — حتى إذا كانت تفسيرات الأبعاد الإضافية لظواهر فيزياء الجسيمات صحيحةً — أثارت الحسابات فضولنا بشأن الادِّعَاءات التي أثارها فيزيائيون آخَرون بأن الثقوب السوداء يمكن أن تتكون بوفرة في مصادم الهادرونات الكبير؛ فتوصَّلْنا إلى أن هذه المعدلات قد بُولِغ في تقديرها أيضًا. فرغم أن التقديرات التقريبية أشارت إلى أنه في هذه السيناريوهات سيكوِّن مصادم الهادرونات الكبير عددًا كبيرًا من الثقوب السوداء، أثبتَتِ الحسابات التفصيلية التي أجريناها عدمَ صحةِ ذلك.

لم نهتم أنا وباتريك بالثقوب السوداء الخطيرة، وإنما ما أردنا معرفته هو ما إذا كانت الثقوب السوداء الصغيرة غير الضارة السريعة التحلُّل ذات الأبعاد الإضافية يمكن أن تتكون أم لا؛ ومن ثَمَّ تدل على وجود الجاذبية ذات الأبعاد الإضافية، أو عدم وجودها. وقد توصَّلْنا بالحسابات إلى أن حدوث ذلك أمر نادر للغاية، هذا إنْ حدَثَ على الإطلاق. لا ريب أنه في حال كان ذلك ممكنًا، لكانت الثقوب السوداء الصغيرة دليلًا مذهلًا على صحة النظرية التي طرحتها أنا ورامان، لكن بصفتي عالِمة، عليَّ الانتباه للحسابات. في ظل ما توصَّلْنا إليه من نتائج، نحن لا نتمتع برفاهية الخطأ في التوقعات؛ ومن ثَمَّ فلا أتوقع أنا أو باتريك (وأغلب الفيزيائيين الآخَرين) ظهور الثقوب السوداء، حتى الصغيرة منها.

هذا هو حال العلم؛ تطرأ الأفكار بعقول بعض الأفراد، فيدرسونها على نحو تقريبي، ثم يتناولون — هم أو غيرهم — التفاصيل المتعلقة بها. وحقيقة أن الفكرة الأولية يلزم تعديلها بعد مزيد من التدقيق ليست دلالة على القصور، وإنما علامة على أن العلمَ صعبٌ والتقدُّمَ يكون عادةً تراكميًّا. وتتضمن المراحل الوسيطة تعديلات تقدُّمية أو تراجعية إلى أن يستقر العلماء — نظريًّا وتجريبيًّا — على أفضل الأفكار. وللأسف، لم ننتهِ أنا وباتريك من حساباتنا في الوقت المناسب لكي نَحُول دون انتشار الجدل حول الثقوب السوداء في الصحف ووصوله إلى ساحة القضاء.

لكننا أدركنا أنه سواء أكان من الممكن تكوُّن الثقوب السوداء أم لا، فإن الآثار المهمة الأخرى للجسيمات المتفاعلة بقوة في مصادم الهادرونات الكبير قد تقدِّم لنا أدلةً مهمةً بشأن الطبيعة الأساسية للقوى والجاذبية. فسوف نرى هذه العلامات الأخرى للأبعاد الإضافية عند طاقات أقل. وحتى نرى هذه العلامات الأخرى الغريبة، نعلم أنه ما من فرصة لتكوُّن الثقوب السوداء، لكن هذه العلامات ذاتها قد توضِّح في النهاية بعض الجوانب بشأن الجاذبية.

يُعَدُّ هذا العمل نموذجًا لجانب آخَر مهمٍّ من جوانب العلم. فرغم أن النماذج الفكرية قد تتبدَّل تبدُّلًا هائلًا في إطار النطاقات المختلفة، فإننا نادرًا ما نواجِه مثل هذا التبدُّل المفاجئ في البيانات ذاتها. فالبيانات المتوفرة بالفعل تتسبَّب أحيانًا في تغيُّرات في النماذج الفكرية، مثلما فسَّرَتْ ميكانيكا الكم في النهاية الخطوطَ الطيفية المعروفة، لكن غالبًا ما تكون الانحرافات البسيطة عن التوقعات في التجارب القائمة بالفعل استهلالًا لأدلة مستقبلية أكثر قوة. وحتى التطبيقات الخطيرة للعلم تستغرق وقتًا لتتطور؛ فنجد مثلًا مَن يُلقِي بالمسئولية على عاتق العلماء في بعض النواحي فيما يتعلَّق بعصر السلاح النووي، لكن الحقيقة هي أنه لم يكتشف أي عالم القنبلة النووية فجأةً بالمصادفة. إن فهم التكافؤ بين المادة والطاقة لم يكن كافيًا، وكان على العلماء بذل الجهود لتهيئة المادة في صورتها المتفجرة الخطيرة.

يمكن للثقوب السوداء أن تكون مدعاة للقلق إذا صارت كبيرة، الأمر الذي أثبتت الحسابات والملاحظات أنه لن يحدث، لكن حتى لو حدث، فإن الثقوب السوداء الصغيرة — أو على الأقل آثار الجاذبية على التفاعلات بين الجسيمات التي تناولناها للتوِّ — ستشير إلى وجود تحوُّلٍ في الجاذبية أولًا.

ختامًا، فإن الثقوب السوداء لا تمثِّل أيَّ خطر، لكن إذا اقتضى الأمر، فإنني أعِدُ بتحمُّل المسئولية كاملةً إذا تسبَّب مصادم الهادرونات الكبير في تكوُّن ثقب أسود من شأنه ابتلاع الأرض داخله. وإلى أن يحدث ذلك، يمكنك اتباع الاقتراح الذي أشار عليَّ طلابي به في الحلقات الدراسية التي أعطيها للمبتدئين، وهو مطالعة الرابط التالي: http://hasthelargehadroncolliderdestroyedtheworldyet.com.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤