الفصل الحادي عشر

عمل محفوف بالمخاطر

في خريف عام ٢٠٠٩، عقد نيت سيلفر — مؤسِّس مدونة «فايف ثيرتي إيت» التي أحرزت أفضل التوقعات بشأن نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية في عام ٢٠٠٨ — لقاءً معي من أجل كتابٍ عمد لتأليفه آنذاك عن التنبؤات. كان الأمريكيون يواجهون حينذاك أزمة اقتصادية، وحربًا تبدو خاسرة في أفغانستان، وارتفاعًا في تكاليف الرعاية الصحية، وتغيراتٍ مناخيةً غير قابلة للإصلاح على الأرجح، وغير ذلك من التهديدات الوشيكة. وافقتُ على الالتقاء به من باب المصلحة المتبادلة؛ إذ كنتُ مهتمةً بمعرفة آراء نيت بشأن الاحتمالية، ومتى تنجح التنبؤات ولماذا.

ومع ذلك، فقد كنتُ متحيِّرة بعض الشيء بشأن اختياره لي لعقد هذا اللقاء معي؛ فخبرتي كلها قاصرة على التنبؤ بنتائج التصادمات بين الجسيمات، الأمر الذي أشك في أن الناس في لاس فيجاس — ناهيك عن الحكومة — يمكن أن يتراهنوا عليه. ظننت أن نيت قد يسألني عن الثقوب السوداء في مصادم الهادرونات الكبير، لكن رغم الدعوى القضائية المتعلقة بالمخاطر المحتملة للمصادم في هذا الشأن، التي كانت قد سقطت آنذاك، شككتُ حقًّا في أن يسألني نيت عن هذا الأمر، مع الوضع في الاعتبار التهديدات الأكثر خطورةً الموضحة أعلاه.

في الواقع، لم يكن نيت مهتمًّا بهذا الموضوع؛ فقد طرح عليَّ أسئلة مدروسة على نحو أكثر دقة بشأن الكيفية التي يُجرِي بها فيزيائيو الجسيمات التنبؤاتِ والتكهناتِ بشأن مصادم الهادرونات الكبير وغيره من التجارب الأخرى. نيت مهتم بالتنبؤات، والعلماء متخصِّصون في موضوع طرح التنبؤات، وقد أراد أن يعرف المزيد عن كيفية اختيارنا للأسئلة التي نطرحها، والأساليب التي نستخدمها للتكهُّن بما يمكن حدوثه، وهي الأسئلة التي سنتناولها بشكل كامل قريبًا.

لكن قبل النظر في تجارب مصادم الهادرونات الكبير والتكهنات المتعلقة بما يمكننا التوصُّل إليه من خلاله، نواصِل في هذا الفصل مناقشتنا للمخاطر. فالتوجهات الغريبة حيال المخاطر الآن، وصور الارتباك المتعلقة بتوقيت وكيفية التنبؤ بهذه المخاطر تستحق بعض التفكير بالتأكيد. تطالعنا الأخبار يوميًّا بعدد لا يُحصَى من العواقب الوخيمة للمشكلات التي لم يتم التنبُّؤُ بها أو التخفيفُ من حدتها، ولعل التفكير بشأن فيزياء الجسيمات والفصل حسب النطاق يمكن أن يُلقِي ببعض الضوء على هذا الموضوع المعقد. ورغم أنه ما من شك بأن الدعوى القضائية المتعلقة بالثقوب السوداء في مصادم الهادرونات الكبير كانت باطلةً، فإن كلًّا من هذه الدعوى والقضايا الملحة الأخرى في العصر الحالي يمكن أن تساعد في تنبيهنا لأهمية التعامل مع موضوع المخاطر.

يختلف إجراء التنبؤات في فيزياء الجسيمات كلَّ الاختلاف عن تقييم المخاطر في العالم الواقعي، ولا يتَّسِع لنا المجال في فصل واحد إلا لإلقاء نظرة سريعة فحسب على الحقائق الوثيقة الصلة بموضوع تقييم المخاطر والتخفيف منها. فضلًا عن ذلك، لن يمكننا تعميم مثال الثقوب السوداء؛ لأن هذا الخطر غير موجود في الأساس، لكنه مع ذلك يساعد في توجيهنا في التعرُّف على بعض القضايا ذات الصلة عندما نفكِّر في كيفية تقييم المخاطر وتفسيرها، وسوف نرى أنه بالرغم من أن الثقوب السوداء في مصادم الهادرونات الكبير لم تمثِّل تهديدًا قطُّ، فإن التطبيقات المُضلَّلة للتنبؤات تفعل ذلك غالبًا.

الخطر في العالم

عندما تناوَلَ الفيزيائيون التنبؤات بشأن الثقوب السوداء في مصادم الهادرونات الكبير، قدَّروا استقرائيًّا النظريات العلمية القائمة بالفعل في نطاقات من الطاقة لم تُكتشَف بعدُ، وكان لدينا من الاعتبارات النظرية الدقيقة والأدلة التجريبية الواضحة ما سمح لنا باستنتاج أنه ما من شيء كارثي يمكن أن يحدث، حتى في ظل عدم معرفتنا بعدُ بما يمكن أن يظهر. وبعد الدراسات الدقيقة، اتفق جميع العلماء على أن خطر الثقوب السوداء لا يُعبَأ به؛ فليس هناك أدنى احتمال لأن يسبِّب أي مشكلة، حتى على مدار عمر الكون بأكمله.

يختلف ذلك كثيرًا عن كيفية التعامل مع المخاطر المحتملة الأخرى. ولا أزال في حيرة من أمري بشأن عدم توقُّع الاقتصاديين والخبراء الماليين للأزمة المالية قبل حدوثها ببضعة أعوام، بل وعدم تهيُّئِهم بعد وقوعها لاحتمال وقوع أزمة جديدة. فبالرغم من أن الاقتصاديين والخبراء الماليين لم يتفقوا جميعًا حول ما كان لدى البعض من تنبؤات مشئومة، فلم يتدخل أحد لإنقاذ الوضع إلى أن تعرَّض الاقتصاد للانهيار.

في خريف عام ٢٠٠٨، شاركت في أحد المؤتمرات المتعددة التخصصات كأحد أعضاء هيئة الخبراء، وطُرِحت عليَّ أسئلة — ليس للمرة الأولى ولا الأخيرة — بشأن خطر الثقوب السوداء. مزح معي نائب رئيس مجلس إدارة بنك جولدمان ساكس إنترناشونال، الذي كان يجلس بجواري، قائلًا إن الثقب الأسود الحقيقي الذي يواجِهه الجميع هو الاقتصاد. وكان تشبيهًا موفَّقًا حقًّا.

تتصيَّدُ الثقوب السوداء أيَّ شيء يقترب منها وتغيِّر هيئته بواسطة القوى القوية الموجودة بداخلها، وبما أن الثقوب السوداء تتميَّز بكتلتها، وشحنتها، وكمية تُعرَف باسم «الزخم الزاوي»، فإنها لا تترك أثرًا لما يدخل فيها أو كيفية وصوله هناك؛ فالمعلومات التي تدخل إليها تختفي على ما يبدو. تصدر هذه الثقوب المعلومات بعد ذلك لكن ببطء، عن طريق الارتباطات الدقيقة في الإشعاع الذي يتسرَّب منها، هذا فضلًا عن أن الثقوب السوداء الكبيرة تتحلَّل ببطء، في حين تختفي الصغيرة منها على الفور. يعني ذلك أنه بينما لا تدوم الثقوب السوداء الصغيرة طويلًا، فإن الكبيرة منها لا يسمح لها حجمُها بالاختفاء. هل يذكِّرك ذلك بشيء؟ المعلومات — بالإضافة إلى الديون والمشتقات — التي دخلت البنوك صارت محصورة داخلها، وتحوَّلت إلى أصول معقَّدَة يصعب فكُّ طلاسمها. وفيما بعدُ، صارت المعلومات — وكل شيء آخَر دخل إلى البنوك — تخرج منها ببطء.

في ظل الظواهر العالمية العديدة التي نشهدها حاليًّا، يمكننا أن نلاحظ أن ما نجريه حقًّا هو تجارب غير مقيَّدَة على نطاق واسع. سُئِلتُ ذات مرة في البرنامج الإذاعي «كوست تو كوست» عمَّا إذا كنتُ سأواصِل العمل على تجربةٍ ما — بغض النظر عن مدى إثارتها — إذا ما كان هناك احتمال أن تُعرِّض هذه التجربة العالم أجمع للخطر. وكانت إجابتي — التي أزعجت جمهور الإذاعة الذي ينتمي أغلبه للتيار المحافظ — هي أننا نجري بالفعل مثل هذه التجارب على انبعاثات الكربون، فلماذا لم يقلق عدد أكبر من الناس بشأن ذلك؟

كما هو الحال مع صور التقدُّم العلمي، نادرًا ما تحدث تغيُّرات مفاجئة دون أن يكون لها أي مؤشرات سابقة. فنحن لا نعلم جزمًا بأن المناخ سيتغيَّر تغيُّرًا كارثيًّا، لكننا شهدنا بالفعل مؤشرات على ذلك في ذوبان الأنهار الجليدية وتغيُّر أنماط الطقس. وربما يكون الاقتصاد قد انهار فجأة في عام ٢٠٠٨، لكن العديد من الخبراء الماليين كان لديهم من المعرفة ما جعلهم ينسحبون من الأسواق المالية قبل حدوث الانهيار. بإمكان الأدوات المالية الجديدة ومستويات الكربون الأعلى إحداثُ تغييرات جذرية، وفي مثل هذه المواقف الواقعية، ليس السؤال هو ما إذا كان هناك خطر أم لا، وإنما ما نحتاج إليه هو تحديد مدى الحذر الذي علينا توخِّيه إذا أردنا تقدير المخاطر المحتملة واتخاذ قرار بشأن مستوى الحذر المقبول.

حساب المخاطر

من المنظور المثالي، يعد حساب المخاطر إحدى الخطوات الأولى الواجب اتخاذها لتحديد مدى الحذر الذي ينبغي توخِّيه. أحيانًا، يخطئ الناس في فهم الاحتمالات. على سبيل المثال، في اللقاء الذي أجراه جون أوليفر مع والتر واجنر — أحد الخصوم في قضية مصادم الهادرونات الكبير — حول الثقوب السوداء في برنامج «ذا دايلي شو»، فقَدَ واجنر مصداقيتَه تمامًا عندما قال إن احتمال تدمير مصادم الهادرونات الكبير للأرض يبلغ ٥٠٪؛ لأن هذا الأمر إما سيحدث أو لن يحدث. وجاء ردُّ جون أوليفر متشكِّكًا: «لا أعتقد أن هذا ما يعنيه مفهوم الاحتمالية.» ولحسن الحظ، كان جون أوليفر محقًّا في قوله، فيمكننا التوصُّل إلى تقديرات أفضل (وأقل مساواة) للاحتمالات.

لكن الأمر ليس سهلًا دومًا؛ لك أن تفكِّر مثلًا في احتمالات تغيُّر المناخ تغيُّرًا ضارًّا، أو احتمالات ما سينتهي إليه وَضْع سيِّئ ما في الشرق الأوسط، أو مصير الاقتصاد. فكل هذه مواقف أكثر تعقيدًا بكثير، ولا تقتصر صعوبتها على أن المعادلات التي تصف المخاطر يصعب حلها فحسب، وإنما في عدم معرفتنا بالضرورة ماهية هذه المعادلات في الأساس. على سبيل المثال، فيما يتعلق بتغير المناخ، يمكننا إجراء عمليات محاكاة ودراسة السجل التاريخي، أما في المثالين الآخَرين، فيمكننا البحث عن مواقف تاريخية مشابهة، أو إنشاء نماذج مبسطة، لكن في الحالات الثلاث، يشوب أي تنبؤات قدرٌ هائلٌ من الشكوك.

إن التنبؤات الدقيقة والجديرة بالثقة صعبة، فحتى عندما يبذل الناس أقصى ما في وسعهم لوضع نموذج لكل شيء ذي صلة، تؤثِّر المدخلات والافتراضات التي تدخل أيًّا من هذه النماذج تأثيرًا كبيرًا على النتيجة. والتنبؤ بانخفاض الخطر المحتمل لا معنى له إذا كانت الشكوك المرتبطة بالافتراضات المتعلقة به أكبر بكثير؛ لذا من المهم تحرِّي الدقة والنزاهة بشأن الشكوك إذا أردنا أن يكون للتنبؤ قيمة.

قبل استعراض أي نماذج أخرى، دعوني أروِ لكم قصة قصيرة توضِّح هذه المشكلة. في بداية عملي بمجال الفيزياء، لاحظت أن النموذج القياسي يسمح بنطاق أوسع بكثير من القيم لأي كمية معينة مقارَنَةً بما تم التنبؤ به في السابق، ويرجع ذلك إلى مساهمة ميكانيكية كمية اعتمد حجمها على القيمة الكبيرة والمذهلة المقيسة حديثًا (في ذلك الوقت) لكتلة الكوارك القمي. عندما عرضتُ النتيجة التي توصلت إليها في أحد المؤتمرات، طُلِب مني أن أبني تنبُّئي على دالة لكتلة الكوارك القمي، لكنني رفضت؛ لأنني كنتُ أعلم بوجود العديد من العوامل الأخرى التي تساهم في الأمر، ولعلمي بأن المقدار المتبقي من عدم اليقين يسمح بنطاق واسع من الاحتمالات، التي يمكنها أن تنتج ذلك التنبؤ. لكن زميلًا «خبيرًا» آخَر قلَّل من شأن هذه الشكوك وبنى ما توصَّلَ إليه على دالة كتلة الكوارك القمي (وهو ليس بالأمر المستغرب فيما يخص العديد من التنبؤات الواقعية حاليًّا)، وظل يُشَار إلى تنبُّئِه على نطاق واسع لفترة من الوقت. بَيْدَ أنه في النهاية، لمَّا لم تقع الكمية المقيسة في النطاق الذي توقَّعَه، نُسِبَ عدم التوافق — عن حق — إلى التقدير المفرط في التفاؤل الذي وضعه ذلك الزميل. من الجلي أنه من الأفضل تجنُّب مثل هذه المواقف المحرجة، سواء في العلم أو المواقف الواقعية؛ فنحن نبغي أن تكون التنبؤات ذات معنى، ولن تكون كذلك إلا عندما نتوخَّى الحذرَ بشأن الشكوك التي نستخدمها في التوصُّل إلى هذه التنبؤات.

تفرض المواقف الواقعية مشكلات أكثر استعصاءً على الحل، وتتطلب منَّا أن نكون على قدر أكبر من الحذر بشأن الشكوك والأمور المجهولة؛ فعلينا الحذر من استخدام التنبؤات الكمية التي لا تأخذ — أو لا يمكنها أن تأخذ — في الاعتبار هذه المشكلات.

وتتمثَّل إحدى العقبات التي تقف في طريق حساب المخاطر، في التوصُّل إلى تقدير ملائم للمخاطر الشاملة التي يصعب دومًا تحديد حجمها. ففي أي نظام كبير مترابط، تكون غالبًا العناصرُ الواسعةُ النطاق، التي تتضمن نماذج فشل متعددة ناتجة عن العلاقات المتبادلة العديدة للأجزاء الأصغر حجمًا، هي الأقل خضوعًا للإشراف، ويمكن للمعلومات أن تُفقَد في عمليات النقل أو لا يُعنَى بها في المقام الأول، مثل هذه المشكلات الشاملة يمكن أن تضخِّم من عواقب أي مخاطر أخرى محتملة.

ولقد شاهدتُ مثل هذا النوع من المشكلات الهيكلية بنفسي عندما كنت عضوة بإحدى اللجان التي تناولت موضوع الأمان في وكالة ناسا. فمن أجل استرضاء مقاطعات الكونجرس المختلفة، وُزِّعت مواقع وكالة ناسا بجميع أنحاء الولايات المتحدة؛ وكانت نتيجة ذلك أنه حتى في ظل اهتمام كل موقع من هذه المواقع بما لديه من معدات، كان هناك تراجُع في الاستثمار المؤسَّسِي في العلاقات بين المواقع. ينطبق ذلك أيضًا على المؤسسات الأكبر حجمًا، فيمكن للمعلومات أن تُفقَد أثناء عمليات إرسال التقارير بين المواقع الفرعية المختلفة. وفي إحدى رسائل البريد الإلكتروني التي تلقَّيْتُها من جو فراجولا، محلِّل المخاطر بوكالة ناسا وصناعة الفضاء الجوي، الذي أجرى الدراسة، قال لي: «لقد أثبتَتْ لي خبرتي أن تحليل المخاطر الذي يُجرَى دون نشاط مشترك بين الخبراء المَعْنيِّين وفريق تكامُل النظم وفريق تحليل المخاطر؛ محكومٌ عليه بالفشل. وأذكر هنا، على وجه الخصوص، تحليلات المخاطر «الكلية» التي صارت من الأنشطة الأكتوارية ولم تَعُدْ تهتم بها سوى الأوساط الأكاديمية.» وجدير بالذكر أن مصطلحي السعة والتفصيل صارَا يُستخدَمَان بالتبادل في أحيان كثيرة، لكن الحقيقة هي أن كليهما ضروري على المدى الطويل.

من العواقب الخطيرة لمثل هذا الفشل (على سبيل المثال لا الحصر) حادث التسرب النفطي بخليج المكسيك؛ ففي خطاب بجامعة هارفرد في فبراير عام ٢٠١١، أشارت تشيري موري — العميدة بجامعة هارفرد، وعضوة اللجنة الوطنية المعنية بحادث التسرُّب النفطي بخليج المكسيك والحفر داخل المياه — إلى الفشل الإداري كأحد العناصر الرئيسية المساهمة في ذلك الحادث. أما ريتشارد سيرز — المستشار العلمي والهندسي الأول باللجنة، ونائب الرئيس السابق لخدمات المياه العميقة بشركة شِل — فوصف كيف أن إدارة شركة بي بي تعامَلَتْ مع كل مشكلة على حدة، دون أن تكوِّن صورةً شاملةً في إطار ما أطلَقَ عليه سيرز «التفكير الخطي المتشعب».

رغم أن فيزياء الجسيمات عمل متخصِّص وصعب، فإن هدفها هو عَزْل عناصرها الأساسية البسيطة وإجراء تنبؤات واضحة قائمة على الفرضيات التي يضعها العلماء. ويكمن التحدي في الوصول إلى المسافات الصغيرة والطاقات العالية، وليس في التعامل مع العلاقات المتبادَلَة المعقَّدَة. ورغم أننا قد لا نعرف بالضرورة أي النماذج الأساسية صحيح، فإن بوسعنا التنبؤ — في ظل نموذج معين — بالتوقيت الذي من المفترض أن تقع فيه أحداث معينة، مثل تصادم البروتونات بعضها ببعض في مصادم الهادرونات الكبير. وعندما يتم استيعاب النطاقات الصغيرة داخل النطاقات الأكبر، توضِّح لنا النظرياتُ الفعَّالة المناسِبَة لهذه النطاقات الكبيرة كيفيةَ دخول النطاقات الصغيرة إليها بالضبط، بالإضافة إلى الأخطاء التي يمكننا الوقوع فيها إذا تجاهلنا تفاصيل هذه النطاقات الصغيرة.

لكن في معظم الأحيان، لا ينطبق بسهولة الفَصْل حسب النطاق الذي استعرضناه في الفصل الأول من هذا الكتاب. فبالرغم من الأساليب المشتركة أحيانًا بين عالم المال وعالم الفيزياء، فإن «التمويل ليس أحد فروع الفيزياء» كما ورد على لسان أكثر من مصرفيٍّ في نيويورك. ففي مجال المناخ أو العمل المصرفي، يمكن أن تلعب معرفة التفاعلات على نطاق صغير دورًا أساسيًّا في تحديد نتائج النطاقات الكبيرة.

هذا الافتقار للفصل بين النطاقات يمكن أن يُسفِر عن عواقب وخيمة، ومن الأمثلة على ذلك انهيار بنك بارينجز. قبل حدوث ذلك الانهيار، كان ذلك البنك — المؤسَّس عام ١٧٦٢ — أقدم بنك تجاري في بريطانيا، وقد موَّل الحروب النابليونية، وشراء ولاية لويزيانا، وقناة إيري، إلا أنه في عام ١٩٩٥، كادت تُسفِر المراهنات الفاسدة لتاجر واحد محتال في مكتب صغير بسنغافورة عن تعرُّض البنك لانهيار مالي.

ومؤخرًا، كادت تسفر مؤامرات جوزيف كاسانو في المجموعة الأمريكية الدولية عن تدمير المجموعة، فضلًا عمَّا أحدثته من تهديد بحدوث انهيار مالي كبير على مستوى العالم أجمع. رأس كاسانو وحدة صغيرة نسبيًّا (تتألَّف من ٤٠٠ فرد) داخل الشركة، وهي «المجموعة الأمريكية الدولية للمنتجات المالية»، وكانت المجموعة الأمريكية الدولية قد أجرت مراهنات مستقرة على نحو معقول إلى أن بدأ كاسانو في إجراء عقود مبادلة العجز الائتماني (وهي وسيلة استثمارية معقَّدَة روَّجَتْ لها بنوكٌ عديدة) لتغطية الرهونات التي أُجرِيت على التزامات ديون مضمونة.

وفي ظل ما يبدو لنا من منظورنا الحالي نظام هرمي من التغطية، وضعت مجموعته ما يصل إلى ٥٠٠ مليار دولار في عقود مبادلة العجز الائتماني، وخُصِّصَ من هذا المبلغ ٦٠ مليار دولار للرهونات العقارية عالية المخاطر.1 وإذا كانت الوحدات الثانوية قد استوعبتها النظم الكبرى كما هو الحال في الفيزياء، لكانت الوحدات الثانوية قد أظهرت معلومة أو نشاطًا ما بمستوًى أعلى يمكِّن المشرف بالمستوى المتوسط من التعامل معه بسهولة. لكن في انتهاك مفرط ومؤسف وغير ضروري للفصل بين النطاقات، لم تخضع مؤامرات كاسانو للإشراف الفعلي، وتسلَّلَتْ آثارها إلى الشركة بأكملها. لم تُنظَّم أنشطته كأوراق مالية، أو كمضاربات، أو كتأمينات، ووزِّعت عقود مبادلة العجز الائتماني بجميع أنحاء العالم، ولم يتناول أحدٌ الآثارَ المحتملة لذلك؛ ومن ثَمَّ عندما وقعت أزمة الرهونات العقارية العالية المخاطر، لم تكن المجموعة الأمريكية الدولية على استعداد لها، وانهارت داخليًّا بفعل الخسائر، وفي النهاية تكبَّدَ ثمنَ ذلك دافعو الضرائب من الشعب الأمريكي.
لقد اهتمَّ واضعو اللوائح التنظيمية (إلى حدٍّ ما) بقضايا السلامة التقليدية المتعلِّقة بسلامة المؤسسات الفردية، لكنهم لم يقيِّموا النظام ككل، أو المخاطر المترابطة الموجودة بداخله. والنظم الأكثر تعقيدًا ذات الديون والالتزامات المتداخلة تستلزم فهمًا أفضل لهذه الارتباطات وأسلوبًا أكثر شموليةً في إجراء التقييم والمقارَنَةِ واتخاذ القرارات فيما يتعلق بالمخاطر والفوائد المحتملة المتبادلة.2 ينطبق هذا التحدي على أي نظام كبير تقريبًا، تمامًا مثلما ينطبق الإطار الزمني الملائم.

ينقلنا ذلك إلى عامِل آخَر يُصعِّب من حساب المخاطر والتعامل معها؛ أَلَا وهو أن النفس البشرية والنظم السياسية ونظم السوق تطبِّق منطقًا مختلفًا فيما يتعلَّق بالمخاطر الطويلة والقصيرة المدى، ويتَّخِذ ذلك أسلوبًا متعقِّلًا أحيانًا، لكنه في الغالب يكون جشعًا. أدرك معظم الاقتصاديين وبعض العاملين في الأسواق المالية أن فقاعات السوق لن تستمر لأَجَلٍ غير مسمَّى، فلم يكمن الخطر في احتمال انفجار الفقاعات — فهل من أحد يظن حقًّا أن أسعار المساكن ستستمر في التضاعف في الأطر الزمنية القصيرة إلى الأبد؟ — وإنما في احتمال انفجارها في المستقبل القريب. والتعامل مع الفقاعة أو تكبيرها — حتى تلك التي نعلم بأنها غير مستمرة — لا ينطوي على قصر نظر بالضرورة إذا كنت متأهِّبًا في أي لحظة لجمع الأرباح (أو المكافآت) ووقف عملك.

أما فيما يتعلق بموضوع تغيُّر المناخ، فلا يعرف العلماء كيفية تعيين رقم محدَّد لمعدل ذوبان غطاء جرينلاند الجليدي، وتكون الاحتمالات أقل يقينًا في حال تناولنا احتمال بدء ذوبان هذا الغطاء في إطار زمني محدَّد، على سبيل المثال، خلال السنوات المائة القادمة. لكن عدم معرفة الأرقام ليس مبرِّرًا لدفن رءوسنا في الرمال.

يتعذَّر علينا الوصول إلى إجماع بشأن المخاطر الناجمة عن تغيُّر المناخ، وكيفية تجنُّبها وتوقيت فعل ذلك عندما تتوالى العواقب البيئية المحتملة على نحو بطيء نسبيًّا، هذا فضلًا عن أننا لا نعرف كيفية تقدير التكلفة التي ينطوي عليها اتخاذ قرار ما من عدمه. لكن في حال وقوع حدث مهم بفعل المناخ، سنتخذ على الأرجح إجراءً على الفور. وبالطبع، بغض النظر عن سرعتنا في اتخاذ هذا الإجراء، سيكون متأخرًا في هذه الحالة، ومعنى ذلك أنه يجدر بنا العناية بالتغيرات المناخية غير الكارثية أيضًا.

لكن حتى عندما نعرف احتمالية نتائج معينة، فإننا ننزع لتطبيق معايير مختلفة مع الأحداث البعيدة الاحتمال ذات النتائج الكارثية عن تلك التي نطبقها مع الأحداث العالية الاحتمال ذات النتائج الأقل خطورةً. فما نسمع عنه من حوادث تحطُّم الطائرات والهجمات الإرهابية أكثر بكثير مما نسمعه عن حوادث السيارات، رغم أن الأخيرة تتسبَّب في مقتل عدد أكبر من الناس كل عام. تحدَّثَ الناس أيضًا عن الثقوب السوداء حتى دون إدراك الاحتمالات؛ وذلك لأن عواقب السيناريو الكارثي في هذه الحالة بَدَا رهيبًا. على الجانب الآخَر، يُغضُّ الطرف تمامًا عن العديد من الاحتمالات البسيطة (وأيضًا غير البسيطة)؛ لأن عدم وضوحها يجعلها خارجَ نطاقِ المراقبة تمامًا. ومثال على ذلك، الحفر داخل المياه الذي كان الكثيرون يرونه آمنًا تمامًا إلى أن وقعت كارثة خليج المكسيك بالفعل.3
من المشكلات ذات الصلة أيضًا أن أهم الفوائد أو التكاليف تنتج عن أكثر الاحتمالات استبعادًا؛ أي الأحداث الأقل احتمالًا والتي لا نعرف عنها سوى القليل.4 ونحن نرغب، في الأوضاع المثالية، في أن تُحدَّد حساباتنا على نحو موضوعي بواسطة التقديرات المتوسطة المدى أو متوسطات المواقف ذات الصلة الموجودة مُسبَقًا. لكن هذه البيانات لا تتوفَّر لدينا إذا لم يقع حدث مشابه قطُّ من قبلُ، أو إذا تجاهلنا الاحتمالية كليةً. وإذا كانت تكاليف هذه الاحتمالات البعيدة أو فوائدها عاليةً بما فيه الكفاية، فإنها تسيطر على التنبؤات، بافتراض أنك تعرف مسبقًا ماهيتها قبل كل شيء. وفي جميع الأحوال، لا تسري الأساليب الإحصائية التقليدية عندما تكون المعدلاتُ منخفضةً للغاية مما يَحُول دون أن تكون المتوسطات ذات معنى.
وقعت الأزمة المالية جرَّاء أحداث كانت خارج نطاق ما أخذه الخبراء في الاعتبار، وحقَّقَ الكثير من الناس أرباحًا بناءً على الجوانب المتوقَّعة، بَيْدَ أن الأحداث غير المحتملة حدَّدت بعضًا من التطورات الأكثر سلبيةً. وعند وضع نماذج لموثوقية الأدوات المالية، استخدم أغلب الناس البيانات المستمَدَّة من الأعوام القليلة السابقة، دون إفساح المجال لاحتمالية انقلاب الاقتصاد رأسًا على عقب، أو تحوُّله بمعدل شديد الخطورة. وقد استندت عمليات التقييم الخاصة بتنظيم الأدوات المالية إلى إطار زمني قصير المدى، أدَّتِ الأسواق إلى زيادته فحسب. وحتى عند الإقرار باحتمال انهيار السوق، كانت القيم المفترضة للانهيار منخفضة للغاية مما حَالَ دون التنبؤ بالتكلفة الفعلية لافتقار الاقتصاد للتنظيم. لم يلتفت أحد في الواقع للأحداث «الأقل احتمالًا» التي ساهمت في وقوع الأزمة؛ ومن ثَمَّ فإن المخاطر التي كان من الممكن أن تكون واضحة في ظروف أخرى لم تُوضَع في الاعتبار مطلقًا. لكن حتى الأحداث غير المحتملة يلزم أخذها بعين الاعتبار عندما يمكن أن يكون لها أثر هائل.5

ثمة عقبة من شأنها إعاقة أي تقييم للمخاطر؛ أَلَا وهي صعوبة تقييم خطر عدم صحة الافتراضات الضمنية. وبدون هذه التقييمات، يصبح أي تقدير عرضةً للتحيُّزات الذاتية. وفي مقدمة المشكلات الحسابية والتحيُّزات الخفية الكامنة في هذه الافتراضات الضمنية تأتي مشكلة تضمُّن العديد من القرارات السياسية العملية لأمور غير معلومة؛ أي عوامل لا يمكن توقُّعها أو لم يتم توقُّعها. فلا يمكننا في بعض الأحيان التنبؤ بدقة بالأحداث غير المحتملة التي من شأنها التسبب في مشكلات. ويمكن لهذا الأمر أن يجعل أي محاولات للتنبؤ — التي ستفشل بالتأكيد في أن تأخذ في الحسبان هذه العوامل غير المعلومة — جداليةً للغاية.

الحد من المخاطر

لحسن حظنا في بحثنا الهادف للفهم، لدينا يقين تام بأن احتمالية تكوُّن ثقوبٍ سوداء خطيرةٍ ضئيلةٌ للغاية. ورغم أننا لا نعرف احتمالًا رقميًّا دقيقًا لأي نتيجة كارثية، فإننا لسنا بحاجة لذلك؛ لأنه احتمال مهمل للغاية؛ فأي حدث لن يقع ولو مرة واحدة في عمر الكون، يمكن غضُّ الطرف عنه دون أي ضرر في ذلك.

لكن، بوجه عام، تحديد حجم مستوى الخطر المقبول أمر صعب للغاية. فنحن نرغب بوضوح في تجنُّب المخاطر الكبيرة تمامًا؛ بمعنى تجنب أي شيء يعرض حياتنا، أو كوكبنا، أو أي شيء آخَر عزيزٍ علينا للخطر. وفيما يتعلَّق بالمخاطر التي يمكننا تحملها، نحتاج إلى وسيلة لتقييم مَن تعود عليه المنافِعُ ومَن يتكبَّد الخسائرَ، وإلى نظام يقيِّم المخاطر ويتنبَّأ بها وفقًا لذلك.

علَّق محلِّل المخاطر جو فراجولا على تغيُّر المناخ، إلى جانب المخاطر الأخرى المحتملة التي يعنى بها، قائلًا لي: «إن المشكلة الحقيقية لا تكمن فيما إذا كانت هذه المخاطر ستحدث بالفعل أم لا، ولا في عواقبها، وإنما في احتمالية حدوثها والشكوك المرتبطة بها. تكمن المشكلة، كذلك، في كمِّ مواردنا العالمية التي ينبغي تخصيصُها لمواجهة هذه المخاطر، ليس فقط بالاعتماد على احتمالية حدوثها، وإنما أيضًا على احتمالية فعلنا لشيء ما للحد منها.»

يعتمد واضعو اللوائح التنظيمية غالبًا على ما يُعرَف بتحليل التكاليف والفوائد لتقييم المخاطر وتحديد كيفية التعامل معها. ظاهريًّا، تبدو الفكرة بسيطة إلى حدٍ ما؛ فما عليك سوى حساب ما عليك دفعه مقابل الفائدة التي ستعود عليك، وستعرف ما إذا كان التغيير المُقترَح يستحق ما ستبذله من جهد أم لا. قد يكون ذلك أفضل الإجراءات المتاحة في ظل العديد من الظروف، لكنه قد يُسفِر أيضًا عن تكوُّن غشاوة خادعة من الدقة الرياضية؛ فمن الناحية العملية، قد يكون من الصعب للغاية إجراءُ تحليل التكاليف والفوائد. ولا تقتصر المشكلة على قياس التكاليف والفوائد فحسب — الأمر الذي قد يمثِّل تحديًا في حد ذاته — وإنما تشمل أيضًا تعريف ما نعنيه بالتكلفة والفائدة في المقام الأول. يتضمن العديد من المواقف الافتراضية الكثير من الأمور غير المعلومة التي تَحُول دون حساب أيٍّ من التكلفة أو الفائدة على نحو موثوق، بل حساب المخاطر في المقام الأول أيضًا. لا ريب أنه بوسعنا المحاولة، إلا أن هذه الشكوك ينبغي أخذها في الاعتبار، أو على الأقل الإقرار بها.

ولا شك أن أي نظام متعقِّل يتوقَّع التكاليفَ والمخاطِرَ على المدى القريب وفي المستقبل سيكون نافعًا، لكن لا يمكن تقييم جميع البدائل بناءً على تكلفتها فحسب؛ فماذا إذا كان الشيء المعرَّض للخطر ليس له بديل على الإطلاق؟6 فلو كان تكوين مصادم الهادرونات الكبير لثقبٍ أسودَ من شأنه ابتلاع كوكب الأرض، أمرًا ذا احتماليةِ حدوثٍ معقولةٍ على مدى أعمارنا، أو حتى على مدى مليون عام، لَكُنَّا بلا شك قد أوقفنا المشروع على الفور.

رغم استفادتنا إلى حدٍّ بعيد، في النهاية، من الأبحاث في مجال العلوم الأساسية، نادرًا ما يمكن حساب التكلفة الاقتصادية للتخلِّي عن مشروع ما في هذا المجال؛ وذلك لأن الفوائد التي يعود بها يصعب للغاية تحديد حجمها. على سبيل المثال، من أهداف مصادم الهادرونات الكبير التوصُّل إلى معرفة أساسية تشمل فهمًا أفضل للكتل والقوى، وربما أيضًا طبيعة الفضاء. من فوائده أيضًا الجمع بين مجموعة من الأفراد المدربين فنيًّا الذين يتمتعون بالثقافة والحماس، ولديهم أسئلة مهمة وأفكار عميقة بشأن الكون وتكوينه. على الجانب الأكثر عمليةً، سوف يتبع هذا المصادم نهجَ التقدُّم المعلوماتي الذي حقَّقَتْه سيرن في الشبكة العنكبوتية العالمية، تلك «الشبكة» التي سمحت بمعالجة عالمية للمعلومات، إلى جانب التطورات في تكنولوجيا المغناطيسيات التي انتفعت بها الأجهزة الطبية، مثل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي. يمكن التوصُّل أيضًا إلى العديد من التطبيقات الأخرى المحتملة للعلم الأساسي، لكن هذه التطبيقات يستحيل غالبًا التنبؤ بها.

إن تحليلات التكاليف والفوائد يصعب تطبيقها على العلم الأساسي. طبَّق أحدُ المحامين على نحو هزليٍّ أسلوبَ تحليل التكاليف والفوائد على مصادم الهادرونات الكبير، مشيرًا إلى أنه في مقابل الخطر الهائل ذي الاحتمال الضعيف للغاية الذي يفرضه هذا المصادم، أمامه في الوقت نفسه فرصةٌ ضئيلةٌ لتحقيق فوائد مذهلة عن طريق حلِّه لجميع مشكلات العالم. بالطبع، لا يتلاءَمُ أيٌّ من هاتين النتيجتين بسهولة مع حساب التكاليف والفوائد القياسي، وإنْ حاوَلَ المحامون — على نحو لا يُصدَّق — فعل ذلك.7

يستفيد العلم، على الأقل، من كَوْن أهدافه حقائق «أبدية»، فإذا توصَّلتَ إلي الكيفية التي يسير بها العالم، فستكون تلك حقيقة بغض النظر عن مدى السرعة أو البطء التي تم بها هذا الإنجاز. ونحن، بلا شك، لا نرغب في أن يكون التقدم العلمي بطيئًا، إلا أن التأخُّر الذي شهده مصادم الهادرونات الكبير لمدة عام أوضَحَ لنا خطورةَ التسرُّعِ في تشغيله. وبوجه عام، يحاول العلماء التقدُّم بحذر.

يتَّسِم تحليل التكاليف والفوائد بصعوبة إجرائه في أغلب المواقف المعقَّدَة، مثل سياسة تغيُّر المناخ أو العمل المصرفي. ورغم أن تحليل التكاليف والفوائد — من الناحية النظرية — منطقي وقد لا يكون هناك اعتراض جوهري عليه، فإن كيفية تطبيقه هي التي تُحدِث فارقًا هائلًا. مناصرو تحليل التكاليف والفوائد يتبعون منطق التكلفة والفائدة في دفاعهم من أجل تبرير هذا الأسلوب بطرحهم السؤال التالي: كيف يمكن تحقيق ما هو أفضل من هذا التحليل؟ ولعلهم على حق في ذلك. لكن ما أدعو إليه هو تحرِّي المزيد من الدقة العلمية عند تطبيق هذا الأسلوب؛ فعلينا التفكير بوضوح في الشكوك التي قد ينطوي عليها أي رقم نطرحه. وكما هو الحال مع التحليل العلمي، علينا الأخذ في الاعتبار الأخطاء والافتراضات والأهواء، وأن نتحلَّى بالصراحة في التعبير عن هذه العوامل.

من العوامل التي تهم كثيرًا في قضايا تغيُّر المناخ فكرةُ ما إذا كانت التكاليف أو الفوائد تعود على فرد، أم دولة، أم العالم بأسره. يمكن للتكاليف أو الفوائد المحتملة تجاوُز هذه الفئات أيضًا، لكننا لا نأخذ دائمًا ذلك بعين الاعتبار. على سبيل المثال، من الأسباب التي دفعت السياسيين الأمريكيين إلى التصويت ضد بروتوكول كيوتو توصُّلهم إلى أن التكاليف التي سيكبِّدها هذا البروتوكول للأمريكيين — وبالأخص الشركات الأمريكية — ستتجاوز فوائده. لكن هذه الحسابات لم تأخذ في الاعتبار التكاليفَ الطويلة المدى لحالات عدم الاستقرار المناخي بجميع أنحاء العالم، أو فوائد البيئة المنظمة التي قد تزدهر فيها الأعمال الجديدة. الكثير من التحليلات الاقتصادية لتكاليف الحد من تغيُّر المناخ لا تأخذ في الاعتبار الفوائدَ الأخرى المحتملة التي ستعود على الاقتصاد عن طريق الابتكار، أو على الاستقرار عن طريق تراجع الاعتماد على الدول الأجنبية. ويتدخل في ذلك العديد من الأمور المجهولة بشأن كيفية تغيُّر العالم.

تثير هذه الأمثلة، كذلك، تساؤلًا بشأن كيفية تقييم المخاطر التي تتجاوز حدود الدول، والحد منها. لنفترض مثلًا أن الثقوب السوداء فرضت خطرًا على الكوكب بالفعل، فهل يمكن لشخص ما في هاواي التقدم بدعوى قضائية ناجحة ضد تجربةٍ خُطِّطَ لها في جنيف؟ وفقًا للقوانين المعمول بها، فإن الإجابة هي: لا، لكن ربما يمكن لدعوى قضائية ناجحة التدخُّل في المساهمات المالية التي تقدِّمها الولايات المتحدة لهذه التجربة.

يُعَدُّ الانتشار النووي من القضايا الأخرى التي يكون فيها الاستقرار العالمي على المحك، لكن تحكمنا في المخاطر التي تظهر في الدول الأخرى محدودٌ. فكلٌّ من تغيُّر المناخ والانتشار النووي من القضايا التي تُدار على مستوى الدولة، لكن مخاطرها لا تقتصر على المؤسسات أو الدول التي تتسبَّب في الخطر فحسب. والمشكلةُ السياسية المتعلقة بما ينبغي فعله عند تجاوز المخاطر حدود الدول أو الاختصاصات القانونية مشكلةٌ صعبةٌ، لكنها بالتأكيد ذات أهمية.

على سبيل المثال، بما أن سيرن مؤسسة دولية بمعنى الكلمة، فإن نجاحها يعتمد على الأهداف المشتركة للعديد من الدول، ويمكن لإحدى الدول أن تحدَّ من قدر مساهمتها في المنظمة، لكن بعيدًا عن ذلك، لا تكون أي مصالح فردية عرضة للخطر. فتعمل جميع الدول بالتعاون مع بعضها البعض؛ نظرًا لأن العلم الذي تقدِّره جميع هذه الدول واحد. ولعل الدولتين اللتين يقع بهما مقر المنظمة، وهما فرنسا وسويسرا، يحصلان على قدر أكبر بعض الشيء من المزايا الاقتصادية فيما يتعلق بالأيدي العاملة والبنية التحتية، لكن ذلك لا يحدث — بوجه عام — على حساب أي دولة أخرى من الدول الأعضاء، فما من دولة تستفيد على حساب أخرى.

من الميزات الأخرى الجديرة بالذكر لمصادم الهادرونات الكبير تحمُّل سيرن ودُوَلها الأعضاء المسئولية في حال وقوع أي مشكلات فنية أو عملية. لزم، على سبيل المثال، إصلاح ما تسبَّبَ فيه انفجارُ الهليوم عام ٢٠٠٨ باستخدام ميزانية سيرن. ما من أحدٍ يستفيد، بالتأكيد، من الفشل الميكانيكي أو الكوارث العلمية، لا سيما مَن يعملون في مصادم الهادرونات الكبير. وتقل فائدة تحليلات التكاليف والفوائد عند تطبيقها على المواقف التي لا يوجد فيها توازن كامل بين التكاليف والفوائد، ولا يتحمل فيها مانِحُو الفوائد المسئوليةَ كاملةً عن المخاطر التي يتسبَّبون فيها. وذلك يختلف تمامًا عن تطبيق هذا النوع من التفكير على صور النظم المُغلَقة التي يحاول العلم التعامُل معها.

وما نبغيه دومًا في أي موقف هو تجنُّب المخاطر الأخلاقية، حين لا يكون هناك توازنٌ بين مصالح الناس والمخاطر التي يتعرَّضون لها، مما يهيئ لديهم الحافِزَ لتحمُّل خطرٍ أكبر مما كانوا سيقبلونه حال لم يقدِّم أحدٌ آخَر ضمانًا أكبر؛ لذا فإننا بحاجة إلى الهياكل التحفيزية السليمة.

انظر مثلًا إلى صناديق التغطية؛ يحصل الشركاء العموميون على نسبة من المكسب كل عام عند تحقيق هذه الصناديق للأرباح، لكنهم لا يتحملون نسبةً مماثلةً في حال واجهت صناديقهم أي خسائر أو أفلست. وبذلك، يحتفظ الأفراد بمكاسبهم، في حين يتحمَّل أربابُ أعمالهم — أو دافِعُو الضرائب — الخسائرَ. وفي ظل هذه المؤشرات، حتى أكثر الاستراتيجيات نفعًا للموظفين تؤدِّي إلى حدوث حالات تقلُّب وعدم استقرار هائلة. ولكي يكون النظام فعَّالًا، وكذا تحليل التكاليف والفوائد، ينبغي أن يضَعَا في الاعتبار مثلَ هذا التخصيص للمخاطر والمكافآت والمسئوليات، وينبغي أن يأخذَا في الحسبان الفئاتِ أو النطاقاتِ المختلفةَ للأفراد المَعْنيِّين.

تنطوي العمليات المصرفية أيضًا على مخاطر أخلاقية واضحة لا تتوازن بالضرورة مع الفوائد، فتُسفِر سياسة «هذا أكبر من أن يفشل»، إلى جانب ضعف القيود المفروضة على رفع الأرباح المالية، عن موقف يختلف فيه مَن يتحمَّلون مسئولية الخسائر (دافِعُو الضرائب) عمَّن ينتفعون أغلب الوقت (المصرفيين وشركات التأمين). وقد يجادل البعض بشأن ضرورة عمليات الإنقاذ من الأزمة المالية التي اتُّبِعت في عام ٢٠٠٨، لكنه كان من الأفضل الحيلولة دون حدوث ذلك الموقف من الأساس عن طريق الموازنة بين المخاطر والمسئولية.

من ناحية أخرى، نجد جميع البيانات المتعلقة بالتجارب والمخاطر في مصادم الهادرونات الكبير متوفرة بسهولة، وتقرير السلامة متوفر بدوره على الإنترنت، حيث يمكن للجميع الاطِّلَاع عليه. فلا ريب أن أي مؤسسة تتوقَّع إنقاذًا لها في حال فشلها، أو حتى تأمل في ذلك على نحو غير مستقر، ينبغي أن تقدِّم البيانات الوافية إلى الجهات التنظيمية لكي يمكن تقييم الوزن النسبي للفوائد مقابل المخاطر. وهذا الوصول اليسير للبيانات الموثوقة من شأنه مساعدة خبراء الرهونات أو المنظمين أو غيرهم على توقُّع الكوارث المالية أو غيرها من صور الكوارث الأخرى مستقبلًا.

ومع أن أخذ «النطاق» في الاعتبار — من حيث الفئات التي ستجني الفوائد وتلك التي ستتحمل المخاطر، بالإضافة إلى الأطر الزمنية — ليس حلًّا في حد ذاته، فإنه يمثِّل أحدَ العوامل الأخرى التي يمكنها على الأقل تحسين التحليلات أو توضيحها. ومسألة النطاق تتناول مسألة مَن المعْنِيُّ بالحسابات: هل هو فرد، أم منظمة، أم حكومة، أم العالم أجمع؟ وما إذا كانت الفترة الزمنية المعنيَّة بالحساب شهرًا أم عامًا أم عقدًا. ولعل السياسة الجيدة، كما يراها جولدمان ساكس، قد لا تفيد في النهاية الاقتصاد ككل، أو الفرد الذي يواجه مشكلة ما في رهنه العقاري حاليًّا. ويعني ذلك أنه حتى في وجود حسابات دقيقة للغاية، فإنها لن تضمن نتيجة صحيحة إلا إذا طُبِّقَتْ على فكر متأنٍّ سليم عن طريق التساؤل.

وعندما نضع سياسة أو نقيِّم التكاليف مقابل الفوائد، نتجاهل عادةً الفوائد المحتملة للاستقرار العالمي ومساعدة الآخَرين، ليس فقط على المستوى الأخلاقي، وإنما أيضًا على المستوى المالي الطويل المدى. ويرجع ذلك، من ناحية، إلى أن هذه المكاسب يصعب تحديد حجمها، ومن ناحية أخرى إلى صعوبة إجراء التقييمات ووضع لوائح قوية في عالم سريع التغير. ومع ذلك، يظل من الواضح أن اللوائح التي تضع في الاعتبار جميعَ الفوائد الممكنة، وليس فقط تلك التي تعود على فرد أو مؤسسة أو دولة ما، تكون أكثر موثوقيةً، بل قد تؤدي كذلك إلى العيش في عالم أفضل.

يمكن للإطار الزمني أيضًا التأثير على التكلفة أو الفائدة المحسوبة للقرارات المتعلقة بسياسة ما، مثلما تفعل الافتراضات التي تضعها الأطراف التي تتخذ القرارات، كما رأينا في الأزمة المالية الأخيرة. والأطر الزمنية مهمة من نواحٍ أخرى أيضًا؛ نظرًا لأن التصرف على نحو سريع للغاية يمكن أن يزيد من الخطر، وفي الوقت ذاته يمكن للمعاملات السريعة زيادة الفوائد (أو الأرباح). لكن بالرغم من أن عمليات المتاجرة السريعة يمكن أن تجعل التسعير أكثر كفاءةً، فإن المعاملات التي تتم بسرعة البرق لا تعود بالضرورة بالفائدة على الاقتصاد ككل. وقد أوضح لي أحد المصرفيين العاملين في مجال الاستثمار كَمْ كان من المهم بيع الأسهم وقتما يشاء مالكوها، لكنه لم يتمكَّن من تفسير سبب حاجتهم لبيع هذه الأسهم بعد امتلاكها لبضع ثوانٍ أو أقل، فيما عدا حقيقة جَنْيِه هو ومصرفه المال من وراء ذلك. مثل هذه العمليات التجارية تحقِّق قدرًا أكبر من الأرباح للمصرفيين ومؤسساتهم على المدى القصير، لكنها تزيد من تفاقُم نقاط الضعف التي يعاني منها بالفعل القطاعُ المالي على المدى الطويل. حتى في ظل الضرر التنافسي القصير المدى، يمكن للنظام، الذي يبعث على الثقة، أن يكون أكثر تحقيقًا للربح على المدى الطويل؛ ومن ثَمَّ تكون الغلبة له في النهاية. جدير بالذكر أن المصرفي، الذي أتحدَّث عنه، قد جنى مليارَيْ دولار لصالح مؤسسته في عام واحد؛ لذلك قد لا تتفق هذه المؤسسة مع الحكمة التي يحملها اقتراحي. لكن مَن سيتكبَّد في النهاية تكلفة هذا الربح قد يتفق معي.

دور الخبراء

يخطئ الكثيرون في استيعاب الدرس، ويستنتجون أن غياب التنبؤات الموثوقة يعني غياب الخطر. لكن، في الواقع، العكس هو الصحيح؛ فإلى أن يمكننا استبعاد افتراضات أو أساليب معينة، تظل النتائج الممكنة واقعة داخل نطاق احتمالية الحدوث. ورغم الشكوك المتعلقة بالنماذج العديدة التي تتنبَّأ بالنتائج الخطيرة — أو ربما بسبب هذه الشكوك — فإن احتمالية وقوع كارثة فيما يتعلق بالمناخ أو الاقتصاد — أو الحفر داخل المياه — ليست ضئيلة على نحو يمكن إهماله. وقد يزعم البعض أن فُرَص هذه المخاطر تكون ضئيلة في إطار زمني محدَّد. لكن على المدى الطويل، وإلى أن نحظى بمعلومات أفضل، يؤدي العديد من السيناريوهات إلى نتائج فاجعة يصعب معها تجاهل المخاطر.

والأشخاص الذين لا يهتمون إلا بالمحصلة النهائية يعارضون التنظيم الحكومي، في حين يؤيِّده مَن يهتمون بالسلامة والقابلية للتنبؤ. ويسهل للغاية الوقوع في شَرَك انتقاد هذا الطرف أو ذاك؛ نظرًا لأن معرفة الحدود الفاصلة بينهما أمر صعب، إن لم يكن مستحيلًا. وكما هو الحال مع حساب المخاطر، فإن عدم معرفة نقطة اتخاذ القرار لا يعني أنها غير موجودة، أو أنه ليس علينا محاولة الوصول إلى أفضل تقدير تقريبي لها؛ معنى ذلك أنه حتى في ظل عدم توفُّر المعلومات الدقيقة اللازمة لإجراء تنبؤات مفصلة، ينبغي معالجة المشكلات الهيكلية.

ينقلنا ذلك إلى السؤال الأخير المهم وهو: مَن بيده القرار؟ ما دور الخبراء؟ ومَن يتولَّى تقييم المخاطر؟

إذا وضعنا في الاعتبار الجانب المالي والبيروقراطية والمراقبة الدقيقة بمصادم الهادرونات الكبير، يمكننا توقُّع تحليل المخاطر كما ينبغي. علاوةً على ذلك، فإن الطاقات التي يعمل عندها المصادم لا تفرض علينا التعامُل مع نظام جديد لا تنطبق عليه أُسُس فيزياء الجسيمات؛ لذا فإن الفيزيائيين على ثقة بأن المصادم آمِن، ويتطلعون إلى ما ستحقِّقه تصادمات الجسيمات من نتائج.

لا يعني ذلك أن العلماء لا تقع على عاتقهم مسئوليات جسيمة؛ فنحن بحاجة دومًا للتأكُّد من أن العلماء يتحملون مسئولية المخاطر ويتنبَّهون لها، كما أننا نبغي التمتُّع في جميع المشروعات العلمية بالقدر نفسه من اليقين الذي نتمتَّع به بشأن مصادم الهادرونات الكبير. فإذا كنتَ تعمل على مادة أو جراثيم أو أي شيء آخَر لم يوجد من قبلُ (أو تسبر أغوارًا أعمق أو تستكشف حدودًا جديدة على الأرض)، فعليك التيقُّن من أنك لا ترتكب خطأً فادحًا. والحل هنا هو التصرف على نحو عقلاني، دون أن تقيِّدَك مخاوف لا أساس لها من الصحة، من شأنها الوقوف حجر عثرة أمام تحقيق التقدم وجني الفوائد. ينطبق ذلك ليس فقط على العلم، وإنما على أي مسعًى آخَر محتمل الخطورة. والحل الوحيد للأمور المجهولة المُتوهَّمة، بل «الأمور المجهولة التي لا نراها» أيضًا، هو الاهتمام بأكبر قدر ممكن من وجهات النظر العقلانية، والتمتُّع بحرية التدخل إذا لزم الأمر. ينبغي كذلك أن تتمتَّع بقدرة إيقاف العمل برمته في حال وقوع أي مشكلات، الأمر الذي سيصدِّق عليه أي شخص شهد كارثة خليج المكسيك.

في بداية الفصل السابق، لخَّصْتُ بعضًا من الاعتراضات التي يطرحها المدونون والمتشكِّكون بشأن الأساليب التي يتبعها الفيزيائيون في حسابات الثقوب السوداء، ومن ذلك الاعتماد على ميكانيكا الكم. لقد استخدم هوكينج بالفعل ميكانيكا الكم في استنباط فكرة تحلُّل الثقوب السوداء، ورغم عبارة فاينمان «لا أحد يفهم ميكانيكا الكم»، فإن الفيزيائيين يفهمون آثارها، وإن لم نكن نتمتَّع ببصيرة فلسفية عميقة بشأن السبب وراء صحة ميكانيكا الكم. نحن نؤمن بها لأنها تمنحنا تفسيرًا للبيانات وتحلُّ لنا المشكلات التي لا سبيل لحلها باتباع الفيزياء الكلاسيكية.

عندما يتناقش الفيزيائيون حول ميكانيكا الكم، فإنهم لا يتجادلون بشأن ما تقدِّمه من تنبؤات؛ فنجاحها المتكرِّر أجبر أجيالًا من الباحثين والطلبة المنبهرين بها على قبول صحة النظرية، لكن الجدل المُثار حاليًّا بشأن ميكانيكا الكم إنما يتعلَّق بأسسها الفلسفية. والسؤال هنا: هل من نظرية أخرى ذات مقدمة منطقية كلاسيكية مألوفة على نحو أكبر تتنبَّأ بفرضيات ميكانيكا الكم الغريبة؟ حتى إن حقَّقَ الناس تقدُّمًا بشأن هذه المسائل، فلن يُحدِث ذلك اختلافًا في تنبؤات ميكانيكا الكم، فيمكن لصور التقدُّم الفلسفي أن تؤثِّر على إطار العمل المفاهيمي الذي نستخدمه لوصف التنبؤات، ولكن ليس على التنبؤات ذاتها.

من الجدير بالذكر أن تحقيق تقدُّم مهم في هذا الشأن أمر مستبعد من وجهة نظري؛ فميكانيكا الكم هي على الأرجح نظرية أساسية، وهي أكثر ثراءً من الميكانيكا الكلاسيكية. وجميع التنبؤات الكلاسيكية حالة مقيدة لميكانيكا الكم، لكن العكس ليس صحيحًا؛ لذا من الصعب أن نصدِّق أننا سنفسِّر في النهاية ميكانيكا الكم باستخدام منطق نيوتن الكلاسيكي؛ فمحاولة تفسير ميكانيكا الكم باتباع الأسس الكلاسيكية أشبه بمحاولتي تأليفَ هذا الكتاب باللغة الإيطالية، كل ما يمكنني قوله بالإيطالية يمكنني قوله بالإنجليزية، لكن العكس ليس صحيحًا بالمرة؛ فأنا لا أعرف سوى عدد محدود من المفردات الإيطالية.

مع ذلك، سواء أكان هناك اتفاق على الدلالة الفلسفية أم لا، فإن جميع الفيزيائيين يتَّفِقون على كيفية تطبيق ميكانيكا الكم، حتى المعترضون اللاعقلانيون أنفسهم يتفقون على هذه النقطة؛ فتنبؤات ميكانيكا الكم جديرة بالثقة، وخضعت لاختبار صحتها مرات عديدة. حتى دون هذه التنبؤات، تظل لدينا أدلة تجريبية بديلة بأن مصادم الهادرونات الكبير آمِن (تتمثَّل في الأرض والشمس والنجوم النيوترونية والأقزام البيضاء).

اعترض المتخوفون من مصادم الهادرونات الكبير كذلك، على الاستخدام المزعوم لنظرية الأوتار. لا ريب أن استخدام ميكانيكا الكم أمر لا بأس به، لكن الاستناد إلى نظرية الأوتار ليس كذلك. بَيْدَ أن الاستنتاجات بشأن الثقوب السوداء لم تَقُمْ بأي حال على نظرية الأوتار على الإطلاق. يحاول الناس بالفعل استخدام نظرية الأوتار لفهم الجانب الداخلي للثقوب السوداء (أي هندسة التفرُّد الواضح بمركز هذه الثقوب؛ حيث تصير الطاقة كثيفةً على نحو غير محدود وفقًا للنسبية العامة)، وأُجرِيت حسابات مستندة إلى نظرية الأوتار لتبخُّر الثقوب السوداء في المواقف غير الفيزيائية، الأمر الذي دعم النتيجة التي توصَّلَ إليها هوكينج. لكن حساب تحلُّل الثقوب السوداء يعتمد على ميكانيكا الكم، وليس نظرية كاملة للجاذبية الكمية؛ لذلك حتى دون نظرية الأوتار، كان بإمكان هوكينج إجراء حساباته. والأسئلة التي طرحها بعض المدونين عكست في حدِّ ذاتها غيابَ الفهم العلمي الكافي لتقدير الحقائق.

ثمة تفسيرٌ آخَر أكثر شمولًا لهذا الاعتراض؛ أَلَا وهو مناهضة العلماء وثقتهم «القائمة على الإيمان» في نظرياتهم، وليس مناهضة العلم ذاته. ففي النهاية، تتجاوَزُ نظرية الأوتار نظام الطاقات الذي يمكن التحقُّق منه تجريبيًّا، لكن الكثير من الفيزيائيين يؤمنون بصحتها ويواصلون العمل عليها. لكن اختلاف الآراء بشأن هذه النظرية — حتى داخل المجتمع العلمي نفسه — يثبت عكس ذلك؛ فما من أحد سيستند في أي تقييم للسلامة إلى نظرية الأوتار. يدعم بعض الفيزيائيين النظرية، في حين لا يفعل ذلك البعض الآخَر، لكن الجميع يعلم أنه لم يتم إثباتها أو الكشف عن كافة تفاصيلها بعدُ. وإلى أن يتفق الجميع على صحة نظرية الأوتار وموثوقيتها، ستكون الثقة بها بالمواقف الخطيرة مجازَفَةً حمقاء. وفيما يتعلق بسلامتنا، فإن العجز عن التوصُّل إلى نتائج تجريبية لنظرية الأوتار ليس هو السبب الوحيد وراء عدم تأكدنا بعدُ من صحتها، ولكنه السبب أيضًا وراء عدم الحاجة إليها في التنبؤ بأغلب ظواهر العالم الواقعي التي نواجِهُها على مدار أعمارنا.

مع ذلك، ورغم ثقتي بأنه من المقبول الاعتماد على الخبراء عند تقييم المخاطر المحتملة لمصادم الهادرونات الكبير، فإنني أدرك مَواطِن القصور المحتملة لهذه الاستراتيجية، ولا أعلم بالضبط كيفية معالجتها؛ فقد كان «الخبراء» هم مَن أخبرونا أن المشتقات المالية من شأنها الحد من المخاطر، وليس التسبُّب في أزمات محتملة. والاقتصاديون «الخبراء» هم مَن أخبرونا بأن إلغاء اللوائح المنظمة لعمل الاقتصاد ضروريٌّ لتحقيق التنافسية في سوق العمل الأمريكية، ليس أنه سيتسبَّب في انهيار محتمل للاقتصاد الأمريكي. و«الخبراء» هم مَن أخبرونا أن مَن يعملون في القطاع المصرفي هم وحدهم مَن يستوعبون ما يجرونه من معاملات على نحو يسمح لهم بالتعامل مع كوارثها. كيف لنا إذن معرفة ما إذا كان الخبراء يفكِّرون تفكيرًا شموليًّا بالقدر الكافي أم لا؟

يتضح مما سبق أن الخبراء يمكن أن يتَّسِموا بقِصَر النظر، ويمكن كذلك أن يكون لديهم تضارُبٌ في المصالح؛ فهل من دروس يمكن أن يقدِّمها لنا العلم في هذا الشأن؟

لا أظن أن انحيازي هو ما يدفعني للقول إنه في مسألة الثقوب السوداء بمصادم الهادرونات الكبير، تحقَّقْنا نحن العلماء من مجموعة عريضة من المخاطر المحتملة التي يمكننا تصوُّرها منطقيًّا. فلقد فكَّرنا في الحُجج النظرية والأدلة التجريبية على حدٍّ سواء، وفكَّرنا في المواقف الكونية التي تنطبق عليها نفس الظروف الفيزيائية، لكن لم يحدث تدمير لأي بِنى قريبة منها.

ليته كان بإمكاننا التفاؤل بأن الاقتصاديين يجرون مقارناتٍ مماثِلةً للبيانات المتوفرة لديهم. لكن عنوان كتاب كارمين راينهارت وكينيث روجوف «هذه المرة مختلفة» يشير إلى عكس ذلك؛ فرغم أن الظروف الاقتصادية لا تتطابق أبدًا، فإن بعض السمات العامة تكرِّر نفسها في الفقاعات الاقتصادية.

أيضًا لا تصلح الحجة التي يطرحها البعض حاليًّا — والقائلة بأنه ما كان لأحد أن يتنبَّأَ بمخاطر إلغاء اللوائح التنظيمية — كدفاع؛ فقد أشارت بروكسلي بورن — رئيسة مجلس إدارة «لجنة متاجرة العقود الآجلة للسلع» التي تُشرِف على العقود الآجِلة وأسواق خيارات السلع — بالفعل لمخاطر إلغاء اللوائح التنظيمية، بل إنها في الواقع دعَتْ لاستكشاف المخاطر المحتملة على نحو عقلاني، لكن الجميع رفض الاستماع إليها. لم يكن هناك تحليل موثوق بشأن ما إذا كان الحذر مبررًا (الأمر الذي أُثبِتت صحته بعد ذلك)، لكن وجهة النظر المناصرة لإلغاء اللوائح التنظيمية أشارت إلى أن التحرُّك ببطء سيضر بالأعمال (مثل الإضرار ببورصة وول ستريت على المدى القصير).

إن الاقتصاديين الذين يتحدَّثون بشأن اللوائح التنظيمية والسياسات قد تكون لديهم مصالح سياسية أو مالية من شأنها التدخل في فعل الصواب. في المعتاد، يولي العلماء مزيدًا من الاهتمام بفوائد المجادلات، بما في ذلك تلك التي تتعلَّق بالمخاطر، وليس بالسياسات؛ فنجد الفيزيائيين في مصادم الهادرونات الكبير يطرحون استفسارات علمية خطيرة لضمان عدم وقوع أي كوارث.

لعل الخبراء الماليين وحدهم هم الذين يفهمون تفاصيل أداة مالية معينة، لكن بمقدور أي شخص تفهُّم بعض المشكلات الهيكلية الأساسية. فأغلب الناس يمكنهم فهم السبب وراء عدم استقرار الاقتصاد القائم على رفع الأرباح بشكل مفرط، حتى دون التنبُّؤ على وجه الدقة بالمؤثِّر الذي من شأنه إحداث انهيار، أو فهم هذا المؤثر. ويمكن لأي أحد تقريبًا إدراك أن مَنْح المصارف مئاتِ المليارات من الدولارات مع قيود بسيطة أو دون قيود على الإطلاق، ليس السبيل الأمثل لإنفاق أموال دافعي الضرائب. وإذا ضربنا مثلًا بالصنبور، فسنجد أن أي صنبور يُصمَّم مزوَّدًا بوسيلة لإغلاقه، أو على الأقل توجد معه ممسحة وإرشادات لتنظيف أي فوضى ناجمة عن تسرُّب المياه. في ضوء هذا المثال، يصعب علينا فهم لماذا لا تُطبَّق تدابيرُ مماثلةٌ على معدات حفر البترول في المياه العميقة.

من ناحية أخرى، تتدخَّل العوامل النفسية عندما نعتمد على الخبراء، وهذا ما أوضحه الصحفي الاقتصادي ديفيد ليونهارت بصحيفة «نيويورك تايمز» في عام ٢٠١٠، عندما عزا الأخطاء التي ارتكبها السيد جرينسبان والسيد بيرنانكي إلى عوامل «نفسية أكثر منها اقتصادية». فسَّر ليونهارت ذلك بقوله: «لقد حصَرَا نفسَيهما في إطار المعرفة التقليدية، ووقَعَا فريسة نقطة الضعف ذاتها التي عانَى منها المهندسون في مكوك الفضاء «تشالينجر»، والمخططون لحربَيْ فيتنام والعراق، والطيارون الذين ارتكبوا أخطاءً فادحة في كبائنهم داخل الطائرات. لم يتحقَّق جرينسبان وبيرنانكي من افتراضاتهما على النحو الملائم، وكان الأمر برمته خطأً بشريًّا.»8

إن السبيل الوحيد للتعامل مع المشكلات المعقَّدَة هو الاستماع للجميع، حتى مَن هم خارج إطار العمل على المشكلة. على سبيل المثال، رغم قدرة المصرفيين المدفوعين بمصالحهم الشخصية على التنبؤ بإمكانية تعرُّض الاقتصاد للانهيار، فقد ارتضوا تجاهُلَ التحذيرات لأطول فترة ممكنة، لكن العلم ليس ديمقراطيًّا، بمعنى أن العلماء لا يجتمعون معًا ويصوتون على الإجابة الصحيحة، وإنما إذا كان لدى أحدهم وجهة نظر علمية سليمة، فسوف يُستمَع إليها في النهاية. ولا ريب أن الناس يلتفتون عادةً للاكتشافات والمعلومات الدقيقة التي يطرحها العلماء البارزون أولًا، لكن أي شخص مجهول يطرح وجهة نظر سليمة سيحظى بمَن يستمع إليه في النهاية.

وفي ظل وجود علماء مشهورين يجيدون الاستماع للآخَرين، يمكن أن يحظى المجهولون بالاهتمام بأفكارهم في الحال. هذا الذي مكَّن أينشتاين من تقديم نظرية هزَّتِ الأسسَ العلمية على الفور، وقد استوعب الفيزيائي الألماني ماكس بلانك تبعات أفكار أينشتاين عن النسبية، وكان بالمصادفة هو المسئول عن أهم دورية فيزيائية آنذاك.

وفي العصر الحالي، نستفيد كثيرًا من الانتشار السريع للأفكار عبر الإنترنت؛ فيمكن لأي فيزيائي كتابة بحثه ونشره بأرشيف الفيزياء في اليوم التالي. على سبيل المثال، عندما كان لوبوش موتل طالبًا جامعيًّا في جمهورية التشيك، تمكَّنَ من حلِّ مسألة علمية كان العالم الشهير روتجرز يعمل عليها آنذاك، وكان توم بانكس يهتم بالأفكار الجيدة، حتى إن صدرَتْ عن مؤسسة لم يسمع عنها من قبلُ قطُّ. لا يتمتَّع الجميع بهذه الدرجة من الانفتاح، لكن طالما أن هناك عددًا قليلًا من الناس يهتمون، فستدخل أي فكرة — طالما أنها جيدة وسليمة — حيِّزَ النقاش العلمي في النهاية.

بذل المهندسون والفيزيائيون في مصادم الهادرونات الكبير المالَ والوقتَ من أجل تحقيق السلامة. لقد أرادوا الاقتصاد قدر الإمكان، لكن شريطة ألَّا يكون ذلك على حساب الأمان أو الدقة، وحرصوا كذلك على التوازن بين مصالح الجميع؛ فالنتائج التي لا تصمد أمام اختبار الزمان لا تفيد أحدًا.

إن العملة المتداولة في العلم هي السمعة، وما من شيء يعوضها عند خسارتها.

التنبؤ

آمل الآن أن نكون قد اتفقنا جميعًا على أنه ما من شيء يدعو للقلق فيما يتعلَّق بالثقوب السوداء، فثمة أمور أخرى عديدة علينا القلق بشأنها. وفي حالة مصادم الهادرونات الكبير، فإننا نفكِّر في جميع الأمور الجيدة التي يمكنه تحقيقها، وهذا ما يجب علينا فعله؛ فالجسيمات التي سينتجها ستساعدنا في التوصُّل إلى إجابات عميقة وجوهرية عن الأسئلة المتعلقة بالبنية الأساسية للمادة.

بالعودة سريعًا إلى حديثي مع نيت سيلفر، يمكنني القول إنني أدركتُ مدى تميُّزِ موقفنا في مجال فيزياء الجسيمات. ففي هذا العلم، يمكننا حصر أنفسنا داخل نظم تتسم بقدر من البساطة يمكِّننا من استغلال الأسلوب المنهجي، ذلك الأسلوب الذي تستند فيه النتائج الجديدة إلى القديمة. وتنشأ تنبؤاتنا أحيانًا في النماذج التي نعلم أنها صحيحة بناءً على الأدلة المتوفرة. وفي حالات أخرى، نقوم بالتنبؤات استنادًا إلى النماذج التي لدينا من الأسباب ما يجعلنا نؤمن بأنها قد تكون موجودة، ونستخدم التجارب لفلترة الاحتمالات؛ عندئذٍ — حتى دون أن نعلم بعدُ ما إذا كانت هذه النماذج ستثبت صحتها أم لا — يمكننا التنبؤ بما سيكون عليه شكل الأدلة التجريبية في حال ما تحقَّقت الفكرة في العالم.

ويستغل فيزيائيو الجسيمات قدرتهم على الفصل وفقًا للنطاق. فنحن نعلم أن التفاعلات على نطاق صغير يمكن أن تختلف كليةً عن التفاعلات على نطاق كبير، لكنها تنعكس في تفاعلات النطاق الكبير على نحو محدَّد، مما يحقِّق الاتساق مع ما نعرفه بالفعل.

يختلف التنبؤ اختلافًا كليًّا في جميع الحالات الأخرى تقريبًا؛ ففي النظم المعقدة، يلزم علينا عادةً التعامل مع مجموعة متنوعة من النطاقات في آنٍ واحد. لا ينطبق ذلك على المنظمات الاجتماعية فحسب — مثل مصرف يتسبَّب فيه تاجر غير مسئول في القضاء على استقرار المجموعة الدولية الأمريكية والاقتصاد ككل — لكن ينطبق أيضًا على العلوم الأخرى، ويمكن للتنبؤات في هذه الحالات أن تتنوع تنوعًا هائلًا.

على سبيل المثال، تشمل أهداف علم الأحياء التنبؤ بالأنماط البيولوجية، بل التنبؤ أيضًا بالسلوك الحيواني والبشري، لكننا لا نتمتع إلى الآن بفهم كامل لجميع الوحدات الوظيفية الأساسية أو التنظيم العالي المستوى الذي تحدث من خلاله العناصر الأولية آثارًا معقدة. علاوةً على ذلك، فإننا لا نعرف جميع حلقات التغذية الراجعة التي تهدِّد بجعل فصل التفاعلات حسب النطاق أمرًا مستحيلًا. يمكن للعلماء وضع النماذج، لكن بدون فهم أفضل للعناصر الأساسية المهمة أو كيفية مساهمتها في السلوك الناشئ، يواجِه واضعو النماذج ورطةً فيما يتعلَّق بالحصول على البيانات وحساب الاحتمالات.

من التحديات الأخرى أن النماذج البيولوجية تُصمَّم لتتماشى مع البيانات المتوفرة بالفعل، لكننا لا نعلم القواعد حتى الآن، فنحن لم نتعرَّف بعدُ على جميع النظم المستقلة البسيطة، لذلك من الصعب معرفة أي النماذج صحيح، هذا إن وُجِد نموذج صحيح. عندما تحدَّثْتُ مع الزملاء من علماء الأعصاب، وصفوا لي نفس المشكلة، فدون مقاييس جديدة من الناحية النوعية، أفضل ما يمكن للنماذج فعله هو التوفيق بين جميع البيانات المتوفرة بالفعل. ونظرًا لأن جميع النماذج الناجحة يجب أن تتفق مع البيانات، يصعب أن نحدِّد على نحو حاسم أي الفرضيات الأساسية صحيح.

لقد استمتعتُ بحديثي مع نيت بشأن الأمور التي يحاوِل التنبُّؤ بها، ويُقدِّم العديد من الكتب الشهيرة حاليًّا فرضياتٍ جامحةً تطرح تنبؤات تصدق أحيانًا، ولا تصدق في أحيان أخرى، أما نيت فأكثر التزامًا بالجانب العلمي، وقد اشتهر في البداية لتنبؤاته الدقيقة بنتائج مباريات كرة البيسبول والانتخابات. استند نيت في تحليله إلى التقييمات الإحصائية الدقيقة لمواقف مماثلة وقعت في الماضي، مع تضمين متغيرات عديدة يمكنه إدارتها لتطبيق الدروس التاريخية بأكبر قدر ممكن من الدقة.

على نيت الآنَ أن يختار بحكمة المجال الذي سيُطبِّق عليه الأساليبَ التي يتبعها، لكنه يدرك أن العلاقات المترابطة التي يركِّز عليها يمكن أن تكون خادعةً في تفسيرها. فيمكنك مثلًا القول إن حريقًا بأحد المحركات تسبَّبَ في تحطُّم طائرةٍ ما، لكن ليس مستغربًا أن نجد أن الطائرة المتحطمة تحوي محرِّكًا محترقًا. ما السبب الأساسي حقًّا للتحطُّم؟ لعلك تواجِه المشكلة ذاتها عندما تربط بين الطفرة البيولوجية لجين ما ومرض السرطان، فهذه الطفرة لا تتسبَّب بالضرورة في المرض، حتى وإن ارتبطت به!

يدرك نيت المخاطر الأخرى المحتملة كذلك. فحتى في ظل الكميات الكبيرة من البيانات، يمكن للعشوائية والتشويش أن يعزِّزَا من المؤشرات المثيرة للاهتمام أو يقمعاها؛ لذا لا يتناول نيت في تنبؤاته موضوع الأسواق المالية أو الزلازل أو المناخ؛ وذلك لأنه على الرغم من احتمالية تنبُّئِه بالتوجهات العامة في هذه المجالات، فستنطوي التنبؤات القصيرة المدى على شكوك متأصلة فيها. يدرس نيت الآن مجالات أخرى ألقت أساليبُه الضوءَ عليها، مثل كيفية تحقيق أفضل توزيع للموسيقى والأفلام السينمائية، بالإضافة إلى تساؤلات من قبيل قيمة كبار نجوم كرة السلة الأمريكية. لكن نيت يسلِّم أيضًا بأن عددًا قليلًا فقط من النظم يمكن قياسها على نحو دقيق للغاية.

ومع كل ذلك، قال لي نيت إن المتنبِّئين يجرون نوعًا آخَر من التنبؤات؛ أَلَا وهو التنبؤ بما سيحاول الناس التنبُّؤ به.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤