المسألة الثالثة عشرة والمائة

لِمَ قيل: الرأي نائم والهوى يقظان؛ ولذلك غلب الهوى الرأي؟ يُرْوَى هذا عن حكيم العرب عامر بن الظَّرِب.

أليس الرأي من حزب العقل وأوليائه؟ فكيف غُلِب مع عُلُوِّ مكانه وشرف موضعه؟

وما معنى قول الآخر من الأوائل: العقل صديقٌ مقطوع، والهوى عدوٌّ متبوع؟

ما سبب هذه الصداقة مع هذا العقوق؟

وما سبب تلك العداوة مع تلك المتابعة؟

وهل يرى هذا حقائق الأمور معكوسة منكوسة؛ فإن الظاهر خارج عن حكْم الواجب، جارٍ على غير النظام الراتب؟

الجواب

قال أبو علي مسكويه، رحمه الله:

هذا كلام خرج في معرِض فصاحةٍ وخطابة، فأما معناه فهو أن الهوى فينا قويٌّ جدًّا والرأي ضعيفٌ؛ وسبب ذلك أنَّا — معشر الناس — طبيعيون وجزء الطبيعة فينا أغلب من جزء العقل؛ لأنَّا في عالم الطبيعة، والعقل غريب عندنا ضعيف الأثر فينا؛ ولذلك نَكِلٌّ عند النظر في المعقولات، ولا نكل عند النظر في الطبيعيات ذلك الكلال.

والعقل وإن كان في نفسه شريفًا عالي الرتبة فإن أثره عندنا يسير.

والطبيعة وإن كانت ضعيفة بالإضافة إلى العقل منحطة الرتبة فإنها قويةٌ فينا؛ لأنَّا في عالمها، ونحن أجزاء منها، ومركَّبون من عناصرها، وفينا قواها أجمع، وهذا واضح غير محتاج إلى الإطناب في الشرح.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤