الفصل العاشر

الانتقال من الهزل إلى الجد

بعد سنة ١٩١١ دخل الطيران في شكلٍ جديد، فبعد أن كان للَّعبِ والتسلِّي وعرض أعمال الفروسية، ينجذب إليه المتفرِّجون انجذابهم إلى مسابقات الكُرَة أو ما شاكَلها، أصبحَ معظم الأعمال البهلوانية aerobatics or stunts الهوائية والسعي وراء تجاوز أقصى السُّرَع والارتفاعات، كل ذلك يستدعي المرور بسرعة والوصول إلى ارتفاعات كبيرة، وهذا مما يُقصي الطيارة عن نظر المتفرجين ويقلِّل من زمَن تأمُّلهم فيها عن كثَب، زِد على ذلك أن الناسَ ألِفوا الطيران، فبعد أن كانوا يُهرعون لرؤيته كعجيبة من عجائب القرن العشرين صاروا ينظرون إليه نظرَهم إلى الأمر المألوف، فهبَط الحماسُ له وقلَّ الإقبال على مشاهدته، ولم يعُد في وسع القائمين بالاستعراضات العامة أن يُوفَّقوا إلى جَذبِ عدد كافٍ للحصول على مجموعة أجور تفي بسَدِّ نفقات الاستعداد له. هذا من جهة الجمهور العادي، أما خاصة الناس: فالماليُّون منهم كانوا يرون أن الطيارات لا تزال في المهد، وأن أمامها زمن تجريب وتحسين طويل قبل أن تتوافر لها الصِّفات التي تؤهلها للدخول في عالم التجارة كوسيلة مُربحةٍ للنقل. وأما رجال الحكومات فبدءُوا ينظرون إلى الطيران بتخوُّف وتحفُّظ، ويرون فيه خطرًا من الوجهة الحربية، وبدأتْ كل حكومة تُضمر الاستعداد له وتنميته سرًّا، والانصراف إلى تشجيع مواطنيها فحسب.
كل ذلك زاد في تقليل حدَّة الاهتمام بالطيران، ذلك الاهتمام الذي كان يبدو على جميع الطبقات، ولكنه بذَر بذور العمل، وبعَث في العاملين وفي الحكومات روح الرغبة في التَّحسين، وصرَفهم إلى البحث بهدوء وتفكير. وسرعان ما اختمرت فكرة استخدام الطيارات لمساعدة الجيش في الكشف وتبيُّن مواقع العدو وقُواه، وبدأ البعض يشير إلى إمكان إلقاء القنابل من الطيارات، ولكن بشكل غير جدِّي، أما مسألة تركيب المدافع في الطيَّارات ليقاتل بعضها بعضًا كأفراد سلاح حربيٍّ مستقلٍّ فلم تخطر على بالِ أحد. عندئذٍ وضعت وزارات الحربية في الممالك المختلفة الاشتراطات التي تريد توفُّرها فيما تتعرض لشرائه من الطيارات، وحددت جوائز لأصحابها. ونذكر هنا على سبيل التمثيل اشتراطات وزارة الحربية الإنجليزية سنة ١٩١٢:
  • أولًا: أن يكون في وسع الطيارة أن تحمل أثقالًا وزنها ٣٥٠ رطلًا نافعة نفعًا حربيًّا، فلا تدخل فيها المعدَّات ولا الوقود والزَّيت اللازمان للطيران مدة أربع ساعات ونصف.
  • ثانيًّا: أن تصعد الطيارة من سطح الأرض إلى ارتفاع ١٠٠٠ قدَم في خمس دقائق، وأن تظل طائرة مدةَ ساعة في ارتفاع قدره ١٥٠٠ قدم، وأن تُواصل الطيران وفيها الأثقال النافعة حربيًّا المذكورة في البند السابق مدةَ ثلاث ساعات متتالية، تصل أثناءها إلى عُلُوٍّ قدره ٤٥٠٠ قدَم.
  • ثالثًا: أن تصل سرعتها إلى ٥٥ ميلًا في الساعة في الطقس العاديِّ الهادئ، وأن تكون قادرة على الانحدار والمحركُ واقفٌ عن الدوران من علوٍّ قدره ١٠٠٠ قدم، فتصل إلى الأرض بعد أن تجتاز مسافةً أفقية قدرها ٦٠٠٠ قدم، أي تنحدر بزاوية ظلها ١ / ٦.
  • رابعًا: أن تكون قادرة على بَدء الطيران وإنهائه في أرضٍ بها حشائش طويلة أو مزروعة أو مقلقلة من غير أن تُصاب الطيارةُ بأذى، وإذا نزلت على أرض ممهدة وجب أن تقف قبل أن تزيد المسافة التي تقطَعها على الأرض عن ٧٥ ياردة.
  • خامسًا: أن يكون مدى البصر أمام كلٍّ من الطيار والملاحظ من الأمام والجانبين مُتسعًا، وأن يكون الاثنان محميَّين من تيار الهواء حتى يتسنَّى لهما التخابُر.

(١) الطلاقة وتحسينها

أوردنا هذه الشروط لنوضح للقارئ ما كانت عليه الطيارة في ذلك الوقت من المقدِرة، وما كان يُراد لها من تحسين، ولا سيما فيما يسمى بالإنجليزية performance، ويشمل: سرعة الطيارة أفقيًّا وتسلُّقيًّا، واستخدمنا لها لفظة: «طلاقة». والعوامل التي تُحسن الطلاقة كثيرة، منها الصغير ومنها الكبير، ومن أهم تلك العوامل: زيادةُ قوة المحركات بغير ازدياد نسبيٍّ في الوزن، بل العمل على تقليل نسبة وزنها إلى ما تولِّده من قوة. ومن هذه العوامل تخفيف وزن الطيارة بقَدر الإمكان في كل جزءٍ من أجزائها بغير إضرار بمتَانته. وهناك عامل في غاية الأهمية لم ينل في بادئ الأمر القسط الذي يستحقه من العناية، وهو سحب جسم الطيارة بوجهٍ عام، وأجزائها المختلفة بوجهٍ خاص.

(١-١) السحب Streamlining

نقصد به جعل جسم الطيارة ملفوفًا متطاولًا حتى تقلَّ مقاومة الهواء لمرور الطيارة فيه، وتجد في شكل ١٠-١ صورة لطيارة جسمها مسحوب سحبًا لطيفًا يوضِّح الغرضَ المقصود من هذه التسمية. وكانت أول الشركات اهتمامًا بهذا الأمر شركة نيوبور Nieuport الفرنسية، راعت هذا السحب في إنشاء طيارةٍ قادها ويمن وكسب بها كأس جوردن بنت عام ١٩١١ بسرعة ٧٨ ميلًا في الساعة، وبعدها تنبَّهَت الأفكار لهذا العامل الأساسي في تحسين الطلاقة، وظهرَت في الطيارات المختلفة التي عُرضت بباريز في أوائل سنة ١٩١٢ وأواخرها محاولات متباينة ترمي إلى تحقيقِ هذا الغرَض. وطيارة دبردوسن Deperdussin التي احتوَتْ أحسن تلك الآراء لسحب الجسم وبقية الأجزاء هي التي كسب بها فيدرين كأسَ جوردن بنت عام ١٩١٢ بسرعة أميال في الساعة، أي بزيادة ميلًا في الساعة على سرعة ويمن في العام السابق وذلك تحسُّن سريع، وقد استمرت طيارات دبردوسن في تحسين هذا السحبِ، وكسبت إحداها نفس الكأس عام ١٩١٣.
ومن الأمثلة التي توضح المبالغة في الاهتمام بالدقائق في هذا الصدَد أن هذه الشركة لاحظت أن بروز رأس الطيارة خارجٌ منعزله تستلزم زيادةً مقاومة الهواء؛ لأن رأس الطيار ليست منسحبة. فمن الغريب أن القرص والكرة التي أكبر مقطع فيها يساوي ذلك القرص إذا تحرك أحدهما في الهواء، كانت مقاومة الأخير له أكثر بكثير منها لجسم بيضوي أو منسحب على العموم، بفرض أن أكبر قطاع لهذا الجسم يساوي القرص المستوى الأوَّل؛ من أجل ذلك ابتكرت شركة دبردوسن طريقة لتقليل مقاومة الهواء الناشئة عن بروز رأس الطيار، فأعدت مخروطًا خفيفًا متطاولًا وركَّبته مائلًا على جسم الطيارة وجعلت قاعدته مجوَّفة قليلًا، حتى يتَّكئ عليها الطيار بمؤخر رأسه، فيخالها الرائي مُلتحمة مع المخروط؛ وبذلك يمرُّ الهواء عليهما بسهولة وقليل مقاومة، كما يمر عادةً على الأجسام المنسحبة. وترى هذا المخروط في الطيارة التي في شكل ١٠-١، ورأس الطيار مُبعدة عنه قليلًا ليراه الناظر إلى الصورة بسهولة، وهذه الطريقة اتُّبعت في معظم طيارات السباق بعد ذلك الحين. وهكذا يتناول العمل على تقليل مقاومة الهواء كلَّ جزء من الأجزاء الظاهرة في الطيارة، حتى الأسلاك التي تربط الأجنحة بعضها ببعض وبالجسم.
fig49
شكل ١٠-١: طيارة سباق أمريكية صنع كريس.

(١-٢) تعدُّد الأنواع

وفي بحر الثَّلاثِ السنوات التي تقدَّمت الحرب بدأت الطَّيارات ذات السطحين تعود إلى الظهور وتحل محل ذات السطح الواحد، وأول طياراتٍ ظهرت من هذا النوع ونجَحت كانت إنجليزية، فبلغَت سرعتُها سرعةَ ذات السطح الواحد المناظرة لها، وفاقَتْها في المتانة وفي قلَّة السرعة التي تنزل بها إلى الأرض (وهذا مما يقلِّل وطأةَ صدمتِها بها)، فمنها واحدة رُكِّب عليها محرك قوتُه ٨٠ حصانًا فقط، واستطاعت أن تطير وفيها ثلاثة ركاب ومقدار من البترول يكفيها أربعُ ساعات، وبلغتِ النهاية العظمى لسرعتها ٨٠ ميلًا في الساعة والنهاية الصغرى ٣٠، وهي تقريبًا السرعة التي تنزل بها إلى الأرض. وبهذه المناسبة نذكُر أن تعدُّد السطوح من شأنه أن يزيد في مساحة الأجنحة، فيزيد في الرفع المكتسب من الهواء، ولكنه يزيد في أجزاء الطيارة المعرضة للتيار الهوائي، وبذلك يعمل على إكثار المقاومة أو المنع. وهناك أمر آخر جدير بالذكر في معرض المقارنة بين ذات السطح الواحد وذات السطحين، أو متعدِّدة السطوح multiplane: وهو أنك إذا أردتَ أن تكون المساحة الرافعة lifting surface قدرًا معينًا كان الأسهل، والأمتَنُ من الوجهة الإنشائية أن تُقسم هذه المساحة إلى قسمين، وتُبنى الطيارة ذات سطحين صغيرين بدَل سطح واحدٍ كبير. كل ذلك يبيِّن أنه من الصعب تفضيلُ أحد النوعين على الآخر، ولكل منهما أنصار يدَّعون له الأفضلية على منافسه.
ثم بدأ الناس أيضًا في ذلك الحين يفرِّقون بين الطيارات من حيث تصميمُها حسب الأغراض التي أُنشئَت لها، فمثلًا كان يُشترط في الطيَّارة المحاربة جودة الطلاقة وإمكان تشغيل المحرك بسهولة إن وقف، وهكذا مما سنعود إلى تفصيله بعد قليل، وقد ساعد ذلك على تقدُّم التصميم وحساب الجهود stressing، والإنشاء construction بوجهٍ عام، والزيادة في طلاقة الطيارة وفي تسهيل قيادتها وتمكين الطيار من التحكُّم فيها والتلاعُب بها. ولمَّا تمَّ للماهرين من الطيَّارين النجاحُ في قيادةِ الطيارة وتسييرها وهي مقلوبة upside down flying، وفي حملها على إتمام الحلبة الكاملة looping the loop، أو ما عُبِّر عنه «بعقد الأنشوطة». كل ذلك أبان أن الإنسان أصبح قادرًا على أن يُوجِّه الطيارة أيةَ وجهةٍ attitude يريدها، ثم يغيرها حسَب إرادته، وهذه الوجهات الجديدة للطيارة تجهد أجزاءَها إجهادًا عظيمًا، ولا بدَّ للمُهندس من أن يعمل لها حسابًا دقيقًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠