الفصل الحادي عشر

فترة الحرب

كان لهذه الفترة أكبرُ الأثر في تقدُّم الطيران، فإنَّه ما كادت هذه الحَرب تبدأ وتشترك فيها الطيارات حتى ظهرَت فائدتُها بشكلٍ جَليٍّ، وتنبَّهَت الأمم إلى ما تقوى الطيارة على تأدِيَته من أعمال يستحيل على غيرها القيامُ ببعضها، وإذا قام بالبعض الآخر احتاج إلى أضعاف الزَّمَن والنفقة اللازمَين للطيارة؛ ومن أجل ذلك خطَتِ الطيارة أثناء الحرب خُطوات واسعة، وتقدَّمت في بضع سنين تقدُّمًا كان يحتاج إلى بضع عشرات السنين أو أكثر.

لما بدأت الحرب كانت فرنسا قائدةَ الأُمم في التقدُّم العلمي والفَنِّي للطيران، وكان عندها أكثر من ٦٠٠ طيارة من أنواعٍ شتَّى وتصميمات مُختلفة، كل نوع يتضمَّن محاسن خاصة، وكل نوع سائر في طريق التَّحسين بهمَّة واجتهادِ مبتكريه والعاملين فيه. أما ألمانيا فلم تنتبه إلى الطيَّارات بشكلٍ جِدِّي إلا حوالي سنة ١٩٠٩؛ لأن الكونت زبلن كان قد ملَك عليها حواسَّها وصرفها إلى الاهتمام بأعماله، ولمَّا تنبهت إلى الطيارات كان ذلك في الوقت الذي بدأت النزعة الحربية تمتزج بها وتسود على الوجهات الأخرى؛ ولذلك لم تعن ألمانيا بالطيران كفَنٍّ أو وسيلة للتسلِّي وقَدْح الفكر فيما يلذُّ الاشتغالُ به، ولكنها عنيت به كآلة حربيَّة قبل كل شيء؛ ولهذا السبب لم تخرج أنواعًا كثيرة، بل اقتصرَتْ على قليلٍ جدًّا، كالألبتروس Albetross، وتوبا Taube، ومن هذا النوع الأخير وحدَه أنشأَتْ نحو ٦٠٠ طيارة تكاد تكون كلُّها من طراز واحد من ذواتِ السطحين والمقعدين، مُجهَّزة تجهيزًا حربيًّا بمعدات الفوتوغرافيا وإلقاء القنابل، وكانت أجزاءُ توبا موحَّدة أو مقننة standardised حتى يسهُل تغييرها أو تصليحُها، مثلها كمثل سيارات فورد Ford الآن، ورتبت الحكومةُ مصانعَ الإمبراطورية بحيث تقوى على سدِّ العجز الذي يحصل في تلك الطيارات، كلما خسر الألمان في الحرب شيئًا منها. ومما استدل به الحلفاء على أن ألمانيا كانت مستعدة للحرب وألقوا عليها من أجله مسئوليةَ حدوثها: إحكام تلك الترتيبات ودقة نظامها، وكذلك العناية بتعليم الطيارين الألمان جميع الأساليب الحربية، مما جعلهم يتفوَّقون على أعدائهم في مبدأ الأمر.

عرفنا إذًا أن الفرنسيين والألمان دخلوا إلى الحرب وعند كل منهما نحو ٦٠٠ طيارة، أما إنجلترا فقد أرسلت إلى ميدانه نحو ٨٠ طيارة، كما أرسلت بلجيكا وإيطاليا عددًا أصغر من ذلك بكثير، وكانت طيارات إنجلترا وبلجيكا وإيطاليا معظمها من صنع فرنسي، أما روسيا فكانت في الحقيقة متقدمة في الطيران، وكان عندها أنواع جيدة مُتقنة قوية، بعضها مصنوع في الروسيا نفسها ومئات أخرى اشترتها من فرنسا، ولكن الحُلفاء لم يستفيدوا من هذه القوة العظيمة؛ لِما كان بروسيا من الفوضى ومن نفوذ ألماني عمل على شَلِّ الحركة العدائية ضد ألمانيا.

(١) أثر الصراع الدولي في تحسين الطيارة ومحرِّكها

دخلت الدول في الحَرب، واهتمَّت إنجلترا بالطيران اهتمامًا عظيمًا جدًّا، حتى أمكنها في زمنٍ قليل أن تشترك في السباق بين المانيا وفرنسا، واستمرت الحرب العوَان من أجل التفوُّق الهوائي بين ألمانيا وعدوَّتيها نحو ثلاث سنين، فكان للألمان السَّبق في مبدأِ الأمر، ولكن سرعان ما رجَّحت كفة عدوَّتيها لأن توحيد أجزاء الطيارة توبا أو تقنينها على الصورة التي عمَدت إليها ألمانيا كان سابقًا لأَوَانه ضارًّا بها؛ ذلك لأنَّ الطيارات كانت شيئًا جديدًا قابلًا للتحسين والتغيير بعد تجربةٍ قليلة، وقد حال دون تنفيذ ذلك في طيارات الألمان كِبَر عددها وتقنين أجزائِها بهذه الكيفية، فانصرف الألمانُ إلى إخراج أنواعٍ جديدة، وبقى طراز توبا كما هو بتحسينات طفيفة يعمل مع الأنواع الجديدة التي أخرجَتْها ألمانيا، لتقاوم بها الطيارات الفرنسية والإنجليزية التي تفوَّقت على توبا، وتمَّ ذلك لألمانيا على يدَي فُكَّر Fokker الهولنديِّ الأصل، وكان قد نزَح إلى ألمانيا لمَّا لم تُعضده بلاده، وفتح مصنعًا اعتمدَتْ عليه ألمانيا كثيرًا وقتَ الحرب.
بعد ذلك أخرج الفرنسيُّون على يدي فارمان وبليريو وغيرهما، وإنجليز على يدي دي هافيلند de Havilland، وشركة برستول Bristol وغيرهما أنواعًا هزموا بها طيارات فكر، وظلوا يكيدون لألمانيا حتى ظهر عندها ما فاق طياراتهم في الطَّلاقة، كطراز الألبتروس الجديد، وهلبرشناد Halberstadt، وطراز أفياتيك Aviatic، وترى صورة من الأخيرة في شكل ١١-١، فرجحت بذلك كفة ألمانيا، ثم ارتدَّ عاتقُ الميزان بظُهور المحاربة الفرنسية سباد Spad والمحاربة الإنجليزية برستول وغيرهما. وهكذا ظلت القرائح تكد، والطيارة تتحسن، والإنسانية تتعذَّب، حتى انتهتِ الحرب الكبرى، وقد وصلَت سرعة الطيارات إلى ما فوق ١٥٠ ميلًا في الساعة، وتحارب البَعض منه في ارتفاعات بلغت ٢٢٠٠٠ قدم.
fig50
شكل ١١-١: طيارة أفياتيك المحاربة الألمانية التي ظهرت أثناء الحرب، مرسومة من ثلاث جهات لنتبيَّن مقدمتها ومؤخرتها (لاحظ أنبوبة العادم تقوده إلى ما فوق الجناح).
هذا ولم يكن تحسُّن الطيارات قاصرًا على طَلاقتها، بل تناول الآلات المختلفة التي رُكِّبت فيها، مثل معدَّات الملاحة navigation، وكاميرات التصوير cameras، وآلات قَذْف القَنابل bomb throwing، والمدافع الرشَّاشة machine guns، وأكبر اختراع صحِبَ الأخيرة هو إمكان وضعِها في الأمام، وتوقيت (موعد) خروج الرصاص وتتابعه بواسطة المحرِّك الذي يُدير المروحة، وبذلك أمكن إخراج القذائف من بين ريشات blades المروحة وهي تدور بتلك السُّرَع الهائلة (فوق الألف لفة في الدقيقة) من غير أن تُصاب تلك الرِّيَش بأذًى، وكانت قبل ذلك توضع فوق الجناح العلوي كما ترى في شكل ١١-٢.
fig51
شكل ١١-٢: محاربة فرنسية خفيفة من طراز نيو بور، على جناحها العُلوي مدفَع يُطلقه الطيار بواسطة سِلكٍ يصله إلى منعزله.
ومن الأمور التي بُذلت العناية في تحسينها: العملُ على ثباتِ الطيارة ثباتًا متلازمًا مع إنشائِها inherent stability بغضِّ النظَر عن الطيار، حتى إذا كانت الطيارة سائرة أفقيًّا في خطٍّ مستقيم وربط الطيار أجهزة قيادتها ثم تركها وحدها، ظلَّتْ سائرة في ذلك الخط المستقيم برغم تلاعُب الرياح بها، فإذا صدمتِ الجناحَ الأيسر مثلًا لفحةٌ gust شديدة من الهواء أمالت الطيارة يمينًا، فيكون من شأنِ ثباتها المتلازم أن طبيعةَ تصميمها وإنشائها تحمِلها على العَودة إلى الوجهة الأفقية الأصلية، فبهذا الثبات المتلازم يستطيع الطيار أن يترك جهاز القيادة رَيثما يستعد لإطلاق المدفع أو لقذف قنبلة أو ينظر في خريطة أو يستريح، إلخ. وقيل: إن طيارة نزلت إلى الأرض مرة مُنحدِرة بزاوية صغيرة ولمَست الأرض برِفق، ولما وَقَفت لم يخرُج منها أحد، وبالبَحث وُجد أن الطيار الذي فيها ميِّت في مكانه، فكأنه عدَّل أجهزة القيادة حين أُصيب، ومات قبل أن تصل الطيارة من تلقاءِ نفسها إلى الأرض.
هذا ولم يكن تقدُّم المحركات بأقل من تقدم الطيارات، بل كاد يفوقه، ومن أهم العوامل التي ساعدت على تحسين المحركات البترولية من وجهة الطيارة، ما توفَّق إليه الباحثون من العثور على معادن أو سبائك alloys تجمع إلى المتانة والقوة خفة مدهشة، والخفة من أعظم الأمور التي نرمي إلى توافرها في كل ما يُستخدم في صُنع الطيارات ومحركاتها، وقد كان ظهور تلك المعادن الخفيفة باعثًا لتجريب صنع الطيارات كلها من تلك المعادن، وقد ظهرَت بالفعل عدة أنواع من الطيارات المعدنية الصرفة، ويختصُّ بصناعة هذا النوع مصانع كثيرة، منها شورت Short بإنجلترا (انظر شكل ١١-٣)، وبريجيه Breguet بفرنسا. ولعل أكبر مصانع ينكرز Junkers بألمانيا، وتجد في شكل ١١-٤ صورة لإحدى طياراتها، ولكن معظم الطيارات إلى يومنا هذا تُصنع من الخشب، وقد توسط فكر الهولاندي بين الفكرتين، فعمد إلى صنع هيكل جسم الطيارة كله من أنابيب معدنية (من الصلب) مغطاة بالخشب؛ لتأخذ الشكل الملائم لتقليل المقاومة.
fig52
شكل ١١-٣: الطيارة المعدنية الإنجليزية springbok من صُنع شورت.
fig53
شكل ١١-٤: طيارة معدنية ألمانية (صنع ينكرز) من النوع ت T.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠