الفصل الثالث عشر

المطارات

قلنا في الباب الأول ونحن نتكلَّمُ عن الكيفية التي تطير بها الطيارة: إنه لا بدَّ لها مع الأسَف الشديد من أن تجري على الأَرض taxying كالسيارة العاديَّة مسافة طويلة قبل أن تبرَح الأرض وتستقل الهواء؛ ومن أجل ذلك أُنشئَت المطارات في الممالك، وبُعثر بينها محطَّات للنزول والصعود عند وقوع الخطَر، مكوَّنة من أرض مُمهَّدة غير مُحاطة بأبنية عالية. كان هذا هو الغرض الأول من المطارات، ولكنها كبِرت شيئًا فشيئًا حتى صارت الآن كالمواني البحرية في الاستعدادات لهداية تلك الجواري المنشآت وإسعافها.
والمطارات في الممالك المختلفة بعضها حربي صِرف وبعضها مدني صِرف وبعضها مشطور شطرين، أحدُهما خاص بالطيارات الحربية ولا يُسمح للجمهور بدخوله، والآخر مُعدٌّ للملاحة الجوية التجارية، على أن الفرق بين الاثنين صغير؛ ولذلك سنتكلم عن نظام المطار بوجهٍ عام. وستجد في شكل ١٣-١ رسمًا لأحدث مطارات العالم وأكثرها استعدادًا في الوقت الحاضر، وهو مطار لبرجيه Le Bourget، الميناء الجوي لباريز.
fig65
شكل ١٣-١: مطار لبرجيه، وهو الميناء الهوائية لباريس. ويجد الناظر إلى الرسم مبانيَ حربيةً على اليسار، وإلى اليمين قليل من المباني الحربية أيضًا في الجزء الأسفل فقط، وعدة حظائر وأمكنة أخرى معلمة بنِمَرٍ وُضع لها دليل أسفل الرسم نترجمه هنا بالعربية، وسنذكر النمرة العربية وإلى جانبها صورتها الإفرنجية ليرجع إليها في الرسم مَن لا يعرف العربية: (١) قاعدة البوصلة. (٢) مكان الركوب في الطيارات والنزول منها. (٣) مكتب تحصيل العوائد (الجمرك)، ومطعم. (٤) مكتب قلم المرور. (٥) مخروط القماش الأجوف الذي يشير إلى اتجاه الريح. (٦) صاري الإشارات. (٧) برج المراقبة والقيادة. (٨) العلامة المستديرة التي تشير إلى عدم هبوب الريح. (٩) مكتب الأرصاد الجوية. (١٠) الأسلاك التي تتلقَّى الأمواج الأثيرية عند مكتب التلغراف اللاسلكي. (١١) ذراع السيمافور. (١٢) قوائم الفنارات. (١٣) علامة T للنزول — تدل على قوة الريح. (١٤) العلامة الدائرية الوسطى، وعليها اسم المطار.
للمطار مدير عام هو فيه الآمر الناهي، وتحت إشرافه موظفون على أنواعٍ ثلاثة: مراقبون لإدارة المطار بوجهٍ عام administrative، ومراقبون للملاحة الجوية navigation، ومراقبون للمسائل الفنية الميكانيكية technical.
فعلى موظفي القِسم الأول تقع واجبات تنظيم المطار، وتنفيذ اللوائح والقوانين المتعلقة بحركة المرور traffic، وبالجمارك customs، وبالصحة، وبأجور النزول إلى المطار والمبيت فيه، واستخدام عماله في بعض التصليحات repairs، إلخ.
وعلى موظفي قسم الملاحة تقَع واجبات الطيران نفسه flying، وتنفيذ قوانينه، وإصدار التعليمات الخاصة به إلى الطيارين، وامتحان رخصهم licenses وشهاداتهم certificates، وجمع التقارير الجوية weather reports من كل محطات الأرصاد meteorological stations التي يستطيع جهاز المطار اللاسلكي wireless apparatus أن يتخابر معها، ورصد تلك المعلومات على خرائط خاصة charts، وكذلك تتبُّع حركات جميع الطيارات التي تطير في منطقة zone خاصة حول المطار بواسطة اللاسلكي أيضًا، وإعلان كل ذلك من ساعة إلى أخرى في مكانٍ ظاهر؛ ليطَّلع عليه الطيَّارون النازلون بالمطار وغيرهم ممن يهمهم ذلك.

وعلى موظَّفي القسم الفني الميكانيكي تقع واجبات تنفيذ اللوائح والقوانين الخاصة بما يجب توافره من الشروط، ومراقبة ما يجب حمله من الشهادات والرُّخَص فيما يدخل إلى المطار وما يخرُج منه من طائرات ومحرِّكات، ولا بدَّ أن يكونوا قادرين على امتحان هذه الطائرات والمحرِّكات امتحانًا فنيًّا دقيقًا للتأكُّد من أَمنها وصلاحيتها للطيران، بغير أدنى خطر على الركاب الذين تحملهم، وعلى السكان الذين ستمر فوقهم.

والمطار الكبير المستعد المنتظم مساحته عادةً لا تقل عن ٩٠٠ × ٩٠٠ متر مربع، أي حوالي ٢٠٠ فدان، وتُراعى في اختيار موقعه أمور كثيرة، منها: خلوُّ الأماكن المجاورة له من مُعترضات عالية، أبنية أو أشجار أو غير ذلك، ومنها القُرب من المواصلات العامة والسكك الحديدية والطرق الفسيحة والمدن الشهيرة والأسواق التجارية، ومنها انتظام الرياح الغالِبة في المكان prevailing winds. ولا بد أن تكون أرضه ممهَّدة جافة جامدة في غير تشقق صيفًا وشتاءً، لا سيَّما عند الجزء المُعد لنزول الطيارات وصعودها، ويكون مربعًا أو متطاولًا في الاتجاه الذي يغلب فيه هبوب الريح، ويُعلَّم هذا الجزء في وسطه بدائرة بيضاء كبيرة قطرُها نحو ٣٠ مترًا، وعلى محيط هذه الدائرة تقريبًا تثبت في الأرض، في بعض المطارات كمطار كرويدن Croydon مدخل لندن الهوائي، كرات بلورية سميكة الجدر أعلاها في مستوى الأرض، وتحتوي مصابيح كهربائية تُنار بالليل وتتلون بألوان مختلفة تستخدم كإشارات للطيارين. ويُنصب في مدخل المطار صارٍ عال ينتهي بمخروط أجوف قُماشي مركب على أطواق خفيفة تدخُل الريح من فتحته الكبرى وتخرج من الصغرى، فيظل ممتدًّا في اتجاه الريح ليعرفه الطيارون فيواجهونه في صُعودهم ونزولهم، ولا بدَّ أن يكونَ القارئ قد لاحظ وجود مثل هذا المشير فوق مطار مصر الجديدة، ويُستعاض عنه ليلًا بنيران يتَّجه لهيبها ودُخَانها مع الريح، وهناك إشارات signals، وعلامات signs نهارية، ومنارات (فنارات) light houses، وعلامات ليلية تتعلق بالملاحة الهوائية، يرسلها موظفو المطار ويعرفها الطيَّارون فيتبعونها.
وبالمطار أبنية للإدارة العامة ولموظَّفي الأقسام الفنية، ولمحطة التلغراف اللاسلكي التي تتلقَّى الرسائل والأخبار من الطيارات، والأرصاد وغير ذلك. وقد لا تظهر لنا نحن بمصر فائدة التقارير الجوية لأننا لم نتعود تقلُّبات جوية فُجائية شديدة مستمرة، أما في أوروبا فالجو يتغيَّر كثيرًا وبسرعة، وهناك أجزاء لا يصلح الطيران فيها أو يتعذر، وقد يستحيل. كما إن غلَّفَتِ الجوَّ شابورة fog أو ضباب mist كثيف، فالتقارير الجوية تدل الطيارين على قُرب موعد تكاثُف الضباب، فيمتنعون عن الطيران حتى ينجلي، كما أنها تدلُّهُم على الأماكن التي يُنتظر أن تحدُث فيها انخفاضاتٌ في البارومتر بسبب شدَّة الرياح وسُرعتها، إلى غير ذلك من المعلومات التي لا غِنى لهم عنها في الملاحة الجوية، فهم في الحقيقة أحوَج إليها من رُوَّاد البواخر المائية.
وبالمطار حظائر hangars متَّسعة تأوي إليها الطيارات إذا لم يكن هناك داع لطيَرانها، وكذلك إذ أُريد امتحانها أو شد أسلاكها rigging أو تصليحها repairing. ويلحق أيضًا بالمطار عادة وِرَش workshops لعمل التصليحات — ولو الصغيرة منها — للمحرِّكات والطيارات التي تنزل بالمطار، نظير أجور خاصة، وقد يحدث في بعض الأحايين أن يكون للشركات الكبيرة حظائر خاصة، وبها عُمَّال الشركة الميكانيكيُّون يتعهَّدون طياراتها التي تمر بالمطار، هذا إذا كان للشركة طيارات تقوم بمواصلات جوِّيَّة air services بين هذا المطار وغيره بانتظام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠