الفصل العشرون

علاقَة الطيران بمصر

فلنفحصِ الآن هذه العلاقةَ من الوجهات الأساسيةِ الأربع، وهي: الحربية، والتجارية، والصناعية، والسياسية.

(١) الوجهة الحربية

كانت تتألَّف القُوى الحربية في الممالك المختلفة قبلَ الحرب الكبرى الماضية من الجيوش والأساطيل، ولكن لما نشِبت هذه الحرب واشتركت فيها الطيَّارات ظهرَت فائدتها كما قدَّمْنا بشكلٍ جليٍّ، وتنبَّهت الأمم إلى ما تقوَى الطيارة على تأديته من أعمال يستحيل على غيرها القيامُ ببَعضها، وإذا قام بالبَعض الآخر احتاجَ إلى أضعافِ الزمن والنفقة اللازمَين للطَّيَّارة؛ ولذلك ألحقَت بكلٍّ من الجيش والأسطول طياراتٍ تعاونُه في حرَكاته، وأصبحت بمثابة العينِ التي يُبصر بها حرَكاتِ العدوِّ وخطوطَ دفاعه ومواقعَ استحكاماته، واليدِ القوية التي يصُبُّ بواسطتها العذابَ الأليم على رأسِ عدوِّه فيبطِش به، تارة في مَيدان القتال، وأخرى في داخل مملكة هذا العَدُو. ولم يقتصر عمل الطيارات على مُساعدة الجيش والأسطول، بل تألَّفت منها أسراب وفِرَق مرَّنت طيَّاراتها على محاربةِ طيارات العدو، وبذلك أصبحَت القُوى الهوائية سلاحًا ثالثًا يُناظر الجيشَ والأسطول.

وما كادتِ الحربُ تضَع أوزارها حتى كانت الدول قد اقتَنعت بأن تنظيمَ خطوط الدفاع (وخططِ الهجوم أيضًا) في أيَّةِ مملكة لا يتمُّ إلا بسِلاحِ طيرانٍ مؤسَّسٍ على أحدث الطرق والاختراعات، وأنَّ الدولةَ التي تحتَفظ بجيشٍ وأُسطولٍ بغير سلاح طيرانٍ يعاونهما، يكون مَثَلُها كمثَل المُرتكن في الدِّفاع عن نفسه على رجلٍ أعمى فاقدِ السَّاعد، لا يستطيع دفعَ الشرِّ عن نفسِه أو عن غيره مهما كان قويَّ الجسمِ والعقل، كما اقتنعتْ بأنَّ الطيران يملك المستقبل جميعه، وأن الفوز في الحروب القادمة سيكون من غير شك للأُمَم الأَكثر استعدادًا في الطَّيران وآلاتِه ومعداتِه ورجالِه؛ ومن أجل ذلك نشِطت الدول صغيرُها وكبيرُها إلى إنشاء أسلِحة الطيران ببلادها، واهتمَّتْ بها الاهتمامَ الذي تستحقُّه، وكثير من هذه الدول أقلُّ من مِصر عدَدًا وثروةً وحضارة، وقد تكلَّمنا عن مجهوداتِ بعضِ الدول في هذا المِضمار في الباب الفائِت.

فإذا كانتْ مصر تنوي الاحتفاظَ بجيشِها — كما هو المعقول والمُنتظَر — وترغَب في تنظيمِه وتحسينِه وترقِيَتِه، فلا مناصَ لها من الاقتداء بمثيلاتها من الدُّوَل وبالدُّول الأقلِّ شأنًا منها وتهتمُّ بالطيران، فتنشئُ سلاحًا جديدًا، وتمرِّن رجالَ جيشها على التعاون مع رجالِه في الأعمال الحربية. ومثلُ هذا السلاح إن صحَّ اعتباره مهمًّا جدًّا بالنسبة لمعظم بلاد الدنيا فهو حَيَوي بالنسبةِ لمصر، ووجودُه لازمٌ لكِيانها ومسيطر على مستقبلها، وذلك بحكم مركزها الجغرافي الدقيق الذي أوجدها بين ثلاثِ قاراتٍ، ومناخِها الطبيعي الجَميل الذي يسهِّل على الطيارات الأجنبية مهاجمتَها من الهواء، وكذلك بحُكم كونِها بلدًا منبسطًا مَكشوفًا، مُحاطًا من جميعِ الجِهات تقريبًا بعدَدٍ عظيم من العربان المسلَّحين المدرَّبين على مَعيشة الصَّحراءِ والمناورات الحَربية فيها. ولئن تَوانَتْ مصر عن ذلك أو عجَزت عن القِيام بمثل ما قامَتْ به تلك الممالك الصَّغيرة شرقيُّها وغربيها لَيكونَنَّ ذلك من عَجائب الدهر ونكَباته.

ولسنا في حاجةٍ إلى أن نصِفَ شُعورَ العِزَّة القَوميَّة التي يبعَثُها في نفوسِ المصريين وجودُ سلاحٍ كهَذا يرفَع فيه الطيَّارُون المصريُّون علَمَ مِصر عاليًا في سَمائها، بعد أن طالَ أمَد استشعارهم المذلَّة كلَّما حلَّقَتْ في سَماء مصرَ طيَّارات الأجانِب من مختلف الأجناس والجِنسيَّات والمصريون لا يملكون شيئًا منها. ولا أن نَصِف شُعورَ الاطمِئنان الذي يقوِّي القلبَ، ويبعَثُ على الشَّجَاعة التي يحسُّ بها الجنديُّ المصري حينما يرَى الطياراتِ المصرية تروح وتغدو فوقَ رأسه من صواعِق العدو، أو على الأقل ترشده إلى كيفيَّة اتقائها.

(١-١) الإنجليز والسِّلاحُ المصري

قد يُعترض على هذا بأنَّ في مِصر قوةً هوائية أو سلاحَ طيرانٍ بريطاني، وأنَّ هذا السلاحَ يَستطيع أن يقومَ مقامَ السلاح المصري في تأديَة مهمَّتِه من هذه الوِجهة. وإجابةً على هذا الاعتراض نقول: إنَّ الأصلَ في هذا السلاح البريطاني أن وجودَه مؤقَّتٌ ومعلَّقٌ على المفاوضات التي تُجرى بين الحُكومَتين المصرية والإنجليزيةِ في المستقبل، وقد تقضِي الاتفاقية التي تُعقد بينهما عقِبَ هذه المفاوضات بسَحب تلك القوى الهوائية البريطانيةِ من مصر، وعندئذٍ يكون من صالح بريطانيا أن يكونَ لمصر سلاحٌ طيران وجيش قويَّان، حتى تأمَن على سلامةِ مواصلات إمبراطوريتها.

على أنه لو فُرض أن هذه المعاهدةَ لم تَقضِ بذلك، وأنَّ إنجلترا احتفَظتْ في مصر بقوَّة هوائيَّةٍ، فإن هذه القوةَ تكون دائمًا مهدَّدة بالاضطرار إلى مغادَرة مِصر في وقتِ المحنة للدفاع عن إنجلترا نفسها أو عن أي جزء من أجزاء الإمبراطورية يتهدَّدُه خطر داهم. هذا من جِهة، ومن جِهة أخرى نقول: إنه من المعروفِ أنه لكي يَستطيع الجيشُ أن يتعاوَن مع الطَّيَّارات في الأعمال الحربيَّة، لا بدَّ له من تمرينٍ طويل معها وقت السُّلَّم، ولا بدَّ أيضًا من وجود رجال أركان حَرب الجيش حتى تتَّصل حلقات الدفاع، ويتمَّ التعاوُن المنتج الفعَّال بين القوى الأرضية والقُوى الهوائية على أكمل وجهٍ ممكن. فإذا لم يُنشأ بمصر سلاحٌ مصريٌّ يتمرَّن الجيشُ المِصري على التَّعاون معه، ويتقلَّب الضباطُ الطيارون المصريون في وظائِفه حتى يلحَق بعضُ الكبار المهَرة الخَبيرين منهم في المستقبل بأركان حربِ الجيش المِصري، فهل سيتمرَّن الجيش المِصري على تلكَ المعاونة الحربية مع طيارات السلاح البريطاني؟ ويُنتخب من كبار ضباط هذا السلاح نفر يلحقون بأركان حرب الجيش المصري؟ لا نظن أن هذا العملَ يتَّفق مع كرامة أمة مستقلة مهما كان نوع استقلالها، ولا نشك في أن هذا العمل من شأنه أن يُضعف الروح المَعنويَّة لرجال الجيشِ المصري من الجنديِّ البسيطِ إلى ضابطِ أركان الحرب الكَبير.

على أن الأصلَ في التَّحالُفِ أن يتعاونَ الفريقان المتعاقدان في الدِّفاع والهُجوم، وهذا الرأي الأخير يَجعل الجيش المصري ضَعيفًا لا يملك تقديمَ مساعدة جدِّيَّة للجيش البريطاني، بل يكونُ في الحقيقة عالةً عليه، فإن كانت مصر ترغَب في دفعِ هذا العار عنها، وكانت بريطانيا تودُّ أن تجد في مصر حليفةً نافعة، فالواجبُ عليهما أن يسعَيَا لتقويةِ مصر من هذه الوجهة حتى تكونَ قادرةً على الدِّفاع عن نفسها، وعلى مساعدة إنجلترا مساعدةً جدية في تأمينِها على مواصلاتها الإمبراطورية والدفاع عنها.

فمن أيةِ ناحيةٍ نقلب هذه المسألةَ — وهي علاقةُ الطيران بمصر من الوجهة الحربية — نجدُ أن حاجةَ مصر للطيران الحربي عظيمةٌ لا تحتَمل إهمالًا أو تَسويفًا.

(٢) الوجهة التجارية

المواصلات الجوِّيَّة التجارية التي تمَسُّ مصرَ نوعان؛ المواصلاتُ الجوية داخل القطر المصري وحده (الملاحة الجوية الدَّاخلية)، والمواصلات الجوية العالمية الدولية التي تمرُّ بمصرَ مُرورًا فقط (الملاحة الجوية الخارجية).

(٢-١) الملاحة الجويَّة الدَّاخِليَّة

لا يُنتظرُ لهذه في مصر نجاحٌ كبير؛ لأنَّ أساسَ النجاحِ في حركة النقل الجوية كما قدَّمنا هو توفير مقدار كبير من الزمَن في الوقت الذي يُصرف في المواصلات الحالية الموجودة الآن، فعندنا في مصرَ خُطوطُ سِكَكٍ حديدية تفي بحاجَة السُّكان، وهي قصيرة (نسبيًّا) لا تسمحُ بإظهار تفوُّق سُرَع الطيارات بشكل يُغري الناس على تحمُّل نفَقات الانتقال في الهَواء بدل السِّكك الحديدية، مع ما في الأول من بعض خطَرٍ لا يزالُ الجمهور يتوهَّمُه عظيمًا. هذا إلى أنه ليس للوقت عند مُعظم ذوي المصالح التجارية في مصر تلك القيمةَ الذَّهبية التي تحمِلهم على ركوب الطيارات توفيرًا لبضعِ ساعاتٍ. نعم إن هناك استثناءاتٍ بهذه القاعدة، وقد تجدُ حالاتٍ فذَّةً، ولكنَّ هذه شواذُّ لا يُقاس عليها.

بقى اعتبارٌ واحد، وهو مسألة السُّوَّاح في فصلِ وفودهم على مصر، وهؤلاء قد يرحبون بمواصَلة جوِّيَّة تقومُ بها طيَّارات بحرية أو برية بحرية تَنقُلهم من القاهرة إلى الأقصر على النيل، ففَضلًا عمَّا في هذه الرِّحلة من السرعة فإنه تشرَح صدرَ السائح الذي يرى في خلالها مناظرَ في غايةِ الإبداع، وقد تُعين هذه المواصلات كثيرًا من المسافرين المارِّين بقَنال السويس على تمضيةِ ساعاتٍ في أعالي الصعيد إذا نزَلوا في السويس وذهبوا بالطيارات البرية إلى القاهرة، ومنها إلى الصَّعيد في طيارات المواصلات التي نحنُ بصدَدها. فهل هذا كله يبرِّر النفَقات التي تستلزمها إنشاءُ تلك المواصلات؟ لا نظنُّ ذلك، وفي رأينا أن مثل هذا الحظ يكون مفيدًا إذا كان تكميليًّا، أي إذا كانت هناك مُواصلات جويَّة منتظمة ناجِحة، واستعان به القائمون عليها للحُصول على أرباحٍ إضافيةٍ أثناء فصل السُّوَّاح.

(٢-٢) الملاحة الجويَّة الخارجية

هذا هو النوعُ الذي يُنتظر له النجاحُ الكبير، فموقِعُ مصرَ الجغرافي ومناخها الجميل يجعلانها مركزًا عالميًّا هامًّا للملاحة الجويَّة التجارية لا تضارِعُها فيه أيَّةُ مملكةٍ أخرى، فمصر مِفتاح الشَّرق على البابِ الذي يصِله بالغَرب، والقُطر الوحيد الذي قد ينتظر أن يزاحمه في ذلك هو الشام، ولكن هذه بعيدةٌ عن أفريقيا من جِهة وكثيرة الجبال من جِهةٍ أخرى، وهذا مما يصعِّب عملَ محطاتٍ للنزول الاضطراري بها، وكثير من الحكومات والشركات في العالم ترسُم الآن كما قدَّمنا في الباب الفائتِ خِططًا عديدة لخطوط المواصلات الهوائيَّة المختلفة، وستكونُ القاهرة في مُعظَمها محطة في غاية الأهمية، وقد شرَعَتْ بالفعلِ عدةُ شركاتٍ فرنسية وإنجليزية وألمانية تطلُب من الحكومة المصرية تصريحات بمدِّ خُطوط جوية جديدة مارَّة بمصر.

ولا نزاعَ في أنَّ هذه المواصلاتِ الدولية تزيد تجارةَ مصر نشاطًا وإيرادَ حكومتها ازديادًا، ولكنها قد تُوقِعُ الحكومة المصرية في ارتباكاتٍ سياسيَّة خطيرة إن لم تكن على جانب عظيم من اليقَظة والحِكمة والكياسة والسَّداد، فالشركات التي تقوم بهذه المواصلات ستطلُبُ التعاقد مع الحكومة المصرية على شُروط تنفيذِ خططها ومدِّ خُطوطها بمصر، وقد يكونُ في هذه الشروط ما يغُلُّ يدَ الحكومة المصرية ويَحرمها الانتفاع من هذا الظرف الجديد، بل قد تمَسُّ هذه الشروط استقلالَ البلاد، وقد يعجَبُ القارئ من هذا القولِ ويقول في نفسِه: ما للسياسة وهذه الشَّركات التجارية؟ وجوابًا على هذا السؤال نقول: إن الحكوماتِ تستخدم هذه الشركاتِ التجاريةَ من قديم الزمان لتحقيق مآربها السياسيةِ، وشركات الملاحة الجوية أشدُّ تقيُّدًا بأغراضِ حكوماتها من جميع الشركات الأخرى، فإن قِوام شركات الملاحة الجوية التي نحنُ بصدَدها هو تعضيد حكوماتها بما تدفَعه لها من إعاناتٍ مالية وما تمدُّها به من مُساعدات أخرى أشرْنا إليها فيما سبَق، فهي إذن في قبضةِ حُكوماتها ورهن إشارتها، وإليها يجب أن تُسلَّم طائراتها وقتَ الحرب؛ لتستخدمها هذه الحكومات في أغراضِها الحربية كيفما شاءَت.

من أجل ذلك كانت الاتفاقات التي تعقِدُها الحكومة المصرية مع هذه الشَّركات، والقوانين التي تسنُّها لتطبِّقها على الطيارات، ورجالِها القائمين بتلك المواصلات كلِّها في غايةِ الدقَّة والخطورة، وتقتضي تفكيرًا دقيقًا بطيئًا هادئًا، لا سيما وأن الحكومة المصرية حديثة عهد بهذه المسائل الجديدة وصعوباتها وتقاليدها وتجارب العالم فيها.

بقى علينا قبل أن نَنتهي من الكلام عن علاقة الطيران التجاري بمصر أن نبحَثَ عما إذا كانت مصرُ تستطيع القيامَ بإنشاءِ مثل تلك المواصلات؟ وفي رأينا أن هذا غير ميسُور لها في الوقت الحاضر؛ فالعمال المصريون الذين يستطيعون الخِدمة في مثل هذه المواصلات لم يُوجَدوا بعد، والطيران التجاري لا يحتمِلُ نفَقات إعداد أمثالهم، والماليُّون المصريون لا يمكن حملُهم على إيداعِ أموالهم في شركة كهذه. هذا من جهةِ الأهالي.

وأما الحكومة المصريَّة فلا تستطيع أن تأخُذَ على عاتِقها القيام بمواصلات هوائية تجاريةٍ منتظمة بين مصر والأقطار الأخرى؛ لأن هذا عملٌ خارج عن دائرة الأعمال العادية للحكومات، ولم تسبِقْها إليه أيةُ حكومة أخرى. هذا إلى أنه يحتاج إلى تجاربَ تجاريةٍ عديدة ليس لها أثر في مصر الآن، كما يحتاج رأس مال كبير لا تجرؤ الحكومات عادةً على صَرفه في عملٍ غير مضمون الربح كهذا.

فاحتمالُ قيامِ المصريين أنفسِهم بمواصلات جويَّة لن يكونَ إلا إذا وُجدت في مصر نواةٌ صالحة من العمال اللازمين (بواسطة الطيران الحربي)، ورأى الناس بأعيُنِهم نجاحَ الطيران، وما تستطيع أن تقومَ به الطيارات من أعمال نافعة، وما يستطيع العمال المصريون النابهون القيامَ به في إدارات هذه المشاريع من جُهدٍ نافع. عندئذٍ فقط يمكننا أن نتطلَّعَ إلى إمكان حَمل المصريين على تأليف شركاتٍ لهذا الغرَض ويكون أمَلُنا في نجاحها عظيمًا. ولا يزال تحقيقُ هذا الأمَل بعيدًا، وإذا أخَذْنا في أسبابِ تحقيقه من الآن فلن يتِمَّ لنا ما نرجو إلا بعد سنَوات.

فمصرُ إذن إن كانت ستَستفيد بغير شكٍّ من هذه المواصلات الجويَّة الدولية في تنشيط تجارتها، وازديادِ إيرادِ حُكومتها (من رسوم تسجيلِ الطياراتِ ورسوم النزول إلى المطارات وتحصيل الجمارك … إلخ)، إلا أنَّ هذه الفائدةَ وحدَها لا تبرِّر النفقات التي يَستدعيها اهتمامُ الحكومة بالطيَران التجاري من تكاليف إنشاءِ المطارات، وإمدادِها بالمعدَّات، وإعداد الموظفين اللازمِين لها. هذا إلى أن اهتمامَ الحكومة المصرية بالطيران التجاري وحدَه يجرُّ إلى صعوباتٍ كثيرة؛ إذ كيف يتسنَّى لها تنفيذُ قوانينها وإسعافُ الطيارات التجارية المارَّة بالقُطر إذا اضطرت للنزول واحتاجت إلى المساعدة السريعة، إذا لم تكنْ لدى الحكومة نفسِها طيارات تخفُّ لهذه المساعدة أو تقوم بواجِب البوليس الهوائي؟ فالحكومةُ ستكونُ بين أمرين؛ إما أن تظلَّ بدون طيَّارات، وهو ما يجعلُ موقفَها دقيقًا سخيفًا. وإما أن تُنشِئ قوةً هوائية خاصَّة تستخدِمها في الطيران التجاري لأجلِ هذين الغرَضين المشار إليهما (الإسعاف والبوليس)، وهذا يجرُّ إلى نفَقات كبيرةٍ لا مبرِّر لها.

أما إذا كانت الحكومةُ قد اهتمَّت بالطيران الحَربي وأنشأت سلاحًا حربيًّا (أو أخذَت في أسبابِ إنشائه)، فيكون عندئذٍ من السهل على الحكومة الاهتمامُ بالطيران التجاريِّ بغير كبير نفقة؛ لأنَّ المطاراتِ ومعداتها ورجالَها تكون كلُّها موجودة، وطيَّارات السلاح المصري أيضًا تَستطيع أن تؤدِّي للحكومة أية خدمةٍ كالتي أشرنا إليها تحتاجُ إليها في التعامُل مع الطياراتِ التجارية. هذا إلى أن موظَّفي المطارات المصريةِ يَنتفعون فنيًّا من مرور الطيارات التجارية المختلفة عليهم، وامتحانِهم لها ودراستِهم إياها.

ويحسُن بنا أن نذكِّر القارئَ قبل اختِتام هذا البَند بما قُلناه في الباب الخامس ونحنُ نتكلَّم عن الطيران المدَني [راجع الباب الخامس: الجهود الحالية في سبيل الطيران – الفصل السادس عشر: التسابق الدولي – أثر الحرب في الأمم المهتمة بالطيران]، من أن تقدُّمَ الطيَران من هذه الوجهة مُستعجَلًا ونموَّه غير طبيعي؛ لأن الحكومات تستحثه إلى الأمام قبلَ حاجةِ الجمهور إليه حاجةً تتلاءَم مع مجهودات الشَّركات فيه، وغرضُ الحكوماتِ من ذلك هو الاحتفاظُ بمصانِعه التي في بلادها والزِّيادة في تجارب رجالها المشتغلين به، مهما كلَّفَها ذلك من الأموال التي تُصرف في تشجيع شركاتِ الملاحة الجوِّيَّة، فهي تعلَم أنها ستحتاج في أوقاتِ الحَرب إلى هذه المصانع وتلك التجارب التي تحصَّل عليها رجالُ الصناعاتِ المرتبطة بالطيران، كما أنَّ هذه المجهودات المدنية من شأنها أن تقدِّم الطيرانَ بوجه عام وتُحسِّن الطياراتِ، ومنها الحربية.

(٣) الوجهة الصناعية

الغرَضُ من ذلك إيجادُ وِرَشٍ ومستودعاتٍ لتَصليح الطياراتِ والمحرِّكات، يشتغل فيها عدد من المصريين، وقد تنمو هذه في المستقبل إلى مصانعَ بها عدَد كبير محترِف لهذه الصناعة الجديدةِ، كما أن قيادةَ الطيارات ستُصبح حرفةً أخرى يحتَرفُها عددٌ آخر يزداد بنموِّ حركة الطيران في البلد. وهذه الوجهة الصناعية في نظرنا أهمُّ الوجهات إذا نُظِر إليها من حيث النتائج العملية الماديَّة التي توصلنا إليها، فنحن في إبَّانِ نهضة صناعية، وقد أدركنا أننا لا نستطيع الاعتِمادَ على الزراعة في حياتِنا الاقتصادية إلى الأبَد، بل لا بدَّ لأبناء وطننا من أن يَضربوا بسهم في المرافق الأخرى للحياة، ونحن نَرى أن الأُمم قد سبقَتْنا بمراحل واسعةٍ في معظم تلك المَرافق، فهلَّا هيَّأْنا لأبنائنا فرصةً للمُغامرة في هذا المضمارِ الجديد الشائِق، فنفتحَ أمامهم مجالًا جديدًا فسيحًا للأعمال العلمية والفنية والإدارية والاقتصادية لم يكن مفتوحًا لهم مِن قبل. لا شكَّ أننا إذا فعلنا ذلك نكون قد فتَحنا لهم ميدانًا فسيحًا يلِجُونه بحماسةٍ ونشاط، ويُظهرون فيه تفوُّقًا ومهارة وحُسنَ إدارة.

ومن حُسن الحظِّ أن شأنَنا تلقاء فنِّ الطيران والصناعة المتصلة به ليس كشأننا في غيرهما من الفنون والصنائع التي مضَى على الأمم قرونٌ تتقدَّمُ فيها ببطء. فقد يقعُد بمصر أن تجاري في بعض الفنون والصنائع كثيرًا من الأمم أنَّ هذه الأمم سبقَتْها فيها بمراحل عديدةٍ اكتَسبت في خلالها خبرةً ثمينة لا سبيل إلى تحصيلِ مثلها إلا بمُرور الزمَن الطَّويل، ولكن فنَّ الطيران والصناعة التي تتعلق به كلها جديدة لم تَسبِق مصرَ إليها الأممُ إلا بسنوات قليلة، كانت في الحقيقة فترة تجريب وتغيير وتحسين، فلو أخذت مصر الآن لُباب ما وصلَتْ إليه تجاربُ غيرِها من الأُمَم ولقَّنَتْه أبناءَها لاستطاعتْ أن تعوِّض على نفسها ما فاتَها، وتسير مع غيرها من الأُمم الراقية في هذا المضمار جنبًا إلى جَنب. تبدأ بتدريب رِجالها على التصليحات البَسيطة، ثم يتدرجون إلى أكبر منها، حتى يُصبحوا قادِرينَ على عمَل بعض أجزاء الطيارة، ولا يزالُ عددُ الأَجزاء التي يَستطيعون صنعَها يزداد مع الزمَن والتمرين حتى يتناولَ جميع الأجزاء، وهكذا تنمو الصناعةُ ويزداد المحترفون بها عدد ومهارة.

ولا يفوتُنا أن نذكُر أن استيراد الموادِّ اللازِمة لذلك إلى مصر مَيسور، وقد نجَحت هذه التجربةُ بالفِعل أثناء الحرب، فكانت ورشُ مستودَع السِّلاح البريطاني تجدِّد الطيارة بأسرها وتصنع كثيرًا من أجزائِها.

(٤) الوجهة السياسية

أشَرنا في الكَلام عن الوجهة التِّجارية إلى ارتباطها بالسياسة، وإلى احتمال وقوع الحكومةِ المصرية في أغلاطٍ تضُرُّ بموقفها السياسي أثناء تعاقُدها مع الشَّرِكات الأجنبية التي تتقدم طالبةً امتيازاتٍ لمدِّ خطوط جوية دولية تمرُّ بمصر. ولكن هناك فوائدَ سياسية محققة تتَّبع اهتمام مصر بالطيران، وإنشاءَها قوةً هوائية مصرية، فإنها تستطيعُ عندئذٍ أن تدخل في زُمرة الدول التي ترتبط بالاتفاقيةِ الهوائية الدَّولية التي أشَرْنا إليها من قبل [راجع الباب الخامس: الجهود الحالية في سبيل الطيران – الفصل الثامن عشر: التشريع الهوائي الدولي]، ولن تجدَ صُعوبة كبرى في سبيل الانضمام إلى هذه العُصبة من الدُّوَل، والتوقيع معهم على تلك الاتفاقية. وهاكَ الفوائد التي تجنيها مصر من وراء ذلك:
  • أولًا: الانتفاعُ بهذا المَظهر الجَديد من مظاهر الاستِقلال، والاندماج في هيئةٍ دوليَّة تستطيع أن تظهَر فيها شخصيَّتها.
  • ثانيًا: التمتُّع بجميعِ الحقوق التي تنصُّ عليها الاتفاقية وتتمتع بها الدول المستقلة من سلطان مُطلق على هواء بلادِها، ومن تسهيل الأمور لطيَّاريها في المستقبل إذا رغِبوا في دخول بلاد المُتعاقدين على الاتِّفاقية.
  • ثالثًا: الانتفاع بقوَّة تستند عليها في وضع قوانينِها وتنفيذها، وبهيئة تحكيم دولية ترفع إليها الشَّكوى من أي تصرُّف يضرُّها تأتيه أية حكومة أجنبية داخل حُدود مصرَ أو خارجها.
  • رابعًا: الحُصول على المعلومات الثَّمينةِ والإرشادات النافعة والمَطبوعات القيِّمة التي تُوالي لجنةُ الملاحة لهذا الاتحاد الدولي إصدارها باستمرار في مواعيدَ مقررة. ومن هذه المطبوعات: الخريطة التي نقلنا عنها الجزء الخاصَّ بمصر المرسوم في شكل ١.
  • خامسًا: تحصل مصرُ على حق انتخاب عضوٍ مصريٍّ يمثلها في الهيئة التنفيذية لهذا الاتحاد الدولي، وقد تظفَر بوجودِ مصريٍّ يمثلها في اللجنة الفرعية التي تُشرف على الملاحة الجوية وقوانينها. وهذان الموظفان الفنِّيَّان المصريان يستفيدان فائدة عظيمة فنية وسياسية، ويكونان على اتصالٍ دائمٍ بحركة الطيران في أوروبا، وما يجِدُّ في الطائرات من أجناس واختراعات، وما يظهر في أسواقها التجارية وغير ذلك من الفوائد التي ينعكس نورُها على مصر بواسطة هذين المُوظَّفين.

وبعد أن يتمَّ لمصر الانضمامُ إلى هذه العُصبة والاستمتاع بكلِّ تلك الفوائد، وهي آخِذَة في سبيل إنشاء قوتها الهوائية، تقتدي بمثيلاتها من الأمم الصغيرة، وتستغِلُّ بمقدرتها السياسيَّة تنافُسَ الدول الكبرى وتزاحمَها على أسواق العالم للطيران، فستفيد فائدةً عظمى من حيث مقدِرة الرجال الأجانب الذين تَنتقيهم لخِدمَتها في مبدأ الأمر، ومن حيث جودة المعدَّات التي تشتريها وأثمان تلك المعدَّات.

(٥) حاجة مصالحِ الحُكومة للطَّيَران

بعد أن بحَثْنا علاقةَ الطَّيَران بالنسبة لمصر من الوجهات الأساسية الأربع، وهي: الحربية والتجارية والصناعيَّة والسياسية، نقولُ كلمةً في ارتباطه بأعمال الحكومة نفسِها، فإنَّ كثيرًا من مصالحها في حاجةٍ إليه، فوزارة الحربيةِ تحتاج إلى سلاحِ طيران للدِّفاع عن المملكة وقتَ الحرب، ولحراسة الحُدود الصحراوية المترامية الأطراف وقت السِّلم، ومصلحة خفَر السَّواحل بحاجةٍ إلى طيارات لتَشديد مراقَبة الشواطئ والضَّرب على أيدي المُهرِّبين، فإنَّ مقادير ما يدخل إلى القطر من المواد المحظورة تزداد يومًا عن يوم، ومصلحةَ البريد ستكون قريبًا في حاجة إلى مواصلات بريدية جوية داخل القطر وخارجَه (إلى الشام والعراق مثلًا في أول الأمر، وبعدها إلى السواحل الأوروبية للبحر الأبيض المتوسِّط). ومصلحة المساحة ستحتاج لعمَل مَسحٍ فتوغرافي دقيقٍ للبلاد. ووزارة الزراعة تستطيع أن تستخدم الطيارات (ولو بأجور) لمعاونة الأهالي على تَطهير المزروعات من آفاتها الميكروبية برش الموادِّ الكيماوية المطهَّرة، وهي طريقة استخدَمَها الأمريكان حديثًا، ولا سيَّما في تطهير القُطن، ولعلَّ حاجةَ مصر إلى ذلك أكبرُ من حاجة الولايات المتحدة. والبوليس لن يستغنيَ في المستقبل عن قوَّة هوائية دورية، ومصلحة المناجم تكون أقدرَ على أداء مهمتها ومساعدة الشركات (بأجور خاصَّة) التي تبحث عن المعادن في مصر إذا تيسَّر لها استخدامُ بعض الطيارات، وهكذا. ويجب ألا ننسَى كذلك أنَّ الحكومات على العموم تكونُ دائمًا في حاجةٍ إلى نقلِ كبار رجالها (ورسائلها المستعجلة) لأسبابٍ عديدة إلى أقاصي حدودها على جناح السرعة، ولا سبيلَ إلى تحقيقِ ذلك إلا بالطيَّارات.

الخلاصة

تتضح مما سبق الأمور الآتية:
  • أولًا: أن مصر لا تَستطيع أن تقفَ مكتوفةَ اليدين، ومجهودات الطيران قائمةٌ على قدمٍ وساق حولَها في العالم كله، بل لا بدَّ لها أن تُغامر في هذا الميدان الجديد.
  • ثانيًا: أن الطيرانَ يُفيدها أكبر فائدةٍ من الوجهات الحربية والصناعية والسياسية، كما أنه ضَروري لبعض مصالحها الخاصة.
  • ثالثًا: أن الطيرانَ التِّجاري يفيدُها أيضًا فائدةً محققَّة، ولكنها فائدة صغيرة، لا تبرِّر النفقات التي ستصرفها عليه، أما فائدتُه الكُبرى فتعودُ على الأجانب وحدَهم. والطيران التِّجاري محفوفٌ بالأخطار السياسية؛ ولذلك تقتضي معاملة الحكومة المصرية لشركات الملاحة الجوية الأجنبية منتهى الحذَر والمهارة السِّياسيَّة.
  • رابعًا: أن كلَّ تلك الفَوائد التي يصِحُّ أن تعودَ على مصرَ من الطَّيَران لا يُتصوَّر أن تجنيَها مصر، إلا إذا كان الرِّجال القائمون على مَصلحة الطيران مصريِّين. نعم إن الوزير المصري مشرفٌ على أعمال وزرائه كلها، ولكن مشاغلَه الكثيرة تمنَعه من الاهتمام بالدَّقائقِ والتفاصيل التي يوكَّل درسُها عادةً إلى رؤساء المصالح، وهذه الدَّقائق هي التي يأتي الخير — والشرُّ أيضًا — من خلالِها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠