الفصل الخامس

نبذة تاريخية

قُلنا في الباب الأول إن البالون هو أقدم أنواع الطائرات الأخف من الهواء، وأول من عرضَتْ له فكرة البالون هو لناردو دافنسي Leonardo da Vinci الإيطالي، ولكنَّه كان مشغولًا عن هذه الفكرة بغيرها مما سيَرد ذكره في الباب الثالث، وكان ذلك في القرن الخامس عشر، ثم أتى بعد لناردو بقرنين عالم طبيعي رياضي إيطالي أيضًا اسمه فرنسسكو لانا Francesco Lana، درس آراء سابقه وطبَّق عليها علمه، ثم فكر في طريقة يتمكَّن الإنسانُ بها من الصعود في الهواء، لم يجربها ولكنه صورها على شكل قارب تُربط فيه كرات من النحاس رقيقة مُفرَغة من الهواء لتكون خفيفة، فيدفعها الهواء إلى أعلى، فتحمل معها القارب وما به (شكل ٥-١).
مضى بعد ذلك قرن آخر ثم استكشف كافندش Cavendish غاز الأيدروجين، وسرعان ما اقترح الدكتور بلاك Dr. Black أنه لو مُلئت أوانٍ خفيفة بهذا الغاز فإنها تعلو في الهواء، وجرب ذلك بعده كافللو Cavallo، فبدأ بملء فقاقيع من محلول الصابون، وتدرَّج إلى ما هو أكبر.
fig24
شكل ٥-١: قارب فرانسسكو لانا.

(١) منجفلييه

وفي ذلك الوقت (سنة ١٧٨٢) ظهر أخَوَان فرنسيَّان ببالون بهر الناس بارتفاعه إلى الجوِّ حقًّا لا وهمًا. استرعتِ السحب وشكلها الدخاني وجريها في السماء نظر الأخوَين منجفلييه Mongolfiers، وقيل: بل أثرت فيهما رؤية الدخان المتصاعد من المداخن، فبعثتهما على التفكير في إمكان صعود ما امتلأ بمثل هذا الدخان، فبدآ يصنعان أكياسًا من الورق، ثم من القماش، ويملآنها بالدُّخَان الذي ينبعث بكثرة عند إحراق بعض المواد كالأقمشة، فوجدا بالفعل أن تلك الأكياس تعلو في الجو، فظلَّا يزيدان في حجمها ويجربان هذا وذاك سنة كاملة قبل أن يخرجا للناس لأول مرة بذلك البالون الذي كان أُعجوبةَ العصر، أشعلا النار تحته فملآه بالدخان أو بالأحرى الهواء الساخن المتصاعد معه، ثم خلَّيا سبيله، فأدهش الناس بارتفاعه نحو كيلومترين، ثم نزل على بُعد نحو كيلو مترين من نقطة الابتداء. أما ارتفاعه فكان خفة الهواء الساخن الذي يملؤه، وأما هبوطه بعد ذلك فلأنَّ الهواء الذي كان يملؤه أخذ يبرد وتزداد كثافته، فلم يعُد وزن الهواء المزاغ يربو على وزن البالون، فهبط الأخير.
أعقب ذلك ظهور بالون آخر بقُرب باريس أيضًا، صنعه الأستاذ شارل Charles من الحرير وغطَّاه بغَمسه في محلول من المطاط بطبقةٍ منه حتى لا يتسرَّب غازُه إلى الجو، ثم ملأه بالأيدروجين وعرضه أمام جمعٍ غفير من الناس، فصعد حتى غاب عن الأنظار.

بعد ذلك عاد الأَخَوان إلى الظُّهور وعرضا للناس بالونهما الهوائي في حضرة الملك والملكة، وأصعدا معه ثلاث ركاب: شاة، وبطة، وديكًا. ولما عاد البالون إلى الأرض كان الديك في حالة إغماء عزَاها البعض إلى عِظَم الارتفاع، وتفنَّن غيرهم فأكد أن الشاه دهسته، وأصر آخرون على أن البطة لا بد أن تكون عضَّته.

بدأ الناس يتطلعون بعد ذلك لرؤية ابن آدم يصعد في السماء، وفكَّر المشتغلون بالأمر أن يوضع في البالون سجينان، على أن يُطلق سراحهما إن عادا سالمَين، ولكن هذه الفرصة أُفلِتَتْ من يد السجينين بظهور متطوِّع لركوب البالون، وهو المسيو بلاتر دي روزييه Pilatre de Rozier، صعد في بالون من طراز منجلفييه سعته capacity نحو ١٠٠٠٠٠ قدم مكعب (أو نحو ٢٨٤٠ مترًا مكعبًا)، بعد أن رُبط البالون بحبلٍ طويل لتقييده وتحديد الارتفاع الذي يصِل إليه، وكرر بلاتر صعوده مستصحبًا معه آخرين، ثم طار مع المركيز دارلند D’Arlandes في نفس البالون وهو طليق غير مُقيَّد، وتجد في شكل ٥-٢ صورتهما وهما يُحيِّيان الناس. وكان هذا الحادث فاتحةَ عصر جديد وأذانًا بانتصار الإنسان على الهواء، وقرُب اليوم الذي يُسيطر فيه عليه.
fig25
شكل ٥-٢: البالون الذي صعد فيه بلاتر دي روزييه ودارلند، وهو من طراز منجلفييه.

ظهر بعد ذلك الأستاذ شارل مرة أخرى ببالونه الأيدروجيني، وكان قد هذبه في الفترة التي انزوى ليعمَل فيها، فلتوزيع الضغط عليه بانتظام غطَّاة بشبكة تتدلَّى أطرافها فتحمِل طوقًا من خشب شُدَّ إليه سبَت أو سلة للركاب، وركَّب في قمة غلاف البالون صمامًا يُحرِّكه الراكب وهو في السبَت بواسطة حبال، فيسمح بذلك لبعض الغاز بالتسرُّب إلى الهواء فيثقُل البالون، أو بالأصح يقل رفعُ الهواء له. هكذا هذَّب شارل البالون حتى قرَّبه من الشكل الذي هو عليه في يومِنا هذا، وصعِدَ بواحدٍ من هذا النوع في ديسمبر سنة ١٧٨٣ مع راكبٍ آخر، وظلَّا في الهواء نحو أربع ساعات قطَعا فيها نحو أربعين ميلًا (٦٤ كيلومترًا)، ثم أنزل الراكب واستأنف شارل الصُّعود حتى وصل إلى عُلوٍّ أحسَّ فيه بتأثير الارتفاع (برد وألم في آذانه)، ففتح الصمام الذي أشرنا إليه ونزل بعد أن قضى في الهواء نحو نصف ساعة أخرى.

لمَّا وصل البالون إلى هذا الحدِّ من التقدُّم وعرف الإنسان كيف يحمله على الهبوط بفتح الصمام العلوي، وكيف يحمِله كذلك على الصُّعود بتخفيفِه برمي بعض ما به من أثقال تُحمل كصابورة لهذا الغرض، بعد أن عرَف الناس ذلك اتجهت أنظارهم إلى عبور بحر المانش معتمدين على الرِّياح في قطع المسافة الأفقية، وأول من تمَّ له هذا العبور: بلانشار Blanchard، وكان معه أمريكي اسمه جفري Jeffries، وقد أشرَفا على الهلاك كلاهما أو أحدهما على الأقل؛ فبالرَّغم من أنهما رميا كل ما كان معهما من مأكولات ومُعدَّات احتياطية ظلَّ البالون ثقيلًا ينزِع إلى الهُبوط، فاستعدَّا لخَلع ملابسهما ليرمياها تخفيفًا له، ولكن جفري أحسَّ بأنَّ هذا لن يُجدي وأن الموقفَ رهيب، فعرض بكل جرأة وشجاعة أن يَرمي نفسه في البحر ليُنجي زميلَه، ولكن العناية لحظتهما فوصلا إلى الشاطئ قبل أن يحتاج الأمر لهذه التضحية.

إلى هنا انتهت المرحلة الأولى في تقدُّم البالون، وبدأت الثانية، وهي:

(٢) تسيير البالون وتهذيب شكله

بعد أن ألِفَ الناس رؤية البالون في الهواء وهدأَتْ أعصابهم من هزَّة الاندهاش، تنبَّهوا إلى أن البالونَ إن لم يستطِع الإنسان توجيهه حيث شاء قليل النفع، فبدءوا يُفكرون في تسييره، ثم تنبَّهوا أيضًا إلى أن مقاومة الهواء للبالون تقلُّ كلما تطاول شكله.

(٢-١) جفرد

ويرجع الفضل في تسيير البالون إلى جفرد Giffard مخترع الحاقن البخاري steam injector، فإنه أنشأ محركًا بخاريًّا قوَّتُه نحو خمسة أحصنة وزنته نحو مائة رطل، ووزنه بالأوزان وغيره من اللوازم نحو ٣٥٠ رطلًا، ثم أنشَأ بالونًا جديدًا مدببًا سعته ٨٨٠٠٠ قدم مكعب (نحو ٢٥٠٠ متر مكعب)، وضمَّنه تحسينات شارل، فغطى غلافه بشبكة تتدلَّى أطرافها فتحمل عارضة طولها نحو نصف طول البالون (شكل ٥-٣)، وفي آخرها قلع ثلاثي يعمل عملَ الدفة، وتحتَها عربة متدلية فيها المحرِّك البخاري يدير مروحة بسرعة ١١٠ لفة في الدقيقة، واحتاط جفرد من التهاب الأيدروجين بأن وجَّهَ الغازات الهالكة (العادمة) المنبعثة من المحرِّك في أنبوبة إلى أسفل حتى لا تمر بغلاف البالون، وطار به في سبتمبر سنة ١٨٥٢ في باريس طيرة flight ظهر فيها أن البالون سهل القيادة في الريح العادي، وبهذا النجاح برهن جفرد للعالم أن مستقبل المسيَّرات لا شك في إزهاره، وأن الأمر متوقف على وجود الآلة الخفيفة. أما السرعة التي وصل إليها جفرد فبلغت نحو الستة أميال في الساعة (سرعة الرجل مشيًا حثيثًا تساوي نحو أربعة أميال في الساعة).
fig26
شكل ٥-٣: مسيَّرة جفرد.
ومما يجدُر ذكره في هذا المقام أن جفرد كان فقيرًا، ولما شرع في بناء بالونه الثالث الكبير قعد به الفقر عن تتميمه، فتركه وانكبَّ على مخترعه السابق ذكره وهو الحاقن البخاري، يعمل بجد ونشاط ويجمع المال حتى تكامل عنده ما يكفي لاستئناف إنشاء البالون، فعاد له وكمَّله وبُعث به إلى معرض لندن الذي أُقيم بها سنة ١٨٦٨، ثم أفسح له الأمَل فصمَّم بالونًا كبيرًا سعتُه نحو مليون قدم مكعب (نحو ٤٥٤٠٠ متر مكعب)، وقدَّر لتكاليفه نحو أربعين ألف جنيه، وأعدَّ نفسه لإنشائه، ولكن العمَى حال دون تحقيق أمنيته، وسرعان ما عاجله الأجل فمات سنة ١٨٨٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠