الفصل التاسع

خلاصة الباب الثالث

الآن نُلخِّص التطوُّراتِ الفنية التي مرَّت بالطيارة وذكرناها في هذا الباب: الفكرة الأولى للطيران نبتَتْ مع الرغبة في تقليد الطيور في الأجنحة الرفرافة، ولم تصادف نجاحًا، ثم اتجهت الأفكار إلى الانحدار، وتهذَّبَت المنحدرة ثم رُكِّبَ لها محرك بنزيني فصارت طيارة، وتم ذلك في سنة ١٩٠٣ على يدي الأخوَين رايت اللذَين بنيا طيارتهما ذات السطحين المشهورة، ثم بدءا يُحسنانها تحسينًا عمليًّا، فجعلا لها رافعًا أماميًّا، واتخذا سبيلًا لفتل أطراف الأجنحة ليضمنا بهاتين الوسيلتين ثبات الطيارة في كلٍّ من الحركة التموُّجية pitching movement والحركة التقلُّبية rolling movement، كما أنهما أضافا للطيارة زعنفة رأسية تساعد على الثبات التعرُّجي stability in yawing.
بعد ذلك جاء الفرنسيون فخصُّوا النوع الصندوقي بعنايتهم، وأدخلوا إلى طياراتهم فكرة إمالة الجناحين الأيمن والأيسر حتى يحصُرا بينهما زاوية زوجية dihedral ثم وضع فواسان ذيلًا أفقيًّا ثابتًا لحفظ التوازن، وأضاف إليه فارمان فيما بعد سطحًا آخر أفقيًّا هو الرافع، وانتقلت بذلك سطوح التوازن من الأمام (حسب طريقة رايت) إلى الخلف، ثم أبطل فارمان طريقة رايت في فَتل أطراف الأجنحة، واستعاض عن ذلك بجُنيحات مُركَّبة على طرفي الجناحين يُحركها الطيَّار كيفَ يشاء.
بعد ذلك انبعثت ذات السَّطحِ الواحد من المصانع الفرنسية، وأثار ظهورُها جدالًا عنيفًا في المقارنة بينها وبين ذات السَّطحين، أيهما أمتن وآمن وأكثر طلاقة، ففضلت ذات السطح الواحد، وشاع هذا النوع في فرنسا مدة طويلة، ومن المصانع التي انصرفت إليه: مصنع بليريو، وقد ضمَّن طياراته آراء جديدة، كتخفيض مكانِ الطيار والمحرك في بعض الأحايين عن الجناح، وفيما عدا ذلك انتقى حسنات طيارات كلٍّ من رايت وفواسان، ونقل المحرك إلى الأمام لتصير الطيارة من طراز الجارَّة tractor بدل الدافعة pusher،١ ثم ظهر مصنع أنتوانيت فجعل الأجنحة تشبه أجنحة العصافير، وابتكر فكرة جديدة لتثبيت الجناح وتقويته كانت أدعى لصلابته وأعوَن على تكبير سطحه.
كل ذلك يدل على أن الطيارات في ذلك الحين بدأت تقطع مرحلة هامَّةً، وتدخل في دور تحسين أجزائها تمهيدًا لبقاء الأصلح من أشكالها المختلفة، فالإنسان كان في ذلك الوقت لا يستطيع أن يحكم على طيارة ما بعد بنائها بأنها ستطير إلا إذا جُرِّبت فعلًا وظهرت مقدرتها على ذلك. وكانت شخصية الطيار من أكبر العوامل في النجاح؛ ومن أجل ذلك اعتاد الناس الكلام عن الطيارين في ذلك الوقت، ونسبة كل ما تقوم به الطيارة من عمل إلى شجاعة ومهارة الطيار، ولكن لمَّا تحسنت الطيارات وأجزاؤها المختلفة وسهُلَتْ قيادتها وأخذت أشكالها الناجحة تستقر وتدخل في دور التقنين standardisation، بل وأصبح من المستطاع التنبُّؤ ببعض المميزات للطيارة من رسومها التَّصميمية قبل إنشائها وتجربتها، نقول: بعد أن دخلت الطيارة في هذا الدور كفَّ الناس عن الكلام على الطيارين، وبدءوا يتكلمون عن مميزات الأجناس المختلفةِ للطيارات، وما تستطيع أن تقوم به من الأعمال، وتصِل إليه من السُّرَع أفقية أو تسلُّقية بغض النظر عن الطيار الذي يقودها.

هذا ملخص لتطور الطيارة في مرحلة التجريب الأولى، أي من بدء نشأتها إلى قُبيل الحرب.

١  تكون المروحة في الطيارة الجارَّة في مقدمة المحرك والطيارة كما في معظم الأشكال التي مرَّتْ علينا، أمَّا في الدافعة فتكون المروحة وراء المحرك والجناحين (انظر شكل ١٦-٣)، فتدفع الطيارة إلى الأمام بدل أن تجرها كما في الحالة الأولى. وهذا النوع (الدافع) بطل استعماله الآن تقريبًا إلا في متعددة المحركات، فتكون بعض المراوح أمامية تجر وبعضها خلفية تدفع، كما في طيارة بارلنج (شكل ١٢-٤).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠