فندق جاك راندا

أبطأت الطائرة من سرعتها على المدرج في هونولولو، وترنَّحَتْ وانحرفت إلى العشب وتعثرت بعض الشيء حتى توقَّفت تمامًا. بدا أنها توقَّفت على بُعْد بضع ياردات من المحيط. بداخلها ضحك الرُّكَّاب جميعًا. في البداية خيَّمَ الصمت، ثم تبعته الضحكات. انفجرت جيل في الضحك، وبعدها أخذ الجميع يتعارفون. إلى جوار جيل، جلس لاري وفيليس من سبوكين.

لاري وفيليس سيشاركان في بطولة الجولف لِلَّاعبين الذين يستخدمون يدهم اليسرى، والتي كانت ستُقام في فيجي، شأنهما شأن غيرهما من الأزواج على متن هذه الطائرة. لاري هو لاعب الجولف الأعسر، وفيليس زوجته التي ترافِقه لمشاهدة البطولة وتشجيعه والاستمتاع بوقتها.

يجلس رُكَّاب الطائرة — جيل ولاعبو الجولف العُسْر — ويُقدَّم إليهم الغداء في علب أشبه بعلب أطعمة الرحلات الخلوية. لا مشروبات. الحرُّ شديد. إعلاناتٌ مازحة ومُرْبِكة تصدر من مقصورة الطائرة: «نعتذر عن المشكلة الحالية. لا شيءَ يستدعي القلق، ولكن يبدو أننا سنعاني من الحر لفترة أطول.» تعاني فيليس صداعًا بَشِعًا بينما يحاول لاري التخفيف من وطأة ما تشعر به من خلال الضغط بأصابعه على نقاطٍ محددة على رسغها وكفها.

تقول فيليس: «لا جدوى، كان من الممكن أن أكون بصحبة سوزي الآن في نيو أورلاينز.»

يقول لاري: «يا للمسكينة!»

يلفت انتباهَ جيل البريقُ الأخَّاذ للخواتم الماسية بينما أبعدت فيليس يدها. حدَّثَتْ جيل نفسها؛ زوجاتٌ يرتدين خواتم ماسية ويعانين من الصداع. ما زالت هذه عادتهن؛ الناجحات منهن تلك عادتهن. لديهن أزواج بُدَناء. ولاعبو جولف عُسْر مصِرُّون على أن يسلكوا مسارًا دائمًا من الإشباع والإمتاع.

في نهاية المطاف، تم إنزال الرُّكَّاب المتجهين إلى سيدني — لا إلى فيجي — من الطائرة، وسِيقوا إلى مبنى الرُّكَّاب حيث تركهم مرشدُ رحلتهم الجوية، فجالوا في المكان يبحثون عن أمتعتهم ويمرُّون عبر الجمارك في محاولةٍ لإيجاد مكانِ شركة الطيران التي من المفترض أن تحترم اتفاقها معهم. في مرحلةٍ ما، بادرتهم بالترحيب لجنةٌ من أحد فنادق الجزيرة لا يكفُّ أعضاؤها عن الغناء بلغةِ أهل هاواي وإلقاء الزهور حولهم. ولكنْ، أخيرًا، وجدوا أنفسهم على متن طائرة أخرى. تناولوا الطعام، واحتسوا المشروبات، وخلدوا إلى النوم. امتدت الطوابير المتجهة إلى المراحيض، وامتلأت الممرات بالبقايا، وتوارَتِ المضيفاتُ عن الأنظار في حُجَيْرَاتهن وطفقن يُثَرْثِرن عن الأطفال والعُشَّاق. وبعدها تسلَّل ضوء النهار المزعج، وتجلَّى الساحل الرملي الأصفر لأستراليا على مسافةٍ بعيدة أسفل الطائرة، واختلفت المنطقة الزمنية، وحتى أكثر الرُّكَّاب أناقةً وأحسنهم مظهرًا، بَدَا عليهم الإنهاكُ والتراخي والخمول بسبب الرحلة الطويلة في أرخص مكان بالطائرة. وقبل أن يتمكَّنوا من مغادرة الطائرة، تعرَّضوا لهجوم جديد؛ رجال مُشْعِرون يرتدون سراويل قصيرة تدفَّقوا إلى الطائرة، وطفقوا يرشون كلَّ شيء بمبيدات الحشرات.

تخيَّلَتْ جيل نفسها تتحدَّث إلى ويل قائلةً: «أعتقد إذن أن هذه هي الطريقة التي سنصل بها إلى الجنة. سيُلقِي الناس عليك أكاليل الزهور التي لا رغبةَ لك فيها، وسيعاني الجميع من حالات صداع وإمساك، وسيتطلَّب الأمر رشًّا بالمبيدات للتخلُّص من الجراثيم الأرضية.»

كانت عادتها التفكير في أمور بارعة ومَرِحة لتلقيها على مسامع ويل.

•••

بعد رحيل ويل، بدا لجيل أن محلها يحتشد بالنساء؛ لسن بالضرورة ممَّنْ يشترين الملابس. لم تكن تمانع بهذا. كان الأمر أشبه بالأيام الخوالي قبل ويل. النسوة كُنَّ يجلسن على كراسي عتيقة ذات ذراعين إلى جوار طاولة الكَي وطاولة التفصيل اللتين تخصَّان جيل وراء الستائر المزخرفة الباهتة، وكُنَّ يحتسين القهوة. شرعت جيل في طحن حبوب القهوة بنفسها كعادتها دائمًا، وسرعان ما ازدان تمثالُ عرض الملابس بالخرز، إضافةً إلى بعض الرسوم الفاضحة المتفرِّقة. ثمة قصص تُروَى عن الرجال، وعادةً عن رجالٍ رحلوا؛ عن أكاذيب وظُلْم ومواجهات، وخيانات بَشِعة جدًّا — ومبتذلة جدًّا في الوقت نفسه — لدرجةِ أن مَنْ يسمعها ينفجر ضحكًا. كان الرجال يلقون أعذارًا سخيفة واهية (آسف، لم أَعُدْ أشعر بالالتزام نحو هذه العلاقة الزوجية). عرضوا على زوجاتهن بيع السيارات والأثاث الذي دفع الزوجاتُ ثمنَه أساسًا. كانوا يتفاخرون لمجرد أنهم جعلوا ساقطةً أصغرَ سنًّا من أبنائهم حاملًا. كانوا قساةَ القلب طفوليين. ماذا يمكنكِ أن تفعلي سوى الكَفِّ عن الثقة؛ الكَفِّ عن الثقة بهم وعن تصديقهم بشرفٍ وكبرياء ولمصلحتك الشخصية؟

سرعان ما ذَوَتْ متعةُ جيل بكل ذلك؛ فالكثير من القهوة يمكن أن يجعل بشرتك تبدو أشبه بلون الكَبِد. ثمة شجارٌ نشبَ في الخفاء بين النساء عندما اتَّضَح أن واحدةً منهن نشرت إعلانًا في عمود الإعلانات الشخصية. انتقلت جيل من احتساء القهوة مع الأصدقاء إلى احتساء المشروبات برفقة كليتا؛ والدة ويل، ومن العجيب أنها عندما أحدثتْ هذا التغييرَ في حياتها، أصبحت تصرُّفاتها أكثر رصانةً. ما زالت الملاحظات التي تعلِّقها على بابها كي يتسنَّى لها الرحيل مبكرًا خلال فترة الظهيرة في الصيف تتَّسِم بشيء من التخبُّط. (كانت دونالدا — الموظفة التي تعمل لديها — في إجازة، وكان من الصعب بمكانٍ تعيينُ غيرها.)

ذهبتُ إلى الأوبرا.
ذهبتُ إلى المصحة.
ذهبتُ لأجلب الخيش والرماد تعبيرًا عن ندمي (كما في العهد القديم).

حقيقة الأمر أن هذه العبارات لم تكن من بنات أفكارها، لكنها أشياءُ اعتاد ويل أن يكتبها ويلصقها على بابها في الأيام الخوالي عندما أرادَا الارتقاء إلى مستوًى أعلى. سمعَتْ أن مثل هذا الأسلوب التهكُّمي لم يكن محلَّ تقديرٍ عند الذين قطعوا مسافةً طويلة لشراء فستان لحفل زفاف، أو الفتيات اللائي خرجن لشراء ملابس الجامعة. لم تكن تكترث.

شعرت جيل بارتياح في شرفة كليتا، وأمست متفائلةً بغير سبب واضح. شأنها شأن أغلب السكيرين، التزمَتْ كليتا بشراب واحد — الخمر الاسكتلندية — وبدا أنها تستمتع بتنويعاتٍ منه، لكنها كانت تُعِدُّ خمر الجين بالتونيك وشراب الرَّم الأبيض بالصودا، وعرَّفَتْها على الخمر المكسيكية الذي يُعرَف باسم «تيكيلا». قالت جيل بين الحين والآخَر: «هذه هي الجنة.» ولم تقصد الخمر فحسب، بل أيضًا الشرفة المغطَّاة بالزجاج، والساحة الخلفية المُسيَّجة، والمنزل العتيق وراءهما بنوافذه الموصدة، وأرضياته المطلِيَّة بطلاءٍ لامع، وخزانات المطبخ العالية على نحوٍ مبالَغ فيه، وستائره القديمة المزدانة بالأزهار (كانت كليتا تمقت أعمال الديكور). هذا هو البيت الذي وُلِدَ فيه ويل وكليتا أيضًا، وعندما دعا ويل جيل للعيش فيه لأول مرة، حدَّثَتْ جيل نفسها أن هذه هي حياة المتمدنين حقًّا؛ مزيجٌ من خلو البال والخصوصية، واحترام الكتب القديمة والصحون العتيقة؛ الأمور السخيفة التي ظنَّ ويل وكليتا أنه من الطبيعي الحديث عنها. أما الأمور التي لم تتطرَّق إليها هي وكليتا في حديثهما، فهي انحراف ويل الحالي، والمرض الذي جعل أطراف كليتا تبدو كفروع الأشجار المطلية نتيجةَ اسمرارها الشديد، والذي جوَّفَ وجنتَيْها المحاطتين بشعرها الأشيب المعقوص إلى الوراء. هي وويل يمتلكان وجهًا أشبهَ إلى حدٍّ ما بوجوه القِرَدة بأعينها الداكنة الحالمة الساخرة.

بدلًا من ذلك، تحدَّثت كليتا عن الكتاب الذي كانت تُطالِعه؛ «التاريخ الأَنْجلُوسَكْسُوني». قالت إن السبب وراء تسمية عصور الظلام بهذا الاسم ليس أننا لم نستطع أن نتعلَّم شيئًا منها؛ بل لأننا لم نستطع تذكُّر أيَّ شيء تعلَّمناه عنها؛ وذلك بسبب الأسماء.

قالت: «كايدوالا. إيجفريث. هذه لم تَعُدْ من الأسماء المتداولة اليومَ.»

كانت جيل تحاوِل أن تتذكَّر أيُّ العصور أو القرون كانت مظلمة، لكنَّ جهْلَها لم يُسبِّب لها حرجًا. كليتا كانت تسخر من كل هذه الأشياء على أية حال.

قالت كليتا وتَهجَّتِ الاسم: «أيلفلاييد.» ثم قالت: «أيُّ بطلة تُدعَى أيلفلاييد؟»

عندما راسلت كليتا ويل، الأرجح أنها كتبت عن أيلفلاييد وإيجفريث، لا عن جيل. لم تقل: «جيل هنا، وتبدو رائعة الجمال في منامتها الصيفية الرمادية الحريرية، وهي غاية في اللباقة»، وتبادر بالكثير من التعليقات التي تنمُّ عن سرعة البديهة. ولا يختلف ذلك عمَّا تصرِّح به لجيل نفسها إذ تقول: «تساورني الشكوك حيال العاشقين. عندما أقرأ ما بين السطور، لا يسعني إلا أن أتساءل ما إذا كانت خيبة الأمل بدأت تتسلَّل إليكما …»

عندما التقت جيل كلًّا من ويل وكليتا، حسبتهما أشبه بشخصيتين خياليتين في كتابٍ؛ ابن يعيش مع أمه راضيًا بهذا العيش، كما هو واضح، وهو في منتصف العمر. شهدت جيل حياةً حافلة بالطقوس؛ حياةً عابثة وجديرة بالغبطة، أقلُّ ما فيها نعمةُ العزوبية والأمان. ما زالت ترى بعض هذه الأشياء حتى الآن، ولو أن ويل لم يستقر بالبيت دومًا؛ فهو ليس عازبًا ولا يخفي مثلية جنسية. سافَرَ لسنواتٍ طوال، وانشغل بحياته الخاصة — حيث كان يعمل بالمجلس الوطني للأفلام ومؤسسة الإذاعة الكندية — ولم يتخلَّ عن تلك الحياة إلا مؤخرًا ليعود إلى مدينة والي، ويعمل بالتدريس. ما الذي جعله يتخلَّى عن حياته تلك؟ قال: أسبابٌ عادية؛ انتهازيون هنا وهناك، بناء الإمبراطوريات، الإرهاق.

زارت جيل مدينة والي صيفًا في السبعينيات، وكان عشيقها الذي كانت بصحبته آنذاك متخصِّصًا في بناء القوارب، وكانت هي تبيع الملابس التي تَحِيكها بنفسها؛ عباءاتٍ مزخرفةً، وقمصانًا ذات أكمام منتفخة، وتنانيرَ طويلة ذات ألوان برَّاقة. حصلت على مكان مخصَّص لها في الجزء الخلفي من محل الهدايا المصنوعة يدويًّا عندما حلَّ الشتاء، وتعرَّفت على إجراءات استيراد العباءات الجنوب أمريكية، والجوارب السميكة من بوليفيا وجواتيمالا، وعثرت على نساءٍ محلياتٍ يساعِدْنَها في حياكة السترات. وذاتَ يوم، استوقَفَها ويل على قارعة الطريق، وطلبَ منها أن تساعده في تصميم الملابس للمسرحية التي يُعِدُّها — «النجاة بشقِّ الأنفس». انتقل عشيقها إلى فانكوفر.

صرَّحَتْ لويل ببعض الأمور المتعلِّقة بها في بداية علاقتهما؛ خشيةَ أن يحسب أنها الاختيار المثالي لبناء أُسرة نظرًا لقوامها القوي وبشرتها الوردية وجبينها الرقيق العريض. قالت له إنها أنجبَتْ من قبلُ، وبينما شرعت هي وعشيقها في نقل بعض الأثاث في شاحنةٍ مستأجَرة، من خليج ثاندر إلى تورونتو، تسرَّبَتْ أبخرةُ أول أكسيد الكربون بما يكفي لإصابتهم بالدوار، والقضاء على الرضيع الذي لم يزِدْ عمره على سبعة أسابيع، وبعدها أقعَدَ جيل المرضُ؛ حيث أُصِيبت بالتهاب في الحوض، وقرَّرت ألَّا تُنجِبَ في المستقبل. كان الإنجاب صعبًا بالنسبة إليها على أية حال؛ لذا فقد خضعتْ لعمليةِ استئصالِ الرحم.

أُعجِبَ ويل بها، وأبدى لها إعجابه. لم يجد في نفسه رغبةً في أن يقول: «يا للمأساة!» ولم يوحِ — حتى ولو على نحوٍ عارض — أن وفاة الرضيع جاءت نتيجةَ القرارات التي اختارَتْها جيل. كان مفتونًا بها آنذاك؛ فقد رآها شجاعةً وسخيَّةً وواسعةَ الحيلة وموهوبةً. كانت الملابس المسرحية التي صمَّمتها وصنعتها لأجله مثاليةً، بل عجيبة أيضًا. كانت جيل تعتقد أن رأيه فيها وفي حياتها ينطوي على براءةٍ تمسُّ القلب، وبَدَا لها أنها بعيدًا عن كونها منطلقة وسخيَّة، كثيرًا ما كانت قَلِقة ويائسة، وأنها أمضَتْ فترةً طويلة منشغلة بغسل الملابس، والقلق بشأن المال، وتسرَّبَ إليها شعورٌ بأنها تَدِين بالكثير لأي رجلٍ يرتبط بها. لم تظن أنها واقعةٌ في حُبِّ ويل آنذاك، لكنها كانت مُعجَبة بوسامته؛ بقوامه المفعم بالحيوية، المنتصب لدرجةٍ توحي للناظِر بأنه أطول ممَّا هو عليه فعلًا، ورأسِه الشامخ، وجبهتِه العريضة اللامعة، وشَعْرِه الرمادي الأجعد. كانت تروق لها مشاهدتُه أثناء البروفات، أو أثناء حواره مع طلَّابه فحسب. كَمْ بَدَا بارعًا ومِقْدَامًا كمُخْرِج! وكَمْ بَدَا قويَ الشخصية وهو يسير في ردهات المدرسة الثانوية أو يقطع شوارع مدينة والي! إضافةً إلى ذلك، مشاعر الإعجاب المستترة التي كان يكنُّها لها، واحترامه لها كعاشق، والجمال الأخَّاذ لبيته وحياته مع كليتا، كل ذلك جعَلَ جيل تشعر وكأنها تلقى تَرحابًا فريدًا من نوعه في مكانٍ ربما لم يكن لها الحقُّ في التواجُد فيه أصلًا. لم يكن ذلك مهمًّا آنذاك؛ فقد كانت لها اليد العليا.

متى إذن فقدَتْ سيطرتَها على الأمور؟ عندما اعتادَ معاشرتها؟ عندما انتقلا للعيش معًا؟ عندما أنجزَا أعمالًا كثيرة بالكوخ المتاخِم للنهر، واتَّضَحَ أنها تفوقه براعةً بكثيرٍ في هذا الضرب من الأعمال؟

هل كانت من نوعية الأشخاص الذين يؤمنون بأن شخصًا ما يجب أن يمتلك زمام الأمور؟

جاء عليها وقتٌ كانت تمتلئ فيه إحباطًا وقنوطًا من مجرد سماع نبرة صوته وهو يقول: «رباط حذائك مفكوك.» بينما تسير أمامه. كانت نبرةُ صوته بمنزلة تحذير لها من أنهما انتقلَا إلى عالَمٍ كئيبٍ لا حدودَ فيه لخيبة الأمل، وازدراؤه يستحيل التصدِّي له. في نهاية المطاف كانت تتعثَّر، وتثور ثائرتُها. كانا يعيشان أيامًا وليالي في قنوطٍ شديد. ثم تنكسر الحواجز، ويلتئم الشَّمل، وتتعالى الضحكات، ويسود إحساسٌ بالارتياح الحائر. هكذا كانت حياتهما. لم تستطع أن تفهم تلك الحياة حقًّا، أو تجزم بما إذا كانت كأي حياة يعيشها غيرُها، لكن بَدَا أن فترات الهدوء تزداد طولًا، والمخاطر تتراجع، ولم يخطر لها قطُّ أنه كان بانتظارِ أن يلتقي شخصًا كهذه المرأة الجديدة؛ ساندي، التي بَدَتْ له مختلفةً ومَرِحة، تمامًا كما كانت جيل في فترةٍ من الفترات. ولعلَّ ذلك لم يخطر على بال ويل أيضًا.

لم يكن لديه الكثير ليصرِّح به عن ساندي — ساندرا — التي جاءت إلى مدينة والي العام الماضي ضمن برنامج لتبادُل الطَّلَبة؛ لبحث كيفية تدريس مادة الدراما بالمدارس الكندية. قال إنها تنتمي إلى حركة «تركيا الفتاة» أو «الأتراك الشباب»، وبعدها قال إنها ربما حتى لم تسمع بهذا المسمَّى من قبلُ. وسرعان ما حدثت ضجة كبيرة بشأنها، وارتبط اسمها بالخطر. حصلت جيل على بعض المعلومات من مصادر أخرى؛ فقد علمت أن ساندي تحدَّتْ ويل على مرأًى ومسمعٍ من طلَّابه؛ قالت ساندي إن المسرحيات التي يريد تقديمها «ليست مناسِبةً»، أو ربما أنها «ليست ثورية الطابع».

قال أحد طلَّابه: «لكنها تروق له. لا شك أنها تروق له.»

لم تَبْقَ ساندي في المكان طويلًا؛ فقد انطلقت لمتابعة طريقة تدريس مادة الدراما في مدارس أخرى، لكنها راسلت ويل، وربما ردَّ ويل على رسائلها؛ لأنه اتضح أنهما وقَعَا في الحب. ويل وساندي ذابا عِشْقًا، وبنهاية العام الدراسي تبعها ويل إلى أستراليا.

ذابا عِشْقًا. عندما صرَّحَ لها ويل بذلك، كانت جيل تدخِّن الماريجوانا. عادت إلى تعاطي الماريجوانا مجددًا؛ لأن حياتها مع ويل جعلتها عصبيةً جدًّا.

سألته جيل: «هل تعني أنني لستُ المسئولة؟ أتعني أنني لستُ سببَ المشكلة؟»

تعامَلَتْ جيل مع الأمر باستهتارٍ من فرط الارتياح الذي شعرتْ به، وهيمَنَ عليها مزاجٌ جريء وصاخب، فأربكت ويل فعاشَرَها.

في الصباح، حاولَا أن يتجنَّبَا التواجُد في الغرفة نفسها معًا، واتفقا على ألَّا يتراسَلَا. قال ويل ربما سيراسلها لاحقًا، فأجابته أن «افعل ما يحلو لك.»

ولكن ذات يوم في بيت كليتا، رأت جيل خطَّ يده على مظروف تُرِكَ لا محالةَ عن عمدٍ في مكانٍ تستطيع رؤيته. تركته كليتا؛ كليتا التي لم تنبس ببنت شفة عن الهاربَيْن. كتبت جيل عنوان الرد: ١٦ طريق آير، توونج، بريسبين، كوينزلاند، أستراليا.

عندما رأت خط يد ويل أدركتْ كَمْ أمسى كلُّ شيء عبثًا بالنسبة إليها؛ هذا البيت الذي يرجع إلى ما قبل العصر الفيكتوري في مدينة والي، والذي يفتقر إلى مساحة أمامية لائقة، والشرفة التي يحويها، والمشروبات، وشجرة كاتالبا التي طالما تطلَّعَتْ إليها في الساحة الخلفية لبيت كليتا؛ كل الأشجار والشوارع في مدينة والي، وكل مناظر البحيرة التي تُشعِر المرءَ بالحرية، والسلوى التي تجدها في المحل؛ قصاصات لا قيمة لها، أشياء مستعارة وأدوات مساعدة. المشهد الحقيقي كان خفيًّا عليها، في أستراليا.

لذا، وجدت نفسها جالسةً على متن الطائرة إلى جوار تلك المرأة ذات الخواتم الماسية. خَلَتْ يدا جيل من الخواتم وطلاء الأظافر، وبشرتها كانت جافة بسبب الأعمال التي تزاوِلها باستخدام الأقمشة. كانت تصف الملابس التي تَحِيكها بالملابس «المصنوعة يدويًّا» حتى جعلها ويل تخجل من هذا الوصف، وما زالت لا تدري ما العيب في وصفها.

باعت المحل؛ باعته إلى دونالدا التي لطالما كانت لديها رغبة في شرائه. أخذت المال، وانطلقت على متن الطائرة إلى أستراليا، ولم تُخبِر أحدًا بوجهتها. كذبت إذ تحدَّثت عن إجازة طويلة ستقضيها في إنجلترا، ثم ستنتقل إلى مكانٍ ما في اليونان شتاءً، وبعدها مَنْ يدري؟

في الليلة السابقة لرحيلها، أحدثَتْ تغييرًا كليًّا في هيئتها؛ فقصَّتْ شعرها الأشيب المائل إلى الحمرة، وخضَّبَتْ ما بقي منه بلون بُني داكن، لكن اللون الذي نتج عن ذلك كان غريبًا؛ أحمر قانيًا، صناعيًّا في ظاهره، لكنه أكثر دُكْنةً من أن يلفت الانتباه. واختارت من محلها — ولو أن محتوياته لم تَعُدْ في حيازتها بعدُ — ثوبًا لم تكن لترتدي مثله أبدًا؛ فستانًا بسترة من البوليستر الأزرق الداكن الذي يبدو أشبه بالكتان، والمزدان بخطوط لامعة باللونين الأحمر والأصفر. جيل طويلةُ القامة عريضةُ الأرداف، وعادةً ما ترتدي ملابسَ فضفاضة وجميلة. يجعل هذا الثوب مَنْكِبَيْها كبيرين، وينحسر على رجليها عند نقطةٍ أعلى ركبتَيْها. أيُّ امرأة كانت تتقمَّص؟ المرأة التي يمكن أن تلعب فيليس معها لُعبة البريدج؟ إذا كان هذا هو قصدها، فقد جانَبَها الصواب. خرجت وهي أقرب شَبَهًا بامرأةٍ أمضت أغلب حياتها أسيرةَ حُلَّةٍ رسمية، تمتهن وظيفةً نبيلة وزهيدة الأجر (ربما في كافيتريا أحد المستشفيات). وقد أنفقتِ الآن أموالًا طائلة على ثوب مبهرج جدًّا سيتبيَّن لها أنه غير لائق وغير مريح ولا يناسب رحلةَ العُمْر.

هذا لا يهمُّ؛ فهو ضربٌ من التنكُّر.

في مرحاض المطار، في قارة جديدة، اكتشفت أن صبغة شعرها الداكنة، التي لم تُغسَل بالقدر الكافي ليلةَ أمسِ، امتزجتْ بعَرَقها، فأخذتْ تقطر على عنقها.

•••

حطَّتْ طائرةُ جيل في بريسبين، ولم تكن قد اعتادت التوقيت الجديد بعدُ، وأزعجتها حرارةُ الشمس القاسية. ما زالت ترتدي ثوبَها البَشِع، لكنها غسلت شعرها فلم يَعُدْ لونُ صبغته يقطرُ عليها.

استقلَّتْ سيارةً أجرة، وعلى الرغم من الإرهاق الشديد الذي أحسَّت به، لم تكن لتستقر أو تجد الراحةُ إليها سبيلًا إلا بعد أن تعرف أين يعيشان. كانت قد ابتاعَتْ بالفعل خريطةً وعثرتْ على طريق آير. كان طريقًا قصيرًا ومنحنيًا. طلبتْ من السائق أن تترجَّل عند زاوية الشارع حيث يوجد محل بقالة صغير. الأرجح أن هذا هو المكان الذين يمكن أن يشتريَا منه الحليب أو غيره من الأغراض التي ربما تنفد من عندهما؛ المُنظِّفات، والأسبرين، والفوط الصحية.

بطبيعة الحال، كانت حقيقة أن جيل لم تلتَقِ ساندي قطُّ نذيرَ شؤمٍ؛ لا بد أنها كانت تعني أن ويل عرف شيئًا ما بسرعة البرق، ولم تُثْمِر أيُّ محاولات لاحقة للبحث عن وصف وافٍ عن الكثير. أهي طويلة القامة أم قصيرة؟ نحيلة أم سمينة؟ شقراء أم داكنة الشعر؟ كانت في مخيِّلة جيل صورةٌ لواحدة من هؤلاء الفتيات الطويلات الساقين، القصيرات الشعر، المفعمات بالحيوية والنشاط، والفاتنات فتنةَ الصبية. نساء. لكنها لم تكن لتتعرَّف على ساندي لو صادفَتْها على قارعة الطريق.

هل يمكن أن يتعرَّف أحدٌ على جيل؟ تشعر جيل بنظارتها السوداء وقصَّة شعرها غير المتوقَّعة أنها تبدَّلَتْ تمامًا لدرجةِ أنه يَصعُب ألَّا تلفت الانتباه. وحقيقة أنها في بلدٍ أجنبي أيضًا هي التي بدَّلَتْها تمامًا. لم تألف المكان بعدُ. فور أن تألفه، ربما لن تتمكَّن من الإقدام على الأفعال الجريئة التي تُقدِم عليها الآن. يجب أن تقطع هذا الشارع، وتُلقِي نظرةً على البيت فورًا، وإلا فقد لا تتمكَّن من ذلك أبدًا.

كان الدَّرْبُ الذي صعدته سيارةُ الأجرة وعرًا عند نهر براون. يمتد طريق آير بطول سلسلة جبلية، ولا يوجد رصيف، بل مسار ترابي فحسب. لا وجودَ للمُشَاة ولا السيارات ولا الظل. ثمة حواجز من ألواحٍ خشبية أو أغصانٍ متشابكة — ربما كانت تعريشة! — أو في بعض الحالات أسيجة عالية مغطَّاة بالأزهار. لا، الأزهار في حقيقة الأمر مجرد أوراقِ أشجارٍ لونها وردي مائل إلى الأرجواني أو القرمزي، وثمة أشجار تجهلها جيل تتجلَّى أعلى الأسيجة. لتلك الأشجار أوراقٌ مُغبَّرة قاسيةُ المظهر، ولحاء قشري أو ليفي، ومظهر رديء. ثمة لا مبالاة أو عَداءٌ غامض يشوب تلك الأشجار، ربطت جيل بينه وبين المناطق الاستوائية. أمامها على الدَّرْب رأتْ زوجًا من الدجاج الحبشي يتهادى بتفاخُر وكبرياء.

يستتر البيت الذي يعيش فيه ويل وساندي وراء سياجٍ خشبي مطليٍّ بلون أخضر باهت. تسارَعَتْ ضربات قلب جيل وخفَقَ قلبها إذ رأت هذا السياج بلونه الأخضر.

الطريق مسدود. يتعيَّن عليها إذن أن تعود أدراجها. مرَّتْ من أمام البيت مجددًا. في السياج، ثمة بوابات تسمح بدخول السيارة وخروجها، وثمة فتحة للبريد أيضًا. لاحظت واحدةً كهذه من قبلُ في سياجٍ أمام بيتٍ آخَر، والسبب الذي جعلها تلاحظ تلك الفتحة أن ثمة مجلةً كانت بارزةً منها، وهذا يعني أن صندوق البريد ليس عميقًا، وإذا وضع أحدهم يده فيه ربما أمكنه العثور على مظروفٍ يستقر في نهايته؛ هذا إن لم يكن قد أخرَجَ أحد سكان البيتِ البريدَ بالفعل. وضعت جيل يدها في فتحة البريد — لم تستطع أن تمنع نفسها — وعثرتْ على خطابٍ هناك، تمامًا كما ظنَّتْ، ووضعته في حقيبتها.

استدعت سيارةَ أجرةٍ من المتجر الكائن عند زاوية الشارع. سأَلَها الرجل الذي يعمل بالمتجر: «من أي الولايات الأمريكية أنتِ؟»

قالت: «تكساس.» خطَرَ لها أن الناس يروق لهم انتماؤك إلى ولاية تكساس، وبالفعل رفع الرجل حاجبيه وأطلق صفيرًا.

قال: «هكذا ظننتُ.»

إنه خطُّ ويل نفسه على الخطاب. لم يكن خطابًا مُرسَلًا لويل، بل خطابًا منه شخصيًّا؛ خطابًا أرسَلَه إلى السيدة كاثرين ثورنابي، القاطنة في ٤٩١ شارع هوتر. تعيش في بريسبين أيضًا. ثمة يدٌ أخرى خطَّتْ عبارةً على الخطاب «يُرجَى إعادته إلى الراسِل. المُرسَل إليه تُوفِّي في ١٣ سبتمبر.» لوهلةٍ، فكَّرت جيل في خضَمِّ الاضطراب الذهني الذي كانت تعاني منه أن ويل هو الذي تُوفِّي.

يجب أن تهدأ، وتستجمع قواها، وتبعد عن حرارة الشمس لبعض الوقت.

ومع ذلك، فور أن قرأت الخطاب في غرفتها بالفندق، ورتَّبَتْ نفسها، استقلَّتْ سيارة أجرة أخرى، ولكنها قصدت شارع هوتر هذه المرة، وعثرَتْ — كما توقَّعت — على لافتةٍ في النافذة: «شقة للإيجار.»

•••

ولكن ماذا كان يَحْوِي الخطاب الذي أرسَلَه ويل إلى الآنسة كاثرين ثورنابي القاطنة في شارع هوتر؟

عزيزتي الآنسة ثورنابي

أنتِ لا تعرفينني، لكنني آمل بعد أن أعرِّفكِ بنفسي أن نلتقي ونتكلَّم. أعتقد أنني ربما أكون ابن عمك الكندي؛ حيث وفَدَ جدِّي إلى كندا من هولندا في فترةٍ ما خلال القرن السابع عشر، وفي الفترة نفسها هاجَرَ أخٌ له إلى أستراليا. اسم جدي ويليام، وهو اسمي أيضًا، واسم أخيه توماس. بالطبع ليس لديَّ دليلٌ على أنكِ سليلةُ توماس الذي أعنيه؛ كلُّ ما في الأمر أنني تحقَّقت من دليل هاتف مدينة بريسبين، وسعدتُ إذ عثرت على اسم ثورنابي بنفس الترتيب الهجائي. كنت أحسب من قبلُ أن مسألة اقتفاء أثر شجرة العائلة هذه من أكثر الأمور التي يمكن أن يتخيَّلها المرءُ سخافةً ورتابةً، لكنْ ها أنا ذا منشغلٌ بها، واكتشفتُ أنها تحمل في طيَّاتها إثارةً عجيبة. ربما يكون عمري هو السبب — أبلغ من العمر ٥٦ عامًا — وهذا يدفعني إلى البحث عن أواصر. ولديَّ وقتُ فراغٍ طويل على غير العادة؛ فزوجتي تعمل في أحد المسارح هنا؛ ولذا فهي منشغلة طوال الوقت. إنها شابة ذكية جدًّا ومفعمة بالحيوية (إنها تعنِّفني إذا ما وصفتُ أية أنثى تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها بالفتاة، وهي في الثامنة والعشرين من عمرها).

كنتُ مدرِّسًا لمادة الدراما في مدرسةٍ ثانوية في كندا، لكنني لم أعثر على وظيفةٍ بعدُ في أستراليا.

زوجة. إنه يحاول أن يبدو محترمًا في عين ابنة عمه.

عزيزي السيد ثورنابي

الاسم المشترك بيننا قد يكون أكثر شيوعًا ممَّا تفترض، ولو أنني الوحيدة التي أحمله في دليل هواتف مدينة بريسبين. وربما قد يَخْفَى عليك أن الاسم مستخلَص من كنيسة ثورن آبي التي ما زالت أطلالها موجودةً في مدينة نورث أمبرلاند. ويختلف هجاء الكلمة ثورنابي، وثورنبي، وثورنآبي، وثورنأبي. في العصور الوسطى، كان اسم صاحب المزرعة يُستخدَم من قِبَل كلِّ العاملين بالمزرعة باعتباره لقبًا، بمَنْ فيهم العُمَّال والحدَّادون والنجَّارون وغيرهم؛ ومن ثَمَّ فهناك أناسٌ كُثُر منتشرون في جميع أنحاء العالم يحملون اسمًا لا يحقُّ لهم الارتباط به أساسًا. فقط الذين يستطيعون اقتفاءَ أثر أجدادهم وصولًا إلى العائلات التي عاشت في القرن الثاني عشر الميلادي، هم المنتسبون حقًّا لعائلة ثورنابي، وأعني أن لديهم الحقَّ في إظهار شعار النبالة، وأنا واحدة من هؤلاء. أَمَا أنك لم تذكر أيَّ شيء عن شعار النبالة، ولم تقتفِ أثرَ أجدادك إلى ما يتجاوز جدك ويليام، فظني أنك لستَ من العائلة نفسها. كان جدي يُدعَى جوناثان.

هذا ما كتبَتْه جيل على آلة كاتبة عتيقة محمولة ابتاعَتْها من محلٍّ للأغراض المستعملة موجودٍ بالشارع. آنذاك كانت جيل تعيش في ٤٩١ شارع هوتر، في بناية سكنية تُعرَف باسم «ميرامار»؛ وهي بناية من طابقين يغطِّيها الجَصُّ الداكن، ويدعمها عمودان مقوَّسان على جانبَي المدخل المحمِيِّ بحاجزٍ من القضبان. وتتمتَّع البناية بطابع مغربي أو إسباني أو كاليفورني أشبه بالمسارح القديمة التي تظهر في الأفلام السينمائية؛ ومع ذلك، قال لها مدير البناية إنَّ شقتَها عصريةٌ جدًّا.

«كانت تسكنها سيدة عجوز، لكنها اضطرت أن تدخل المستشفى، ثم جاء أحدهم بعد أن تُوفِّيت وأخرَجَ أغراضَها، لكن الشقة ما زالت تحتفظ بأثاثها الرئيسي. من أيِّ ولايةٍ أنتِ؟»

أجابته جيل: «أوكلاهوما.» السيدة ماسي من أوكلاهوما.

يبدو مدير البناية في السبعين من عمره تقريبًا، ويرتدي نظارةً تضخِّم حجمَ عينَيْه، ويمشي مُسرِعًا، ولكن بشيء من الترنُّح حيث يميل بقَدِّه إلى الأمام، ويتحدَّث عن مشاقِّ الحياة؛ زيادة شريحة الأجانب في البلاد ممَّا يجعل من الصعب العثور على عُمَّال الصيانة والإصلاحات، وإهمال بعض المستأجرين، والتصرُّفات الخبيثة للمارة الذين لا يكفُّون عن إلقاء القمامة على العشب. سألَتْه جيل ما إذا كان قد أرسَلَ إشعارًا بعدُ إلى مكتب البريد. قال إنه كان يعتزم ذلك، لكن السيدة لم تتلقَّ أيَّ بريدٍ بعدُ، فيما خلا خطابًا واحدًا. من العجيب أن الخطاب وصل في اليوم التالي لوفاتها. أعاده إلى الراسِل. قالت جيل: «سأتولى أنا المهمة. سأخطر مكتب البريد.»

«ولكن سيتعيَّن عليَّ التوقيع على الإشعار. أَعْطِني واحدةً من تلك الاستمارات التي لديهم، وسأوقِّع عليها، وحينئذٍ يمكنكِ تسليمها. سأكون ممتنًّا لكِ.» جدران الشقة مطلية باللون الأبيض. لا بد أن هذا ما يعنيه بالطابع العصري. تحتوي الشقة على ستائر من الخيزران، ومطبخٍ صغير، وأريكةٍ خضراء تصلح لأن تكون فراشًا، وطاولةٍ، ودولابٍ، ومقعدين. ثمة صورة على الجدار، ربما كانت لوحةً فنية أو صورةً فوتوغرافية طُبِعت على ورق ملون، منظر طبيعي لصحراء خضراء مائلة إلى الصفرة، وصخور، وسلسلة من الجبال النائية المهيبة المُعتِمة. كانت جيل على يقين من أنها رأت هذا المنظر من قبلُ.

دفعت الإيجار نقدًا وعدًّا، وانشغلت رغمًا عنها لفترةٍ بشراء الملاءات والمناشف والبقالة، والقليل من القدور والصحون، والآلة الكاتبة. وتعيَّن عليها أن تفتح حسابًا في البنك، وتتحوَّل إلى شخصٍ مقيم بالمدينة لا مجرد سائحة. ثمة متاجر على بُعْد بناية واحدة تقريبًا؛ محلٌّ للبقالة، وآخَر للأغراض المستعملة، وصيدلية، ومقهًى؛ وكلها محلات متواضِعة علَّقَ أصحابها شرائط من الورق الملون على أبوابها، ولكلٍّ منها ظُلَّة خشبية أمامية أعلى الرصيف، وعروضُ تلك المتاجر محدودةٌ. المقهى يحتوي على طاولتين فحسب، ويكاد لا يَحْوِي متجرُ الأغراض المستعملة سوى كومةٍ من الأغراض المأخوذة من بيتٍ عادي واحد. وعلبُ الحبوب في محل البقالة، وزجاجاتُ الشراب المهدِّئ للسعال وعبواتُ الأقراص في الصيدلية؛ موجودة وحدها على الأرفف وكأنَّ لها قيمة أو أهمية خاصة.

لكنها عثرت على ما يلبِّي حاجتها؛ ففي محل الأغراض المستعملة، عثرتْ على بعض الملابس القطنية الفضفاضة المزدانة بالأزهار، وسلَّةٍ مصنوعة من القش تصلح لشراء البقالة. تبدو الآن أقرب شبهًا بالنساء الأخريات اللائي تَرَاهُنَّ في الشارع. ربَّاتُ البيوت اللائي بلغْنَ منتصف العمر بأذرعهن وأرجلهن العارية الشاحبة، يتسوَّقن في الصباح الباكر أو في وقتٍ متأخِّر بعد الظهر. ابتاعت قبعةً عريضة من القشِّ لتستظلَّ بها على عادة النساء هناك. وجوهٌ باهتة ناعمة يغطيها النمش وتَسترِقُ النظرات.

يُسدِل الليل أستارَه فجأةً في حوالي الساعة السادسة، ولا بد أن تجد ما يشغلها ليلًا. لا يوجد تليفزيون بالشقة، لكن ثمة مكتبة على بُعْد مسافة بسيطة من المحلات تقدِّم خدمات الاستعارة، وتديرها امرأةٌ عجوز من خارج الغرفة الأمامية لبيتها. ترتدي هذه العجوز شبكةً لتثبيت الشعر، وجواربَ قطنية رمادية اللون على الرغم من حرارة الجو. (أين يمكننا الآن العثور على مثل هذه الجوارب؟) يبدو من قوامها أنها تعاني سوءَ التغذية، وشفتاها دقيقتان وشاحبتان ومتجهمتان؛ إنها المرأة التي خطرت على بال جيل عندما كتبتْ خطابَ الردِّ على ويل نيابةً عن كاثرين ثورنابي. وكلما كانت جيل ترى سيدة المكتبة هذه تتخيَّل وكأنها تحمل هذا الاسم، وهو ما كان يحدث على نحوٍ شبه يومي؛ لأنه كان من غير المسموح به أن يقرأ المرءُ أكثر من كتابٍ في كل مرة، وعادةً ما كانت جيل تقرأ كتابًا كلَّ ليلة. كانت تُحدِّث نفسها بأن هذه هي كاثرين ثورنابي التي تُوفِّيت وانتقلت إلى حياةٍ أخرى على بُعْد بضع بنايات.

كل القصة التي ألَّفَتْها عن آل ثورنابي الذين يملكون شعارَ النبالة وهؤلاء الذين لا يملكونه اقتبسَتْها من كتابٍ. لم يكن من بين الكتب التي تطالِعها جيل حاليًّا، بل من كتابٍ قرأته في أيام الصِّبا. كان بطل القصة ممَّنْ لا يملكون شعارَ النبالة، لكنه كان الوريثَ الشرعي لممتلكاتٍ ضخمة. لم تكن تستطيع تذكُّر عنوان الكتاب. كانت تعيش آنذاك مع أناسٍ دائمًا ما يُطالِعون رواية «شتيبينوولف»، أو رواية «دِيُون»، أو أعمال كريشنامورتي، وقرأت بتأثُّر رواياتٍ رومانسية تاريخية. لم تكن تعتقد أن ويل قرأ كتابًا كهذا أو توصَّل إلى هذه المعلومة من أي طريق، وهي متأكِّدة أنه سيردُّ على خطابها ليُعنِّف كاثرين.

انتظرت وعكفت على مطالعة الكتب المستعارة من المكتبة، والتي يبدو أنها ترجع إلى عصر سابق للروايات الرومانسية التي قرأتْها منذ عشرين عامًا. بعضُها استعارته من المكتبة العامة في وينيبيج قبل أن تغادر البيت. كانت تلك الكتب تبدو عتيقةً حتى آنذاكَ؛ «فتاة ليمبرلوست»، «القلعة الزرقاء»، «ماريا تشابديلين»، تُذكِّرُها هذه الكتب بحياتها قبل ويل. ما زالت هذه الحياة موجودةً، وبإمكانها أن تنقذ ما يمكن إنقاذه منها إن شاءتْ. لديها أخت تعيش في وينيبيج، ولديها خالة أيضًا تسكن في دارٍ للمسنين ما برحت تُطالِع كتبًا بالروسية. يتحدَّر جَدُّ جيل وجَدَّتها من روسيا، ووالداها ما زال بإمكانهما أن يتحدَّثَا الروسية، واسمها الحقيقي ليس جيل، بل جاليا. عزلت نفسها عن عائلتها — أو ربما عائلتها هي التي نبذَتْها — عندما غادرت البيت في الثامنة عشرة من عمرها؛ لتهيم على وجهها في البلاد كما كانت عادة المراهقين في تلك الأيام. في البداية برفقة أصدقاء، ثم برفقة عشيق، ثم برفقة عشيق آخَر. كانت تصنع الخرز والأوشحة المصبوغة وتبيعها.

عزيزتي الآنسة ثورنابي

أتقدَّم إليكِ بخالص الشكر لتفسيرك للفارق المهم بين آل ثورنابي الجديرين بشعار النبالة ومَنْ هم غير جديرين به، وظني أنكِ تعتقدين بشدةٍ أنني ربما أنتمي إلى الفريق الثاني.

أستميحك عذرًا. لستُ أنتوي الخوضَ في هذه المنطقة المقدسة، ولا أنتوي ارتداء شعار نبالة آل ثورنابي على قميصي؛ فنحن لا نُقِيم وزنًا لهذه الأشياء في بلدنا، ولم أكن أحسب أنكم تفعلون الشيء نفسه هنا في أستراليا، لكنني أدركتُ الآن أنني كنت مخطئًا.

ربما بلغتِ من الكبر عتيًّا فلم تلحظي التغيُّر الذي طرأ على قيمة الأشياء. الأمر مختلف تمامًا بالنسبة إليَّ؛ فأنا أعمل في مجال التدريس، وأُحمَل طوال الوقت على الدخول في نقاشاتٍ جدلية مع زوجتي الشابة.

هدفي البريء كان ببساطةٍ أن أتواصَل مع شخصٍ في هذا البلد خارج الوسط المسرحي الأكاديمي الذي وجدتُ نفسي وزوجتي أسيرَيْن له. لديَّ أم في كندا أشتاق إليها كثيرًا، وحقيقةُ الأمر أن خطابك ذكَّرَني بها بعض الشيء؛ فهي تستطيع أن تكتب خطابًا كهذا على سبيل المزاح واللهو، لكنني أشك أنكِ تمزحين. يبدو لي كنَسَبٍ كريم.

عندما يشعر ويل بالاستياء والاضطراب بطريقة معينة — طريقة يصعب التنبُّؤ بها ويصعب على أغلب الناس إدراكُها — فإنه يميل إلى التهكُّم الشديد؛ فهو يعجز عن مواراة تضايُقه، ويتخبَّط فيُشعِر الناس بالحرج، لا من أنفسهم كما يريد، بل من أجله هو. نادرًا ما يحدث ذلك، وعادةً عندما يحدث فإن ذلك يكون معناه أنَّ لديه شعورًا قويًّا بعدم تقدير الآخرين له، بل إن ذلك يكون معناه أنه حتى لم يَعُدْ يقدِّر نفسه.

هذا ما حدث إذن. هكذا تعتقد جيل؛ لا بد أن ساندي وأصدقاءها الشباب بثقتهم الشديدة واعتدادهم المحض بأنفسهم يُشعِرونه بالبؤس. لم يلحظ أحد سرعة بديهته، وبَدَتِ الأشياء التي يتحمَّس لها عتيقةَ الطراز وعَفَا عليها الزمان. لم يكن هناك من سبيل ليُوحِي لنفسه بالانتماء إليهم، وفخره بارتباطه بساندي ينحسر تدريجيًّا.

هكذا تعتقد. إنه مضطرب وتعيس، ويحاول قدرَ إمكانه التعرُّف على شخص آخَر. لقد فكَّرض في الأواصر العائلية هنا في هذا البلد الذي يشهد ازدهارًا مستمرًّا، وفي خضم حياة المرح والانطلاق الماجنة، والأيام الشديدة القَيْظ والليالي التي تمسي خانقةً على حين غرَّة.

عزيزي السيد ثورنابي

هل كنتَ تتوقَّع لمجرد أنَّ لنا اسمَ العائلة نفسه أن أفتح باب بيتي على مصراعَيْه وأستقبلك عندي؛ كما تقولون في أمريكا، على حدِّ علمي، وفي كندا أيضًا؟ لعلك تبحث عن أمٍّ أخرى لك هنا، لكن هذا لا يفرض عليَّ أن أكون هي. بالمناسبة، أنت مُخطِئ تمامًا بشأن عمري؛ فأنا أصغر منك بعدة سنوات، فلا تتخيَّلْني عجوزًا عانسًا تعتمر شبكةً فوق رأسها، وترتدي جوارب رمادية قطنية في قدمَيْها. إنَّ درايتي بالعالم لا تقل عن درايتك به، على الأرجح؛ فأنا كثيرًا ما أسافر؛ لأنني أشتري أحدث الصيحات لمحلٍّ ضخم؛ ولذا فإن أفكاري ليست عتيقةً كما قد يتراءى لك.

لم تذكر ما إذا كانت زوجتك الشابة المفعمة بالنشاط ستكون جزءًا من هذه الصداقة العائلية. يدهشني أنك في حاجةٍ إلى التعرُّف على أشخاصٍ جُدد. يبدو لي أنني أقرأ أو أسمع دومًا في وسائل الإعلام عن تلك العلاقات التي تنشأ بين طرفَيْن بينهما فجوة عمرية، وكَمْ هي ممتعة تلك العلاقات، وكيف يرضى الرجال في سعادةٍ بحياة الاستقرار في أسرةٍ والقيام بدورهم كآباء (فضلًا عن «التجارب» التي تعيشها النساء الأقرب إليهم سنًّا، أو كيف أن هؤلاء النساء يركنَّ إلى حياة الوحدة التي يَعِشْنَها)؛ لذا فلعلَّك تريد أن تصبح أبًا كي تعيش «الإحساس الأسري».

ذُهِلتْ جيل من براعتها في الكتابة؛ فجيل كانت تجد دومًا صعوبةً في كتابة الخطابات، وتمخضَّت محاولاتها عن رسائل مملة لا ملامحَ لها يتخلَّلها الكثير من الخطوط الفاصلة والعبارات غير المكتملة، ومزاعم الوقت غير الكافي. من أين أتَتْ بهذا الأسلوب الرائع؟ ربما اكتسبَتْه من أحدِ كُتُبِها! شأنه شأن الهراء المتعلِّق بشعار النبالة. تخرج في جنح الظلام لترسل خطابها شاعرةً بالجرأة والرضا، لكنها تستيقظ في صباح اليوم التالي مبكرًا، ويباغتها شعورٌ بأنها شطحت أكثر من اللازم. لن يردَّ على هذا الخطاب أبدًا، ولن تسمع أخباره مجددًا.

تنهض وتغادر البناية وتخرج في نزهة صباحية. ما زالت المحلات مغلقةً، وما برحت الستائر الفينيسية مُسدَلة على منافذ مكتبة الغرفة الأمامية. تمشي إلى أن تصل إلى النهر حيث يوجد متنزه صغير إلى جوار الفندق. لم تكن تستطيع المشي أو الجلوس هناك في وقتٍ لاحق من النهار؛ لأن شرفات الفندق عادةً ما تحتشد بالسكيرين الصاخبين، وكان المتنزه في مجال أصواتهم أو حتى في نطاق إلقاء زجاجات خمرهم؛ أما الآن، فالشرفات خاوية والأبواب مُوصَدة. ها هي تمشي مستظلة بظل الأشجار. تمتد مياه النهر البُنية اللون على مهل بين جذوع أشجار المانجروف، والطيور تحلِّق فوق المياه، والإنارة تضيء سطح الفندق. إنها ليست طيور النورس، كما حسبت لأول وهلة؛ فهي أصغر حجمًا، وأجنحتها وصدورها البيضاء اللامعة مُخضَّبة بمسحة من اللون الوردي.

ثمة رجلان جالسان في المتنزه؛ أحدهما على المقعد، والآخَر على كرسي متحرِّك إلى جوار المقعد. إنها تعرفهما؛ فهما يعيشان في البناية نفسها التي تقطنها، ويخرجان للتنزُّه كلَّ يوم. ذات مرة، فتحت لهما البوابةَ الحديدية ليتمكَّنَا من المرور، وصادفتهما في المحلات، ورأتهما جالسَيْن إلى الطاولة من نافذة المقهى.

يبدو القعيد عجوزًا وسقيمًا جدًّا؛ فتجاعيدُ وجهه أشبه بطلاءٍ قديم مهترئ، يرتدي نظارة قاتمة، وشعرًا مستعارًا أسود متفحمًا، ويعتمر قلنسوة سوداء، يلف جسمه كله في بطانية، وحتى في وقتٍ لاحق من النهار عندما تزداد حرارة الشمس — كلما صادفتهما — كانت تراه متَّشحًا ببطانيته المنقوشة. أما الرجل الذي يدفع الكرسي المتحرك والجالس الآن على المقعد، فهو شابٌّ يافع بالقدر الذي يجعله يبدو كصبيٍّ شبَّ عن الطوق مبكرًا؛ فهو طويل القامة ضخم الأطراف، لكنه يفتقر إلى الطابع الرجولي. هو شابٌّ عملاق مرتبك بفِعل حجمه، قوي البنية لكنه ليس رياضيًّا، يعاني من تيبُّس — ربما ناجم عن خجله — في ذراعَيْه ورجلَيْه السميكتين وعنقه الثخين، ويكتسي بالشَّعْر الأحمر، لا على رأسه فحسب، بل على ذراعَيْه العاريتين وأعلى أزرار قميصه أيضًا.

تتوقَّف جيل بعد أن تتجاوزهما وتُلقِي عليهما تحية الصباح. يردُّ عليها الشاب التحيةَ بنبرةٍ تكاد لا تُسمَع. يبدو أن من عادته أن يتطلَّع إلى العالَم بنوع مهيب من اللامبالاة، لكنها تعتقد أن تحيتَها جعلته يشعر بالإحراج أو الرهبة للحظة. ومع ذلك، فقد تابعَتْ حديثها قائلةً: «ما هذه الطيور التي أراها في كل مكان؟»

أجابها الشاب: «طيور الجالا.» وهو ما جعلَ اسم الطيور أشبه باسمها في فترة الطفولة. كانت على وشك أن تطلب منه أن يُعِيد على مسامعها اسمَ الطيور، وإذ فجأةً تثور ثائرة العجوز وينطلق لسانه بالسباب. بَدَتْ كلماتُه معقَّدةً وعصيَّةً على الفهم بسبب اللكنة الأسترالية، إضافةً إلى مسحة من اللكنة الأوروبية، لكن القسوة المُتعمَّدة في كلماته لم يكن فيها أدنى شكٍّ. وهذه الكلماتُ موجَّهةٌ إليها — فهو يميل إلى الأمام محاوِلًا، في حقيقة الأمر، أن يتحرَّر من القيود التي تثبته بالكرسي المتحرك. يريد أن ينقضَّ عليها ويندفع نحوها ويطاردها إلى أن تختفي من أمامه. لم يعتذر الشابُّ مطلقًا، ولم يلتفت إلى جيل قطُّ، لكنه مال نحو العجوز ودفعه برفقٍ إلى الوراء مردِّدًا كلماتٍ لم تستطع جيل أن تسمعها. رأت أنها لن تحصل على تفسيرٍ لما حدث، فمشت مبتعِدةً عنهما.

لعشرة أيام كاملة لم تتلقَّ أيَّ خطاب، ولا كلمة واحدة. لم تستطع أن تفكِّر في خطوتها التالية. كانت تسير كلَّ يوم؛ هذا هو ما تفعله على الأغلب. تبعد بناية «ميرامار» السكنية مسافة نحوِ ميلٍ واحد عن الشارع الذي يسكن فيه ويل. لم تطأ قدماها هذا الشارع مجددًا، ولم تدخل إلى المحل الذي قالت لصاحبه إنها من تكساس. لم تستطع أن تتخيَّل من أين واتَتْها الجرأة التي أحسَّت بها في أول يوم لها هنا. سارت جيل في الشوارع القريبة؛ تمتد هذه الشوارع كلها إلى جوار سلاسل جبلية، وبين هذه السلاسل الجبلية التي تلتصق بها البيوت، ثمة أودية ذات جوانب شديدة الانحدار تملؤها الطيورُ والأشجار. وحتى عندما تزداد حرارة الشمس، لا تهدأ تلك الطيور أبدًا. تواصِل طيور العقعق حوارَها الصاخب، وأحيانًا تظهر لتطير على ارتفاعاتٍ خطرة على مقربة من قبعتها ذات الألوان الفاتحة. تصيح الطيور التي يشاكل اسمها اسم جيل بعبثٍ وهي ترتقي في السماء، وتحوم في شكل دوامة، ثم تهبط على أوراق الأشجار. تواصِل مسيرتها إلى أن يصيبها الدوار وتتصبَّب عرقًا، وتخشى أن ينتهي بها الحال إلى الإصابة بضربة شمس. ترتعش في حر الشمس. أكثر ما تخشاه وترغب فيه أكثر من أي شيءٍ هو أن ترى قوام ويل المألوف جدًّا؛ ذاك القوام النحيل نوعًا ما، الواثق الخُطَى، أكثر من أي شيء يمكن أن يؤلمها أو يرضيها في العالم بأسره.

عزيزي السيد ثورنابي

أكتبُ إليك رسالةً مقتضبة فحسب لأعتذر لك إنْ كنتُ قد أسأتُ الأدب وتسرَّعت في ردي عليك. أظن أنني تصرَّفت على هذا النحو بالفعل. هذا بسبب ضغوطٍ تعرَّضْتُ لها مؤخرًا، واستأذنتُ للتغيُّب عن العمل والتعافي. في ظل هذه الظروف، لا يتصرَّف الإنسان كما يأمل، ولا يرى الأشياء بعقلانية …

في يوم من الأيام، كانت تسير مارَّةً بالفندق والمتنزه؛ الشرفات صاخبة بأصوات الشراب والعربدة مساءً، وكل أشجار المتنزه في أوج ازدهارها. كانت قد رأت لونَ الأزهار من قبلُ، بَيْدَ أنها لم تتخيَّل أن تراه على الأشجار من قبلُ؛ درجة من الأزرق الفضي أو القرمزي الفضي، لون رقيق وجميل جدًّا، لدرجةٍ تجعلك تظن أنه سيُذهِل العالَم من حوله فيُلزِمه الصمتَ والتأمُّل، لكن من الواضح أن ذلك لم يحدث.

عندما عادت إلى بناية ميرامار، وجدت الشابَّ ذا الشعر الأحمر واقفًا في قاعة الطابق السفلي خارج باب الشقة التي يعيش فيها برفقة العجوز، ومن وراء باب الشقة المغلق يصدر صوتُ تعنيفٍ مطوَّل.

يبادرها الشابُّ بابتسامةٍ هذه المرة. تتوقَّف جيل ويقفان معًا ينصتان لصوت الغضب.

تقول جيل: «إذا كنتَ تبحث عن مكانٍ للجلوس أثناء انتظارك، فمرحبًا بك بالطابق العلوي.» هزَّ رأسه نافيًا دون أن تزول ابتسامته عن وجهه وكأنها مزحة بينهما. تعتقد أنها يجب أن تقول شيئًا قبل أن تتركه هناك، فسألته عن الأشجار الموجودة في المتنزه: «تلك الأشجار المجاورة للفندق حيث رأيتُك ذاك اليوم؟ إنها مزهرة كلها الآن. ما اسمها؟»

قال كلمة لم تستطع أن تفهمها، فطلبتْ منه أن يُعِيدها على مسامعها. قال: «جاك راندا. هذا هو فندق جاك راندا.»

عزيزتي الآنسة ثورنابي

كنتُ مسافرًا، وعندما رجعت وجدت خطابَيْك بانتظاري، وفتحتهما بالترتيب الخطأ، ولو أن ذلك ليس بالأمر المهم على أية حال.

تُوفِّيت أمي، فعُدْتُ إلى «وطني» كندا لحضور جنازتها. الجو بارد هناك في فصل الخريف. أشياءٌ كثيرة تغيَّرت؛ ببساطةٍ لا أعرف لِمَ أقول لكِ ذلك! لا شك أن علاقتنا بدأت بسوء تفاهم، وحتى لو لم أتلقَّ خطابك التفسيري بعد خطابك الأول، أعتقد أنني كنت سأشعر بالسعادة بطريقةٍ ما لحصولي على الخطاب الأول؛ فقد كتبتُ لك خطابًا فظًّا وبغيضًا للغاية، فكان ردُّك مماثِلًا. تبدو لي الفظاظةُ والبُغْضُ والتأهُّب للاستياء خصالًا مألوفة. هل أخاطِرُ بإثارة غضبك النبيل لو اقترحتُ أننا أقرباء على أية حال؟

أشعرُ بالحيرة هنا. إنني مُعجَب بزوجتي وأصدقائها من المسرح؛ بحماسهم والتزامهم، وآمالهم باستغلال مواهبهم من أجل خلق عالَم أفضل (لكنني أعترف على الرغم من ذلك أن آمالهم وحماسهم كثيرًا ما يبدوان لي متجاوزَيْن لمواهبهم). لا أستطيع أن أكون واحدًا منهم، وأعترف أنهم أدركوا هذه الحقيقة قبل أن تتجلَّى لي. لا بد أنه بسبب تشوُّش ذهني بفِعل اضطرابات السفر لمسافاتٍ طويلة. بعد هذه الرحلة البَشِعة، صار بإمكاني مواجَهة هذه الحقيقة، والتصريح بها في خطابٍ لشخصٍ مثلك عنده مشكلاته الخاصة، وسبق أن صرَّحَ بأنه لا يودُّ أن يسمع شيئًا عن مشكلاتي. الواقع أنني أفضِّل أن أختتم خطابي قبل أن أثقلك بالمزيد من هرائي النفساني، ولا ألومك إنْ كنتِ قد عزفتِ عن القراءة قبل أن تصل عيناكِ إلى هذا السطر …

تستلقي جيل على الأريكة وتمسك بالخطاب بكفَّيْها وتضمُّه إلى بطنها. أشياءُ كثيرة تغيَّرت. كان في زيارةٍ إلى مدينة والي؛ لا بد إذن أنه عَلِمَ ببيعها للمحل وانطلاقها في رحلة عظيمة لتجوب العالم، ولكن أليس من المُحتمَل أن تكون كليتا قد أخبرَتْه بذلك فعلًا؟ ربما لا؛ فكليتا كانت كتومةً. وعندما دخلت المستشفى، قبل أن ترحل جيل مباشَرةً، قالت: «لا أريد أن أرى أحدًا أو أسمع أخبارَ أحدٍ لفترةٍ من الوقت، ولا أريد أن يزعجني أحدٌ بخطاباته؛ فهذه العلاجات التي سأتلقَّاها من المتوقَّع أن تكون مأساويةً بعضَ الشيء.»

ماتت كليتا.

كانت جيل تعرف أن كليتا ستموت، لكنها — بشكلٍ أو بآخَر — حسبت أن الحال لن يتغيَّر في شيء. لا شيء يمكن أن يحدث هناك وجيل ماكثةٌ هنا. تُوفِّيت كليتا، وأمسى ويل وحيدًا، فيما عدا ساندي، وربما أن ساندي لم تَعُدْ تنفعه كثيرًا.

ثمة طَرْقٌ على الباب. قفزت جيل منزعجة بشدة، وطفقت تبحث عن وشاحٍ لتغطي شعرها. كان مدير البناية ينادي اسمها المزيَّف.

«كنت أريد أن أخبرك بأن أحدهم جاءَ ليسأل عنكِ. سألني عن الآنسة ثورنابي، فقلتُ له إنها ماتت، فسألني: أحقًّا ماتت؟ فقلت: نعم. فقال: هذا أمرٌ عجيب.»

سألته جيل: «هل أوضحَ السبب؟ هل قال لماذا هو يستغرب هذا الأمر؟»

«لا، قلتُ له إنها ماتت في المستشفى، وإن امرأة أمريكية تسكن شقتها الآن. نسيتُ من أي ولايةٍ أنتِ في أمريكا. هذا الرجل كان يبدو أمريكيًّا هو نفسه؛ ولذا ربما كان الأمر يعنيه في شيء. قلتُ له إن ثمة خطابًا للآنسة ثورنابي جاءها بعد أن تُوفِّيت، وسألتُه إن كان هو مَنْ أرسَلَه. قلتُ له إنني أعدتُ الخطاب، قال نعم، إنه هو الذي كتبَ الخطاب، لكنه لم يتسلمه قطُّ حين رددتُه. قال لا بد أن هناك سوءَ تفاهُم.»

قالت جيل إنه لا بد أن يكون هناك سوء تفاهم، وأضافت: «كما في حالات الهوية المغلوطة. نعم، كما في حالاتٍ كهذه.»

عزيزتي الآنسة ثورنابي

لقد بلغني أنكِ قضيتِ نَحْبَكِ. أعرفُ أن الحياة غريبة، لكنني لم أشهد كهذا الموقف غرابةً من قبلُ. مَنْ أنتِ؟ وما الذي يحدث؟ يبدو لي أن هذا الحديث عن آل ثورنابي لم يكن إلا محض هراء. لا بد أنكِ إنسانةٌ خاليةُ البال، لديكِ وقتُ فراغٍ قاتل، وتتمتَّعين بخيال خصب. يَسُوءُني أن يخدعني أحدٌ بهذه الطريقة، لكن أعتقد أنني أتفهَّم الإغراء الذي ينطوي عليه الموقف. أعتقد أنكِ مَدِينة لي بتوضيح ما إذا كان تفسيري للوقائع صحيحًا أم لا، وما إذا كان تصرُّفك هذا محضَ مزاحٍ لا أكثر، أم أنني أتعامل مع «خبيرة موضة» من العالَم الآخَر (من أين حصلتِ على هذه اللمسة، أم أن هذه هي الحقيقة)؟

عندما تخرج جيل لشراء الطعام، فإنها تخرج من الباب الخلفي للبناية، وتسلك دربًا ملتويًا وصولًا إلى المحلات، وعند عودتها من الطريق الخلفي نفسه، تصادِف الشابَّ ذا الشعر الأحمر واقفًا بين صناديق القمامة. لو لم يكن طويلَ القامة على هذا النحو، لظنَّتْه متواريًا هناك. تتحدَّث إليه لكنه لا يردُّ عليها. يتطلَّع إليها عبر الدموع التي تنهمر في عينيه وكأنها ليست سوى زجاج مموَّج؛ شيء معتاد.

سألته جيل: «هل والدك مريض؟» استنتجتْ أن هذه هي العلاقة التي تربطهما لا محالة، ولو أن الفجوة العمرية بينهما تبدو أكبر من الفجوة التي عادةً ما تفصل الآباء عن الأبناء، كما أن أحدهما لا يشبه الآخَر في شكله، وأناةُ الشاب وإخلاصُه يتجاوزان — وفي أيامنا هذه يُناقِضان أيضًا — ما يمكن أن يكنَّه الولدُ لأبيه في المعتاد، لكنهما يتجاوزان أيضًا ما يمكن أن يكنَّه له خادم أجير.

أجابَها الشابُّ أنْ لا، وعلى الرغم من أن تعبيرات وجهه ما زالت هادئةً، فإن حمرةً شديدةً تسلَّلَتْ إلى وجهه تحت فروة رأسه الحمراء الرقيقة.

ظنَّتْ جيل أنهما عاشقان، وفجأةً تأكَّدَ لها إحساسُها. أحَسَّتْ بقشعريرة تعاطُفٍ ورضًا غريب.

عاشقان.

نزلت الدَّرَج لتُلقِي نظرةً على صندوق بريدها بعد أن حلَّ الظلام، وعثرتْ على خطابٍ آخَر.

ربما ظننتُ أنكِ خارج البلدة في واحدة من جولاتك لشراء الملابس العصرية، لكن مدير البناية قال لي إنكِ لم تبرحي المكان منذ أن استأجرتِ الشقة؛ ولذا فظنِّي أن «غيابك» مستمر. قال لي مدير البناية أيضًا إنكِ سمراء. أفترضُ أننا يمكن أن نتبادل الأوصاف، ثم الصور — على استحياءٍ — بنفس الطريقة الجافة التي يلتقي بها الناسُ بعضهم بعضًا عبر إعلانات الصحف. يبدو لي أنه خلال محاولتي التعرُّف عليكِ، أجدُ نفسي على استعدادٍ لأن أجعل من نفسي أحمق، وهذا ليس بالأمر الجديد بالطبع …

لم تغادر جيل الشقة ليومين كاملين. نفد الحليبُ عندها، فشربت قهوتها سادة. ماذا ستفعل عندما تنفد قهوتها؟ تتناول وجباتٍ غريبة؛ التونة المبسوطة على البسكويت الهش عندما ينفد الخبز، والطرف الجاف للجبن، وثمرتَيْ مانجو. تخرج إلى ردهة الطابق العلوي ببناية ميرامار — كانت توارب الباب في البداية لترى إنْ كان هناك أحدٌ بالجوار — وتمشي حتى النافذة المقوسة المطلة على الشارع. يعاوِدُها إحساسٌ من الماضي السحيق. تحسُّ برغبةٍ في مراقبة الشارع، الجزء البادي منه؛ حيث من المتوقَّع أن تظهر سيارةٌ ما، أو ربما لا تظهر. بل إنها تتذكَّر الآن السيارات نفسها؛ سيارة أوستن زرقاء صغيرة، وشيفروليه حمراء داكنة، وسيارة عائلية كبيرة لأغراض السفر؛ سيارات قطعتْ بها مسافاتٍ قصيرة على نحو غير قانوني، وبجرأةٍ أغشَتْ منطقَها وسداد رأيها، قبل أن تلتقي ويل بفترةٍ طويلة.

لم تكن تعرف طبيعة الملابس التي سيرتديها ويل، أو كيف سيصفِّف شعره، أو ما إذا كان هناك تغيير سيطرأ على مشيته أو تعبيرات وجهه؛ تغيير يتناسب مع حياته هنا. يستحيل أن يكون قد تغيَّر أكثر مما تغيَّرت هي. ليست لديها مرآة في الشقة فيما خلا المرآة الصغيرة المعلقة على خزانة الحمَّام، لكن حتى هذه المرآة الصغيرة استطاعت أن تُظهِر لها كَمْ أمسَتْ أكثرَ نحولًا، وكيف باتَتْ بشرتُها الشاحبة قاسيةً. بدلًا من أن تذوي بشرتُها الشاحبة وتصيبها التجاعيدُ كعادةِ البشرة الشاحبة في هذا المناخ، اكتسبتْ بشرتُها شكلًا أشبه بنسيج باهت. يمكن أن تُصلِح ما أصابها من وهن؛ هكذا يتراءى لها. في وجود الأنواع المناسبة من مساحيق التبرُّج، بالإمكان إخفاء نظرة التجهُّم التي تغلب على مُحَيَّاها. المشكلة الأكبر تكمن في شعرها؛ فاللون الأحمر يتجلَّى عند الجذور مع بعض الخُصَل الرمادية اللامعة، وهي في أغلب الأحيان تُبقِيه مستورًا بوشاح.

عندما طرقَ مديرُ البناية بابَ شقتها مرةً أخرى، اكتنفَتْها حالةٌ من الترقُّب الجنوني لثانيةٍ أو ثانيتَيْن. بدأ ينادي اسمها: «سيدة ماسي، سيدة ماسي، أوه! كنتُ آمل أن تكوني بالغرفة. أتساءل إن كان بإمكانك النزول ومساعدتي. إنه العجوز بالطابق السفلي؛ سقط عن فراشه.»

سبقها إلى الطابق السفلي مُمسِكًا بالدرابزين وهابطًا الدَّرَج وقدماه ترتعشان مع كل خطوة.

«صديقه ليس هنا؟ تساءلتُ. لم أَرَه أمسِ. أحاولُ أن أتتبَّع الناس، لكنني لا أحبُّ أن أتدخل في شئونهم. حسبت أنه ربما سيرجع مساءً. كنت أمسح البهو وإذا بي أسمع صوتَ ارتطامٍ قويٍّ، فعُدْتُ إلى الغرفة. تساءلتُ: تُرَى ماذا كان يحدث؟ فوجدتُ العجوزَ وحدَه تمامًا مطروحًا على الأرض.»

الشقة ليست أكبر من شقة جيل، ومُصمَّمة بالطريقة نفسها. بها ستائر عادية تنسدل على الستائر الخشبية المصنوعة من الخيزران؛ مما يجعل الشقة معتمة جدًّا، وتفوح منها رائحة السجائر، ورائحة الطعام المطهي منذ فترة طويلة، ومسحة من معطِّر جو برائحة الصنوبر. كان الفراشُ المطوِيُّ على شكل أريكةٍ مبسوطًا على هيئة فراش مزدوج، والعجوز راقدًا على الأرض إلى جواره، بعد أن جرَّ معه بعضَ مفارش الفراش. بَدَا رأسُه دون الشعر المستعار أملسَ كقطعةٍ من الصابون المتَّسِخ، وعيناه كانتا نصفَ مغمضتين، وثمة ضجيجٌ يَصدُر من أحشائه أشبه بهديرِ محرِّكٍ يحاول يائسًا أن يدور.

سألتْ جيل: «هل اتصلتَ بالإسعاف؟»

أجابها المدير: «ليتكِ تستطيعين فحسب الإمساكَ بأحدِ طرفَيْه؛ فظهري يُؤلِمني، وأخشى إنْ مِلتُ عليه ألَّا أُقِيم ظهري مجددًا.»

سألته جيل: «أين الهاتف؟ ربما تعرَّضَ لسكتة دماغية، وربما تعرَّضَ لكسرٍ في الحوض. يجب أن يُنقَل إلى المستشفى.»

سألها المدير: «أتعتقدين هذا؟ صديقه يستطيع أن يحمله بسهولةٍ ويُسْرٍ؛ فهو قوي، لكنه الآن محبط.» قالت جيل: «سأُجْرِي أنا المكالمة.»

فردَّ قائلًا: «أوه! لا. لديَّ الرقمُ مسجَّلًا على الهاتف في مكتبي. لا أسمح لأحدٍ بالدخول إلى مكتبي.» ولمَّا تركها وحدها مع العجوز الذي لا يستطيع أن يسمعها على الأرجح، قالت جيل بنبرة بَدَتِ اجتماعيةً على نحوٍ سخيف: «لا بأس، لا بأس. سنجلب لك العون الآن.» مالت لتسحب الدثار على كتفَيْه، ولدهشتها تحرَّكَتْ يده باحثةً عن يدها وممسكةً بها. يدُه نحيلةٌ وعظامُها بارزةٌ، لكنها كانت دافئةً بالقدر الكافي، وقويةً بطريقة مخيفة. قالت له: «أنا هنا، أنا هنا.» وهي تتساءل تُرَى هل تتقمَّص دورَ الشاب ذي الشعر الأحمر، أم دورَ شابٍّ آخَر، أم دورَ امرأةٍ ما، أو حتى أمه؟

جاءت سيارة الإسعاف سريعًا بصوتها المزعج، وسرعان ما دلفَ رجالُ الإسعاف بمِحَفَّتهم إلى الغرفة، وتبعهم المدير قائلًا: «لم نستطع أن نقيمه من مكانه. هذه هي السيدة ماسي، نزلت من الطابق العلوي لتساعدني في هذا الظرف الطارئ.»

وبينما انشغلوا بوضعه على المِحَفَّة، كان على جيل أن تسحب يدَها من يده، فبدأ يتذمَّر، أو هكذا حسبت. هذا الضجيج المستمِر اللاإرادي في ظاهره يكتسب تأوُّهاتٍ إضافيةً. أمسكت بيده مرةً أخرى بأسرع ما أمكنها، وسارت إلى جواره بينما أخرَجُوه على كرسيٍّ متحرِّك. كانت قبضتُه قويةً على يدها لدرجةِ أنها أحسَّتْ كأنه يجرُّها وراءَه.

يقول المدير: «لقد كان يملك فندق جاك راندا منذ سنواتٍ طوال. كان يملكه بالفعل.»

عددٌ من المارة في الشارع، لكنَّ أحدًا لا يودُّ أن يتوقَّف، لا يريد أحدٌ أن يراه الناسُ محدِّقًا في المُصاب. يريدون النظرَ، ويُحجِمون عنه.

قالت جيل: «هل أركب معه؟ من الواضح أنه لا يودُّ أن يترك يدي.»

قال أحد المُسعِفين: «الأمر راجعٌ إليكِ.» فركبت معه (حقيقةُ الأمر أنها جُرَّتْ جرًّا إلى داخل السيارة بفِعْل قبضته القوية تلك). يضع المُسعِف كرسيًّا صغيرًا لها. تُغلَق بوابة السيارة وتنطلق صافرةُ إنذارِها بينما تبتعد عن البناية.

عبر نافذة الباب الخلفي، ترى ويل. كانت بنايةً واحدة تفصله عن ميرامار التي كان يقصدها؛ يرتدي سترة ذات لون فاتح وأكمام قصيرة، وسروالًا يتماشى مع لون سترته — على الأرجح بذلة سفاري. تفشَّى الشيبُ في شعره أكثر، أو لعلَّ الشمس هي التي أفقدَتْه لونَه، لكنها تعرَّفَتْ عليه على الفور. ستظلُّ تعرفه، وستظل دومًا تنادي عليه كلما وقعتْ عيناها عليه، كحالها الآن؛ حيث حاولتْ حتى أن تقفز عن كرسيها، حاولت أن تفلت يدها من قبضة العجوز.

قالت للمُسعِف: «إنه ويل. آسفة، إنه زوجي.»

قال المُسعِف: «حسنًا، من الأفضل ألَّا يراكِ وأنتِ تقفزين من سيارة إسعافٍ مُسرِعة.» وبعدها قال: «يا إلهي، ماذا حدث هنا؟» لدقيقةٍ تقريبًا تفحَّصَ العجوزَ، وسرعان ما رفع رأسه وقال: «مات!» قالت جيل: «ما زال مُمسِكًا بيدي.» لكنها أدركت وهي تنطق عبارتها أن ذلك ليس بصحيح. منذ لحظة كان قابضًا على يدها بقوةٍ شديدةٍ؛ بقوة تكفي لمنعها من القفز باتجاه ويل؛ والآن، هي التي تتشبَّث به. ما زالت أصابعه دافئة.

عندما رجعتْ من المستشفى، عثرتْ على الرسالة التي كانت تترقَّبُها.

«جيل، أعرفُ أنكِ هي.»

•••

أسرعي، أسرعي. دُفِعَ إيجارُها. يتعيَّن عليها أن تترك رسالةً للمدير. لا بد أن تسحب أموالها من البنك، وتنطلق إلى المطار، وتبحث عن طائرةٍ. لا بأسَ إنْ تركتْ ملابسها؛ فساتينها المتواضِعة المزخرفة زخارفَ باهتة، وقبعتها العريضة، ولا بأسَ إنْ ظلَّ الكتاب الأخير الذي استعارَتْه على الطاولة تحت صورة نبات الميرميَّة. لا بأسَ أن يظل مكانه، وتتراكم غراماتُ إعادته إلى المكتبة.

خلاف ذلك، ماذا سيحدث؟

ما أرادَتْه حتمًا. ما تشعر برغبةٍ قويةٍ في الهروب منه فجأةً وبلا شك.

جيل، أعرفُ أنكِ هنا! أعرفُ أنكِ وراء الباب.
جيل! جاليا!
تحدَّثِي إليَّ، جيل. ردِّي عليَّ. أعرفُ أنكِ هنا.
يمكنني سماعكِ؛ يمكنني سماع دقات قلبكِ عبر فتحة المفتاح، يمكنني سماع هدير بطنكِ، يمكنني سماع صوت عقلكِ المتردد.
يمكنني أن أشمَّ رائحتكِ عبر فتحة المفتاح. أنتِ … جيل.

الكلمات التي يتمنَّاها المرءُ أكثر من غيرها يمكن أن تتبدَّل. يمكن أن يطرأ عليها طارئ بينما أنتَ بانتظارها؛ «الحب»، «الاحتياج»، «الغفران». «الحب»، «الاحتياج»، «إلى الأبد». يمكن أن يمسي وَقْعُ مثل هذه الكلمات صوتَ جلبة، أو طرقَ مطارق في الشارع، وجُلُّ ما يمكنكَ فعله هو أن تفرَّ كي لا تحترم تلك الأصوات بفِعْل العادة.

•••

في متجر المطار، وقعت عيناها على عددٍ من العلب الصغيرة التي صنعَتْها أيادٍ أسترالية؛ دائرية الشكل وخفيفة خفَّة العملات المعدنية. تختار واحدةً عليها نقشٌ من نقاط صفراء متناثرة بلا انتظامٍ على خلفيةٍ حمراء داكنة، وعليها شكلٌ أَسودُ منتفخ؛ ربما كانت سلحفاة ذات أقدام قصيرة متباعِدة، ومستقرة على ظهرها بلا حول ولا قوة.

فكَّرتْ فيها جيل كهديةٍ لكليتا، وكأن الفترة التي أمضَتْها هنا كانت حُلمًا؛ شيئًا باستطاعتها تجاهُله، والعودة إلى نقطةٍ مختارة، العودة إلى نقطة البداية.

ليست الهدية لكليتا. أهي لويل؟

هدية لويل إذن. أترسِلها الآن؟ لا، سآخذها معي إلى كندا، وأرسلها من هناك.

النقاطُ الصفراء المتناثِرة بهذا الشكل تُذكِّر جيل بشيءٍ وقعتْ عيناها عليه الخريفَ الماضي. هي وويل شاهداه. انطلقا في نزهةٍ ظُهْرَ يومٍ من الأيام المشمسة سيرًا على الأقدام، وسارا من بيتهما إلى جوار النهر وصولًا إلى الضفة المليئة بالأحراش، وهنالك وقعت أعينُهما على مشهدٍ سمعا به لكنهما لم يرياه من قبلُ قطُّ.

مئاتُ الفراشات، وربما آلاف، مُتدلِّيةٌ من الأشجار، تستريح قبل رحلتها الطويلة هبوطًا إلى شاطئ بحيرة هيورون، مرورًا ببحيرة إيري، ومنها جنوبًا إلى المكسيك. تدلَّتِ الفراشات من الأشجار كأوراق معدنية، كذهب مطروق، كرقائق من الذهب التي تُلقَى عاليًا فتعلق بين الفروع.

قالت جيل: «كَزَخَّة الذهب في الكتاب المقدس.»

قال لها ويل إنها تخلط ما بين جوبيتر ويَهْوَه.

في ذاك اليوم، بدأ الموت يتسلَّل إلى كليتا، وكان ويل قد التقى ساندي بالفعل. بدأ هذا الحلمُ بالفعل؛ رحلةُ جيل وحِيَلُها، ثم الكلماتُ التي تخيَّلَتْ — بل صدَّقَتْ أيضًا — أنها سمعَتْها عبر الباب.

حبٌّ – غفران
حبٌّ – نسيان
حبٌّ – إلى الأبد.

مطارق تدوي في الشارع.

ماذا يمكن أن تضع في علبةٍ كهذه قبل أن تُغلِّفها وترسلها؟

خرزة؟ ريشة؟ قرص قوي المفعول؟ أم رسالة مطوِيَّة بقوةٍ بحيث يطابق حجمُها حجمَ كرة متكتلة من الورق.

«لكَ الخيارُ الآن في أن تتبعني.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠