الجزء الأول

ضيف العزباوات

كان الشفق الصيفي المتباطئ يُذعن لسطوة الليل سريعًا عندما كان راكبُ دراجة وحيدٌ يقودها على مهل في طريق ريفي مبهج، في حين أخفى البذلة المسائية التي يرتديها بمعطف طويل يكاد لا يُخفي شيئًا منها. ومن حين إلى حين كان يسبقه ما يسلك الطريق من عربات أو سيارات خاصة أو سيارات أجرة مغلقة آتية من البلدة المجاورة، ومن الملابس المبهرجة التي ارتداها شاغلو تلك المركبات، خمَّن راكبُ الدراجة بذكاء وِجهتَهم جميعًا. أما وجهته هو فكانت منزلًا كبيرًا يقوم على أرض واسعة بعضَ الشيء على جانب الطريق، ودفعتْه الظروف الاستثنائية التي جعلته يقصد هذا المنزل إلى أن يُبطئَ أكثر وأكثر كلما اقترب من هدفه.

كان المنزل، الذي يحمل اسم ويلوديل، يشهد الليلة إحياءً مؤقتًا لأمجاده الماضية. فقد ظلَّ خاويًا لشهور عديدة، وثمة لافتة عُلِّقت على غرفة حارس بوابته كانت تُعلن في صمت عما يعمُّه من كآبة ووحشة؛ أما الليلة، فسوف تعود حجراته، بحوائطها الجرداء المغطاة بالأعلام والستائر، وأرضياتها المكسوة بالشمع أو السجاد، لتصدحَ بنغمات الموسيقى وأصوات البهجة مرة أخرى في جنباته، وستهتز من وقْع الأقدام العديدة التي ستَطؤها. فقد كانت عزباوات رينسفورد ستُقيم في هذه الليلة حفلًا راقصًا، وكانت الآنسة هاليويل — مالكة منزل ويلوديل — كبرى أولئك العزباوات.

كان الحفلُ كبيرًا. وكان المنزل فسيحًا وفخمًا، وكانت العزباوات كثيراتٍ وثريَّات. كما كان ضيوف الحفل كُثُرًا ومن ذوي الحيثية، وكانوا يضمون بينهم شخصياتٍ بارزةً، كان أهمهم السيدة جيهو بي تشاتر. كان حضورها بمثابة تتويج لنجاح الحدث؛ إذ كانت الأرملة الأمريكية الحسناء نجمة الموسم. فقد كانت ثروتُها تتجاوز حدود الوحدات الحسابية البريطانية المألوفة على الأقل، إن لم تتجاوز حدود الجشع البشري. وكانت ألماساتُها مفخرةً لمضيفاتها ومصدرَ رعب لهن في آنٍ واحد.

برغم كلِّ هذه المغريات، اقترب راكب الدراجة من منزل ويلوديل ببطء يشي بتردُّدِه، حتى انعطف الطريق فأصبحت بوابات المنزل في مرمى بصره، فنزل عن الدراجة وتوقف وهو لم يحسم أمرَه بعد. فقد كان موشكًا على أمر خطير. ومع أنه لم يكن واهنَ العزم بأي حال، فلم يزل تردُّدُه يردعه عن المخاطرة والإقدام على ما انتواه.

لم يكن راكب الدراجة من المدعوين للحفل في واقع الأمر.

لِمَ قصده إذن؟ وكيف سيدخل؟ كان وراء هذين السؤالين تفسيرٌ مؤلم.

كان أوجستس بايلي يكسب عيشَه بالحيلة والذكاء، تلك هي العبارة الشائعة ويا لها من عبارة غبية! ألسنا جميعًا نكسب العيش بالحيلة والذكاء، إن كان لدينا أيٌّ منهما؟ وهل يتطلب الأمر درجةً خاصة من الحيلة ليكون محتالًا عاديًّا؟ على أي حال، كان أوجستس بايلي يتعيش بما أوتي من الحيلة، بصرف النظر عن درجتها، ولكنه لم يكن قد جنَى منها ثروة إلى ذلك الحين.

كانت بذرةُ مغامرته الجديدة محادثةً سمعها بالمصادفة على طاولة مطعم، وبطاقة دعوة تُركت مهملةً عليها، وغُطيت بقائمة الأطعمة ببراعة. قَبِل أوجستس الدعوةَ التي لم تُوجَّه إليه (إذ أرسل رسالة تفيد بقبوله الدعوةَ على ورقة تحمل اسم فندق سيسيل كانت بين قرطاسيته) تحت اسم جيفري هارينجتون بايلي؛ وكان السؤال الذي شغل فكره في تلك اللحظة، ما إذا كان أمره سيُكتشف أم لا. كان يعوِّل على كثرة الضيوف واحتمال قلة خبرة المضيفات. كان يعرف أن إبراز بطاقات الدعوة ليس ضروريًّا، ولكن ساوره قلقٌ من اللحظة العسيرة للإعلان عن نفسه.

ولكنه قد لا يصل إلى هذه اللحظة؛ إذا اكتُشف أن رسالة قبول الدعوة جاءت من غريب غير مدعو.

سار ببطء نحو البوابات بقلق متصاعد. وراودته بعضُ الذكريات زادته توترًا على توتره. كان يومًا ما ضابطًا في كتيبة عسكرية، ولكنْ لم يَدُم ذلك طويلًا في الواقع؛ فقد فاق «ذكاؤه» قدرةَ رفاقه الضباط على التحمل، ولكنه في وقت ما كان يحضر مثل هذه التجمعات بصفته ضيفًا مدعوًّا. أما الآن بعد أن أصبح لصًّا عاديًّا، بات يتسلل إلى الحفل باسم مزيف، مع احتمال لا يستهان به أن يُكتشف أمره ويُلقي به الخدم إلى الخارج مذلولًا مهينًا.

وبينما كان يقف مكانه مترددًا، سمع صوت سنابك خيل على الطريق يتبعها زئيرُ بوق سيارة. ظهر الوميض المتواضع لمصابيح العربة من منعطف الطريق ثم الضوء المبهر الذي أرسلتْه المصابيح الأمامية الكربيدية للعربة. خرج رجل من غرفة الحراسة وفتح البوابات، فاستجمع السيد بايلي شجاعته، وأخذ يدفع دراجته عبر المدخل بجسارة وجرأة.

لم يكد يقطع نصف المدخل الشديد الانحدار حتى مرت بجواره السيارة منطلقة؛ كانت سيارةً كبيرة من طراز نابيير تكدَّس بداخلها عددٌ من الشباب، جالسين خلف المقاعد أو أحدهم على رُكبتَي الآخر؛ كي تستوعبَهم السيارة. نظر بايلي إليهم، وقرر أن هذه هي فرصته، فظل يدفع دراجته ورأى سيارته وقد أودِعت في مرآب فارغ مخصص للعربات، ثم ذهب إلى غرفة الأمتعة. كان الشباب الذين وصلوا قبله يخلعون عنهم معاطفهم بابتهاج ويُلقون بها على إحدى الطاولات. فعل بايلي مثلما فعلوا، وفي غمرة لهفته لدخول قاعة الحفل مع الجمع، ترك ذهنَه يشرد عما حوله في تلك اللحظة، ووضع البطاقة في جيبه وأسرع إلى الداخل بدون أن يلاحظَ أن الخادم المرتبك وضع قبعته مع معطف رجل آخر وثبَّتهما معًا.

أُعلنت أسماء المدعوين تباعًا: «ميجور بودبيري، الكابتن باركر جونز، الكابتن سباركر، السيد واطسون، السيد جولدسميث، السيد سمارت، السيد هارينجتون بايلي!»

بينما كان أوجستس يسير عبر الغرفة مختالًا يعانق الضباط وهو يرتعد بداخله، لاحظ أن مضيفاتِه كنَّ ينقلن نظرهن بين الرجال باهتمام زائد.

ولكن في تلك اللحظة انطلق صوت الخادم مجلجلًا:

«السيدة تشاتر والكولونيل كرامبلر!» وفيما التفت الأعينُ كلُّها نحو الوافدَين الجديدَين، انحنى أوجستس في احترام ثم اندسَّ وسط الجمع المحتشد. لقد نجحت حيلتُه البسيطة في النهاية.

انسحب متمهلًا إلى ركن الغرفة الأكثر ازدحامًا، وهناك اتخذ موقعًا يحجبه عن نظر مضيفاته. خطر بباله أنهن سيَنْسَينَه سريعًا، هذا إن كنَّ قد فكَّرْن فيه أصلًا، وحينئذٍ سيرى ما يمكن فعله على صعيد عمله. لم يَزَل مرتعدًا بعض الشيء، وتساءل عن الوقت المناسب لتناول مشروب يساعده على تمالك أعصابه. وفي الوقت نفسه أبقى عينيه مفتوحتين تراقبان الوضع من فوق أكتاف الضيوف المجاورين له، إلى أن حدثت حركةٌ وسط جمعِ الضيوف فرأى السيدة تشاتر تصافح العزباء المترئسة للحفل. عندئذٍ تلقَّى أوجستس مفاجأة لم يحسب حسابًا لها.

عرَفها من النظرة الأولى، إذ كان بارعًا في تذكُّر الوجوه، خاصة إذا كان وجهًا لا يُنسى مثل وجه السيدة تشاتر. تذكَّر جيدًا هذه الفتاة الأمريكية الجميلة الصريحة التي راقصها في الحفل الراقص الذي نظمته الكتيبة منذ عدة سنوات. كان ذلك في الأيام الخوالي عندما كان ضابطًا صغيرًا، وقبل قضية أوراق اللعب المثقوبة التي أنهت حياتَه العسكرية. تذكَّر كيف كان الإعجاب متبادلًا بينه وبين تلك الفتاة الأمريكية ذات الوجه الصبوح، وتذكَّر رقصات كثيرة رقصاها معًا، ورقصات جلسَا يشاهدانها فيما تحدثَا عن خرافات تافهة جعلتْهما براءتُهما حينئذٍ يُعدَّانها نوعًا من الفلسفة. لم يرَها منذ ذلك الحين مطلقًا. دخلت حياتَه ثم خرجت منها ونسيَ اسمها، إن كان قد عرفه يومًا أصلًا. ولكن ها هي الآن وقد بلغت منتصف العمر ولم تَزَل جميلة وذات شخصية بارزة. يا لروعة الألماسات التي تجمَّلت بها! أما هو فقد أصبح لصًّا تافهًا، يتربص بين الحشد علَّه يتمكن من انتزاع قلادة أو دبوس زينة غير محكم في موضعه.

ربما تعرفت عليه، لِمَ لا؟ فقد تعرف هو عليها. ولكن هذا لن يُجديَ. ظل السيد بايلي يفكر في الأمر فيما انسل للتمشية في الحديقة وتدخين سيجارة. كان رجل آخر يكبره سنًّا، يذرع الحديقة جيئة وذهابًا متفكرًا، وينظر من وقت لآخر عبر النوافذ المفتوحة إلى الغرف ذات الإضاءة المبهرة. وبعد أن مرَّ أحدُهما بالآخر مرة أو مرتين، توقَّف الغريب وخاطبه.

قال الغريب: «هذا أفضل مكان في ليلة كهذه؛ فالجو يزداد حرارة في الداخل. لكن ربما كنتَ مولعًا بالرقص.»

رد بايلي: «ليس كقدر ولعي به في الماضي.» وهنا لاحظ بايلي النظرة الجائعة التي ألقاها الرجل على السيجارة التي في يده، فأخرج علبة السجائر وقدَّم له واحدة.

صاح الغريب وهو ينقضُّ بنهمٍ على العلبة المفتوحة: «أشكرك بشدة! يا إلهي! لقد أنقذتني. فقد تركتُ علبتي في المعطف. لم أكن لأتجرأَ على طلب سيجارة، رغم أني كنت أتوق لواحدة.» وسحب نفَسًا عميقًا، ونفخ سحابة من الدخان، وتابع: «يبدو أن أولئك النسوة يُدرنَ الحفل على ما يرام، أليس كذلك؟ لم تشاهد المنزل بعد، صحيح؟»

رد بايلي: «لم أرَه تقريبًا؛ فقد وصلت لتوي.»

قال الغريب الودود: «سنأخذ جولة حوله، إذا أردتَ، بعد أن نفرغ من التدخين. ولنحتسِ مشروبًا كذلك؛ فقد ينعشنا بعضَ الشيء. أتعرف الكثير من الأشخاص هنا؟»

أجابه بايلي: «لا أعرف أحدًا. يبدو أن مضيفتي لم تأتِ بعد.»

قال الغريب: «يسهل علاجُ ذلك، ابنتي إحدى العزباوات. اسمي جرانبي؛ عندما ننتهي من شرابنا، سأجعلها تجد لك رفيقةً، إذا كنتَ تهوى الرقص الهادئ.»

قال بايلي: «أرغب برقصة أو اثنتين، وإن كنتُ لا أظن أنني ما زلت بالقدر نفسه من البراعة فيه الآن. ولكن لا ينبغي أن أستسلم لليأس قبل الأوان.»

وافقه جرانبي ببشاشة: «بالطبع، الشباب شباب القلب. حسنًا، تعالَ نحتسِ شرابًا ثم نبحث عن ابنتي.» ألقى الرجلان بعقبَي سيجارتَيهما وتوجَّها لاحتساء الشراب.

كانت الشامبانيا التي قدمتها العزباوات خفيفة في تأثيرها، ولكنها كانت تفي بالغرض إذا احتُسيَ منها قدرٌ كافٍ، وهو ما توخَّى أوجستس — وجرانبي كذلك — الحذرَ منه؛ وعندما احتسى السيد بايلي الشراب وأتبعه ببعض الشطائر، شعر بتحسن ملحوظ. فقد كان نظامه الغذائي هزيلًا في الآونة الأخيرة. عند العثور على الآنسة جرانبي، وجدها مراهقة شقراء ساذجة، في السابعة عشرة من عمرها، يغمرها حماسٌ طفولي للعب دور المضيفة بما له من وقار وجلال. لم يكد بايلي يلتقي بها حتى وجد نفسه يرقص في حركة دائرية وسط الحشد الراقص مع حسناء في الثلاثين أو نحو ذلك.

فاجأته المشاعرُ التي أثارتْها في نفسه هذه التجربة الجديدة. فقد كانت حياتُه لسنوات مضت حياةً مضطربة ومحفوفة بالمخاطر؛ مضت وسط تقلبات من الدناءة والخسة، ما بين الخدع البالية والجرائم المكتملة الأركان؛ فأحيانًا يحتال على أحد الأشخاص بخدعة يكاد فيها أن يتخطَّى حدود القانون، وإذا أصابته عسرةٌ لجأ تارة إلى السطو الفعلي أو التآمر مع المشبوهين والمحتالين والفاسدين وأسافل الأشقياء من أمثاله، وتارة إلى المقامرة أو الاقتراض أو التسول، ولا يتورع عن السرقة إذا اقتضى الأمر، ويظل دائمًا حذرًا من الوقوع في يد الشرطة أينما غدا أو راح.

أما الآن فقد وجد نفسه وسط أجواء كاد ينساها، بعد أن كان معتادًا عليها يومًا ما؛ الغرف المزدانة بالزخارف المبهجة، والموسيقى الحالمة، وبريق الجواهر، وصوتُ الخُطَى المتراقصة، والثياب الفاخرة، والخيالات المتحركة للرجال الشرفاء والنساء الحسناوات؛ بدت سنين الإجرام المخزية تتلاشى تاركة إياه ليعود إلى حياته السابقة من حيث انتهت على نحوٍ كارثي. فقد كان هؤلاء القوم في نهاية المطاف هم قومه الذين ينتمي إليهم. أما المجرمون الذين سار في ركبهم في السنوات الأخيرة فلم يكونوا سوى غرباء عنه شاءت الأقدار أن يدخلوا حياته.

في النهاية أنهى رقصته مع رفيقته على مضض — كان متبادلًا — لتُواصلَ الحسناء الثلاثينية الرقص مع ضابط صغير قليل اللباقة، وكان يفكر في الذهاب إلى غرفة الشراب مجددًا، عندما أحس بلمسة حانية على ذراعه، فالتفت بسرعة. فقد عنت له تلك اللمسة على ذراعه أكثر مما تعني لبعض الرجال. ولكنه لم يجد أمامه رجلًا متجهمًا في ملابس عادية، بل كانت السيدة تشاتر، تبتسم له في توتر وخجلة بعض الشيء من جرأتها.

قالت له في لهجة اعتذار: «أظنك نسيتني؟» ولكن أوجستس قاطعها بنفي حماسي.

قال: «بالطبع لا، وإن كنتُ قد نسيتُ اسمك، ولكني أذكر رقصتنا في بورتسموث كما لو كانت أمس، على الأقل لحظة معينة فيها، اللحظة الوحيدة التي تستحق التذكر. لطالما تمنيت أن ألقاكِ مجددًا، وها قد التقيتكِ أخيرًا.»

ردت: «لطفٌ منك أن تتذكر. لَكَمْ راودتني تلك الأمسية، وكل الأشياء الرائعة التي تحدثنا عنها حينها. لقد كنتَ فتًى لطيفًا في ذلك الحين، أتساءل كيف صرتَ الآن. لقد مرَّ وقت طويل.»

وافقها أوجستس في أسًى: «نعم، مر وقت طويل. أعرف ذلك؛ ولكن عندما أنظر إليك، يُخيل لي أن تلك الأمسية كانت منذ أشهر قليلة فقط.»

صاحت قائلة: «يا إلهي! لم تَعُد بريئًا كما كنت. لم تعتد المجاملة حينئذٍ، ولكن ربما لم يكن ثمة حاجة لها.» كانت تتحدث وفي صوتها نبرة تأنيب رقيقة، ولكن وجهها كان متوردًا من السعادة مما سمعت، وخرجت جملتها الأخيرة بنبرة بها قدرٌ من الأسى.

قال أوجستس بصدق شديد: «لم أكن أجاملك. لقد عرفتُكِ منذ دخلتِ الغرفة، وتعجبت لمدى ترفق الزمن بك. لم يكن الزمن بالرفق نفسه معي.»

ردت عليه: «لقد ظهر في رأسك بعضُ الشعر الأبيض، كما أرى، ولكن ماذا يمثل الشعر الأبيض للرجل في النهاية؟ هو أشبه بشارات الرتبة العسكرية، يدل على المناصب التي ارتقيتها، مثل التاج على ياقة القميص أو الشرائط الملونة على طرف الكم؛ أظنك الآن تحمل رتبة كولونيل.»

أجاب أوجستس بسرعة بحمرة خفيفة على وجهه: «كلَّا، تركت العسكرية منذ بضع سنوات.»

ردت السيدة تشاتر متعجبة: «يا للأسف! عليك أن تُخبرَني بكل تفاصيل ذلك، ولكن ليس الآن. فشريكي يبحث عني. لنجلس لمشاهدة إحدى الرقصات ونتحدث عن ذلك بالتفصيل. لكني نسيتُ اسمك، لم أستطع تذكره تمامًا في الواقع، وإن كان ذلك لم يَحُل دون أن أتذكرك، ولكن كما يقول ويليام شيكسبير: «ما أهمية الاسم؟»»

قال السيد هارينجتون بايلي: «نعم، بالفعل.» وعلى أثر رؤيتها هذه، أضاف قائلًا: «اسمي رولاند، الكابتن رولاند. ربما تذكرتِه الآن.»

لم تتذكر السيدة تشاتر الاسم، وصرحت بذلك. فتحت برنامج الحفل، وسألته: «هل الفقرة السادسة مناسبة؟» فردَّ أوجستس بالإيجاب، فكتبت اسمه الذي أخبرها به، وقالت بنبرة رضا: «سنجلس معًا ونتحدث طويلًا، وستُخبرني بكل شيء عنك، وعما إذا كانت أفكارك لم تتغير عن الإرادة الحرة والمسئولية الشخصية. أذكر أنه كان لديك مُثُلٌ بالغة النُّبل في تلك الأيام، أتمنى ألا تكون قد اهتزت. ولكنَّ مُثُلَ الإنسان تتلاشى شيئًا فشيئًا في معترك الحياة. أليس كذلك؟»

وافقها أوجستس في تجهم: «بلى، أنتِ محقة في ذلك للأسف. إن التدهور الطبيعي بحكم العمر سرعان ما ينزع عن الأشياء بهرجتَها. حتى نصل إلى منتصف العمر فلا نكاد نجد من تلك الزينة شيئًا إن وجدناه من الأساس.»

ردت السيدة تشاتر: «لا تكن متشائمًا؛ تتحدثُ كساعٍ للمثالية أحبطه واقعُ الحياة، وأنا على ثقة أنه لا سبب لديك حقًّا لتشعر بالإحباط من نفسك. عليَّ الانصراف الآن. فكِّر في الأشياء التي ستخبرني إياها، ولا تنسَ أن موعدنا الفقرة السادسة.» وتركته بابتسامة براقة وإيماءة ودودة برأسها، فبدت كلوحة حية تنطق ببريق وهاج من العظمة والتألق يتضاءل أمامه كنوزُ أعظم ممالك الدنيا.

لم يكن الحديث، الذي غلب عليه الودُّ والألفة بوضوح، والذي دار بين الضيف المجهول والأرملة الأمريكية ليمرَّ مرورَ الكرام بأي حال؛ وفي ظروف أخرى ربما كان بايلي سيستغل هالة العظمة التي صنعها حوله هذا الحديث. ولكنه لم يكن يسعى للفتِ الأنظار، وحدَتْ به غريزةُ المراوغة نفسها التي جعلته يخترع اسم الكابتن رولاند بدلًا من هارينجتون بايلي إلى أن يتوارى بشخصيته التي باتت الآن مزدوجة عن النظرات المتفحصة. لقد جاء إلى هنا في مهمة محددة تمامًا؛ إذ كان قد أفلس تمامًا للمرة المائة، فجاء على أمل التقاط أيِّ نفائس تركها أصحابها مهملةً. ولكن، على نحو ما، بدت أجواء المكان غير مناسبة. فقد انعدمت الفرص، أو سنحت دون أن يتمكن من اغتنامها. على أي حال، لم يزل الجيب الكبير الذي شكَّل سمة غير تقليدية لمعطفه عن المعاطف الأخرى خاليًا، وبدا كما لو أن كل ما سيحصل عليه هو أمسية سعيدة ووجبة عشاء دسمة. ومع ذلك، ورغم أن سلوكه لم يكن بهذه البراءة والنزاهة في أي وقت مضى، فلم يزل ضيفًا غيرَ مدعوٍّ، ولم يزل معرَّضًا للطرد في أي لحظة بوصفه محتالًا، ولم يُسهِم تعرُّف الأرملة عليه في دحض هذه الاحتمالية بأي حال.

خرج إلى الحديقة، حيث الأرض مرتفعة في المنتصف ومنحدرة إلى الأسفل من كل الجوانب. ولكنَّ ضيوفًا آخرين كانوا هناك خرجوا يتنسمون الهواء بعد الرقصة الأخيرة، وكان ضوء الغرف ينبعث عبر النوافذ، فيُظهر أشكالهم، وكان من بينهم جرانبي ذو الطابع الاجتماعي المبالغ فيه. انسحب أوجستس مسرعًا من المنطقة المضيئة، حتى وجد ممرًّا ضيقًا، فسلكه متوجهًا نحو تجمُّعٍ من الأشجار والشجيرات رآه أمامه. وبعد قليل وصل إلى قوس يغطيه اللبلاب، يُضيئه مصباح أو مصباحان ملونان يُضاءان بالشموع، وعندما مرَّ من تحته، دخل ممرًّا متعرجًا تحدُّه صفوف من الأشجار والشجيرات ولا يضيئه سوى مصباح ملوَّن خافت الإضاءة يتدلَّى من أحد الأغصان.

كان قد ابتعد بالفعل عن الحشد، واستغرب ترْكَ هذا المكان المبهج المنعزل مهجورًا هكذا، حتى أدرك وجود الكثير من الغرف والأروقة الشاغرة في المنزل الفسيح للعشاق الباحثين عن الخلوة.

ظل الممر ينحدر إلى الأسفل بالتدريج لمسافة ما، ثم ظهر دَرَجٌ ريفيُّ الشكل في أسفله مقعدٌ بين شجرتين. امتد الممر أمام المقعد في خط مستقيم كشُرفة ضيقة، كانت الأرض على يمين الامتداد المستقيم تصعد إلى الأعلى باتجاه الحديقة، فيما انحدرت بصورة أشد إلى الأسفل على اليسار نحو السور المطوق للأرض، وكانت الأشجار والشجيرات منتشرة على الجانبين.

جلس بايلي على المقعد يفكر في القصة التي يجب أن يُخبر بها السيدة تشاتر عن نفسه. كان المقعد مريحًا، منحوتًا في جذع شجرة دردار، فكان الجذع أحدَ طرفَي المقعد وجزءًا من مسند الظهر. استند إلى الشجرة، وأخرج علبة السجائر الفضية فأخذ منها سيجارة. ولكنه أبقاها بين أصابعه بدون أن يُشعلَها فيما جلس يفكر في ماضيه المشين والقصة الحزينة لما آلت إليه أحوالُه. شرد ذهنُه عن أجواء الترف والبذخ التي عمَّت غرف الرقص، وعن حشود الرجال المتأنقين والنساء الحسناوات، وعاد بفكره إلى شقته البائسة الصغيرة في بيرمونديزي، وفي مظاهر الفقر والقذارة الناضحة منها، والمصانع الشاهقة المزاحمة لها، وجدرانها التي اكتست السواد من الأدخنة المنبعثة من النهر ورائحة الدخان الكريهة المنبعثة من مداخنها الضخمة. كان البون شاسعًا. لم يكن طريق الإجرام يومًا مفروشًا بالورود.

في هذه اللحظة من تأملاته تناهت إلى سمعه أصوات أشخاص وخُطًى مقبلة من فوقه على الممر، فهمَّ بالسير عبر الممر الممتد أمامه. لم يُرد أن يراه أحدُهم يتجول وحيدًا بين الشجيرات. ولكن عندئذٍ صدر صوت ضحك امرأة في مكان ما في الممر. كان ثمة أشخاص قادمون من الاتجاه الآخر كذلك. أعاد السيجارة إلى العلبة واختبأ خلف المقعد منتويًا الانسحاب من ذاك الاتجاه، ولكن الممر انتهى هنا، ولم يكن يوجد بعد هذه النقطة سوى منحدر وعر نحو السور تُغطيه الكثيرُ من الشجيرات بكثافة. وفي خضمِّ تردُّدِه جاء صوتُ الأقدام وهي تهبط على الدرج وحفيفُ فستان امرأة، فأصبح أمامه خياران، إما أن يبقى مكانه، أو أن يخرج لمواجهة الوافدين الجدد. ووقع اختيارُه على الخيار الأول؛ إذ انسلَّ وراء الشجرة ظل ملتصقًا بها ريثما يمرون.

لكنهم لم ينووا المرور، بل جلس أحدهم — وكانت امرأة — على المقعد، ثم وقع على أذنه صوتٌ مألوف يقول: «سأستريح هنا في هدوء لبعض الوقت؛ إن سنِّي تؤلمني بشدة؛ أريد منك أن تذهب وتجلب لي شيئًا. خذْ هذه البطاقة إلى غرفة الأمتعة، واطلب من المسئولة عنها أن تعطيَك حقيبتي المخملية الصغيرة. ستجد فيها زجاجة من الكلوروفورم وحزمة من القطن الطبي.»

فقال رفيقها محتجًّا: «لكن لا يمكنني أن أتركَك هنا وحدك، يا سيدة تشاتر.»

ردت السيدة تشاتر: «لا أتوق إلى الصحبة الآن. أريد الكلوروفورم. كُن لطيفًا وأسرع بإحضاره. هاك البطاقة.»

تراجع صوتُ خُطَى الضابط الشاب بسرعة، وتعالَى صوت الثنائي القادم عبر الممر. لعن بايلي الصدفة التي أدت به إلى هذا الوضع السخيف وغير المريح، وسمعهما يقتربان ويصعدان الدرج، ثم عمَّ الصمت المكان ولم يقطعه سوى تأوهات السيدة تشاتر من وقت لآخر والإيقاع الموزون لصرير المقعد وهي تتأرجح عليه جيئة وذهابًا من الألم. ولكن الشاب أنجز المهمة بسرعة فاقت المعتاد؛ إذ لم تمرَّ دقائق معدودة حتى سمعه يقترب راكضًا عبر الممر من فوقه ثم يهبط الدرج.

قالت الأرملة في امتنان: «هذا لطف حقيقي منك. لا بد أنك انطلقت كالريح. اقطع الخيط لفتح الحزمة ودعْني أتعامل مع هذه السن.»

رد الشاب: «لكن لا يمكنني أن أتركك هنا و…»

قاطعته السيدة تشاتر: «بلى، يمكنك. فلن يأتيَ أحد إلى هنا؛ فالرقصة القادمة هي الفالس. كما أن عليك الذهاب للعثور على شريكة لك.»

قال الضابط: «حسنًا، إذا كنتِ فعلًا تفضلين البقاء وحدك …» ولكن السيدة تشاتر قاطعته مجددًا.

«بالطبع أفضِّل ذلك وأنا أعالج أسناني. انصرف الآن، وشكرًا جزيلًا على لطفك.»

انصرف الضابط الشاب ببطء مغمغمًا بكلمات احتجاج، وسمع بايلي صوت قدميه تصعدان الدرج في تردُّدٍ. عمَّ المكانَ صمتٌ مطبق من جديد حتى بدا صوت حفيف الأوراق وصوت فتح سدادة زجاجة عاليَين وواضحَين. استدار بايلي فأصبح مواجهًا للشجرة، واستند إليها فاغرًا فاه لا يكاد يتنفس. أخذ يلعن نفسه مرارًا وتكرارًا؛ لأنه من تسبَّب في الإيقاع بنفسه في هذا الموقف بدون سبب واضح، وظل يتحرق شوقًا للخروج من مخبئه. لكنْ لم يكن أمامه مهربٌ الآن دون أن يكشف عن نفسه. كان عليه أن ينتظر انصراف هذه المرأة.

وفجأة، من خلف حافة الشجرة، لاحت يدٌ تحمل حزمة مفتوحة من القطن الطبي. وضعت اليدُ القطنَ الطبي على المقعد، ثم انتزعت منه قطعة صغيرة ولفَّتها في شكل كرة صغيرة. كانت أصابع اليد مزدانةً بالخواتم، وكان المعصم مطوقًا بسوار عريض. أسقط المصباحُ الوحيد المعلق على أحد أغصان الشجرة ضوءَه الخافت على الخواتم والسوار فالتمعت في تألق جذاب. انسحبت اليد، في حين ظل بايلي يحدق شاردًا في قطعة القطن الطبي المربعة. ثم ظهرت اليد مرة أخرى تحمل قارورة صغيرة هذه المرة، ووضعتها برفق على المقعد وبجوارها السدادة. ومجددًا انعكس الضوء على الجواهر الثمينة في ومضات متعددة الألوان.

بدأت ركبتَا بايلي في الارتعاد، وتفصد جبينه عرقًا باردًا.

انسحبت اليد مرةً أخرى واختفت، ولكن بايلي هذه المرة حرك رأسه دون صوت حتى ظهر وجهُه من وراء الشجرة. كانت المرأة مستندة إلى الشجرة، وتُريح رأسها على جذع الشجرة على بُعد بوصات قليلة فقط من وجهه. التمعت الجواهر الثمينة المرصَّع بها التاج الذي كان فوق رأسها في عينيه. واستطاع أن يرى من فوق كتفها قلادتها الفائقة الجمال ترتفع وتنخفض على صدرها مع كل شهيق وزفير، وينبعث منها أضواءٌ متوهجة ذات ألوان متجددة، وكانت يداها المرفوعتان عبارة عن كتلة من البريق المتألق في الضوء الخافت.

خفق قلبُه بنبضات مسموعة دوت عاليًا في أذنيه. وراح العرق ينساب باردًا على وجهه بغزارة، وأطبق أسنانه ليمنعها من الاصطكاك بعضها ببعض. داهمه رعبٌ كاسح مميت هزَّ كيانه من النية المندفعة المخيفة التي كانت تتسلل إلى عقله وإرادته.

كان الصمت مطبقًا. كانت أنفاس المرأة الخافتة، وحفيف صدرها، مسموعين بوضوح — بل بوضوح صارخ — وكتم أنفاسه حتى كاد يختنق.

فجأة حمل نسيم الليل صوت موسيقى الفالس الحالمة الخافتة. لقد بدأت الرقصة. عمَّق الصوت القادم من بعيد إحساسه بالوحدة في هذه البقعة المهجورة.

أصاخ بايلي السمع، ولم يُطِق صبرًا للفرار من براثن تلك القوة الخفية التي شعر كأنها تُطبق على معصميه وتجرُّه جرًّا إلى هلاكٍ محتوم.

حدق في المرأة بانبهار مخيف. أخذ يصارع للاختفاء عن الأنظار، ويا ليته استطاع.

وأخيرًا، حزم أمره، وبتأنٍّ شديد مسترق، تسللت يدٌ متعرقة مرتجفة خلسةً نحو المقعد وقبضت على القطن في سكون، ثم سحبته ببطء بلا أيِّ ضجيج. ومن جديد امتدت اليد إلى الأمام، فالتفت أصابعها حول القارورة كحيات خبيثة، وسحبتها من فوق المقعد في الظلام.

بعد ذلك بثوانٍ معدودة، ظهرت اليد مجددًا فأعادت القارورة برفق إلى مكانها وقد فرغت من نصف محتواها. عمَّ سكونٌ مؤقت. تسللت إيقاعات الفالس المنتظمة قاطعة سكون الليل، وبدت متزامنة مع أنفاس المرأة. ولم يكن في الجوار أيُّ صوت آخر. لف المكان صمت كصمت القبور.

وفجأةً، مال بايلي إلى الأمام من مخبئه نحو مؤخرة المقعد. وكانت قطعة القطن الطبي في يده.

كانت المرأة في تلك اللحظة متكئة إلى الخلف كمن غلبها النعاس، واستقرت يداها في حِجرها. وبحركة سريعة، ضُغط على وجهها بقطعة القطن الطبي، وسُحب رأسها إلى الخلف على صدر المعتدي الخفي. انطلقت شهقة مكتومة من بين شفتيها المكتومتين في حين ارتفعت يداها تقبضان على ذراع مهاجمها، وحدثت مقاومة عنيفة من جانبها، أضفى عليها رنين الجواهر الثمينة التي ارتجت مع تلوِّي الضحية مزيدًا من الشراسة. ومع كل ذلك لم يكد يَصدُر أيُّ صوت فيما عدا الشهقات المكتومة، وحفيف الفستان الحريري، وصرير المقعد، وصوت القارورة التي سقطت أرضًا، بالإضافة إلى موسيقى الفالس البعيدة التي أضافت إلى المشهد مفارقة مخيفة.

لم يستمرَّ الصراع طويلًا. فسقطت اليدان المرصعتان بالجواهر فجأة، واستند الرأس بلا مقاومة على مقدمة قميص المهاجم المغضن، وخمد الجسم وتخدر فانزلق من فوق المقعد. تسلق بايلي من فوق مؤخرة المقعد وهو لم يزل ممسكًا بالرأس المستسلم. وبينما أخذت المرأة تنزلق برفق إلى الأرض، رفع قطعة القطن الطبي ومال فوقها. انتهت المقاومة الآن، وخبت ثورة المشهد ولم يبقَ إلا رعدة الخوف المميت.

حدق برعب في الوجه المنتفخ الذي لم يزل على جماله، وإلى العينين اللتين انطفأ نورُهما وكانتا منذ وهلة تبتسمان في رقة إلى عينيه.

هذا ما اقترفت يداه! ذلك الفاشل الخبيث، الذي نبذه العالم بأكمله فمدت إليه هذه المرأة الجميلة يدَ الصداقة. ظلت معتزة بذكراه، في حين تركه الجميع في قاع بحر النسيان السحيق. وها قد قتلها؛ إذ لم يسمع صوتًا لنفس يخرج من بين شفتيها القرمزيتين.

دهمه شعورٌ مفاجئ وشنيع بالندم على فعلته التي لا يمكنه العدول عنها الآن، فوقف يقبض بشدة على شعره الرطب، وينشج ببكاء مرير كملعون يعض أنامل الندم.

نسي أمر الجواهر تمامًا. نسي كل شيء فيما عدا الرعب الذي أصابه بسبب فعلته المريعة المستعصية على الوصف. لم يبقَ له إلا خوف داهم وندم لا مناص منه.

انتشله من طوفان مشاعره أصوات أناس قادمين على الطريق من بعيد، وتحوَّل الرعب الغامض الذي تملَّكه إلى خوف مادي بغيض سيطر على أوصاله. فرفع الجسد الخامد إلى حافة الطريق، وتركه ينزلق عبر المنحدر بين الشجيرات. ندت عن الشفتين المفتوحتين تنهيدة مرتعدة خافتة عندما انقلب الجسد، فتوقف للحظة ليستمع. لكنه لم يسمع صوتًا آخر يدل على الحياة. لا بد أن هذه التنهيدة لم تكن سوى نتاج لحركة الجسد.

مرةً أخرى، وقف لوهلة كأنه في حلم، وأخذ يحدق في الجسد المتكوم الذي غطت الشجيرات نصفه، ثم عاد إلى الطريق، وحتى في هذه اللحظة ألقى نظرةً أخرى، لكنه لم يجد الجسد في مرمى بصره. ومع اقتراب الأصوات أكثر، التفت وصعد الدرج الريفي راكضًا.

عندما وصل إلى طرف الحديقة توقفت الموسيقى، وعلى الفور اندفع طوفان من الناس من المنزل. ورغم الرعدة التي كانت تسري في أوصال بايلي، كان لديه بقايا من الوعي ليدرك أن شعره أشعث وملابسه غير مهندمة وأن مظهره مبعثر لا محالة. فتحاشى الراقصين، ولزم حافة الحديقة، وتوجه إلى غرفة الأمتعة من أقل الطرق ارتيادًا. لو كانت لديه الجرأة لذهب الآن إلى غرفة الشراب؛ إذ كان يشعر بدوار وكانت أطرافه ترتعد بشدة أثناء مشيه. ولكن ثمة خوفًا عنيدًا كان يتبعه ويلازمه في كل خطوة يخطوها، وكان يتزايد في كل لحظة. ووجد نفسه يسترق السمع ترقبًا لأي شائعة عن الاكتشاف الذي سيحدث لا محالة.

وصل إلى غرفة الأمتعة يترنح، وألقى ببطاقته على الطاولة، وتفقد ساعته. نظر إليه حارس غرفة الأمتعة في فضول، فتوقف والبطاقة لا تزال في يده وسأل في تعاطف: «ألست على ما يرام يا سيدي؟»

رد بايلي: «كلا. فالجو هنا حار للغاية.»

قال الرجل: «فلتشرب كأسًا من الشامبانيا يا سيدي، قبل أن تنصرف.»

رد بايلي: «ليس لديَّ وقت لذلك.» ثم مدَّ يدًا مرتجفةً نحو معطفه وتابع: «سيفوتني القطار إذا لم أصل في الموعد.»

فهم حارس الأمتعة التلميح، فأخذ المعطف والقبعة، وأمسك المعطف محاولًا مساعدة بايلي في إدخال ذراعيه في كميه. لكن بايلي خطفه منه وألقاه على ذراعه، واعتمر قبعته وأسرع إلى مرأب العربات. وهناك حدق فيه الحارس باستغراب مجددًا، وازداد استغرابه عندما لم يقبل بايلي مساعدته في ارتداء المعطف، وكومه تحت إبطه، ثم دفع دراجته وركبها مسرعًا وانطلق بها في مسار متعرج عبر المدخل المنحدر، وذيل معطفه يتطاير من خلفه في مشهد غريب.

صاح الحارس: «لم تُضئ مصباح الدراجة يا سيدي.» ولكنَّ أُذنَي بايلي صمتتا عن كل شيء عدا صخب المطاردة الوشيكة.

لحسن الحظ التحم مدخل المنزل بالطريق بانحراف، وإلا لاندفعت دراجة بايلي بقوة واصطدمت بالسياج الشجري الذي يحدُّ الطريق من الجانب الآخر؛ وحتى في تلك اللحظة لم تُبطأ سرعة الدراجة؛ إذ كان راكبها، بدافع من خوفه الشديد، يضغط على دواسات الدراجة كالمجنون. ورغم انطلاقه السريع في الطريق المظلم الساكن، أخذ بايلي يصيخ السمع، لعل أذنيه تلتقط صوت سنابك حصان أو هدير محرك سيارة تلاحقه.

كان يعرف المناطق الريفية المحيطة جيدًا، وكان في اليوم السابق، كإجراء احترازي، قد تجول بدراجته في أنحاء المنطقة، وكان مستعدًّا الآن للفرار عبر أيِّ زقاق أو طريق فرعي فور سماعه أيَّ صوت مثير للريبة، فكان واثقًا أنه لن يضلَّ طريقه. ومع ذلك فقد ظل يُسرع ويُسرع، ولم يأته أيُّ صوت من خلفه ينبئ بوقوع الاكتشاف المحذور.

بعد أن قاد دراجته لنحو ثلاثة أميال، وصل إلى سفح تل شديد الانحدار. وهنا اضطر إلى النزول عن دراجته ودفعها لصعود التل بسرعة شديدة؛ حتى إنه عندما وصل إلى قمته كان يلتقط أنفاسه بصعوبة. وقبل أن يعتليَ الدراجة مجددًا قرر ارتداء معطفه؛ فقد خمن أن مظهره يجذب الانتباه، أو ما هو أخطر من الانتباه. كانت الساعة الحادية عشرة والنصف فقط، وكان حينئذٍ يوشك على المرور من شوارع بلدة صغيرة، وسيضيء مصباح دراجته أيضًا. وإذا استوقفته دوريةٌ أو ضابطٌ ريفي حينئذٍ، فستكون العواقب وخيمة.

بعد أن أضاء مصباحه وارتدى المعطف بسرعة، عاد يتسمع الأصوات مجددًا بانتباه، وينظر من قمة التل إلى المنطقة الريفية المحيطة التي عمَّها الظلام. لم يرَ أيَّ أضواء متحركة، ولم يسمع سنابك خيل أو هدير محركات، فهمَّ بركوب الدراجة، ومدَّ يده يبحث عن قفازاته في جيب المعطف.

أمسكت يده بقفازين، ولكنه أدرك على الفور أنهما ليسَا قفازيه. كما وجد وشاحًا حريريًّا أبيض بدلًا من وشاحه الأسود.

أصابه رعبٌ مفاجئ، ودس يده في الجيب الذي يحتفظ فيه بالبطاقات، وكان يحتفظ فيه أيضًا بمفتاح الباب الخارجي لمنزله. ولكنه لم يجد المفتاح، بل وجد حامل سيجار من الكهرمان لم يره من قبل. وقف للحظات قليلة في ذعر تام. لقد أخذ المعطف الخطأ وترك معطفه هو في منزل الحفل. انسال على وجهه عرقٌ بارد من فرط الخوف حين أدرك ذلك. كان مفتاحه في جيب معطفه، ولم يكن ذلك بالأمر المهم للدرجة. فقد كانت لديه نسخةٌ أخرى في المنزل، أما بالنسبة إلى الكيفية التي سيدخل بها منزله، فقد كان يعرف باب منزله الخارجي جيدًا، وكان يحمل في حقيبة أدواتِه بعضَ الأدوات الإضافية التي لم يَعتَدْ راكبو الدراجات حملها. كان التساؤل الذي شغله هو ما إذا كان في معطفه أيُّ شيء من شأنه أن يكشف عن هويته. ثم أطلق تنهيدة ارتياح؛ إذ تذكَّر فجأة أنه كان قد أفرغ جيوب المعطف تمامًا قبل الانطلاق.

سيكون بمأمن ما إن يدخل شقته الصغيرة القذرة المحشورة بين المصانع الكبيرة وضفة النهر؛ سيكون بمأمن من كل شيء عدا الرعب الذي امتلأت به نفسُه، ومن الصورة التي تطارده لهذا الجسد الملفوف بالحرير والمرصع بالجواهر متكومًا وسط الشجيرات.

نظر حوله نظرة أخيرة، ثم ركب دراجته، وقادها أعلى التل، حتى غاص بها في الظلام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١