الفصل الثاني

العبارات الأساسية

(١) مشكلة العبارات الأساسية

(١) لنلاحظ حتى الآن أن كل بحث منهجي في النظرية العلمية: الكشف عن خاصيتها العلمية أي قابليتها للتكذيب والاختبار، والاختبار سواء انتهى إلى تعزيز أو تكذيب، وأيضًا الفرض المكذب، كل ذلك يعتمد على العبارات الأساسية، أن لها الدور الأعظم وهي المحك الأخير.

(٢) لكن هناك مشكلة إبستمولوجية خطيرة تحيق بها، فنحن نتثبت من الخاصة العلمية للنظريات، عن طريق العبارات الأساسية، التي هي الأسس التجريبية للنظرية العلمية، ولكن كيف يمكن أن نتثبت من الخاصة التجريبية للعبارات الأساسية، وكيف يمكن اختبارها، الأمر الواقع يقول: إن الخطأ قد يحدث في عملية الملاحظة الحسية، وهذا قد يؤدي إلى عبارات أساسية خاطئة، ومن النادر أن يفكر العالم في كون العبارة الأساسية — التي هي خصوصية — لا تجريبية،١ ربما نظرًا لما قصرت عليه القضايا الميتافيزيقية من عمومية وكلية؛ لذلك لا بد من وضع شروط للعبارات الأساسية تقي من هذا.
وبخلاف هذا فإن مشكلة العبارات الأساسية، تختلف عن معظم مشاكل منطق العلم؛ إذ تتعلق هذه المشاكل بالممارسة العملية للبحث العلمي، أما مشكلة العبارات الأساسية فهي لا تهم العالم كثيرًا وهو منشغل ببحثه، بل تتعلَّق أكثر بنظرية المعرفة،٢ إنها إذن ذات أهمية خاصة بالنسبة لنا — نحن الباحثين — في فلسفة العلم، أهمية إبستمولوجية.
(٣) غير أن التجريبيين والوضعيين لا يرَوْن في العبارات الأساسية وإثبات خاصيتها التجريبية أية مشكلة إبستمولوجية أو غير إبستمولوجية؛ لأنهم يسلمون بأن المعطيات الحسية هي المعبر الوحيد لأية عبارة علمية، وهي المصدر الوحيد للمعرفة، وأن التفكير الخالص لا يزيد المعرفة بالعالم الخارجي قيد أنملة، فكل ما نعرفه عن عالم الوقائع، يجب أن يكون قابلًا للتعبير في صورة عبارات عن خبراتنا، والإحساس الفوري بما توصله العبارة هو الذي يحدد صدقها، أي يحدد اتفاق حدودها مع معطيات الخبرة أو عدم اتفاقها.٣
ومن هنا يؤكدون أن العبارات الأساسية مطروحة بغير مشكلة، وبغير احتياج إلى محك للصدق أو الكذب، والعبارة الأساسية لا تعتبر كاذبة إلا إذا تناقضت مع فئة العبارات الأساسية المقبولة، وإذا لم تتناقض فهي صادقة، وهذه الفئة لا تتميز أصلًا إلا بواسطة صورتها المنطقية التي تعبر عن أن الحادثة كذا حدثت في المكان كذا والزمان كذا، والتقييد الوحيد عليها هو أن مدى الأحداث التي تنقلها، أي مكانها وزمانها، يجب أن يكون قابلًا للملاحظة بوضوح، ويرى آير أنها طالما حدثَت ووقعت في الخبرة؛ أي لوحظت، فهي مقبولة، فالفرد لا يمكن أن يخطئ بصدد خواص المعطيات الحسية؛ لأنها معروفة مباشرة، ومن هنا كانت هذه العبارات التي هي تقريرات الذات عن الخبرات التي تتلقاها تبرهن نفسها بنفسها، وهي لهذا تمدنا بالأساس الأكيد الذي تقام عليه المعرفة التجريبية بأسرها،٤ وتوقف الارتداد الذي لا نهاية له.
ويوضح هربرت فيجل أنهم يمضون في تحليلاتهم على هذا الأساس، فيكون التحليل عبارة عن التثبت منها عن طريق الرجوع التدريجي إلى معطيات الخبرة، ويعتقدون أنهم بهذا استبعدوا كل الاعتبارات السيكولوجية، ولم يسمحوا إلا بالاعتبارات المنطقية، فيترتب على هذا تحليل الألفاظ والجمل المشتقة من سواها، باعتبارها تركيبات منطقية، مقامة على ألفاظ وجمل أولية تكون ذات صلة مباشرة بالخبرة، فيكتفي تحليل العبارات العلمية تمامًا بتتبعها إلى مستوى العبارات والألفاظ الدالة على الوقائع الخبرية؛ أي العبارات الأساسية، فتكون هي الأصول البسيطة التي ترتد إليها المعرفة ممثلة الأساس الراسخ الوطيد.٥
(٤) لكن بوبر يرى أن العبارات ليست مؤسَّسة على الخبرة بهذه البساطة؛ إذ لا توجد أية خبرة خالصة أو تقرير خالص عن الخبرة، هناك عملية ترنسندنتالية متأصلة في أي وصف للخبرة، فكل عبارة لها خاصية النظرية أو الفرض، حتى أبسط عبارة «هنا كوب ماء.» «كوب» كلمة كلية تشير إلى أجسام تنتظم جميعها تحت ما يشبه القانون الذي ينظم سلوكها وسلوكنا بإزائها، بإزاء كل ما يتخذ سمة الكوب،٦ فكيف يمكن حصرها في خبرة حسية فورية، العبارات المفردة الدالة على الوقائع الجزئية ليست أقل تجريدًا من النظريات العلمية الكلية، في فلسفة بوبر ليس هناك أي فارق منطقي بين عبارة «كل البجع أبيض.» وبين عبارة «لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه.» لأن أسبقية التوقعات على أي مدرك حسي — ليس في العلم فحسب، ولكن في الحياة بصفة عامة — تجعل الطابع الفرضي الاحتمالي لعبارات العلم منطبقًا على سائر العبارات؛ لذلك يؤكد بوبر أن كل عبارة — مهما كانت بسيطة — هي نظرية، وكما سبق أن أوضح كانط فإن المدركات مصبوبة في قوالب العقل، أي مؤولة على ضوء مقولاته، وفكرة وجود معطيات غير مؤولة هي بدورها نظرية وليست واقعة خبرة، فضلًا عن أن تكون نهائية أو واقعية أساسية.
لهذا لا توجد أية أسس تجريبية غير مؤولة، أو تعبر عن معطيات غير مؤولة، فمثل هذه المعطيات لا توجد أصلًا، أبسط الوقائع التجريبية دائمًا مؤولة في ضوء النظريات ومشبعة بها،٧ وبالفروض التي تلقَّى بها الذهن الخبرة، ويمكن أيضًا — بخلاف كل هذا — أن نلقي تجسيدًا للبَوْن الشاسع بين معطيات الحس وبين وقائع الخبرة مع هلمهولتز وماخ، فنظرية هيرمان لودفيج هلمهولتز Herman Ludwig von Helmholtz (١٨٢١–١٨٩٤م) المعروفة باسم نظرية الهيروغليفات تذهب إلى أن إحساسات الإنسان وأفكاره ليست نسخًا للأشياء الواقعية والعمليات الطبيعية، وليست صورًا طبق الأصل عنها، بل إشارات اصطلاحية، رموز، هيروغليفات؛ ذلك لأن هلمهولتز عالمٌ كبير ذو ميول كانطية، واعتبر الإحساسات مجرد رموز لعلاقات العالم الخارجي، وقد أنكر عليها كل مماثلة أو تعادل مع الأشياء التي تمثلها،٨ وذلك عكس ماخ الذي رأى في الأشياء مجرد رموز لمجموعة معقدة من الإحساسات.
ولكل ذلك لن تجدي إطلاقًا الإشارة إلى فارق بين النظرية الكلية وبين العبارات المفردة، كأن نقول: إن الأخيرة عينية، بينما النظريات محض صياغات رمزية مجردة؛ إذ يمكن أن نقول نفس الشيء عن أكثر العبارات عينية،٩ إن العبارات الخصوصية الدالة على الوقائع الجزئية ليست أقل تجريدًا من النظريات العلمية الكلية.
فرغم أن مذاهب الوضعيين تبدو أنها تجعل العبارات الأساسية بغير مشاكل، إلا أننا لا ينبغي أن نلتفت إليها، فقد أسقط الباب الأول خرافة الاستقراء، ثم أسقط الباب الثاني فلسفة الوضعية الخالصة ومطالبها التحققية، أوضح بوبر أن معطيات الحس المتاحة، التي يُبْنَى عليها العلم، هي تأملات في ضوء نظريات، مطبوعة دومًا بالطابع الحدسي الفرضي لكل النظريات، ومن هذا المنطلق، نلاحظ أن بوبر غير مصطلحاته في «منطق الكشف العلمي» كان يستعمل مصطلح «الأسس التجريبية»، لكنه لاحظ أن هذا المصطلح يلقي في الروع إيحاء الحسيين من أن العلم «مؤسس» على الخبرة الصلبة التجريبية، فتركه رغم أنه أكثر تعبيرًا، وفضَّل استعمال مصطلح «العبارات الأساسية»، ليوضح أن المسألة مسألة اصطلاح واتفاق على عبارات معينة، مسألة اتخاذ قرار، ليؤكد أن الأسس التجريبية للعلم الموضوعي ليست ثابتة، وليس فيها أي شيء مطلق، وأنها تقارن بالمستنقع الرخو وليس بالأرض الراسخة،١٠ وأن العلم لا يرسو على صخور صلبة ثابتة، بل إن البناء الجريء لنظرياته هو تشييد صرح عظيم على ركام،١١ ركام لا يقوم على أساس، وإن كان ركامًا تجريبيًّا.
(٥) لذلك فإن مشكلتها — أي مشكلة العبارات الأساسية — بحق عميقة وخطيرة؛ فقد أوضح ج. ف. فرايز G. F. Freis — وهو أحد المفكرين القلائل الذين شغلتهم أسس الخبرة بعمق — أنها تجعل البحث العلمي محاصرًا بأخطار ثلاثة: الدوجماطيقية – ارتداد لا نهاية له Infinite Regress – النزعة السيكولوجية Psychologism.
إذا كنا لن نقبل عبارات العلم دوجماطيقيًّا، فلا بد وأن نبررها، إذا لجأنا إلى التبرير المنطقي بواسطة الحجج العقلية، فسيكون تبرير العبارات فقط بواسطة عبارات، وهذا يقود إلى ارتداد لا نهاية له، أما إذا صممنا على الرجوع إلى الخبرة الحسية، فيبدو أننا سنلجأ إلى النزعة السيكولوجية طالما سنبرر العبارات بالمدركات الحسية، حيث نجد المعرفة الفورية Immediate Knowledge التي يمكن أن نبرر بها المعرفة الوسطية mediate Knowledge: المعرفة المعبر عنها في رموز وسيطة،١٢ فيكون التأصيل التجريبي للعلم في الإقرار بأن عباراته الأساسية مجرد معرفة وسيطة انتقلت من المعرفة الفورية، التي هي مدركات الحس، إنها إذن النزعة السيكولوجية، وقد أوضحت مناقشة جمل البروتوكول مدى تردِّي الوضعية فيها، وإذا حاولنا تجنبها، وجدنا أن العبارات — رغم التوثيق الحسي للعلم — تبرر فقط بواسطة العبارات، طالما أن المسألة كلها تعبيرات لغوية مما يلقي ظلال الشك والإبهام، بل والاستحالة على العلاقة بين العبارات الأساسية وبين الإدراك الحسي، وهذا سيقود إلى ارتداد لا نهاية له، بل والمشكلة أكثر من ذلك؛ إذ إنها تناقض ظاهري Paradox فلو نظرنا إلى العبارات على أنها منطق بحت فهذا يقود إلى ارتداد وإذا نظرنا إليها على أنها حس بحت، فإن هذا يقود إلى النزعة السيكولوجية، فهل نلجأ إلى الدوجماطيقية؟ المشكلة إذن خطيرة.

(٢) حل بوبر لمشكلة العبارات الأساسية

(١) الآن كيف يتفادى بوبر هذه الأخطار الثلاثة؟ أو كيف يحل المشكلة؟

بالنسبة للدوجماطيقية فهي غير ذات شأن؛ لأن بوبر فيلسوف النقد، فبداهة لا بد أن يرفض أن قبول دوجماطيقي للعبارات، إننا بالفعل لا نخشى إلا بأس الخطرين: الارتداد بلا نهاية والنزعة السيكولوجية، إنها المحاصرة بين الوقوع في الحس البحت أو في المنطق البحت.

(٢) بوبر يحل هذا التناقض، مثلما حل أي تناقض شبيه في أية زاوية أخرى من زوايا منطق العلم — أي عن طريق الفصل الحاسم بين وجهة المشكلة السيكولوجي وبين وجهها المنطقي الميثودولوجي؛ إذ يجب أن نميز بين معرفتنا وخبراتنا الذاتية واعتقاداتنا وشعورنا — وهذا موضوع علم النفس، وبين العلاقات الموضوعية بين الأنساق المختلفة من العبارات العلمية، وفي داخل كل منها.١٣
الملاحظة تعطينا معرفة متعلقة بالوقائع ونحن نلمُّ بالوقائع فقط عن طريق الملاحظة، غير أن إلمامنا هذا لا يقيم صدق أية عبارة، وكما أوضح فصل «المعرفة موضوعية» لا ينبغي أن تشغل الإبستمولوجيا بتساؤلات حول أسس معرفتنا، وبدقة أكثر عن السؤال: أنا الذي أملك الخبرة «س»، كيف يمكن تبرير وصفي إياها؟ وكيف يمكن الدفاع عنها ضد أي شك؟١٤ فهذا تناول سيكولوجي وموقفه ليس بالضعيف بل هو منتشر انتشار المعرفة الذاتية، فحتى وقت قريب كانت هذه النزعة مأخوذًا بها في المنطق فيعتبر علم العمليات العقلية وقوانينها؛ قوانين الفكر، وتبعًا لهذا الاتجاه فإن التبرير الوحيد للمنطق هو أننا لا نستطيع أن نفكر بأية طريقة أخرى، والاستدلال المنطقي ليس له أي تبرير إلا أننا خبرناه كضرورة فكرية، كشعور بأننا مجبرون على التفكير تبعًا لخطوط معينة، هذا١٥ الاتجاه السيكولوجي معروف في المنطق أهم أعلامه ميشيل مونتاني وهيوم وفرديناند شيلر F. Schiller، وهم ينكرون أي استقلال للمنطق عن علم النفس حقًّا،١٦ هذا الاتجاه المنطقي قد أصبح من شئون الماضي، فمن المستحيل الآن أن يحاول أحدٌ تبرير استدلال منطقي بأن يكتب على هامشه: مررت بخبرة شعور حاد باقتناعي بهذا الاستدلال،١٧ لكن الأمر مختلف في فلسفة العلم حيث نجد النزعة السيكولوجية راسخة القدم وقد عبرت جمل البروتوكول عنها بقوة؛ إذ أراد كارناب أن يبني اللغة الفيزيائية أو لغة العلم الموحد عليها، بل ويسود الاعتقاد بصفة عامة بأن عبارات العلم التجريبية مؤسسة على الخبرات التي هي مدركات الحس، أي إن النزعة السيكولوجية ضعيفة في المنطق؛ لأن الجميع على وعي بها فيتجنبونها، لكنها قوية في المعرفة التجريبية، أي العلم؛ لأنها مقنعة بقناع النزعة الفيزيائية.

بالطبع ولا بد وأن يقر بوبر أنها مرفوضة في المجالين على حد سواء، فالإدراك الحسي والاعتقاد والاقتناع، والشعور بأننا مجبرون على التفكير بطريقة معينة … كل هذه اهتمامات السيكولوجي لا الإبستمولوجي، في فصل «المعرفة موضوعية» حارب بوبر أي انشغال ذاتي في ميدان الإبستمولوجي، وفي الباب الثاني عاب على كارناب ونيوراث سيكولوجية عبارات البروتوكول، فلا بد إذن أن يرفض هذه النزعة السيكولوجية، ويؤكد على موضوعية العبارات الأساسية، ولكن كيف أكد بوبر على هذه الموضوعية وفي موقع هو مرتع خصب للنزعة السيكولوجية؟

في «منطق الكشف العلمي» أكد على موضوعيتها بإيضاح أن التساؤل الإبستمولوجي الأساسي هو: كيف يمكن اختبار العبارات العلمية بواسطة نتائجها الاستنباطية؟ أو أي نوع من النتائج ننتقيها لتكون بدورها قابلة للإخبار البين-ذاتي؟ وهذا النوع من التناول الموضوعي اللاسيكولوجي يمكن قبوله دائمًا حينما يكون التعامل مع عبارات منطقية وتحصيلات حاصل،١٨ مما يؤكد: من ناحيةٍ استنباطية منهج العلم، ومن الناحية الأخرى — وهي الأهم الآن — أن تناول العبارات الأساسية في العلم، لا يختلف إطلاقًا عن تناول صياغات منطقية، كلاهما — وكل ما هو إبستمولوجي — موضوعيٌّ صرف.
جاء بوبر بعد عشرين عامًا ليعدل السؤال السالف الذي يحدد الإبستمولوجية التجريبية تحديدًا يؤكد موضوعية العبارات الأساسية، ليكون على الصورة التالية: ما هي أحسن صورة لنقد النظريات أو الفروض، بدلًا من أن ندفع عنها الشك؟١٩
واضح أننا لا نجد فارقًا كبيرًا بين التساؤلين، وأن الثاني يفترض ضمنًا الأول، بيد أنه يتطرَّف عنه في التأكيد على أهمية النقد وأساسه، أي الاختبار، وعلى إدراك أهمية تكذيب النظرية وكل هذه العوامل — النقد، الاختبار، البحث عن التفنيد — هي ما يضمن الموضوعية، وبصفة عامة فإن نظرية بوبر في مسار منطق العلم وإجراءاته المنهجية هي ما يؤكد موضوعية العبارات الأساسية، فالاستدلال العلمي استنباطي، وليس هناك إلا طريق واحد للتأكُّد من صحة سلسلة الاستدلالات المنطقية، هو أن نضعها في الصورة التي يمكن فيها اختبارها بسهولة: نقسمها إلى خطوات صغيرة عديدة، كل منها تسهل مراجعتها وفحصها على كل من درس الأساليب الفنية المنطقية الرياضية، لتحويل الجمل transforming of Sentences وبعد هذا، إذا استمر أحدٌ يثير الشكوك، فسنطلب منه أن يعين الخطأ في خطوات البرهان، أو أن يفكر في المسألة من جديد،٢٠ هذا هو حال المنطق، وهو نفس حال العلوم التجريبية، فهما سيان في الموضوعية، جملةً وتفصيلًا؛ إذ يمكن استحضار العبارات الأساسية بنفس الطريقة التي تمكن كل من درس الأساليب الفنية الملائمة، من اختبارها تمامًا كالنظريات، وإذا رفضها فلن تعنينا مشاعره أو اعتقاداته أو شكوكه، بل يعنينا أن يصوغ تقريرًا يناقض التقرير الذي وضعناه، معززين به العبارة، وأن يعطينا الإرشادات لكيفية اختبار هذا التقرير، وإذا فشل في هذا سنطلب منه أن يدرس العبارة بعناية أكثر، وأن يعيد التفكير ثانية، أما التقرير الذي تحتم صورته المنطقية أنه غير قابل للاختبار، مهما كانت درجة وثوقه السيكولوجية، فلا يمكنه — على أحسن الفروض — أن يلعب في العلم أكثر من دور المنبه الذي يثير مشكلة، أو يلعب دور عنصر الوحي والإلهام لحدس حل للمشكلة، لكن يستحيل أن يلعب أي دورٍ ميثودولوجي أو منطقي أو إبستمولوجي،٢١ فإن قبول العبارات الأساسية قد يكون ذا علاقة سببية بخبراتنا، وخصوصًا خبرة المدركات الحسية، بيد أننا لن نحاول تبريرها بهذه الخبرات.

هذا الفصل الحاسم بين الوجه السيكولوجي وبين الوجه المنطقي الميثودولوجي، هو الذي مكَّن بوبر من التأكيد على موضوعية العبارات الأساسية؛ وبالتالي أنقذ بوبر من مآل الوضعيين وجمل البروتوكول؛ أي من الوقوع في الهاوية السيكولوجية.

نحن الآن بمأمن من الخطرين؛ الدوجماطيقية، والنزعة السيكولوجية.٢٢

(٣) لم يَبْقَ إلا الخطر الثالث، خطر إمكانية ارتداد لا نهاية له، وبوبر سيتفادى هذا الخطر بتأكيد نسبية العبارات الأساسية، أي كون قبولها محض قرار.

فمن المعروف أن أي اختبار للنظرية — سواء انتهى إلى تعزيزها أو إلى تكذيبها — لا بد وأن ينتهي إلى عبارات أساسية نقرر قبولها، وإذا لم نقرر قبول عبارات أساسية معينة، فإن الاختبار لم ينته إلى شيء، وهو فاشل لا بد من إعادته، من الناحية المنطقية لا بد حتمًا من أن نجبر على الوقوف عند عبارات أساسية معينة بدلًا من أخرى، وإلا فإننا نترك الاختبار بأَسْرِه ونلجأ إلى غيره.

أي لا بد من الوقوف عند عبارات أساسية معينة، لكننا في الفقرة السابقة أكدنا موضوعية العبارات الأساسية عن طريق تأكيد أن كل عبارة يمكن أن تصبح بدورها موضوعًا للاختبار، لكن هذه العملية — كما أوضح كارناب في نقده لمنطق بوبر، وكما وافق بوبر على هذا — تؤدي إلى ارتداد لا نهاية له Infinite Regress لكي يوقف بوبر هذا الارتداد، يقول: إن الاختبار عملية منطقية لا بد وأن تقرر التوقف في إحدى مراحلها، هذا التوقف للارتداد محض قرار نتخذه، ونلاحظ أن بوبر في كل مناسبة يكرر التعبير «عبارات نقرر التوقف عندها.» «عبارات نقرر قبولها.» لأن المسألة أولًا وأخيرًا مجرد قرار نتخذه، وشأنه شأن أي قرار يدل على قوة العزيمة ووضوح الرؤية، وإذا أخذنا في الاعتبار أن العبارات الأساسية هي لنقل الوقائع التجريبية إلى عالم المنطق، أمكننا الانتقال من عالم المنطق البحت إلى عالم الميثودولوجي البحت، حيث نجد بفردج يقول: «يكمن القَدْر الأكبر من معرفة الباحث العلمي، وجزء كبير من عبقريته، في قدرته على اختيار ما يستحق الملاحظة وهو اختيار حاسم، كثيرًا ما يتوقف عليه نجاح أو فشل عمله خلال شهور طويلة، وكثيرًا ما يفرق بين المكتشف النابغ … وزميله الذي يتقد ببطء وعناء.»٢٣
قرار التوقف عند عبارات أساسية — أي وقائع — معينة عملٌ هام؛ وهو لذلك لا بد أن يسترشد باعتبارات نظرية مختلفة، هي:
  • (أ)

    ألَّا نقبل عبارة أساسية غير متصلة منطقيًّا بتسلسل الاختبار الاستنباطي.

    إننا نقبل العبارات الأساسية في سياق اختبار النظريات.٢٤
  • (ب)

    التوقف يجب أن يكون عند عبارات أساسية من نوعية اختبارها سهل، والاختبار السهل هنا يعني أن الاختبارات المختلفة تتفق نوعًا ما على قبولها أو رفضها، وإذا لم تتفق، فالاختبار يستمر أو يبدأ من جديد.

وإذا لم ننته بعد كل هذا إلى شيء البتة، ولم نستطع اتخاذ قرار بالوقوف عند عبارات أساسية معينة، فإن ذلك دلالة واضحة على أن العبارات موضع البحث ليست قابلة للاختبار البين-ذاتي، أو أننا لم نكن نتعامل مع أحداث قابلة للملاحظة، فنقرر أن النظرية موضع البحث ليست علمية، أما إذا جاء يوم استحال فيه، على ملاحظي العلم الوصول إلى اتفاق حول عبارات أساسية يتوقفون عندها، فإن هذا سيشير إلى فشل اللغة كوسيلة من وسائل التواصل العالمي، إنه سيشير إلى بلبلة ألسن Babel of Tangues جديدة، يرتد العلم معها إلى خلف محال absurdity، فيتحول صرحه العظيم إلى أطلال.٢٥
بالطبع هذا محض احتمال ضعيف يطرحه الجدل الذي يريد إثبات أن الأمور إذا استحكمت أزمتها، فإن هذا لن يكون بأي حال بسبب عدم إمكانية اتخاذ قرار بالتوقف عند عبارات أساسية معينة، بل الخطأ قد يأتي من اللغة ذاتها كوسيلة، وليس أبدًا من مبدأ اتخاذ القرار الذي يوقف الارتداد، بعد أن أوقفنا الدوجماطيقية والنزعة السيكولوجية.٢٦

(٤) وقد يثار الجدل بأن قبول العبارات الأساسية، طالما له صفة القرار، فلا بد من وجهة ما أن يكون له صفة الدوجما، على قدر ما نتوقف عن تبرير القرار بحجج واختبارات أكثر، بوبر يقول: إنها دوجماطيقية، لكنها ليست كالدوجماطيقية التي كان هو أول من حذر منها، بل هي دوجماطيقية سليمة متبصرة؛ لأننا حين نجد الحاجة لاختبارها أكثر، سوف نختبرها على التو، وهذا بدوره يجعل سلسلة الاستنباط بلا نهاية من حيث المبدأ، لكنه أيضًا ارتداد لا نهاية له سليم غير ضار، طالما أننا لا نطلب من أي من العبارات أن تحاول إثبات النظرية، وطالما أن قبول النظرية مؤقت، ولما كنا قد استطعنا تنحية النزعة السيكولوجية تمامًا، كانت عبارات بوبر الأساسية قادرة على إثبات سلامتها المنطقية في مواجهة أي جدل.

(٣) مناقشة موقف العبارات الأساسية

(١) والآن طالما وصل البرهان المنطقي إلى شكل مُرْضٍ، وأصبح كل شيء قابلًا للمراجعة فإننا نتخذ قرارًا بالتوقف عند عبارات أساسية يسهل اختبارها بين الذوات، وهذا المطلب هو الذي يميز عبارات بوبر الأساسية عن جمل البروتوكول، التي لا يمكن أن تكون قابلة للاختبار.

في منطق العلم من وجهة نظر بوبر، أكدت العبارات الأساسية، التي هي النهايات التجريبية للعلم، أننا لا نحتاج إلى جمل البروتوكول بالمعنى الذي حدده كارناب ونيوراث، أي بوصفها مدركات حسية، إلا إذا دعت الحاجة إلى استقصاء جوانب سيكولوجية، كاختبار أزمنة ردود أفعال الخبراء الذين ينفذون الاختبار كي نحدد موازناتهم الشخصية Personal equations، أي لا نحتاج إليها في دراسة إبستمولوجية العلم، إنما في دراسة سيكولوجية الرجال الذين يقومون ببنائه، أو بإرساء هذا البناء، إن مدركات الخبرة قد تدفع هذا القرار؛ وبالتالي قد تدفع إلى قبول أو رفض العبارة، لكن العبارة الأساسية المقبولة لا يمكن أن تبرر بواسطتها، اللهم أكثر مما تبرر بواسطة خبطة المنضدة.٢٧

نلاحظ أن بوبر الآن يتباهى باستطاعته الفصل والتمييز بين الوجه المنطقي والوجه السيكولوجي، وهذا ما لم يستطعه كارناب ونيوراث، ولا الوضعية المنطقية عمومًا.

(٢) لكن لم يوافق آير على هذا، ويبدو أنه لا يوافق على فلسفة بوبر بأسرها، ورأى أننا تبعًا لهذا لن نجد أي مبرر للحكم بصدق أو بكذب العبارة الأساسية، فبوبر حتى لم يطابق بين الرفض والكذب وبين القبول والصدق، فالقبول والرفض محض قرارات مما ترك الاحتمال قائمًا أمام قبول عبارات أساسية كاذبة، ورفض عبارات أساسية صادقة، ويرى آير — طبعًا — أن التبرير الوحيد للعبارات الأساسية هو الخبرة، لكن بوبر قد قال: إن الخبرة فقط قد تدفع إلى القرار، لكن العبارة الأساسية لا تبرر بها أكثر مما تبرر بخبطة المنضدة، ويقول آير: إننا لو أخذنا هذه النتيجة حرفيًّا، فلن يعود هناك أي سبب معقول يبرر ضرورة أن تشير العبارات الأساسية إلى أحداث قابلة للملاحظة، ولم يعد واضحًا أمامنا أي مغزى نأخذ به حديث بوبر عن الملاحظة كاختبار ويكفي أن تدخل العبارات التجريبية الأخرى في علاقات منطقية معينة مع العبارات الأساسية، ولكن ماذا عسى أن يعني كل هذا، إذا ما كانت العبارات الأساسية نفسها ليست مبررة تجريبيًّا.٢٨

أبسط ما نقوله في الرد على آير هو أن نحيله إلى الشروط التي وضعها بوبر للعبارات الأساسية، وخصوصًا الشرط التجريبي، وإلى أسلوب اتخاذ القرار الذي يكفل موضوعيته ويجعله قابلًا للاختبار بين الذوات.

(٣) لكن من الناحية الأخرى، طالما كانت العبارات الأساسية تقبل بمحض قرار، ثم إنها تحدد مصير النظرية، كانت النظرية هي أخرى تقبل بمحض قرار؛ لذلك نجد مشابهة بين أسلوب بوبر في تحديد مصير النظرية العلمية وبين أسلوب المدرسة الاصطلاحية، فهم أيضًا يرَون أن الأسس التجريبية التي تحدِّد نتائج الاختبار وتحدد مصير النظرية مسألة اتفاق أو اصطلاح بحت واتخاذ قرار، ويرَوْن أيضًا — كما يرى بوبر — أن هذا الاتفاق أو الاصطلاح، متعلقٌ إلى حدٍّ ما باعتبارات الفائدة.

وقد سبق أن رأينا بوبر يرفض المنطق الميثودولوجي لهذه المدرسة؛٢٩ لذلك فهو يوضح فارقًا جوهريًّا، يميزه عنهم في هذا الصدد، هذا الفارق هو أن بوبر لا يجعل القرار يحدد قبول العبارات الكلية، أي النظريات، تلك تحدد قبولها نتائج الأخبار، القرار يحدد فقط قبول العبارات الأساسية التي هي عبارات خصوصية،٣٠ أما الاصطلاحيون فيرون أن الاتفاق أو القرار، يحدد قبول كل من العبارات الخصوصية والعمومية على حد سواء.

لكن هل حقًّا هذا فارق جوهري بينهما كما يدَّعي بوبر؟ لا يبدو الأمر كذلك، فطالما أن قبول العبارات الأساسية هو الذي يحدد مصير العبارات العمومية والأولى يحددها القرار، فلا بد أيضًا أن يحدد الثانية، ولو بصورة غير مباشرة، قد تكون أضعف وأبهت منها عند الاصطلاحيين لكن الخلاف ليس عميقًا.

لكن هناك فعلًا فارقًا حقيقيًّا وعميقًا في الأسس الميثودولوجية التي ينطلق منها كلٌّ من بوبر والاصطلاحيين إلى عملية قبول العبارات؛ فالاصطلاحيون يحكمون مبدأ البساطة في قبول العبارات العلمية، أما بوبر فيحكم مبدأ قسوة الاختبار تبعًا لداروينيته المنهجية، ثم إننا في منطق بوبر نجد الاختبار محكومًا بصفة حاسمة بالتطبيق التجريبي للنظرية، وأن قبول العبارات الأساسية متصل بهذا التطبيق، وحقًّا هناك صلة بين قسوة الاختبار وبين مبدأ البساطة في منطق بوبر، إلا أنه يأخذ البساطة بمفهوم مخالف لمفهوم الاصطلاحيين؛ فالبساطة الأكثر عند بوبر تعني المحتوى التجريبي الأكبر، وبالتالي إمكانية الاختبار الدقيق،٣١ وهذا يكون أبسط لأنه يفضي بنا إلى العبارة الأكثر عمومية، التي تحل محل العديد من العبارات الأقل منها عمومية، وستكون أيضًا أقرب من الصدق وأجرأ، باختصار أكثر قابلية للتكذيب.٣٢
وكل هذا مختلف تمامًا عن مبدأ البساطة عند الاصطلاحيين، والذي يعني القدرة على تبسيط الظواهر الطبيعية التي هي معقدة،٣٣ والتبسيط هنا له مغزى استطيقي، والاصطلاحيون عمومًا يجعلون الصفة الحاسمة في التعامل مع النظريات العلمية للدوافع الاستطيقية، وحقًّا أن الدوافع الاستطيقية كائنة في زاوية أو أخرى من زوايا العلم، والفيثاغورية تُبرز هذا، وكما يؤكد بفردج فإن الاهتمام بأحد فروع العلم قد ينشأ نتيجة الجمال الكامن في المادة، أو الطريقة الفنية المستعملة، وأن علماء التاريخ الطبيعي وعلماء الحيوان كثيرًا ما ينجذبون إلى دراسة مجموعة معينة من الحيوانات بذاتها؛ لأنهم يجدون مظهرها بهيجًا، وأن عالم البكتريا قد يحب استعمال أسلوب معين لأنه يتجاوب وحساسيته الجمالية٣٤ كما يؤكد ج. ن. ريدلي أن هناك جمالًا داخليًّا كامنًا في البنية المعمارية للتفكير العلمي،٣٥،٣٦ لكن الدوافع الاستطيقية بمغزاها المتطرف تبلغ أقصى مداها في فلسفة العلم مع الاصطلاحيين والأداتيين، فقد نص هنري بوانكاريه على أن «العالم لا يدرس الطبيعة لأن هذه الدراسة مفيدة بل لأنه يجد متعة في هذه الدراسة، وهذه المتعة ترجع إلى أن الطبيعة جميلة، وإذا لم تكن جميلة، فإنها لا تستحق أن تُعْرَف، بل وإن الحياة نفسها لا تستحق أن تعاش.»٣٧ وقد أوضح بوانكاريه أنه لا يعني الجمال الذي يثير الحواس، بمعنى جمال الخصائص والمظهر، وليس لأنه يزدريه أو لا يأبه به، كلا، ولكن لأن هذا النوع من الجمال لا شأن للعلم به، إذ يعني بوانكاريه الجمال الداخلي الكامن، الذي يأتي من النظام «الهارموني» المتناسق لأجزائها، والذي لا يستطيع إدراكه إلا نمط خاص من الذكاء البحت،٣٨ ثم إن هذا الجمال الداخلي هو الذي يهب الأجسام هيكلها، وبالتالي جمالها الخارجي الذي يخاطب الحواس ويتملقها، هو الذي يهبها تألق مرآها، وكمال جمالها، وبغيره يصبح هذا الجمال الخارجي مبهمًا غير محدد ومراوغًا دائمًا، وعلى العكس من ذلك الجمال العقلي الداخلي، فهو مكتفٍ بذاته، وإن العالم ليلزم نفسه بالعمل الطويل المضني، ربما من أجل هذا الجمال، أكثر من أن يكون من أجل مستقبل أفضل للإنسانية.٣٩

يبدو بوانكاريه متطرفًا في الاستغراق في نشوته الجمالية بالعلم، مما قد يفصل العلم عن التزامه الحتمي بمشكلات المجتمع، ودوره الأساسي في الحضارة، لكن بوانكاريه على أية حال عالم فذ، وهو الأخبر بالعلم، خصوصًا الرياضي منه، فلا بد وأن يكون الأقْدَر على الاستمتاع به، لا بد أيضًا أن يكون هذا الاستمتاع أمرًا يخصه هو وحده، وليس قاعدة منطقية ميثودولوجية، إنه يكاد يكون حالة نشوة سيكولوجية، وبوبر لا يوافق إطلاقًا على إدخالها في نطاق منطق العلم.

(٤) وفي ختام مناقشة موقف العبارات الأساسية، نوضِّح أن شأنها شأن سائر جزئيات فلسفة بوبر، تتسق مع هذه الفلسفة، بل وتؤكدها، فقد أكدت خرافية الاستقراء، خرافية أسبقية الوقائع الملاحظة على النظرية، إننا لا نبدأ من هذه الوقائع لنصعد إلى النظرية بل على العكس نبدأ من النظرية التي افترضناها ثم — من خلال الاختبار الاستنباطي — نهبط إلى الوقائع التجريبية، إلى العبارات الأساسية التي نتخذ قرارًا بالتوقف عندها؛ لهذا تمسك بوبر بأن منهج العلم هو الاستنباط نقيض الاستقراء.

ثم إن قبولها محض قرار، قد يتراجع العلماء عنه في وقت لاحق، بل لا بد وأن يتراجعوا، فهي إذن ليست صخورًا جبلية، بل هي ركام لا يقوم على أساس، وإننا نتوقف عن السبر في أعماقه إلى حد معين، ليس لأننا وصلنا إلى قرار مكين، ولكن ببساطة لأننا قررنا التوقف وقررنا أن الاختبارات إلى هذا الحد كافية، وأنها كفيلة بالمهمة المنوطة بها، وهذه المهمة إنما هي فقط بالنسبة لوقتنا الراهن ولعلمنا اليوم، لنقيم عليها بناء معرفتنا في هذا الآن، وقد يأتي آخرون بعدنا يجرون اختبارات أعمق، ويقررون التوقف عند عبارات أساسية أخرى؛ ليقيموا عليها بناءً أشمل.

وهذا يثبت من الناحية الأخرى رأي بوبر في أن كل شيء في العلم مؤقت ومحض افتراض واحتمال، وأن لا شيء في العلم ثابت أو مطلق البتة.

الخلاصة أن الحديث عن العبارات الأساسية، قد أثبت الآن كل ما ادعى في البداية أنه سيثبته.

وفضلًا عن كل هذا، فإن إضفاء بوبر السمة الموضوعية على العبارات الأساسية يمثل تأصيلًا لنظريته في موضوعية المعرفة، وهذا بدوره يؤكد أنها إحدى إبداعاته التجديدية التي تمثل إضافة للفلسفة الإبستمولوجية، فقد قدم لينين تفسيرًا مؤداه: «أن المثالية الذاتية هي نقطة الانطلاق للفلسفة التجريبية النقدية، ومقدمتها الأساسية أن العالم هو إحساساتنا.»٤٠ لكن بوبر يقدم فلسفة تجريبية نقدية تتخلص من تلك المثالية الذاتية، وتؤكد اتجاهه الواقعي، بل وأنها موضوعية على الأصالة، لقد أراد بوبر أن يكون فيلسوف المعرفة الموضوعية وقد استطاع.

(٥) والآن اتضح دور العبارات الأساسية، وأمنت موقفها المنطقي من الأخطار الثلاثة: الدوجماطيقية — والنزعة السيكولوجية — والارتداد الذي لا نهاية له، وأكدت موضوعيتها، وناقشنا جوانبها المختلفة، بقي أن نحدد بدقةٍ الشروط التي يجب أن تتوافر فيها.

(٤) شروط العبارات الأساسية

(١) يجب أن يتوافر في العبارات الأساسية نمطان من الشروط:
  • شروط صورية؛ أي منطقية.

  • شروط مادية؛ أي تجريبية.

(٢) بالنسبة للشروط الصورية المنطقية؛ فهي كالآتي:
  • (أ)
    لا يمكن استنباط عبارة أساسية من عبارة كلية بغير شروط مبدئية initial Conditions؛ لأننا لا نستطيع أن نخرج بوقائع قابلة للملاحظة من العبارة الكلية بمفردها، فمثلًا لو وضعنا نظرية نيوتن وقوانينه الثلاثة، هكذا فقط بغير أية شروط مبدئية، فيستحيل استنباط أية عبارة تفيد بالوقائع الملاحظة، أي عبارة أساسية.
    وإن العبارتين الكليتين: «كل البجع أبيض» و«كل البجع أسود» لا يناقضان بعضهما (لأن التناقض يكون بين: «كل البجع أبيض» و«كل البجع ليس أبيض.») غير أنهما معًا لا يتضمنان أكثر من أنه ليس هناك بجع، وهي ليست عبارة ملاحظة فلا يمكن حتى التحقق منها؛ لذلك فالعبارة المفردة Singular Statement التي يمكن استنباطها من عبارة كلية بحتة purely-all، ستكون فقط في الصورة: «إذا وجدت بجعة في المكان «ك»، لَلزم عن ذلك وجود بجعة بيضاء في المكان «ك».» أو «إما أن يوجد في المكان «ك» لا-بجعة، أو توجد بجعة بيضاء.» وهذه هي فقط العبارة المفردة التي يمكن استنباطها من العبارة الكلية فقط، بغير الشروط الأساسية، وهي تحصيلات حاصل، إنها عبارات لحظية Instantial Statements ليست عبارات أساسية، فهي لا تعبر عن وقائع ملاحظة، يمكن أن تمثل الأسس التجريبية للنظرية، فلا يمكنها أن تكون مكذبات محتملة، ولا أن تلعب أي دور آخر من تعزيز أو تكذيب، أي أدوار العبارة الأساسية، أو أي دور آخر في العلم؛ لأنها ليست وجودية محددة.٤١

    ولو قبلنا العبارات اللحظية كعبارات أساسية، فسنحصل لأية نظرية علمية أو لا علمية على عدد فائق من المحققات.

    لكن طالما أن العبارات اللحظية قابلة للاشتقاق من العبارات الكلية، فإن نفيها يجب أن يكون مكذبات محتملة؛ ولهذا فهي قد تكون عبارات أساسية إذا استوفت بقية الشروط، والعكس صحيح، فيجب اعتبار العبارات اللحظية من صورة نفي العبارات الأساسية.٤٢
    وليس قاعدة أن نفي العبارة الأساسية، سيكون بدوره عبارة أساسية، فمثلًا: في موضوع دراستي الآن دانمركي عظيم بالغ الرشد، نفيها يكون «في موضوع دراستي الآن دانمركي ليس عظيمًا ولا بالغ الرشد.» يمكن قبوله كعبارة أساسية، لكن في معظم حالات العبارات الأساسية، لا يمكن نفيها عبارة أساسية، مثلًا: «في موضوع دراستي الآن بعوضة.» مجرد نفيها لا يعطينا صورة إخبارية لواقعة تجريبية، فهو ليس عبارة أساسية، بل عبارة لحظية؛٤٣ لأنه نفي للصورة المنطقية ذاتها.

    ومن المهم ملاحظة أن العبارات الأساسية التي هي قوية قوية بحيث لا يمكن اشتقاقها من القوانين الكلية بمفردها، سيكون لها محتوى معرفي، أكثر من محتوى نفيها الذي قد يكون عبارة لحظية، وهذا يعني أن محتوى العبارات الأساسية يفوق احتماليتها المنطقية؛ لأن احتمالية النفي أعلى من احتمالية الإيجاب لكن محتوى النفي أقل من محتوى الإيجاب، وهذا يتسق مع — أو يؤكد — نظرية بوبر الاحتمالية التي تراها متناسبة عكسيًّا مع المحتوى المعرفي، مما يجعلنا نبحث عن النظرية الأقل احتمالًا، كي نظفر بالمعرفة الأكثر.

  • (ب)
    أما الشرط الصوري المنطقي الثاني، فهو أن العبارة الكلية والعبارة الأساسية يمكن أن يتناقضان بعضهما، وهذا الشرط لا يمكن استيفاؤه، إلا إذا أمكن استنباط نفي العبارة الأساسية من النظرية التي تناقضها، كما أوضح مثال حالة ماري بيلي المطروح في الفصل السابق.٤٤

    من هذين الشرطين معًا، أي من:

    استحالة استنباط عبارة أساسية من العبارة الكلية العمومية بغير شروط مبدئية + العبارة العمومية والعبارة الأساسية يمكن أن تناقضا بعضهما إذا أمكن اشتقاق عبارة أساسية من العبارة الكلية التي تناقضها.

    ينتج الآتي:

    الصورة المنطقية للعبارة الأساسية يجب أن تكون من تلك الصورة التي تعني أن نفيها — أي نفي الصورة المنطقية — لا يمكن أن يكون بدوره صورة عبارة أساسية.

    وإننا نلاقي بالفعل عبارات تختلف صورتها المنطقية عن صورة نفيها، إنها العبارات العمومية والعبارات الوجودية، هما نفي لبعضهما لكن صورتهما المنطقية مختلفة، ويمكن أن نبني العبارة المفردة بطريقة مماثلة، العبارة «يوجد غراب في الحيز المكاني الزماني «ك».» تختلف في صورتها المنطقية، وليس فقط في صورتها اللغوية عن العبارة «لا يوجد غراب في الحيز المكاني الزماني «ك».» لأن العبارات من الصورة «يوجد كذا وكذا في الحيز «ك».» وكذا وكذا من الأحداث تحدث في الحيز «ك» تسمى عبارات وجودية مفردة، أو عبارة يوجد المفردة، أما العبارات التي تنتج عن نفيها فهي «لا يوجد كذا وكذا في الحيز «ك».» أو «لا يحدث كذا وكذا في الحيز «ك».» يمكن أن نسميها عبارات لا وجودية مفردة، أو عبارة لا-يوجد المفردة، على هذا يمكن أن نضع القاعدة التالية بشأن العبارات الأساسية، وهي قاعدة على غرار القواعد المنطقية، جامعة مانعة:

    «يجب أن يكون للعبارة الأساسية صورة العبارة الوجودية المفردة.»

    وهذا ما سبق أن اشترطناه وسلَّمنا به مقدمًا في الفصل السابق، لكن ها هو ذا البرهان المنطقي له، الذي يجعلنا نرفض التسليم بأية عبارة وجودية غير محددة كعبارة علمية.

    والآن، فإن هذه القاعدة تجعل العبارة الأساسية تستوفي الشروط «أ»، طالما أن العبارة الوجودية المفردة لا يمكن أن تُسْتَنْبَط فقط من عبارة كلية عمومية دقيقة Strictly universal أي من عبارة لا وجودية دقيقة؛ فالمنطق يرادف بين كلية العبارة ولا وجوديتها، وتجعلها أيضًا تستوفي الشرط «ب»، طالما أنه يمكن اشتقاق عبارة وجودية بحتة من كل عبارة مفردة، فقط بحذف كل إشارة لأي حيز مكاني زماني، وكما رأينا فالعبارة الوجودية البحتة يمكن فعلًا أن تناقض نظرية، أي تناقض عبارة كلية.٤٥
  • (جـ)

    الربط بين عبارتين أساسيتين لا تناقضان بعضهما، هو بدوره عبارة أساسية؛ ولهذا فإذا كان كل من العبارة ونفيها عبارة أساسية، فإن ربطهما ليس عبارة أساسية لأنهما ليستا متسقتين.

    وأيضًا يمكن أن نحصل على عبارة أساسية بربط عبارة أساسية بأخرى ليست أساسية، مثلًا الربط بين:

    العبارة الأساسية: يوجد مؤشر Pointer في الحيز «ك».

    والعبارة اللاأساسية: لا يوجد مؤشر في حركة في الحيز «ك».

    هو بدوره عبارة أساسية؛ لأنه مكافئ منطقيًّا للعبارة الوجودية المفردة:

    «لا يوجد مؤشر في سكون في الحيز ك.»

    ويلزم عن هذا النتيجة الآتية: «لو كان لدينا النظرية «ن» والشروط المبدئية «ر» حيث نستنبط منها التنبؤ «ب»، فإن العبارة «ر. ب» أي «ر. ولا. ب» ستكون هي مكذب النظرية «ن» وبالتالي عبارة أساسية.»٤٦

    إذن من الناحية المنطقية الميثودولوجية، يمكن جدًّا أن نأخذ في الاعتبار العبارات الأساسية المركبة، أو المؤلفة، ضمن فئة العبارات الأساسية المقبولة، وإن كان يمكن أيضًا أن نقصر فئة العبارات الأساسية المقبولة عن العبارات الذرية — بتعبير رسل — ونفصل عنها كل العبارات المؤلفة أو المركبة، وستكون بالطبع عبارات ذرية نسبية، فطالما أنها عبارات أساسية فقبولها محض قرار أو اتفاق فقط بالنسبة لمتخذي القرار.

    ثم نأتي بعد ذلك، ونبني أو نؤلف من فئة العبارات الأساسية الذرية، فئة أخرى هي فئة العبارات الأساسية المركبة أو المؤلفة، والمقارنة بين هاتين الفئتين أمر ضروري جدًّا في مقارنة تفاوت النظريات في درجة قابليتها للتكذيب كما سيوضح الفصل التالي.

وفي تأليف أو تركيب العبارات الأساسية يجب مراعاة الشروط الآتية:
  • (١)

    نفي أي من العبارات الأساسية التي هي ذرية، لا نقبله كعبارة أساسية؛ لأنه سيعني نفي الصورة المنطقية ذاتها؛ وبالتالي فلن تكون العبارة المنفية في صورة عبارة أساسية.

  • (٢)

    نقبل كل ربط بين عبارتين أساسيتين طالما هما متسقتان، ويبدو الاتساق وكأنه بداهة مطلب ضروري في غير حاجة إلى ذكر، وهو يبسط كثيرًا معادلات مختلفة للنظرية التي تقبل بعد رفض النظرية المكذبة، إلا أنه يمكن الاستغناء عنه على قدر ما لا نستخدم عبارات غير متسقة فقط في فئة المكذبات.

  • (٣)

    لا نقبل نفي أية عبارة أساسية مركبة، إذا كان النفي نفيًا لصورتها المنطقية.

  • (٤)

    ولا نقبل عبارات مؤلفة من ربط عبارات غير أساسية.

والهدف من هذه الاستبعادات هو تأكيد أن فئة كل العبارات الأساسية ليست هي فئة كل العبارات التجريبية، صحيح أن بوبر — بداهة — يقطع بحسم بأن جميع العبارات الأساسية هي قطعًا بمنتهى الوضوح تجريبية، إلا أن العكس ليس صحيحًا، فليست كل العبارات التجريبية ولا حتى كل العبارات القابلة للملاحظة هي عبارات أساسية؛ لأننا يجب أن نستبعد — كما وضح آنفًا — العبارات الشرطية اللزومية مثل «إذا وجدت حشرة في الحجرة لكانت حشرة.» هذه عبارة تجريبية وقابلة للملاحظة لكنها لا تتسم بصورة العبارات الأساسية، فهي لا تصلح اختبارًا للنظريات، إنها من العبارات اللحظية.٤٧
(٣) بقي الشرط المادي، وهو المتعلق بتأكيد تجريبية محتوى الصورة المنطقية التي حددناها في الفقرة السابقة، فتجريبية العبارات الأساسية، تعني أنها تقرر صدقًا أو كذبًا وقائع قابلة للملاحظة، أي حدوثات occurances داخل حيز زماني مكاني، ضيق بما فيه الكفاية،٤٨ هذا الشرط المادي متعلق بالحدث الذي حدث في المكان أو الحيز «ك»، كما أخبرتنا العبارات الأساسية والشرط أن يكون الحدث قابلًا للملاحظة، وهذا يعني أن العبارة الأساسية يجب أن تكون قابلة للاختبار البين-ذاتي بواسطة الملاحظة، ولما كانت العبارة الأساسية مفردة، فإن هذا المطلب يمكن بالطبع أن يشير فقط إلى الملاحظين المحايثين في الزمان والمكان بصورة ملائمة.٤٩
(٤) من هذه الوجهة يمكن تأويل الأحداث الملاحظة بمغزى النزعة السيكولوجية، فيبرز الاتهام بأن بوبر قد سمح لها بالتسلل إلى منطق العلم، بعد أن بذل قصارى جهده لدرئها، غير أن بوبر يرد هذا الاتهام بأنه يستعمل مفهوم «الأحداث الملاحظة» بالمعنى التالي: الأحداث المتضمنة في موضع وتحرك من الأجسام الفيزيائية المرئية macroscopic، أو بدقة أكثر: كل عبارة أساسية، إما أن تكون هي ذاتها عبارة حول مواضع نسبية لأجسام فيزيائية، أو أنها مكافئة لعبارة أساسية من هذا النوع الميكانيكي أو المادي، وأما عن كون هذا الشرط قابلًا للتطبيق فهذا متصل بالواقعة القائلة أن النظرية القابلة للاختبار البين-ذاتي inter-subjectivity هي أيضًا قابلة للاختبار البين-حسي inter-sensality، وهذا يعني أنها قابلة لاختبار متضمن في مدركات حاسة معينة، ويمكن من حيث المبدأ استبداله باختبار متضمن في مدركات حاسة أخرى.
على هذا فالاتهام القائل: إن بوبر بالتجائه إلى القابلية للملاحظة، قد عاد إلى النزعة السيكولوجية، هو اتهام لا تزيد فعاليته عن فعالية آلاتها بأنه قد سمح بالعود إلى النزعة الميكانيكية أو المادية، لكن بوبر يظل محايدًا تمامًا، حاميًا لمصطلحه — القابلية للاختبار — من أية إدانة سيكولوجية.٥٠

إن الشرط المادي يكفل لنا أن العبارات الأساسية عبارات تقرر حدوث حدث معين متفرد في حيز محدد من المكان والزمان، إنها إذن تجريبية على الأصالة.

(٥) لذلك يقول بوبر: إن هذا الشرط يجعلنا نحصر فئة العبارات الأساسية تبعًا لمتطلبات أعتى وأدق تجريبي يمكن أن نواجهه، وهي في الوقت نفسه متطلبات ليست أقل دقة من أدنى حد لما يشترطه المطلب الموضوعي لبوبر،٥١ ولنلاحظ أن بوبر يتحدى بتجريبيته أعتى التجريبيين، إنه تجريبي صميم كل ما في الأمر أن تبصره، خصوصًا إدراكه لخرافية الاستقراء ولدور العقل وإمكانياته، أو بالأصح استعداداته، قد حمى تجريبيته من التطرف الذي يجعلها مهترئة مخلخلة، واقعة في براثن مشكلة الاستقراء.

(٦) لكنا نعود فنقول: إن دور العبارات الأساسية الجوهري في اعتبار النظرية علمية أو لا علمية، ثم في قبول النظرية أو رفضها، أي تعزيزها أو تكذيبها — أي في الحكم أولًا وأخيرًا على النسق المعرفي — هذا الدور فقط هو الذي جعل بوبر تجريبيًّا صميمًا … وقادرًا على أن يكون فيلسوف العلم التجريبي الأول.

١  K. P., L. S. D., p. 43.
٢  Ibid, p. 43.
٣  هذا يتعلق أساسًا بشق الوضعية الذي انغلق داخل الخبرة الحسية، أما الشق الآخر الذي انغلق داخل المتاهات اللغوية، فسنقارن موقفه بموقف بوبر، حين نقارن معاييرهم بمعياره، في الجزء الأخير من الفصل الخامس، الفقرة التاسعة المتعلقة بمقارنة جمل البروتوكول بالعبارات الأساسية.
٤  A. J. Ayer, Truth, Verification and Verisimilitude, in the Philosophy of Karl Popper, Volume, 2., pp. 686-687.
٥  هربرت فيجل، التجريبية المنطقية، في: داجوبرت، د. روتز، فلسفة القرن العشرين، ترجمة عثمان نوية، مراجعة د. زكي نجيب محمود، سلسلة الألف كتاب، رقم ٤٦٤، مؤسسة سجل العرب، القاهرة، سنة ١٩٦١م، ص١٦٩.
٦  K. P., L. S. D., p. 95.
٧  K. P., C. and R., p. 387.
٨  فلاديمير أيلتش، لينين، المادية والمذهب التجريبي النقدي، تعليقات نقدية على فلسفة رجعية، ترجمة د. فؤاد أيوب، سلسلة مصادر الاشتراكية العلمية، العدد رقم ١٢، دار دمشق للطباعة والنشر، دمشق، سنة ١٩٧٥م، الطبعة الثانية، ص٢٣٠.
٩  K. P., L. S. D., p. 59.
١٠  K. P., C. and R., p. 387.
١١  K. P., L. S. D., p. 111.
١٢  Ibid, p. 94.
١٣  Ibid, p. 44.
١٤  Ibid, p. 94.
١٥  Ibid, p. 98.
١٦  بول موي، المنطق وفلسفة العلوم، ترجمة د. فؤاد زكريا، ص٨–١١.
١٧  K. P., L. S. D., p. 98.
١٨  Ibid, p. 98.
١٩  Ibid, p. 98.
٢٠  Ibid, p. 99.
٢١  Ibid, p. 99.
٢٢  Ibid, p. 104.
٢٣  د. أ. ب. بفردج، فن البحث العلمي، ترجمة زكريا فهمي، مراجعة د. أحمد مصطفى أحمد، سلسلة الألف كتاب، العدد (٤٥٤) دار النهضة العربية، القاهرة، سنة ١٩٦٣م، ص١٦٧.
٢٤  K. P., L. S. D., p. 106.
٢٥  Ibid, p. 104.
٢٦  Ibid, p. 105.
٢٧  Ibid, p. 105.
٢٨  A. J: Ayer, Truth, Verification and Verisimilitude, in The Philosophy of Karl Popper, Volume. 2,: pp. 686-687.
٢٩  انظر في هذا الفصل السابق، القسم الرابع، الفقرة ٣.
٣٠  K. P., L. S. D., p 109.
٣١  كارل همبل، فلسفة العلوم الطبيعية، ترجمة د. جلال محمد موسى، ص٦٦.
٣٢  انظر في تفصيل الحديث عن البساطة، ونظرية بوبر فيها، الفصل التالي، القسم الرابع.
٣٣  محمد فرحات عمر، طبيعة القانون العلمي، ص٢١٤-٢١٥.
٣٤  و. أ. بفردج، فن البحث العلمي، ترجمة زكريا فهمي، مراجعة د. أحمد مصطفى أحمد، ص٢٢٥.
٣٥  G. N. Ridley, Man: The Verdict of Science, The Thinker’s Library No. 114, watts and Co., London, 1940. p. 14.
٣٦  هذا الكتاب دراسة قيمة، تبحث في الإمكانية العلمية للأنثربولوجي Anthropology، بمعنى هل يمكن دراسة الإنسان دراسة تحوز السمة العلمية، وذلك على أساس مفهوم عام لمصطلح العلم هو «أنه يعني اتجاهًا مميزًا ومعينًا للعقل تجاه الظواهر الخارجية، هذا بالإضافة إلى نسق المعرفة الذي انبثق عن هذا الاتجاه وترعرع، وإذا اعتبرنا الاتجاه معينًا لأنه يتميز بالبحث عن الاختبارات التي قد تفند الآراء المطروحة وأن التفنيدات تحذف الخطأ فينمو النسق ويترعرع، كان ريدلي على اتفاق مع بوبر، أو على الأقل، ليس ثمة تعارض جوهري بينهما.»
٣٧  Henr Poancare, Science and Method, translated by: Francis Naitland, with a preface By: Bertrand Russell, Thomas Nelson and Sons, London, p. 22.
٣٨  Ibid, p. 22.
٣٩  Ibid, p. 22.
٤٠  فلاديمير أيلتش لينين، المادية والمذهب التجريبي النقدي: تعليقات نقدية على فلسفة رجعية، ترجمة د. فؤاد أيوب، ص٨٦.
٤١  K. P., L. S. D., p. 101.
٤٢  Ibid, p.10.
٤٣  K. P., C. and R., p. 386.
٤٤  K. P., L. S. D., p. 101.
٤٥  Ibid, p. 102.
٤٦  Ibid, p. 102.
٤٧  K. P., C. and R., pp. 386-387.
٤٨  Ibid, p. 386.
٤٩  K. P., L. S. D., p. 103.
٥٠  Ibid, p. 103.
٥١  K. P., C. and R., p. 386.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١