١

اعتقد الجميع أنه مات. حين نُشِر كتابي عن أفلام هيكتور مان في ١٩٨٨م، لم يكن أحدٌ قد سمع عنه شيئًا منذ ستين سنةً تقريبًا. وباستثناء حَفْنةٍ من المؤرخين وعددٍ من هواة الأفلام القديمة، بدا أن عددًا ضئيلًا من الناس عرف بوجوده. عرض فيلم «الضِّعْف أو لا شيء»، الكوميديا الأخيرة من اثنَيْ عشَرَ عملًا كوميديًّا على بكرتَين١ في نهاية عصر السينما الصامتة، في ٢٣ نوفمبر ١٩٢٨م. وبعد شهرَين، دون أن يودِّع أحدًا من أصدقائه أو زملائه، ودون أن يترك رسالةً أو يخبر أحدًا بخطَطه، خرج من بيته المؤجَّر في نورث أورانج درايف ولم يُرَ قَط مرةً أخرى. كانت سيارته الديسوتو٢ الزرقاء في الجراج، وكان عقد إيجار العقار يمتد ثلاثةَ أشهرٍ أخرى؛ كان الإيجار مدفوعًا بالكامل. وكان في المطبخ طعام، وفي خزانة الخمور ويسكي، لم تنقُص قطعةٌ من ملابس هيكتور من أدراج غرفة النوم. طبقًا لما قالتْه صحيفة «لوس أنجلوس هيرالد إكسبرس» في ١٨ يناير ١٩٢٩م، «بدا الأمر وكأنه خرج يتمشَّى قليلًا وسيعود في أية لحظة.» لكنه لم يعُد، ومن تلك اللحظة بدا وكأن هيكتور مان تلاشى من على وجه الأرض.

لسنواتٍ عديدةٍ بعد اختفائه انتشرَت قِصصٌ وإشاعاتٌ متنوِّعة عما حدث له، لكن لم تكن أي منها ذات قيمة. أكثرها معقولية — انتحر أو راح ضحيةَ لُعبةٍ بشعة — لم يكن من الممكن إثباتُها أو نفيُها؛ حيث لم تُكتشَف جثةٌ قَط. وكانت الحكاياتُ الأخرى عن مصير هيكتور خياليةً أكثر، وأكثر تفاؤلًا، وأكثر تماشيًا مع المضامين الرومانسية لمثل هذه الحالة. في إحداها أنه عاد إلى الأرجنتين، موطنه الأصلي، ويمتلك سيركًا محليًّا صغيرًا. وفي أخرى أنه انضَم لحزبٍ شيوعي ويعمل تحت اسمٍ مستعارٍ مسئولًا عن عمال الألبان في مدينة أوتيكا في ولاية نيويورك. وفي أخرى، أنه ركب القطار بوصفه من ضحايا الكساد الاقتصادي. لو كان هيكتور نجمًا أكبر لاستمرَّت، بلا شك، القِصص. كان سيعيش فيما يُقال عنه، ويتحول إلى شخصيةٍ من الشخصيات الرمزية التي تقطن أعماق الذاكرة الجمعية، ممثلًا للشباب والأمل وانحرافات الحظ بشكلٍ شيطاني. لكن لم يحدث شيءٌ من هذا؛ لأن الحقيقة أن هيكتور لم يكن إلا شخصًا يبدأ وضع بصمته في هوليوود حين انتهت مسيرته. جاء بعد فوات الأوان لاستغلال مواهبه بشكلٍ كامل، ولم يمكث طويلًا ليترك انطباعًا دائمًا عن حقيقته أو عما يستطيع القيام به. وبعد مرور بضع سنوات، توقف الناس تدريجيًّا عن التفكير فيه. بحلول عام ١٩٣٢م أو ١٩٣٣م، كان هيكتور ينتمي إلى عالمٍ بائد، وإذا بقيت له آثار، فلم تكن إلا ملاحظةً في كتابٍ غامض لم يكترث أحدٌ بقراءتها. وحينذاك نطقَت الأفلام، ونُسِيَت العروضُ الصامتة المرتعشة التي تنتمي للماضي. لم يعُد هناك بهلوانات، لم يعُد هناك ممثلو بانتوميم، لم تعُد هناك فتياتٌ جميلات يضربن في أُرْكسترا غير مسموعة. ماتوا قبل بضع سنوات، لكنهم بدَوا وكأنهم مما قبل التاريخ، مثل كائناتٍ طافت الأرضَ والإنسانُ لا يزال في الكهوف.

لم أقدِّم في كتابي معلوماتٍ إضافيةً عن حياة هيكتور. كان كتاب «العالم الصامت لهيكتور مان» دراسة عن أفلامه، لا سيرة، وكل الحقائق الصغيرة التي وضعتُها فيه عن أنشطته خارج حقل التمثيل جاءت مباشرةً من مصادرَ موثَّقة؛ موسوعات ومذكِّرات وتواريخ هوليوود. كتبتُ الكتاب لأنني أردتُ أن أساهم بحماسي لأعمال هيكتور. كانت قصة حياته ثانوية بالنسبة لي، وبدل التأمل فيما قد يكون حدث أو لم يحدث له، قمتُ بقراءةٍ دقيقةٍ للأفلام نفسها. بافتراض أنه وُلد في ١٩٠٠م، وبافتراض أنه لم يُرَ منذ ١٩٢٩م، لم يحدُث أن اقترحتُ أن هيكتور مان ما زال على قيد الحياة. الأموات لا يخرجون زاحفين من قبورهم، وبقَدْر معرفتي، لا يمكن إلا للميت فقط أن يختفيَ كل هذا الوقت.

في مارس الماضي مضى على نشر مطبعة جامعة بنسلفانيا للكتاب أحد عشر عامًا. بعد ثلاثة شهور، بالضبط بعد بداية ظهور المراجعات الأولى في فصليَّات الأفلام والمجلات الأكاديمية، وجدتُ رسالةً في صندوق البريد. كان الظرف أكبر ومُربعًا أكثر من الأظرف التي تُباع عادة في المحالِّ، ولأنه مصنوعٌ من ورقٍ سميكٍ غالٍ، كان انطباعي الأول أنه قد يكون بداخله دعوةٌ لفرح أو تذكيرٌ بعيد ميلاد. كان اسمي وعنواني مكتوبَين على واجهة الظرف بخطٍّ رائعٍ متعرج. إذا لم تكن الكتابة بيد خطاطٍ محترف، فهي بلا شك لشخصٍ يؤمن بقيمة الخط الرائع، شخص تعلم في الأكاديميات القديمة، أكاديميات اللياقة والذوق الاجتماعي. كان طابع البريد مختومًا بخاتم مدينة ألبوكيرك، في ولاية نيو مكسيكو، لكن عنوان المُرسِل على ظهر الظرف أظهر أن الرسالة كُتبَت في مكانٍ آخر — بافتراض وجود مثل هذا المكان، وافتراض أن اسم البلدة صحيح. في أعلى الظرف وأسفله سطران فيهما: مزرعة الحجر الأخضر؛ تيرا دل سوينو، نيو مكسيكو. ربما ابتسمْتُ حين رأيتُ تلك الكلمات، لكنني لا أتذكَّر الآن. لم يُذْكَر اسم، وأنا أفتح الظرف لأقرأ الرسالة على الكارت الذي بداخله، شممتُ رائحة عطرٍ خفيف، بقايا عطر اللافندر.

وكان على الكارت: «عزيزي مستر زيمر. قرأ هيكتور كتابك ويودُّ مقابلتك. هل يهمُّك أن تقوم بزيارته؟ مع خالص تحياتي، فريدة سبلينج (مسز هيكتور مان).»

قرأتُ الكارت ست مراتٍ أو سبعًا. ثم تركتُه، وسرْتُ إلى آخر الغرفة وعُدْتُ. حين تناولْتُ الرسالة مرة أخرى، لم أكن متأكدًا من أن الكلمات لا تزال هناك. أو، إن كانت هناك، أفما زالت تحمل الكلمات نفسها. قرأتُها من جديد ست مراتٍ أو سبعًا، وبقيتُ غير متأكد من أي شيء، رفضْتُها واعتبرْتُها دعابة. وبعد لحظة، سيطرَت عليَّ الشكوك، وبعد لحظةٍ أخرى بدأْتُ الشك في تلك الشكوك. الاعتقاد في فكرة يعني الاعتقاد في الفكرة المضادة، وعلى الفور دمَّرَت الفكرةُ الثانيةُ الفكرةَ الأولى ثم انبثقَت فكرةٌ ثالثة لتدمِّر الثانية. وأنا لا أعرف شيئًا آخر يمكن القيام به، أخذتُ سيارتي وانطلقْتُ بها إلى مكتب البريد. كانت كل العناوين في أمريكا مسجَّلة في سجل الرمز البريدي، وإذا لم تكن تيرا دل سوينو مسجَّلة فيه، يمكن أن أرمي الكارت وأنسى كل ما يتعلق به. لكنه كان موجودًا. وجدْتُه في المجلد الأول صفحة ١٩٣٣، في سطر بين تيرا أماريلا وتيراس، بلدة حقيقية بها مكتب بريد ورقم خاص بها من خمسة أرقام. وبالطبع، لم يجعل ذلك الرسالةَ أصلية، لكنه منحَها على الأقل بعضَ المصداقية، وحين عدْتُ إلى البيت، عزمْتُ على الرد عليها. لا يمكن تجاهُل رسالة من هذا النوع. بمجرد أن تقرأَها، إذا لم تجلس وتكتب الرد فسوف تظل تفكِّر فيها إلى آخر العمر.

لم أحتفظ بنسخة من الرد، لكنني أتذكَّر أنني كتبتُه باليد، وحاولتُ أن أختصره قَدْر المستطاع، محدِّدًا ما قلْتُه في بضع جُمل. دون مزيدٍ من التفكير، وجدتُ نفسي أتبنَّى الأسلوب السهل الموجَز للرسالة التي استلمْتُها. شعرْتُ بأنني أقلُّ عُرضة بهذه الطريقة، أقلُّ عُرضة لأن يعتبرني الشخصُ الذي كتب الدعابة — إذا كانت دعابة حقًّا — شخصًا أحمق. باستثناء كلمة أو اثنتَين، كان ردِّي على النحو التالي: «عزيزتي فريدة سبلينج. بالطبع أودُّ مقابلة هيكتور مان. لكن هل يمكن لي أن أتأكد الآن أنه على قيد الحياة؟ بقَدْرِ ما أعرف، لم يُرَ منذ نصف قرن. من فضلك زوديني بالتفاصيل. مع تقديري، ديفيد زيمر.»

•••

أفترضُ أننا نودُّ جميعًا أن نؤمنَ بأشياءَ مستحيلةٍ لنقنع أنفسنا بإمكانية حدوث المعجزات. وإذا وضعنا في الاعتبار أنني مؤلِّفُ الكتاب الوحيد الذي كُتب عن هيكتور مان، فمن المحتمل أن يعتقد شخصٌ ما على الفور أنني كنتُ أقفز لاقتناص فرصة للاعتقاد بأنه لا يزال على قيد الحياة. لكنني لم أكن في حالةٍ مزاجية تسمح لي بالقفز، أو على الأقل لم أعتقد أنني في حالةٍ مزاجية تسمح بذلك. كان كتابي وليدَ أسًى شديدٍ، وكان الكتاب وراء ظهري آنذاك، لكن الأسى لا يزال موجودًا. لم تكن الكتابة عن الكوميديا أكثر من ذريعة، شكلًا غريبًا من الدواء تناولْتُه يوميًّا على مدى عامٍ على أمل أن يخفِّف الألم في أعماقي. وقد خفَّفه إلى حدٍّ ما. لكن فريدة سبلينج (أو بصرف النظر عن حقيقة من قالت إنها فريدة سبلينج) كانت لا تعرف ذلك. لا تعرف أنه في ٧ يناير ١٩٨٥م، بالضبط قبل أسبوع من عيد زواجي العاشر، ماتت زوجتي وولداي في حادث طائرة. ربما عرفَت أن الكتاب مُهدًى إليهم (إلى ذكرى هيلين وتود وماركو)، لكن تلك الأسماء لم تكن لتعني لها شيئًا، وحتى لو خمَّنَت أهميتهم بالنسبة للمؤلف، لم تكن لتعرف أن تلك الأسماء كانت تمثِّل كل شيء في حياته — وحين ماتت هيلين في السادسة والثلاثين وتود في السابعة وماركو في الرابعة، مات معهم الجزء الأكبر منه.

كانوا في طريقهم إلى ميلوكي لزيارة والدَي هيلين. وبقيتُ في فيرمونت٣ لتصحيح الأوراق والانتهاء من المراحل النهائية للفصل الدراسي الذي انتهَى للتو. كان ذلك عملي — أستاذ الأدب المقارن في كلية هامبتون في هامبتون، فيرمونت — وكان عليَّ القيام به. في المعتاد، كنا نذهب معًا في الرابع والعشرين أو الخامس والعشرين، لكن والد هيلين خضع لعمليةٍ جراحيةٍ لإزالة ورم في ساقه، واتفقَت العائلة على أن تذهب مع الولدَيْن بأسرعِ ما يمكن. واستلزم هذا الانتهاء من بعض الأمور، المفاوضات لآخر دقيقة مع مدرسة «تود» لتسمح له بالغياب في آخر أسبوعَين من الصف الثاني. كان المبدأ مرفوضًا لكنه مفهوم، وفي النهاية تمَّت الموافقة. كان هذا من الأشياء التي واصلْتُ التفكير فيها بعد الحادث. لو رفضَتْ طلبنا لاضطُر «تود» للبقاء معي في البيت، ولم يتعرَّض للموت. كان يمكن على الأقل إنقاذ أحدهم بتلك الطريقة. على الأقل واحدٌ منهم لم يكن ليسقط في الفضاء على ارتفاع سبعة أميال، ولم أكن لأبقَى وحيدًا في منزلٍ يُفترَض أن يكون فيه أربعة. كانت هناك أشياءُ أخرى، بالطبع، احتمالاتٌ أخرى أتأمَّلها وأتعذَّب بها، ولم يبدُ قط أن عليَّ أن أواصل طَرْق الطُّرُق المميتة ذاتها. كان كل شيء جزءًا من الهلع، كان كل رابطٍ في سلسلة السبب والنتيجة جزءًا منه — من السرطان في ساق والد زوجتي إلى مناخ ميدويست٤ في ذلك الأسبوع إلى رقم تليفون وكالة السفر التي أصدرَت تذاكر الطيران. والأسوأ، إصراري على أن آخذهم بالسيارة إلى بوسطن ليركبوا طائرة في رحلةٍ مباشرة. لم أودَّ أن يغادروا من بورلينجتون.٥ وكان هذا يعني الذهاب إلى نيويورك على طائرة بها ثمانيةَ عشرَ مقعدًا للقيام بالرحلة إلى ميلوكي، وأخبرْتُ هيلين بأنني لا أحبُّ تلك الطائرات الصغيرة. قلْتُ إنها خطيرةٌ جدًّا، ولا أحتمل فكرة أن أتركَها والولدَيْن يستقلُّون إحداها من دوني. لم يستقلوها — لتهدئة مخاوفي. سافروا على طائرةٍ كبيرة، والمُفزِع أنني انطلقْتُ بسرعة ليلحقوا بها. كان الطريق مزدحمًا في ذلك الصباح، وحين وصلنا في النهاية إلى سبرنجفيلد وصلنا إلى الماس بايك، وكان عليَّ تجاوز السرعة المحدَّدة بالسيارة لأصل إلى لوجان في الوقت المناسب.٦
لا أتذكَّر إلا القليل مما حدث لي في ذلك الصيف. لعدة شهور، عشْتُ في أسًى تحت خدر الخمور ورثاء النفس، لا أخرج من المنزل إلا نادرًا، ولا أُبالِي بالأكل أو الحلاقة أو تغيير الملابس. سافر معظم زملائي حتى منتصف أغسطس، ولم تكن هناك زياراتٌ كثيرة تفرض عليَّ الجلوس في البروتوكولات المؤلمة للحِداد المعتاد. قصدوا خيرًا، بالطبع، وحيثما أُقابلْ أحد الأصدقاء، أدعُه، لكن لم يساعدني عناقهم الحزين والطويل، وصمتُهم المحيِّر. رأيتُ من الأفضل أن أُترَك وشأني، من الأفضل أن أقضيَ الأيام في عتمة رأسي. وحين لا أكون سكرانَ أو ممددًا على أريكة غرفة المعيشة أشاهد التليفزيون، أقضي الوقتَ في الطوافِ حول المنزل. ربما أدخل غرفة الولدَيْن وأجلس على الأرض، ومن حولي أشياؤهما. لم أستطِع التفكيرَ فيهما مباشرةً أو استدعاءهما بوعي، لكن حين كنتُ أجمع ألغازهما وألعب بقطع الليجو الخاصة بهما، مشيِّدًا بناياتٍ باروكيةً شديدة التعقيد، أشعر أنني أضمُّهما مؤقتًا مرة أخرى — مواصلًا حياتهما القصيرة التي مرَّت كالشبح بتكرار الإيماءات التي كانا يأتيان بها حين كان لهما جسدان. كنتُ أقرأ كُتب تود عن حكايات الجنيات وأرتِّب كروت البيسبول الخاصة به.٧ صنَّفْتُ حيواناتِ ماركو المحشوَّة حسب النوع واللون والحجم، مُغيرًا نظام التقسيم كلما دخلْتُ الغرفة. تلاشت الساعاتُ بهذه الطريقة، ذابت الأيام كلها سلوانًا، وحين لا أحتمل أكثر، أعود إلى غرفة المعيشة وأصبُّ لنفسي كأسًا أخرى. كنتُ في تلك الليالي النادرة، حين لا أستطيع البقاء على الأريكة، أنام في سرير «تود». في سريري أحلم باستمرار أن هيلين معي، وكلما مددْتُ ذراعي لأحتضنها أستيقظ على إحباطٍ فجائي عنيف، ويداي ترتجفان ونفَسي مقطوع، شاعرًا بأنني على وشك الغرق. لم أدخل غرفة نومنا بعد حلول الظلام، لكنني كنتُ أقضي وقتًا طويلًا فيها نهارًا، واقفًا في خزانة هيلين ألمسُ ملابسها وأعيدُ ترتيب السُّترات والسويترات وأرفعُ فساتينها من على الشمَّاعات وأفرشُها على الأرضية. ذات مرة لبستُ أحدها، وفي أخرى لبسْتُ ملابسها الداخلية وزينْتُ وجهي بأدوات زينتها. كانت خبرةً مُرْضية بعمق، لكن بعد تجريبٍ إضافي، اكتشفْتُ أن عطرها كان أكثر تأثيرًا من أحمر الشفاه والمسكرة. بدا أنه يُعيدها إليَّ بشكلٍ أكثر حيوية، ويستدعي حضورها فتراتٍ أطول. شاء الحظ أن أزوِّدها بكميةٍ إضافيةٍ من القناة رقم ٥ بمناسبة عيد ميلادها في مارس. بالاكتفاء بجرعتَين يوميًّا، استطعْتُ الاحتفاظ بالقنِّينة حتى نهاية الصيف.

غبْتُ في إجازة طوال الفصل الدراسي، لكن بدلًا من الذهاب بعيدًا أو البحث عن مساعدةٍ نفسية، بقيْتُ في المنزل، وواصلْتُ الغرق. في أواخر سبتمبر أو أوائل أكتوبر، كنْتُ أتجرَّع أكثر من نصفِ قنِّينة من الويسكي كل ليلة. كانت تُبعدني عن المشاعر الحادة، لكنها في الوقت ذاته تسلبني أي إحساسٍ بالمستقبل، وحين لا يكون هناك ما يتطلع إليه المرء، ربما يكون ميتًا أيضًا. أكثر من مرة، ضبطْتُ نفسي وسط أحلامِ يقظةٍ طويلة عن الأقراص المنوِّمة وغاز أول أكسيد الكربون. لم أتمادَ قَط إلى حد التنفيذ، لكن كلما نظرْتُ الآن إلى تلك الأيام، أفهم إلى أي حدٍّ اقتربْتُ منه. كانت الأقراص في خزانة الدواء، تناولْتُ العلبة ثلاث مراتٍ أو أربعًا من الرف؛ وضعْتُ الأقراص في يدي. لو استمر الوضع وقتًا أطول، كنتُ سأفقد القدرة على المقاومة دون أدنى شك.

هكذا بدا وضعي حين دخل هيكتور مان حياتي على غير توقُّع. لم أكن أعرف شيئًا عنه، لم أصادف قط إشارةً إلى اسمه، لكن ذات ليلةٍ قبل بداية الشتاء مباشرة، حين صارت الأشجار جرداء في النهاية والجليد على وشك السقوط تصادف أن شاهدْتُ مشهدًا أضحكني من أحد أفلامه القديمة في التليفزيون. ربما لا يبدو ذلك مهِمًّا، لكنها كانت أول مرة أضحك منذ يونيو، وحين شعرْتُ بذلك التقلص غير المتوقع في صدري وبدأ يقعقع في رئتي، فهمْتُ أن أعماقي لم تُصَب بعدُ، وما زالتْ فيَّ قطعةٌ ترغب في مواصلة الحياة. من البداية للنهاية، لم أستطع الاستمرار أكثر من بضع ثوانٍ. لم يكن الضحك عاليًا أو مستمرًّا، لكنه أصابني بالدهشة، لم أقاومه، وفي أثنائه لم أشعُر بالخجل من نفسي لأني نسيتُ بؤسي في تلك اللحظات القليلة التي ظهر فيها هيكتور مان على الشاشة، واضطُرِرْتُ إلى استنتاجِ أن هناك شيئًا في داخلي لم أتخيله من قبلُ، شيئًا غير الموت الخالص. لا أتحدث عن حدْسٍ مبهم أو حنينٍ عاطفي إلى ما كان. وقعْتُ على اكتشافٍ إمبريقي، يحمل كل خصائص البرهان الرياضي. إذا كانت لديَّ القدرة على الضحك فهذا يعني أنني لسْتُ مُخدَّرًا تمامًا. يعني أنني لم أنعزِلْ تمامًا عن العالم لأفقد الإحساسَ به تمامًا.

لا بد أن الوقت كان قد تجاوز العاشرة بقليل. كنتُ لا أزال قابعًا في بقعتي المعتادة على الأريكة، ممسكًا بكأسٍ من الويسكي في يدٍ والريموت كنترول في الأخرى، أحوِّل القنوات دون وعي. أبقيتُ على البرنامج بضعَ دقائق بعد بدايته، لكن لم يستغرق الأمر طويلًا حتى تبيَّنتُ أنه فيلمٌ تسجيلي عن ممثلي الأفلام الكوميدية الصامتة، ضم كلَّ الأوجه المألوفة — شابلن، كيتون، لويد — وضم أيضًا مجموعةً نادرةً من الأعمال الكوميدية لم أسمع بها من قبلُ، وشخصياتٍ أقلَّ شهرة مثل جون بوني ولاري سيمون ولوبينو لين وريموند جريفيث.٨ تتبعْتُ الأعمال المضحكة بنوعٍ من الانفصال المحسوب، لم أُعِرْها انتباهًا حقيقيًّا، لكنني استغرقْتُ بما يكفي للكف عن التحويل إلى شيءٍ آخر. لم يظهر هيكتور مان إلا في وقتٍ متأخر من البرنامج، وحين ظهر، لم يعرضوا له إلا مشهدًا واحدًا؛ اثنتَين وعشرين دقيقة من «حكاية الراوي»، وتجري أحداثها في بنك، ويظهر فيها هيكتور مان في دور كاتبٍ مساعد يقوم بعملٍ شاق. لا أستطيع أن أقدِّم تفسيرًا لسبب ضحكي، لكنه كان في بدلةٍ استوائيةٍ بيضاء وبشاربٍ أسودَ رفيع، يقف بجوار طاولة ويعُد رزمًا من النقود، ويعمل بكفاءةٍ حماسية، بسرعة البرق وتركيزٍ رهيب، بحيث لم أستطِع أن أحوِّلْ عينيَّ عنه. أعلى السُّلم، كان المرمِّمون يضعون ألواحًا جديدة في أرضية مكتب مدير البنك. عبْر الغرفة، جلسَت سكرتيرةٌ جميلة على مكتبها، تلمع أظافرها خلف آلةٍ كاتبةٍ كبيرة. في البداية، بدا وكأنْ لا شيء يمكن أن يشتِّت انتباه هيكتور عن إتمام مهمته في وقتٍ قياسي. ثم، بتدرجٍ شديد، بدأَت تياراتٌ خفيفة من نُشارة الخشب تسقط على سُترته، وبعد ثوانٍ قصيرة، وقعَت عينه على الفتاة. العنصر الواحد صار ثلاثةً فجأة، ومن تلك اللحظة جرت الأحداث بينها في إيقاعٍ ثلاثي من العمل والخيلاء والشوق؛ الكفاح لمواصلة عد النقود، والجهد لحماية بدلته المفضَّلة، والرغبة المُلحَّة في التطلع إلى عين الفتاة. من وقتٍ لآخر، يرتجف شارب هيكتور ذعرًا، كما لو كان يؤكد الإجراءات بتأوه شاحب أو يهمهم بتعليقٍ جانبي. لم تكن كوميديا رخيصة تتسم بالفوضى بقَدْر ما كانت شخصيةً وسريعة، خليطًا متناغمًا بنعومة، خليطًا من الأشياء والأشخاص والأفكار. كلما أخطأ هيكتور في متابعة العد يبدأ من جديد، مما يجعله يعمل بسرعة مضاعَفة مقارنةً بما سبق. وكلما يحوِّل رأسه باتجاه السقف ليرى من أين يأتيه الغبار، يحوِّله بعد أن يملأ العمال الحفرة بلوحٍ جديد بكسرٍ من الثانية. وكلما ألقَى نظرةً على الفتاة، كانت تتطلع في الاتجاه الخطأ، لكن، خلال ذلك كله، حاول هيكتور أن يحافظ على ملامحه إلى حدٍّ ما، رافضًا أن يسمح لهذه العوامل المحبطة بأن تعوقَه عن غايته أو تُفسدَ رأيه في نفسه. ربما لم تكن هذه أروعَ اللقطات التي رأيتُها في حياتي، في الكوميديا، لكنها جرفَتني وسيطرَت عليَّ تمامًا، ومع الرعشة الثانية أو الثالثة لشارب هيكتور، كنْتُ أضحك، أضحك بصوتٍ مرتفع حقًّا.
تحدث راوٍ عن العمل، لكنني كنتُ مستغرقًا في المشهد بدرجةٍ جعلَتني لا أسمع كل ما يُقال. كان يَرْوي، على ما أظن، شيئًا ما عن خروج هيكتور بشكلٍ غامض من العمل السينمائي وحقيقة أنه اعتُبِر آخر أهم ممثِّلي كوميديا البكرتَين. بحلول عشرينيات القرن العشرين، تحوَّل أنجحُ البهلوانات وأكثرهم إبداعًا إلى الأفلام السينمائية الطويلة، وعانت الأفلامُ الكوميدية الصغيرة من تدهورٍ رهيب. قال الراوي إن هيكتور مان لم يُضِف شيئًا جديدًا لهذا الجنس الفني، لكنه اعترف بأنه ممثلٌ كوميدي موهوب بقدرةٍ استثنائية على التحكُّم في الجسم، جاء متأخرًا جدًّا وربما واصل إنجازَ الأعمال المهمة لو لم تنتهِ مسيرتُه فجأة. في تلك اللحظة انتهَى المشهد، وبدأْتُ أسمع تعليقات الراوي بشكلٍ أكثر دقة. تتابعَت صورُ عددٍ كبير من الممثِّلين الكوميديِّين على الشاشة، وأَسِف الراوي لضياع عددٍ كبير من الأفلام في عصر السينما الصامتة. بمجرد دخول الصوت إلى الأفلام، تُرِكت الأفلام الصامتة لتفسَد في الأقبية، وأتت عليها النيران، واستُبعِدَت باعتبارها أعمالًا تافهة، واختفت مئاتُ الأعمال إلى الأبد. وأضاف الصوت: لكن الأمل لم يمُت تمامًا. ظهرَت الأفلام القديمة أحيانًا، وجرت عدة اكتشافاتٍ مهمة في السنوات الأخيرة. وقال الصوت: بما في ذلك أعمال هيكتور مان. حتى عام ١٩٨١م، لم يكن متوفرًا من أعماله في كل بقاع الأرض سوى ثلاثة أعمال. كانت بقايا الأعمال التسعة الأخرى مدفونةً في مجموعة من المواد الثانوية — تقارير صحفية، مراجعات معاصرة، لقطات إنتاج، ومختصرات — لكن افتُرِض أن الأفلام نفسها فُقدَت. ثم وصلَت في ديسمبر من ذلك العام رزمةٌ مجهولة المصدر إلى مكاتب «سينماتيك فرانسيس» في باريس.٩ من الواضح أنها أُرسِلَت بالبريد من مكانٍ ما وسط لوس أنجلس، كانت تحتوي على نسخةٍ أصلية تقريبًا من «الدُّمى الوثابة»، الفيلم السابع من الأفلام الاثنَي عشر لهيكتور مان. في فتراتٍ غيرِ مُنتظِمة في السنوات الثلاث التالية، أُرسلَت ثماني رزمٍ مماثلة إلى الأرشيفات السينمائية الكبرى حول العالم؛ متحف الفن الحديث في نيويورك، المعهد البريطاني للسينما في لندن، إيستمان هاوس في روتشستر، المعهد الأمريكي للسينما في واشنطون، الأرشيف الباسيفيكي للسينما في بريكلي، ومرةً أخرى إلى السينماتيك في باريس. بحلول عام ١٩٨٤م، تناثر كل إنتاج هيكتور بين هذه الهيئات الست. برزَت كل رزمة من مدينةٍ مختلفة، جاءت من أماكنَ متباعدةٍ عن بعضها مثل كليفلاند وسان ديجو، فيلادلفيا وأوستن، نيو أورلينز وسياتل، ولأنه لم يكن هناك قَط خطابٌ أو رسالةٌ مع الأفلام، كان من المستحيل تحديدُ المانح أو حتى تأسيس فرضية عن حقيقته أو أين يعيش. قال الراوي: إنه لغزٌ آخر أُضيف لحياة هيكتور مان الغامض ولمسيرته العملية، لكن تحقَّقَت خدمةٌ عظيمة، وشعر الوسط السينمائي بالامتنان.

لم أكن توَّاقًا للألغاز أو الأشياء المبهَمة، لكن بمجرد جلوسي ومشاهدة اللقطات الأخيرة من البرنامج، خطَر ببالي أنني ربما أودُّ أن أرى تلك الأفلام. تناثَر اثنا عشر فيلمًا بين ستِّ مدنٍ مختلفة في أوروبا والولايات المتحدة، وحتى يراها المرء جميعًا يحتاج إلى التضحية بجزءٍ كبيرٍ من وقته. ليس أقل من عدة أسابيع، على ما تصوَّرتُ، وربما تطول المدة إلى شهرٍ أو شهرٍ ونصف. عند تلك النقطة، كان آخر ما يمكن أن أتوقَّعه تأليف كتابٍ عن هيكتور مان. كنْتُ فقط أتطلع إلى شيءٍ أقوم به، شيء يشغلُني بطريقةٍ غير مؤذية حتى أكون مستعدًّا للعودة إلى العمل. قضيْتُ ما يقرب من نصفِ عامٍ أتفرَّج على نفسي وأنا أتدهور، وكنتُ أعرف أنني سأموت إذا تركْتُ نفسي في هذا الوضع فترةً أطول. لم أهتم بحقيقة المشروع أو بما آملُ أن أخرجَ به منه. أيُّ اختيارٍ سيكون عشوائيًّا في ذلك الوقت، لكن في تلك الليلة برزَت لي فكرة، وتحت تأثير دقيقتَين من الفيلم وضحكةٍ قصيرة، قرَّرتُ أن أتجوَّل حول العالم وراء أعمالٍ كوميدية صامتة.

لم تكن السينما مجالَ عملي. بدأتُ تدريس الأدب بعد التخرُّج وأنا أُكمل دراستي في منتصف العشرينيات من العمر، ومنذ ذلك الوقت، ارتبط كلُّ عملي بالكتب، اللغة، الكلمة المكتوبة. ترجمْتُ عددًا من الشعراء الأوروبيين (لوركا، إيلوار، ليوباردي، ميشو)، كتبتُ مراجعات للمجلات والصحف، ونشرت كتابين في النقد. الكتاب الأول، «أصوات في نطاق الحرب» وهي دراسة عن السياسة والأدب تناولَت أعمال همسون وسيلين وباوند،١٠ في علاقتها بأنشطتهم المؤيِّدة للفاشية أثناء الحرب العالمية الثانية. والثاني «الطريق إلى إثيوبيا»، وهو كِتَاب عن كُتَّاب قدَّموا أعمالًا وتأملاتٍ في الصمت؛ عن رامبو، وداشيل هَميت، ولورا ريدنج، وسلينجر،١١ وآخرين — شعراء وروائيين يتميزون بألمعيةٍ نادرة، توقَّفوا عن الكتابة لسببٍ ما. حين قُتِلَت هيلين والولدان، كنْتُ أخطِّط لكتابٍ جديد عن ستندال. لم أكن أحمل أي شيء ضد الأفلام، لكنها لم تكن قَط شيئًا بالغ الأهمية بالنسبة لي، ولم أشعُر مرةً في أكثر من خمسة عشر عامًا من التدريس برغبةٍ مُلحَّة في الحديث عنها. كنْتُ أحبُّها كما يُحبُّها كل الناس — تسليةً، صورًا مفعمة بالحياة، لهوًا. بصرف النظر عن مدى جمال الصور أو تأثيرها المنوِّم أحيانًا، لم تشبعني قَط بقَدْر ما كانت تشبعني الكلمات. شعرْتُ بأنها قدَّمَت الكثير جدًّا، ولم تترك ما يكفي لمخيِّلة المشاهد، وكانت المفارقة أن الأفلام كلما جاءت أقربَ إلى محاكاة الواقع فشلَت أكثر في تقديم العالم — الذي بداخلنا بقَدْر ما هو حولنا. وهذا هو السبب الذي جعلَني أفضِّل دائمًا الصور بالأبيض والأسود عن الصور الملوَّنة، والأفلام الصامتة عن الأفلام الناطقة. كانت السينما لغةً بصرية، طريقة لرواية قصصٍ بعرض صور على شاشةٍ ثنائية الأبعاد. خلقَت إضافةُ الصوت واللون الإيهامَ بالبعد الثالث، لكن في الوقت ذاته سلبَت من الصور نقاءها. لم تعُد تقوم بكل التأثير، وبدلًا من تحويل الفيلم إلى وسيطٍ هجين تمامًا، أفضل العوالم الممكنة، أضعَف الصوتُ واللونُ اللغة التي كان من المفترض أن يقوِّياها. في تلك الليلة، وأنا أشاهد هيكتور والكوميديَّين الآخرَين يتسلَّلون بخطاهم في غرفة معيشتي في فيرمونت، أدهشَني أنني كنتُ أشاهد فنًّا ميتًا، جنسًا فنيًّا ميتًا تمامًا لن يُمارَسَ مرةً أخرى أبدًا. ورغم كل التغيُّرات التي حدثَت منذ ذلك الوقت، كانت أعمالهم غضةً وحيةً كما كانت عند عرضها أول مرة، وذلك لأنهم استوعبوا اللغة التي يتحدثون بها. ابتكروا تركيبَ جملة العَيْن، نحو الحركة النقية، وباستثناء الملابس والسيارات والأثاث الغريب في الخلفية، ربما لا يمكن أن يصيب القِدَم أيًّا منها. كانت تفكيرًا مترجمًا لفعل، إرادة إنسانية تعبِّر عن نفسها من خلال جسد الإنسان؛ ولذا كانت صالحة لكل الأزمنة. لم تهتَم معظم الكوميديات الصامتة برواية القصص. كانت مثلَ القصائد، مثلَ أداء الأحلام، مثلَ بعض الرقصات المعقَّدة للروح، ولأنها ماتت، ربما كانت تتحدَّث إلينا بأعمقَ مما تحدثَت للجمهور في زمنها. شاهدناها عبْر الهوَّة العظيمة للنسيان، وكانت الأشياء نفسها التي فصلَتْها عنا في الحقيقة هي ما جعلها لافتةً جدًّا؛ صمتها، غياب الألوان، إيقاعاتها المتقطِّعة السريعة. كانت عوائق، جعلَت المشاهدةَ صعبةً بالنسبة لنا، لكنها أيضًا خلَّصَت الصور من عبء التمثيل. وقفَتْ بيننا وبين الفيلم؛ ولذا لم يعُد علينا أن نتظاهر بأننا نتطلع إلى العالم الحقيقي. كانت هذه الشاشةُ المسطحةُ العالمَ، في بُعدَين. والبُعد الثالث في رأسنا.
لم يكن هناك ما يمنعُني من حزم حقائبي والرحيل في اليوم التالي. كنتُ في إجازة لفصلٍ دراسي، ولم يكن الفصل التالي ليبدأ قبل منتصف يناير. كنتُ حرًّا في أن أفعلَ ما أشاء، حرًّا في أن أذهبَ حيث تأخذني قدماي، وكانت حقيقة أنني لو احتجتُ وقتًا أكثر يمكن أن أواصل حتى ينتهي يناير، يمُر سبتمبر، تمُر كل شهور سبتمبر وكل شهور يناير بقَدْر ما أودُّ. كانت هذه مفارقات حياتي العبثية البائسة. في لحظة قتل هيلين والولدَيْن، تحوَّلتُ إلى رجلٍ غني. جاء الجزء الأول من بوليصة التأمين على الحياة التي دُعيتُ لشرائها أنا وهيلين بعد فترةٍ قصيرة من بداية عملي في هامبتون — لسلام العقل، كما قال الرجل — ولأنها كانت مرتبطةً بالخطَّة الصحية للكُلية ولا تكلِّف الكثير، كنا ندفع مبلغًا ضئيلًا كل شهر دون الانشغال بالتفكير فيه. لم أتذكَّر حتى أننا نملكُ هذا التأمين حين سقطَت الطائرة، لكن بعد أقلَّ من شهر، ظهر رجلٌ في منزلي وقدَّم لي شيكًا بعدة مئات من ألوف الدولارات. وبعد ذلك بوقتٍ قصير، أجرت شركة الطيران تسويةً مع أسر الضحايا، وباعتباري فقدتُ ثلاثة أشخاص في هذا الحادث فقد فزتُ بالجائزة الكبرى للتعويض، الغنيمة الهائلة لموتٍ عشوائي وأفعالٍ إلهية غير متوقَّعة. كافحنا أنا وهيلين دائمًا لتعيش براتبي الأكاديمي وما تكسبه من حينٍ لآخر من الكتابة الحرة. في أية لحظة كان يمكن لألف دولار إضافية أن تجعل الأمور تختلف اختلافًا هائلًا بالنسبة لنا. وحينذاك كنتُ أمتلك ألوفًا كثيرة ولم تكن تعني لي شيئًا. حين وصلَتني الشيكات أرسلتُ نصف المبلغ إلى والدَي هيلين، لكنهما أعاداه لي بالبريد بسرعة، شاكرَين هذه اللفتة ومؤكدَين أنهما ليسا في حاجة إليه. اشتريتُ أدواتٍ جديدة لفناء المدرسة الابتدائية التي كان تود يذهب إليها، وقدَّمتُ كتبًا بقيمة ألفَي دولار وأحدث صندوق رمل لحضانة ماركو، وأقنعتُ أختي وزوجها مدرس الموسيقا في بلتيمور بقبول مساهمةٍ ماليةٍ كبيرة من صندوق زيمر للموت. ولو كان هناك أشخاصٌ آخرون في عائلتي لأقدِّم لهم نقودًا لقدَّمتُ لهم، لكن والديَّ فارقا الحياة، وكانت ديبوره قريبتي الوحيدة. وبدلا من ذلك، أنفقتُ مبلغًا آخر بتأسيس زمالة في كلية هامبتون باسم هيلين؛ زمالة هيلين ماركام للرحلات. كانت الفكرة بالغة البساطة. كل سنة، تمنح مكافأة مالية للتفوق في العلوم الإنسانية لأحد الخرِّيجين. وينبغي صرف النقود على رحلة، وباستثناء ذلك لا تُوجد قواعد أو شروط أو متطلبات. وينبغي أن تختار الفائزَ لجنةٌ دورية من أساتذة من عدة أقسامٍ مختلفة (التاريخ والفلسفة واللغة الإنجليزية واللغات الأجنبية)، وما دامت المنحة تُستخدم لتمويل رحلة إلى خارج البلاد، فمن حق زميل ماركام أن يفعل ما يراه مناسبًا، لا شيء يُطلب منه. وتطلَّب الأمر مبلغًا كبيرًا للقيام بذلك، لكن هذا المبلغ (يساوي راتب أربع سنوات) لم يكن يمثِّل إلا جزءًا صغيرًا من ثروتي، وحتى بعد أن وزعتُ تلك المبالغ المختلفة بمختلف الطرق لم يختلف الأمر بالنسبة لي؛ لا يزال معي نقودٌ أكثر مما أعرف ماذا أفعل بها. كان وضعًا غريبًا، زيادة بغيضة في الثروة، كل بنسٍ منها جاء بالدم. لولا التغير المفاجئ في الخطط ربما واصلتُ إنفاق النقود حتى لا يتبقَّى منها شيء. لكن في ليلةٍ باردة في بداية نوفمبر، خطر لي أن أقوم برحلة، وبدون موارد للقيام بها ما كان لي أن أقوم بها بمثل هذا المخطَّط الاندفاعي. حتى تلك اللحظة لم تكن النقود بالنسبة لي إلا عذابًا. والآن أراها شافية، بلسمًا درأ انهيارًا نهائيًّا للروح. كان العيش في الفنادق والأكل في المطاعم مكلفًا، لكنني فجأة لم أعُد أقلق بشأن قدرتي على دفع مقابل ما أريد. بقَدْر ما كنتُ بائسًا وتعيسًا كنتُ أيضًا رجلًا حرًّا، ولأن جيوبي بها ذهبٌ كان يمكن لي أن أحدِّد شروط تلك الحرية من جانبي.

•••

كان نصفُ الأفلام على مسافةٍ قصيرةٍ بالسيارة من منزلي. روتشستر على بعد ستِّ ساعات تقريبًا إلى الغرب، ونيويورك وواشنطون إلى الجنوب مباشرة — خمسُ ساعاتٍ تقريبًا لقطع الجزء الأول من الرحلة، وخمسٌ أخرى لقطع الجزء الثاني. قرَّرْتُ البدء بروتشستر. كان الشتاء يقترب، وكلما تأخرتُ عن الذهاب إلى هناك تعاظمَت احتمالاتُ السير في العواصف وعلى الطرق الجليدية، والتعثر في بعض الأحوال الجوية الشمالية. في صباح اليوم التالي اتصلتُ بإيستمان هاوس لأستفسر عن رؤية الأفلام في مجموعتهم. لم تكن لديَّ فكرة عن مثل هذه الأمور، ولأنني كنتُ لا أريد أن أبدوَ جاهلًا جدًّا حين قدَّمتُ نفسي عبْر التليفون، أضفْتُ أنني أستاذ في كلية هامبتون. كنت آمل أن يؤثِّر عليهم ذلك بما يكفي لأن يعتبروني شخصًا جادًّا — لا مجرد شخصٍ نزِق يحدِّثهم فجأة، وكنتُ ذلك النزِق. قالت المرأة على الناحية الأخرى من الخط: أوه، هل تكتب شيئًا عن هيكتور مان؟ بدا السؤال وكأن له إجابةً واحدةً محتملة، وبعد توقُّفٍ قصير، تلفَّظْتُ بالكلمات التي كانت تتوقع أن تسمعها. قلتُ: نعم، الأمر كذلك، كذلك بالضبط. أكتبُ كتابًا عنه، وأريد أن أشاهدَ الأفلام من أجل البحث.

هكذا بدأ المشروع. كان أمرًا طيبًا أن يبدأ مبكرًا على هذا النحو؛ لأنه بمجرد أن بدأْتُ رؤية الأفلام في روتشستر (نادى الفروسية والبوليس السري)، فهمْتُ أنني لم أكن أضيِّع وقتي. كان هيكتور موهوبًا ومكتملًا كما تمنَّيْتُ بالضبط، وإذا كانت الأفلام العشرة الأخرى ترقَى إلى مستوى هذَين الفيلمَين، فهو إذن جدير بكتابٍ يُكتب عنه، جدير بفرصة إعادة اكتشافه. وهكذا من البداية لم أشاهد أفلام هيكتور فقط، درَسْتُها. لولا المحادثة مع تلك المرأة في روتشستر ما أقدمتُ على هذا قط. كانت خطَّتي الأصلية أبسط بكثير، وكنتُ أشك أن تشغلَني إلى ما بعد الكريسماس بكثير أو بداية العام. والحقيقة أنني لم أنتهِ من مشاهدة أفلام هيكتور حتى منتصف فبراير. كانت الفكرة القديمة أن أشاهد كل فيلم مرة، لكنني رأيتُها عدة مرات، وبدلًا من أن أزُورَ أرشيفًا لبضع ساعات أمكُث فيه أيامًا، أشغِّل الأفلام على مساحاتٍ مستوية وموفيولا،١٢ أُشاهد هيكتور صباحاتٍ وأمسياتٍ كاملةً ممتدة، ألفُّ النسخ وأُعيد لفَّها حتى لا تستطيع عيناي أن تظلا مفتوحتَين. سجَّلْتُ ملاحظات، راجعْتُ كتبًا، ودوَّنتُ تعليقاتٍ وافية، مفصِّلًا اللقطات وزوايا الكاميرا وأوضاع الإضاءة، محلِّلًا أبعاد كل مشهدٍ حتى أبسط عناصره، ولم أترك قَط موضعًا قبل أن أكون مستعدًّا، قبل أن أكون قد عشتُ مع اللقطة فترةً كافية لأعرفَ كلَّ ما فيها عن ظهر قلب.
لم أتساءل إن كان أي شيء من هذا جديرًا بالعمل. كانت لي مهمَّتي، وكان الشيء الوحيد المهم بالنسبة لي أن ألتزمَ بها وأتأكدَ من إنجازها. كنتُ أعرف أن هيكتور ليس إلا شخصيةً ثانوية، ملحقًا لقائمة من المتنافسين الخاسرين السيئي الحظ، لكن ذلك لم يوقفني عن الإعجاب بأعماله والاستمتاع بصحبته. أفلامه أُنجِزَتْ بمعدل فيلم في الشهر لمدة سنة، بميزانياتٍ صغيرة جدًّا، أقل بكثيرٍ من المبالغ المطلوبة لإعداد الأعمال المثيرة والسلاسل المبهرة المرتبطة عادةً بالكوميديا الصامتة، وكان من المدهش أن تنجح في إنتاج أي شيء على الإطلاق، ناهيك عن اثنَي عشر فيلمًا جديرة بالمشاهدة. طبقًا لما قرأْتُ، بدأ هيكتور مسيرته في هوليوود أمينَ مخزن ورسامًا للمشاهد، وأحيانًا مستخدمًا إضافيًّا، وقد تدرَّج إلى أدوارٍ صغيرة في عددٍ من الأفلام الكوميدية، ومنحَه رجلٌ اسمه سيمور هانت الفرصة لإخراج أفلامه الخاصة والقيام بدور النجم فيها. وذهب هانت، وكان مصرفيًّا من سينسيناتي١٣ يريد اقتحام صناعة السينما، إلى كاليفورنيا في أوائل ١٩٢٧م ليؤسِّس شركة إنتاج، «كاليدوسكوب بكتشرز». بكل المقاييس لم يكن هانت، وكان شخصًا ثرثارًا ومنافقًا، يعرفُ شيئًا عن صناعة السينما وكانت حتى معرفته بإدارة الأعمال أقل. (أغلقَت كاليدوسكوب أبوابها بعد عامٍ ونصفٍ بالضبط. متهَمًا بالتلاعب في الأسهم والاختلاس، شنق هانت نفسه حتى قبل أن تصل قضيتُه إلى المحكمة.) عانَى هيكتور من عجز التمويل، ونقص العمالة، وابتُلِيَ بالتدخل المستمر لهانت، لكنه تمسَّك بفرصته وحاول استغلالها إلى أقصى حد. لم تكن هناك مخطوطاتٌ بالطبع، أو إعدادٌ معدٌّ سلفًا. فقط هيكتور وممثلان كوميديان يُسمَّيان أندرو ميرفي وجول بلوشتين يرتجلون جنبًا إلى جنب، ويأخذون لقطاتٍ غالبًا في الليل على أجهزةٍ مستعارة بأطقمٍ منهكة ومعدَّاتٍ مستخدمة. لم يستطيعوا دفع مقابل تحطيم دستة من العربات أو زيادة الماشية المتدافعة. لم يكن من الممكن انهيار المنازل أو تفجير البنايات. لا فيضانات، لا أعاصير، ولا مواقع خارجية. كانت الإضافات أغلى من المعتاد، وإذا كانت الفكرة غير مناسبة، لم يتمتعوا برفاهية إعادة تصويرها بعد انتهاء الفيلم. كان ينبغي إنتاج كل شيء في موعده، ولم يكن هناك وقتٌ للتنقيح. نكت حسب الطلب: ثلاث ضحكات في الدقيقة، وبعد ذلك تضع قطعة عملةٍ أخرى في العدَّاد. ورغم كل عيوب الترتيب، بدا أن هيكتور ازدهر على القيود التي فرضَت عليه. كان مستوى أعماله متواضعًا، لكن كانت فيها حميمية تشُد انتباهك وتُرغمك على الاستجابة له. فهمْتُ لماذا قدَّر دارسو السينما أعماله — ولماذا لم يتحمَّس لها أحدهم بشكلٍ رهيب. لم يشقَّ أرضًا جديدة، وقد توفَّرت كل أفلامه مرةً أخرى، كان من الواضح أن تاريخ الفترة ما كان ليُكتبَ من جديد. كانت أفلام هيكتور مساهمةً ضئيلةً في الفن، لكنها لم تكن جديرةً بالإهمال، وكلما شاهدتُها أكثر أحببتُها أكثر لطرافتها وخفَّتها، نتيجة الأسلوب المضحك والمؤثِّر لنجمها. كما اكتشفْتُ بسرعة، لم يكن أحدٌ قد شاهد كل أفلام هيكتور. ظهرَت الأفلام الأخيرة حديثًا جدًّا، ولم يُبالِ أحدٌ بالسفر بين دائرةٍ كاملةٍ من الأرشيفات والمتاحف حول العالم. إذا حدث ونفذت خطتي فسوف أكون أول شخص.

قبل مغادرة روتشستر، اتصلْتُ بسميتس، عميد الكلية في هامبتون، وأخبرتُه بأنني أودُّ أن أمدَّ إجازتي لفصلٍ دراسي آخر. أُخِذ قليلًا في البداية، زاعمًا أن دروسي قد تم الإعلان عنها في الكتالوج، لكنني كذبْتُ عليه وقلتُ إنني أخضع للعلاج النفسي فاعتذر. أفترضُ أنها كانت حيلةً بغيضة، لكنني كنتُ أقاتل من أجل حياتي في تلك اللحظة، ولم أكن أستطيع تفسير سبب مشاهدة أفلامٍ صامتة وأنها أصبحَت فجأة مهمةً جدًّا بالنسبة لي. أنهينا محادثةً ودية، وفي النهاية تمنَّى لي حظًّا طيبًا، لكن حتى رغم أننا تظاهرنا نحن الاثنَين بأنني سأعود في الخريف، أظن أنه شعَر بأنني أتهرَّب ولم أعُد شَغوفًا بالأمر.

شاهدْتُ «الفضيحة» و«عطلة نهاية الأسبوع في الريف» في نيويورك، ثم انتقلتُ إلى واشنطون لأشاهد «حكاية الراوي»، و«الضِّعْف أو لا شيء». حجزْتُ تذاكر لبقية الرحلة مع وكالةٍ سياحيةٍ في دوبونت سيركل (أمتراك إلى كاليفورنيا، وكيو أي تو إلى أوروبا)،١٤ لكنني صباح اليوم التالي، في نوبةٍ فجائيةٍ من البطولة العمياء، ألغيْتُ التذاكر ونويتُ الذهاب بالطائرة. كانت محضَ حماقة، لكنني وأنا أبدأ بهذه البداية الواعدة، لم أكن أريدُ أن أفقدَ زخمي. غيرَ مُبالٍ قط بأن عليَّ أن أقتنع بعمل الشيء الوحيد الذي عزمْتُ على ألا أفعلَه مرةً أخرى، لم أكن أستطيع التواني، وإذا كان ذلك يعني اكتشاف حل دوائي للمشكلة؛ فقد كنتُ مستعدًّا لتناول أية كميةٍ ضرورية من الأقراص. أعطَتْني امرأة من معهد السينما الأمريكية اسم طبيب. تصوَّرتُ أن اللقاء لن يستغرق أكثر من خمس دقائق أو عشر. سأخبره بسبب حاجتي للأقراص وسيكتبها في روشتة، وهذا ما ينبغي. كان الخوف من الطيران شكوى شائعة، رغم كل شيء، ولم تكُن هناك حاجة للحديث عن هيلين والولدَيْن، لا حاجة إلى أن أُعرِّيَ روحي له. كل ما كنتُ أريده غلق جهازي العصبي المركزي لبضع ساعات، ولأنه لا يمكن شراء هذه الأقراص دون روشتة، فإن وظيفته الوحيدة أن يعطيني قطعةً من الورق عليها توقيعه. لكن تبيَّن أن دكتور سينج رجلٌ دقيق، وهو يقيس ضغط الدم ويسمع نبضات القلب طرح عليَّ أسئلةً كافيةً لأبقَى في مكتبه ثلاثة أرباع الساعة. كان ذكيًّا جدًّا بحيث لا يحتاج إلى تنقيب، وتدريجيًّا تكشَّفَت الحقيقة.

قال: سنموتُ جميعًا يا مستر زيمر. لماذا تعتقد أنك ستموت في طائرة؟ إذا كنتَ تؤمنُ بما تقوله لنا الإحصائيات؛ فإن فرصة أن تموت وأنت تجلس في بيتك أكبر.

أجبْتُ: لم أقل إنني أخشى الموت، قلتُ إنني أخشى ركوب الطائرة. هناك فرق.

لكن إذا لم تكن الطائرة ستسقط، فلماذا تقلق؟

– لأنني لم أعُد أثق في نفسي. أخشى أن أفقدَ السيطرة على نفسي، ولا أريد أن أجعل من نفسي فرجة.

لسْتُ متأكدًا من أنني أفهمك.

– أتخيل نفسي أستقل الطائرة وأنفجر حتى قبل أن أصل إلى مقعدي.

– تنفجر؟ تنفجر بأيِّ معنًى؟ تقصد تنفجر نفسيًّا؟

– نعم، أنهار أمام أربعمائة شخصٍ غريب وأفقد عقلي. أُصاب بحالة هياج.

– وماذا تتخيَّل أن تفعل؟

– على حسب. أحيانًا أصرخ. أحيانًا ألطم الناسَ على وجوههم. أحيانًا أندفع إلى الكابينة لأخنق الطيار.

– هل يوقفك أحد؟

– بالطبع يُوقفونني. يحتشدون حولي ويُسقِطونني على الأرض. يضربونَني ضربًا مُبرِّحًا.

– مستر زيمر متى تشاجرتَ آخر مرة؟

– لا أتذكَّر. حين كنتُ صبيًّا على ما أفترض. في الحادية عشرة أو الثانية عشرة. بأدوات فناء المدرسة. أحمي نفسي من فتوَّة الفصل.

– وما الذي يجعلك تعتقد أنك ستبدأ الشجار الآن؟

– لا شيء. مجرد حدْس، هذا كل ما في الأمر. إذا احتكَّ بي شيءٌ ما بطريقةٍ خاطئة، أظن أنني لن أستطيع التوقف. أي شيءٍ قابل للحدوث.

– لكن لماذا في الطائرات؟ لماذا لا تخشى أن تفقدَ السيطرة على نفسك على الأرض؟

– لأن الطائرات آمنة. يعرف الجميع ذلك. الطائرات آمنة وسريعة وتعمل بكفاءة، وبمجرد أن تكون في الجو، لا شيء يمكن أن يحدث لك. هذا ما يُخيفني. ليس لأنني أعتقد أنني سأُقتَل — لكن لأنني أعرف أنني لن أُقتَل.

– مستر زيمر، هل سبق لك أن حاولْتَ الانتحار؟

– لا.

– هل سبق أن فكَّرْتَ فيه؟

– بالطبع فكرْتُ. لا أكون إنسانًا إن لم أفكِّر فيه.

– هل هذا سبب وجودك هنا الآن؟ بحيث يمكن أن تخرج بروشتة لعقارٍ لذيذٍ قوي وتتخلص من نفسك؟

– دكتور أنا أتطلع إلى السلوى لا الموت. ستساعدني العقاقير على النوم، وإذا كنتُ فاقدَ الوعي فلن أفكِّر فيما أفعل. سأكون هناك، لكنني لن أكون هناك، وبالدرجة التي لا أكون بها هناك سأحمي نفسي.

– تحميها مماذا؟

– من نفسي. من هلعِ معرفة أنْ لا شيء سيحدث لي.

– تتوقع أن تكون الرحلة مريحة وهادئة. ما زلْتُ لا أفهم لماذا يخيفك ذلك.

– لأن الفرص لصالحي. سأقلع وأهبط بأمان، وبمجرد الوصول إلى حيث أنا ذاهب، سأهبط من الطائرة حيًّا. تقول إن هذا أمرٌ طيب بالنسبة لي، لكن بمجرد أن أفعل ذلك، أبصق على كل ما أومن به. دكتور أنا أُهين الموتى. أحول مأساة إلى مسألةٍ بسيطة تتعلَّق بسوء الحظ. هل تفهمني الآن؟ أحكي عن الموتى الذين ماتوا عبثًا.

فهم. لم أتحدث بكلماتٍ كثيرة، لكن هذا الدكتور كان يتمتع بعقلٍ مرهفٍ ومتمرِّس، وكان قادرًا على استنتاج ما تبقَّى بنفسه. تخرَّج ج. م. سينج في الكلية الملكية للأطباء، وكان نائبًا للأمراض الباطنية في مستشفَى جامعة جورج تاون، يتحدث بلهجةٍ بريطانيةٍ دقيقة، وكان شَعره ناحلًا قبل الأوان، وقد التقط فجأةً ما كنتُ أحاول أن أرويَه له في ذلك المكتب الصغير بمصابيحه الفلورسنت وأسطُحه المعدنية البرَّاقة. كنتُ لا أزال على طاولة الفحص، أزرِّر قميصي وأتطلع إلى الأرضية (غير راغب في التطلع إليه، غير راغب في المخاطرة بارتباكٍ وسط الدموع)، وحينذاك فقط، بعد ما بدا وكأنه صمتٌ طويلٌ بشع، وضع يده على كتفي، وقال: آسف، آسفٌ حقًّا.

كانت أول مرة يلمسني فيها أحد منذ شهور، ووجدت أن من المزعج والمقيت تقريبًا أن أتحول إلى موضوع لمثل هذه الشفقة. قلتُ: دكتور، لا أريد تعاطفك. أريدُ حبوبك فقط.

تراجع بتكشيرةٍ بسيطة، ثم جلس على مقعده في الركن. وأنا أنتهي من وضع قميصي في البنطلون، رأيتُه يُخرج دفتر روشتاتٍ من جيب معطفه الأبيض. قال: أنا مستعدٌّ للقيام بذلك، لكن قبل أن تغادر، أودُّ أن أطلب منك أن تُراجع قرارك. أظن أن لديَّ فكرة عما مررتَ به مستر زيمر، وأتردَّد في أن أضعك في وضعٍ يمكن أن يسبِّب لك هذا العذاب. تعرِف، هناك طرقٌ أخرى للسفر. ربما يكون من الأفضل أن تتجنَّب الطائرات الآن.

قلتُ: كنتُ سأفعل ذلك لكنني قرَّرْتُ عكس ذلك. المسافات كبيرة جدًّا. محطتي القادمة مدينة بيركلي في ولاية كاليفورنيا، وبعد ذلك ينبغي أن أذهب إلى لندن وباريس. يستغرق القطار إلى الساحل الغربي ثلاثة أيام. اضرِبْ ذلك في اثنَين برحلة العودة، ثم أضِف عشرة أيام أخرى لعبور الأطلنطي والعودة، نتحدث عن ستة عشر يومًا ضائعًا على الأقل. ماذا يُفترَض أن أفعل بكل هذا الوقت. أحدِّق من النافذة وأستمتع بالمشهد؟

– ربما لا يكون البطء شيئًا سيئًا. ربما يساعد في التخلُّص من بعض الضغوط.

– لكن الضغط ما أحتاج إليه. إذا تراخيْتُ الآن فقد أنهار. قد أحلِّق في مائة اتجاهٍ مختلف، وقد لا أستطيع أبدًا أن أتماسك مرةً أخرى.

كان هناك شيء جادٌّ جدًّا في الطريقة التي نطقْتُ بها تلك الكلمات، شيء جادٌّ جدًّا ومجنون في جرس الصوت، جعل الطبيب يبتسم تقريبًا — أو على الأقل يبدو وكأنه يكبت ابتسامة. قال: حسنًا، لا نريد لهذا أن يحدث، أليس كذلك؟ إذا كنتَ عازمًا بهذا الشكل على الطيران، فامضِ قُدمًا وطِرْ، لكن لنتأكد أنك ستفعل ذلك في اتجاهٍ واحد فقط. وبهذا التعليق الغريب، أخرج القلم من جيبه وخط في الدفتر سلسلة من العلامات التي يستحيل قراءتها. وقال: ها هي وانتزَع الروشتة ووضعها في يدي. تذكرتك للزنكس الجوي.

– لم أسمع عنه قط.

– الزنكس. عقارٌ قوي بالغ الخطورة. مستر زيمر تناوَلْه فقط كما هو موصوف وسوف تتحول إلى زومبي، كائن بلا روح، كتلة ممسوخة من اللحم. على هذه المادة يمكنك أن تحلِّق فوق القارات كلها والمحيطات وأضمن لك ألا تعرف أبدًا أنك قد غادرتَ الأرض.

بحلول عصر اليوم التالي، كنتُ في كاليفورنيا. وبعد ذلك بأقلَّ من أربع وعشرين ساعة كنتُ أمشي في غرفة عرضٍ خاصة في أرشيف باسيفك فيلم أرشيف لأشاهد عملَين آخرَين من كوميديا هيكتور مان. تبيَّن أن «تشابك التانجو» واحد من أكثر الأفلام التي أنتجها وحشية وبراعة؛ وكان «الموقد والبيت» أكثر دقة. قضيتُ أكثر من أسبوعَين مع هذَين الفيلمَين، أعود إلى المبنى كل صباح في العاشرة بالضبط، وحتى حين يُغلَق المكان (في الكريسماس ورأس السنة)، أواصل العمل في الفندق، أقرأ الكتب وأدوِّن ملاحظاتي استعدادًا للمرحلة التالية من رحلاتي. في ٧ يناير ١٩٨٦م، ابتلعتُ المزيد من الحبوب السحرية التي وصفها الدكتور سينج وحلَّقتُ مباشرة من سان فرانسيسكو إلى لندن — ستة آلاف ميل دون توقف على كاتاتونيا إكسبريس. تطلَّب الأمر جرعةً أكبر في هذه المرة، لكنني خشيتُ ألا تكون كافية، وقبل أن أصعد الطائرة مباشرة أخذْتُ قرصًا آخر. كنتُ أعرفُ بشكلٍ لا يجعلني أخالف تعليمات الطبيب، لكن فكرة الاستيقاظ في وسط الرحلة كانت مروِّعة جدًّا، دخلتُ في نومٍ أبدي تقريبًا. في جواز سفري القديم ختمٌ يثبت أنني دخلتُ بريطانيا العظمى في الثامن من يناير، لكنني لا أتذكَّر شيئًا عن الهبوط، لا أتذكَّر شيئًا عن المرور من الجمارك، ولا أتذكَّر شيئًا عن كيفية الوصول إلى الفندق. استيقظتُ في سريرٍ غريبٍ في صباح التاسع من يناير، وحينذاك بدأَت حياتي مرةً أخرى. لم أفقد قط مساري تمامًا بهذا الشكل.
بقيت أربعة أفلام — «رعاة البقر»، و«مستر نوبدي»، في لندن؛ و«قفزات جاك»، و«أمين المخزن» في باريس — وأدركْتُ أنها فرصتي الوحيدة لرؤيتها. يمكنني دائمًا التردد على الأرشيفات الأمريكية إذا تطلَّب الأمر، لكن رحلة العودة إلى بي إف آي وسينماتيك مستحيلة. تغلَّبتُ على نفسي لأذهب إلى أوروبا، لكن لا ينبغي أن أحاول القيام بالمستحيل أكثر من مرة؛ لهذا انتهَى بي الأمر بالبقاء في لندن وباريس أكثر بكثيرٍ من الضروري — حوالَي سبعة أسابيع عمومًا، مختبئًا نصف الشتاء مثل وحشٍ مجنون يقبع تحت الأرض. كنتُ مجتهدًا ويقظَ الضمير حتى تلك اللحظة، لكن أُخِذَ المشروع إلى مستوًى جديد من الكثافة، طاغٍ اقترب من الهاجس. كان غرضي الظاهري دراسة أفلام هيكتور مان والتمكُّن منها، لكن كانت الحقيقية أن أتعلَّم كيف أركِّز، أتدرب على التفكير في شيءٍ واحد وواحد فقط. كانت حياةً وسواسية، لكنها كانت الطريقة الوحيدة التي يمكن أن أعيش بها حينذاك دون أن أتمزَّق. حين عدتُ في النهاية إلى واشنطون في فبراير، تخلصت من آثار الزنكس في فندق المطار، وكان أول شيء في صباح اليوم التالي أن أخذتُ سيارتي بعد ركنها فترةً طويلةً في جراج وقُدتُها إلى نيويورك. لم أكن مستعدًّا للذهاب إلى فيرمونت. إذا كنتُ أسعى لتأليف الكتاب، فإنني أحتاج إلى مكانٍ آوي إليه، ومن بين كل مدن العالم، بدت لي نيويورك أقلَّ مدينة يمكن أن تكون عبئًا على أعصابي. قضيتُ خمسة أيامٍ أبحث عن شقة في منهاتن، لكنني لم أعثر على شيء. كانت طفرة وول ستريت حينذاك، طفرة لعشرين شهرًا قبل انهيار ٨٧م، وكان هناك نقصٌ في المعروض للإيجار والتأجير من الباطن. وفي النهاية، انطلقتُ بالسيارة عبْر جسر بروكلين هايتس، وأخذتُ أول مكانٍ ظهر لي — شقة من غرفة نومٍ واحدة في شارع بيربونت، عُرضَت للتو في ذلك الصباح. كانت غالية، كئيبة، بشعة التصميم، لكنني شعرتُ بأني محظوظٌ بالعثور عليها. اشتريتُ فِراشًا لغرفة، واشتريتُ مكتبًا ومقعدًا للأخرى، ثم انتقلتُ إليها. كان الإيجار لعامٍ كامل. بدأْتُ في الأول من مارس، وهو اليوم الذي بدأتُ فيه تأليف الكتاب.
١  في بدايات السينما كانت الأفلام تُعرض على بكرةٍ واحدة، وفي أواخر العَقْد الثاني من القرن العشرين، ومع أفلام تشارلي شابلن، بدأَت تُعرض على بكرتَين.
٢  الديسوتو: سيارة كانت تُصنع في أمريكا من ١٩٢٨م إلى ١٩٦١م.
٣  ميلوكي: أكبر مدن ولاية ويسكونسن. فيرمونت: ولاية في نيو إنجلند جنوب شرق الولايات المتحدة.
٤  الميدويست: منطقة وسط شمال الولايات المتحدة حول البحيرات العظمى وأعالي وادي الميسيسبي.
٥  بورلينجتون: مدينة في شمال غرب فيرمونت.
٦  سبرنجفيلد: أكبر المدن على نهر كونكتيكت، بولاية ماساتشوستس. الماس بايك: طريق يربط بين ولايات الولايات المتحدة وعدة مدنٍ رئيسية. لوجان: مدينة في شمال يوتا، مقر جامعة ولاية يوتا.
٧  كروت البيسبول: نوعٌ من الكروت خاصة بلعبة البيسبول، يُطبع على الكارت عادة صورة للاعب بيسبول أو شخصية لها علاقة باللعبة. وتُوجد هذه الكروت في أمريكا وكندا وكوبا واليابان.
٨  شابلن (١٨٨٩–١٩٧٧م): ممثل إنجليزي. بوستر كيتون (١٨٩٥–١٩٦٦م): ممثل وكاتب أمريكي. لويد (١٨٩٤–١٩٧١م) وجون بوني (١٨٦٣–١٩١٥م) ولاري سيمون (١٨٩٨–١٩٢٨م) وريموند جريفيث (١٨٩٥–١٩٥٧م): ممثلون أمريكيون. لوبينو لين (١٨٩٢–١٩٥٩م): ممثل إنجليزي.
٩  مركز ومتحف يضُم واحدًا من أكبر الأرشيفات المتعلِّقة بالسينما.
١٠  همسون (١٨٥٩–١٩٥٢م): كاتب نرويجي حصل على جائزة نوبل في الأدب سنة ١٩٢٠م. سيلين (١٨٩٤–١٩٦١م): كاتب وفيزيائي فرنسي. باوند (١٨٨٥–١٩٧٢م): كاتب وشاعر أمريكي.
١١  رامبو (١٨٥٤–١٨٩١م): شاعر فرنسي. داشيل هَميت (١٨٩٤–١٩٦١): كاتب أمريكي. لورا ريدنج (١٩٠١–١٩٩١م): شاعرة وناقدة وروائية أمريكية. ج. د. سلينجر (١٩١٩–٢٠١٠م): كاتب أمريكي.
١٢  موفيولا Moviola: جهازُ عرضٍ يُعيد إنتاج الصورة والصوت في الأفلام للتدقيق وعمل المونتاج.
١٣  سينسيناتي: مدينة صناعية شمال غرب أوهايو.
١٤  دوبونت سيركل: حي في شمال غرب مدينة واشنطون؛ أمتراك: المؤسسة الوطنية للسكك الحديدية في أمريكا؛ كيو أي تو: عابرة محيطات، والاسم اختصار للملكة إليزابيث الثانية. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦