٢

قبل الجسد هناك الوجه، وقبل الوجه الخط الأسود الرفيع بين أنف هيكتور وشفته العليا. شعيرة مرتجفة من القلق، حبل قفزٍ ميتافيزيقي، خيط راقص من الفوضى، الشارب مؤشر الحالة الداخلية لهيكتور، وهو لا يجعلك تضحك فقط بل يخبرك أيضًا بما يفكِّر فيه هيكتور، يسمح لك فعليًّا أن تدخل إلى آلة أفكاره. ويتضمن الأمر عناصر أخرى — العينين والفم، والترنحات والعثرات المحسوبة بدقة — لكن الشارب أداة التواصل، وعلى الرغم من أنه يتحدث لغة بدون كلمات، فإن التواءاته وارتعاشاته واضحة ومفهومة، مثل رسالةٍ مكتوبةٍ بشفرة مورس.١

لم يكن شيئًا من هذا ممكنًا بدون تدخُّل الكاميرا. حميمية الشارب الناطق من ابتكار العدسة. في لحظاتٍ مختلفة في كل فيلمٍ من أفلام هيكتور، تتغيَّر الزاوية فجأة، ويحلُّ كلوز أب محل لقطةٍ واسعة أو متوسطة. يملأ وجه هيكتور الشاشة، ومع استبعاد كل إشارات البيئة، يصبح الشارب مركز العالم. يبدأ الحركة، ولأن مهارة هيكتور تتمثل في القدرة على التحكم في عضلات بقية وجهه، يبدو أن الشارب يتحرك من تلقاء نفسه، مثل حيوان صغير بوعيٍ مستقل وإرادةٍ مستقلة. يلتوي الفم قليلًا في الأركان، وتتسع فتحتا الأنف قليلًا، لكن والشارب يمضي في دورانه الغريب، يسكُن الوجه أساسًا، وفي ذلك السكون يرى المرء نفسه وكأنه يراها في مرآة؛ لأن هيكتور يكون خلال هذه اللحظات إنسانًا محتشدًا ومقنعًا إلى أقصى حد، انعكاسًا لما نكون عليه جميعًا حين نكون وحدنا داخل أنفسنا. تُدَّخر هذه السلسلة من الكلوز أب للفِقرات النقدية من القصة، روابط التوتُّر الهائل أو الدهشة، ولا تستمر قط أكثر من أربع ثوانٍ أو خمس. وحين تحدُث يتوقف كل ما عداها. ينطلق الشارب في مناجاته، وفي هذه اللحظات القليلة النفيسة، يفسح التمثيلُ الطريقَ للتفكير. نستطيع أن نقرأ محتويات عقل هيكتور كما لو كانت تُكتب بحروفٍ عبْر الشاشة، وقبل أن تتلاشى تلك الحروف، لا تكون أقلَّ وضوحًا من بناية، أو بيانو، أو فطيرة في الوجه.

الشارب متحركًا أداة للتعبير عن أفكار كل الرجال. ساكنًا، لا يزيد قليلًا عن حلية. إنه يميِّز وضع هيكتور في العالم، ويرسِّخ الشخصية التي يُفترض أنه يمثِّلها، ويحدِّد حقيقته في عيون الآخرين — لكنه ينتمي لرجلٍ واحد فقط، وهو في ذلك شاربٌ صغير ونحيل بشكلٍ غير معقول ودهني، لا شك في حقيقة هذا الرجل. إنه الغندور الأمريكي الجنوبي، العاشق اللاتيني، المشرَّد الأسمر بدمٍ حارٍّ يتدفق في عروقه. أضِف إلى ذلك الشعر المسرَّح للخلف والبدلة البيضاء الموجودة دائمًا، والنتيجة مزيجٌ جليٌّ من الاندفاع والاحتشام. إنها شفرة الصور. تُفهَم المعاني من اللمحة الأولى، ولأن شيئًا يتبع حتمًا شيئًا آخر في هذا العالم المفخَّخ من أغطية الفتحات المفقودة والسيجار المنفجر، في اللحظة التي ترى فيها رجلًا يسير في الشارع في بدلة بيضاء، تعرف أن هذه البدلة ستسبِّب له مشكلة.

بعد الشارب، البدلة أهم عنصرٍ في ذخيرة هيكتور. الشارب الرابط بذاته الباطنية، كناية عن الدوافع، والتأمل، والعواصف الذهنية. وتجسِّد البدلة علاقته بالعالم الاجتماعي، ومع تألُّق كرته، كرة البلياردو التي تلمع على الرمادي والأسْود المحيط بها، إنها بمثابة مغناطيس للعيون. يرتدي هيكتور البدلة في كل فيلم، وفي كل فيلم موقفٌ مضحكٌ طويل على الأقل يدور حول مخاطر محاولة الحفاظ عليها نظيفة. الطين زيت المحرك، وصلصة المكرونة والدبس، وسخام المدخنة ورذاذ البرك — في وقت أو آخر، كل سائلٍ أسود وكل مادةٍ سوداء تهدِّد بتلطيخ المهابة الأصيلة لبدلة هيكتور. تلك البدلة أكثر ما يفخر به، ويرتديها بروحٍ كوزموبوليتانيةٍ نشيطة لرجل يخرج ليثير إعجاب العالم. يلبسها كل صباحٍ بالطريقة التي يلبس بها الفارس دروعه، مستعدًّا لخوض أية معارك يختزنها له المجتمع في ذلك اليوم. ولم يتوقف مرةً ليفكِّر في أنه يحقِّق عكس ما نوى. إنه لا يحمي نفسه من الضربات المحتملة، إنه يتحوَّل إلى هدف، النقطة المحورية لكل حادث قد يحدث في مسافة مائة ياردة منه. البدلة البيضاء دليل هشاشة هيكتور، وتُضفي بعضَ الرثاء على سخرية العالم منه. متعنتًا في أناقته، متشبثًا بالقناعة بأن البدلة تحوِّله إلى الرجل الأكثر جاذبية وإثارة بين الرجال، يرفع هيكتور حليته التافهة إلى قضية يمكن أن يتعاطف معها الجمهور. شاهِدْه ينفض ذرات رمادٍ خيالي من فوق سترته وهو يرنُّ جرس باب منزل صديقته في « الضِّعْف أو لا شيء»، ولن تشاهد بعد ذلك إظهار حب الذات؛ تشاهد عذابات الارتباك. البدلة البيضاء تحوِّل هيكتور إلى ضحية. تكسب الجمهور إلى صفِّه، وبمجرد أن يحقِّق ممثلٌ ذلك، يمكن أن يفلِت من أي شيء.
كان طويلًا جدًّا بحيث لا يمكن أن يلعب دور مهرِّج بشكلٍ متردِّد، ووسيمًا جدًّا بحيث لا يمكن أن يمثِّل دور الغبي البريء الذي كان يمثِّله غيره من ممثلي الكوميديا. كان هيكتور، بعينَيه السوداوَين المعبِّرتَين وأنفه الرائع، يبدو مثل قائد ثانوي، بطل رومانسي حقَّق أكثر من المتوقع وتجوَّل في مجموعة من أفلام الأخطاء. كان وجودًا حقيقيًّا وناضجًا لشخصٍ بدا أنه يعارض القواعد الراسخة للكوميديا. كان يفترض أن يكون الظرفاء ضئيلين أو مشوَّهين أو بُدُنًا. كانوا عفاريت ومهرجين، بلداء ومنبوذين، أطفالًا متنكِّرين في هيئة بالغين أو بالغين بعقول أطفال. فكِّر في بدانة الصبي عند أربكل،٢ وخجله بابتسامته المتكلَّفة وشفتَيه الأنثويتَين المطليتَين. تذكَّر سبَّابته التي تطير إلى فمه كلما نظرَت إليه فتاة. ثم مرَّ بقائمة الدعائم والإضافات التي شكَّلَت مسارات الأساتذة الكبار؛ تسكُّع شابلن بحذاء واسع وملابس رثة؛ الجبان المقدام عند لويد بنظارة بإطارٍ يشبه البوق؛ وأحمق كيتون بقبَّعته الكبيرة ووجهه الجامد؛ معتوه لانجدون٣ بالبشرة البيضاء كالطباشير. كلهم غير أسوياء، ولأنهم شخصياتٌ لا يمكن أن تهدِّدنا أو تُثير حسدنا، ندعمها لتنتصر على أعدائها وتفوز بقلب الفتاة. المشكلة الوحيدة أننا لسنا متأكدين تمامًا مما يفعلونه مع الفتاة بمجرد أن يكونوا بمفردهم معها. مع هيكتور، لا تدخُل مثل هذه الشكوك عقولنا أبدًا. عندما يغمز لفتاة، من المرجح أنها ستغمز له بدورها. وحين تغمز له، من الواضح أنْ لا أحد منهما يفكِّر في الزواج.

لكن الضحك مضمونٌ على أية حال. هيكتور ليس ما قد تسمِّيه شخصيةً محبوبة، وليس شخصًا تشعُر بالضرورة بالأسف له. وإذا نجح في الفوز بتعاطُف المشاهد فذلك يرجع إلى أنه لا يعرف أبدًا أين يتوقف. مُجِد ومُبهِج، التجسيد الكامل للرجل الوسط، ليس متنافرًا مع العالم بقَدْر ما هو ضحية الظروف، رجل بموهبة لا تنضب في التورط في سوء الحظ. في ذهن هيكتور خطة دائمًا، هدف لعملٍ يُعمَل، لكن يبدو دائمًا أن شيئًا ما يظهر ليحول بينه وبين تحقيق هدفه. أفلامه مشحونةٌ بأحداث بدنية غريبة، أعطال ميكانيكية عجيبة، أمور تأبى أن تسير كما ينبغي. رجل أقل ثقةً بنفسه يمكن أن تهزمَه هذه العقبات، لكن باستثناء اندفاع عارضٍ من السخط (يقتصر على مونولوجات الشارب)، لا يشكو هيكتور أبدًا. تُغلق الأبواب بعنف على أصابعه، يلدغه النحل في عنقه، تسقط التماثيل على أصابع قدمَيه، لكنه مرةً بعد أخرى يتجاهل مصائبه ويواصل طريقه. تبدأ الإعجاب به لصلابته، لهدوئه الروحي الذي يسيطر عليه في وجه الشدائد، لكن ما يشد انتباهك الطريقة التي يتحرك بها. يمكن لهيكتور أن يفتنك بأية إيماءة من ألف إيماءة مختلفة. خفيفًا ورشيقًا، وغير مكترثٍ إلى درجة اللامبالاة، يقع في صعوبات الحياة دون أي ارتباك أو خوف، يبهرك بتراجعه إلى الخلف ومراوغاته، ودورانه المفاجئ ورقصاته المندفعة، وحَيرته والوثب ودوران الرومبا. لاحِظ حركات أصابعه وتوتُّرها، وزفيره المنضبط بدقَّة، والميل الضئيل لرأسه حين يقع تحت عينه شيءٌ غير متوقع. هذه الأكروبات المنمنمة وظيفة الشخصية، لكنها أيضًا ممتعةٌ في ذاتها. حتى حين تلتصق صائدة الذباب في نعل حذائه وقد صاده صبي المنزل بحبل (مثبتًا ذراعَيه إلى جانبَيه)، يتحرك هيكتور بكياسةٍ غير مألوفة وهدوء، لا يشُك أبدًا في قدرته على انتزاع نفسه من ورطته بسرعة — حتى لو كان شخصٌ آخر ينتظر في الغرفة المجاورة. أمرٌ سيئ جدًّا بالنسبة لهيكتور، بالطبع، لكنها فواصل. المهم ليس كيف تتجنَّب المشكلة لكن كيف تتغلَّب عليها حين تأتي.

يجد هيكتور نفسه عادةً في قاع السلم الاجتماعي. إنه متزوج في فيلمَين فقط من أفلامه (الموقد والبيت، ومستر نوبدي)، وباستثناء دور المخبر السري الذي يلعبه في «البوليس السري» ودوره ساحرًا متجولا في «رعاة البقر»، يعمل أعمالًا قاسية للآخرين في وظائفَ وضيعةٍ منخفضة الأجر. نادلًا في «نادي الفروسية»، سائقًا في «عطلة نهاية الأسبوع في الريف»، ومدرِّب رقص في «تشابك التانجو»، مستخدَمًا في بنك في «حكاية الراوي»، يُقدَّم هيكتور عادة شابًّا يبدأ حياته للتو. إمكانياته غير مشجِّعة، لكنه لا يعطي أبدًا انطباعًا بأنه خاسر. إنه يزهو كثيرًا جدًّا بذلك، وحين تشاهده يشرع في عمله بكفاءةٍ أكيدة لامرئٍ يثق في قدراته، تفهم أنه شخصٌ مقدَّر له النجاح. وطبقًا لذلك، تنتهي معظم أفلام هيكتور بطريقةٍ من اثنتَين؛ يحصل على الفتاة، أو يؤدي فعلًا بطوليًّا يأسر انتباه رئيسه. وإذا كان الرئيس غبيًّا جدًّا بحيث لا يلاحظ (الأثرياء والأقوياء يصوَّرون غالبًا باعتبارهم حمقى)، ترى الفتاة ما حدث، ويمثل ذلك مكافأةً كافية. وحينما يكون هناك اختيار بين الحب والمال، يكون للحب دائمًا الكلمة الأخيرة. نادلًا في «نادي الفروسية»، على سبيل المثال، ينجح هيكتور في القبض على لص مجوهرات وهو يخدم على عدة طاولات لضيوفٍ سكارى في مأدبة على شرف الطيارة البطلة واندا ماكنون. بيده اليسرى، ضرب اللص بزجاجة شمبانيا؛ وباليمنى، في الوقت نفسه يقدِّم الحلوى على الطاولة، ولأن السدادة تتطاير من الزجاجة ويتم رش رئيس النُّدل بلتر من فوف كيكو،٤ يفقد هيكتور وظيفته. لا يهم. واندا المفعَمة بالحياة شاهدة عيانٍ على مأثرة هيكتور. تعطيه رقم تليفونها خِلسة، وفي المشهد الأخير يصعدان في طائرتها معًا ويحلِّقان في السحاب.
غيرَ متوقَّع في سلوكه، مليئًا بالدوافع والرغبات المتضاربة، تُرسَم شخصية هيكتور بشكلٍ معقد جدًّا بحيث لا يمكن أن نشعر بالراحة على الإطلاق في وجوده. ليس شخصيةً نمطية أو مألوفة، ومقابل كل فعلٍ من أفعاله له معنَى فعلٍ آخر يُربكنا ويُفقدنا التوازن. إنه يعرض كل السعي الطموح لمهاجرٍ مُجِد، لرجلٍ مصمِّم على التغلب على الصعاب والفوز بمكانٍ في الغابة الأمريكية، لكن نظرة خاطفة من امرأة جميلة كافية لتُخرِجه عن مساره، وتُبعثِر خططَه الدقيقة في مهب الرياح. لهيكتور شخصيةٌ متماثلة في كل أفلامه، لكن ليس هناك تدرجٌ ثابت لما يفضِّله، لا سبيل لمعرفة أية نزوة سوف تشُده في المرة القادمة. إنه شعبيٌّ وأرستقراطي، حسِّي ورومانسي مبهَم، رجل ذو عاداتٍ دقيقة وربما حتى حريص على الشكليات لا يتردد أبدًا في القيام بإيماءة عظيمة. يقدِّم آخر دايم٥ معه لمتسوِّل في الشارع، لكن ليس بدافع الشفقة أو التعاطف بقَدْر ما هو بدافع شعرية الفعل نفسه. بصرف النظر عن صعوبة ما يعمل، بصرف النظر عن الجدية التي يؤدِّي بها المهام الوضيعة والعبثية غالبًا التي يكلَّف بها، ينقل هيكتور إحساسًا بالانفصال، كما لو كان يسخر من نفسه بشكلٍ ما ويهنِّئ نفسه في الوقت ذاته. يبدو وكأنه يعيش في حالة ذهولٍ ساخر، في الوقت ذاته ينهمك في العالم ويراقبه من مسافةٍ بعيدة. فيما قد يكون أمتع أفلامه، «أمين المخزن»، يحوِّل وجهات النظر المتضادة إلى مبدأ موحَّد للتمثيل. كان التاسع في السلسلة، وفيه يلعب هيكتور دور مدير مسرح في فرقةٍ مسرحيةٍ صغيرةٍ متواضعة. تندفع الفِرقة إلى بلدة شلالات ويشبون لعرضٍ لمدة ثلاثة أيام لمسرحية «المتسوِّلون لا يمكن أن يختاروا»، ملهاة جنسية للكاتب المسرحي الفرنسي البارز جان بيير سان جان دي لا بيير. حين يفتحون الشاحنة لتفريغ الدعائم وحملها إلى المسرح يكتشفون أن الدعائم مفقودة. ماذا يفعلون؟ لا يمكن عرضُ المسرحية بدونها. هناك غرفةُ معيشة كاملة ينبغي تأثيثها، ناهيك عن تعويض عدة لوازمَ مهمة؛ بندقية وعِقد ماسي وخنزير مشوي. يُفترَض أن يُرفَع الستار في الثامنة من مساء اليوم التالي، وإذا لم يكن من الممكن بناء المجموعة كلها من الصفر، فسوف تتوقف الفرقة عن عمل. مخرج الفرقة، شخصٌ متبجِّح مغرور بربطةِ عنقٍ عريضةٍ ملفوفة حول عنقه وعدسةٍ في عينه اليسرى، يحدِّق في مؤخرة الشاحنة الفارغة ويقع مغشيًّا عليه. المسألة في يدَي هيكتور. بعد تعليقاتٍ قليلة من شاربه لكنها قاطعة، يَزِن الموقف بهدوء، ينفضُ صدر بدلته البيضاء النظيفة تمامًا، وينطلق إلى العمل. وفي الدقائق التسع والنصف التالية، يصبح الفيلم توضيحًا للمقولة الفوضوية الشهيرة لبرودون:٦  كل الممتلكات مسروقة. في سلسلة حلقاتٍ قصيرةٍ محمومة frenetic، يندفع هيكتور إلى البلدة ويسرق الدعائم. نراه يعترضُ نقلة أثاث إلى مخزن محل ويخرج بطاولات ومقاعد ومصابيح — يحملها في شاحنته وينطلق فجأة إلى المسرح. يسرق آنيةً فضية وكئوسًا للشرب، وطقمًا كاملًا من الصيني من مطبخ فندق. يشُق طريقه إلى الحجرة الخلفية لمحل جزارة بنموذج طلب مزوَّر من مطعمٍ محلي ويخرج بلحم خنزيرٍ كامل معلَّق على كتفه. في ذلك المساء، في استقبالٍ خاص للممثلين يحضره أبرز مواطني البلدة، ينجح في إخراج مسدَّس العمدة من جرابه. وبعد بُرهةٍ قصيرة، يفكُّ دبوسَ عِقد تلبسه امرأةٌ بدينة في منتصف العمر وهي منتشية تحت تأثير قوة إغواء مفاتن هيكتور. ولم يكن قَط متملقًا أكثر مما كان في هذا المشهد. كان متأملًا في محاكاته، مُقرِفًا في حماس ريائه، ويبدو خارجًا على القانون بشكلٍ بطولي، مثاليًّا يحاول التضحية بنفسه لصالح قضيته. ننفر من حِيَله، لكننا في الوقت ذاته ندعو له لينجح في الفوز بالمسروقات. ينبغي أن يتم العرض، وإذا فشل هيكتور في الحصول على الجواهر فلن يكون هناك عرض. ولتعقيد الخدعة أكثر، وقعَت عين هيكتور للتو على حسناء البلدة (ويتصادف أن تكون ابنة العمدة)، وحتى وهو يواصل هجومه الغرامي على العجوز الشمطاء، يبدأ النظر بمكرٍ إلى الجميلة الشابة. ولحسن الحظ، يقف هيكتور وضحيته خلف ستارةٍ مخملية. ستارة معلَّقة في المنتصف عبْر مدخلٍ مفتوح يفصل القاعة عن غرفة الاستقبال، ولأن هيكتور يقف على أحد جانبي المرأة وليس الجانب الآخر، يستطيع النظر إلى غرفة الاستقبال بإمالة رأسه قليلًا إلى اليسار. لكن المرأة تبقَى بعيدةً عن الأنظار، وحتى رغم أن هيكتور يستطيع رؤية الفتاة وتستطيع الفتاة رؤية هيكتور، فإنها لا تعرف بوجود المرأة. ويسمح هذا لهيكتور بمتابعة هدفَيه في وقتٍ واحد — الإغواء الزائف والإغواء الحقيقي — ولأنه يلعب هدفًا مقابل الآخر في خليطٍ ماهر من النقلات وزوايا الكاميرا، يجعل كل عنصر العنصر الآخر أكثر إبهاجًا مما لو كان بمفرده. هذا جوهرُ أسلوب هيكتور. لا تكفيه نكتةٌ واحدة. بمجرَّد بناء موقف، ينبغي إضافة جزء آخر إليه، ثم جزء ثالث، وربما حتى جزء رابع. تتكشَّف نكات هيكتور مثل المؤلفات الموسيقية، حشد من السطور والأصوات المتضاربة، وكلما زاد تفاعل صوتٍ مع الآخر زاد تزعزُع العالم وتقلُّبه. في «أمين المخزن»، يداعبُ هيكتور عنق المرأة خلف الستارة، ويلعب بيكابو٧ مع الفتاة في الغرفة الأخرى، وفي النهاية ينزع العِقد حين يتعثَّر نادل وهو يمُر في ذيل ثوب المرأة، ويدلق صينية من المشروبات على ظهرها — مما يُعطي هيكتور وقتًا كافيًا لفك المشبك. حقَّق ما خطط له — لكن بالصدفة فقط، نجا مرةً أخرى بأمرٍ يصعب التنبؤ به.
تُرفع الستارة مساء اليوم التالي، ويحقِّق العرض نجاحًا مدوِّيًا. الجزار وصاحب محل الأثاث والعمدة والمرأة البدينة كلهم بين الجمهور، لكن حتى والممثلون ينحنون ويُلقون بالقبلات للحشد المتحمِّس، يضع الشرطي الكلبشات في رسغَي هيكتور ويأخذه إلى السجن. لكن هيكتور سعيد، ولا يبدو عليه أي إحساسٍ بالندم. أَنقذَ اليومَ، ولا يمكن حتى لخطر فقد حريته أن يقلِّص من انتصاره. بالنسبة لأي شخصٍ يعرفُ الصعوبات التي واجهها هيكتور وهو يصنع أفلامه، من المستحيل ألا يقرأ «أمين المخزن» باعتباره تمثيلًا لحياته بموجب عَقدٍ مع سيمور هانت والكفاح للعمل من أجل «كاليدوسكوب بكتشرز». حين تكون كل الظروف ضدَّك يكون كسر القواعد الطريقة الوحيدة للفوز. تتسوَّل وتستعير وتسرق، كما يقول المثل القديم، وإذا تصادف وقُبض عليك وأنت تفعل ذلك، تكون على الأقل قد هُزِمتَ وأن تقاتل بشكلٍ جيد.
هذا التجاهل المبهِج للنتائج يأخذ مسارًا أحلك في الفيلم الحادي عشر لهيكتور، «مستر نوبدي». كان الوقت ينفد حينذاك؛ عرف ذلك بمجرد تنفيذ شروط العقد، وكانت مسيرته مقضيًّا عليها. كان الصوت آتيًا. كان حقيقةً حتميةً من حقائق الحياة، يقينًا يدمِّر كل ما أتى قبله، والفن الذي اجتهد هيكتور كثيرًا ليبرع فيه لن يكون له وجود. حتى لو استطاع إعادة صياغة أفكاره لتلائم الشكل الجديد، فلن يعود عليه ذلك بفائدة. كان هيكتور يتحدث بلهجةٍ إسبانيةٍ ثقيلة، وحين يفتح فمه على الشاشة، سيرفضه الجمهور الأمريكي. في «مستر نوبدي»، ينخرط في مرارةٍ معيَّنة. كان المستقبل قاتمًا، والحاضر تخيِّم عليه المشاكل المالية المتنامية التي يتعرض لها هيكتور. مع كل شهر يمُر، كان الدمار ينتشر في كل أوجه عمليات الكاليدوسكوب. قُطِعَت الإضافات، لم تُدفَع الرواتب، وارتفاع سعر الفائدة على القروض القصيرة الأجل، ترك كل ذلك هيكتور في حاجةٍ مستمرةٍ لنقودٍ يلزم دفعها. استلف من موزِّعيه على نصيبه من إيرادات شباك التذاكر مستقبلًا، وحين فَشِل في الوفاء بعددٍ من هذه الصفقات، بدأَت المسارح ترفض عرض أفلامه. كان هيكتور يقدِّم أفضل أعماله حينذاك، لكن الحقيقة الحزينة أن عددَ مَن يستطيعون رؤيته يقل باستمرار.
«مستر لا أحد» استجابة لهذا الإحباط المتصاعد. وغد القصة يُسمَّى س. ليستر شيس، وبمجرد أن تتبيَّن أصول غرابة هذه الشخصية واسمها المصطنع، يكون من الصعب ألا تعتبرها تمثيلًا لهانت. تَرجِم هانت إلى الفرنسية وتكون النتيجة شيس؛ احذف إس s الثانية من شيس وتكون النتيجة شيس. وحين تتأمل سيمور أكثر يمكن أن تقرأ سي مور ويمكن اختصار ليستر تلك إلى ليس، التي تحول سي ليستر إلى سي ليس — أو شاهد أقل٨ — ومن ثَم يصبح الدليل مقنعًا تمامًا. وشيس الشخصية الأكثر خبثًا في كل أفلام هيكتور. يظهر ليدمِّر هيكتور ويسرق منه هويَّته، ويضع خطَطَه موضع التنفيذ ليس بإطلاق رصاصة في ظهر هيكتور أو بغرس سكين في قلبه، لكن بالاحتيال عليه ليبتلع جرعةً سحريةً تجعله غير مرئي. في الواقع، هذا ما فعلَه هانت لمسيرة هيكتور في السينما. وضعه على الشاشة وجعل من المستحيل أن يراه أحد. إنه لا يزال أمام أعيننا، لكن الشخصيات الأخرى في الفيلم لا تُدرِك وجوده. إنه يقفز، يرفرف بذراعَيه، ويخلع ملابسه في ركن شارعٍ مزدحم، ولا أحد يلاحظه. وحين يصرخ في وجوه الناس، لا يسمعه أحد. إنه شبحٌ من لحم ودم، رجلٌ لم يعُد رجلًا. لا يزال يحيا في العالم، لكن لم يعُد في العالم مكان له. قُتِل، لكن لا أحد يتلطف بقتله أو يفكِّر فيه. تعرَّض للمحو ببساطة.
إنها المرة الأولى والوحيدة التي يظهر فيها هيكتور رجلًا غنيًّا. في «مستر نوبدي»، لديه كل ما يمكن أن يرغب فيه شخص؛ زوجة جميلة، طفلان صغيران، ومنزل كبير به طاقمٌ كامل من الخدم. يتناول هيكتور إفطاره مع أسرته. هناك بعض المزح المبهجة تدور حول دَهن التوست بالزبد ودبور يسقط في برطمان مربَّى، لكن الهدف السردي للمشهد تقديم صورة لنا عن السعادة. نُعدُّ للخسائر التي على وشك الحدوث، وبدون هذه اللمحة عن الحياة الخاصة لهيكتور (زواج ممتاز، طفلان ممتازان، انسجام عائلي في أكثر أشكاله عاطفية)، لن يكون للعمل الشرِّير الذي ينتظرنا هذا التأثير. في الواقع، يدمِّرنا ما يحدث لهيكتور. يقبِّل زوجته ليودِّعها، وفي اللحظة التي يبتعد عنها ليغادر المنزل، ينغمس رأسًا في كابوس.

هيكتور مؤسِّس شركة مزدهرة للمشروبات الغازية ورئيسها. إنها شركة فيزي بوب للمشروبات. شيس نائبه ومستشاره، ويفترض أنه أفضل أصدقائه. لكن شيس تراكمَت عليه ديونٌ ثقيلة من القمار ويلاحقه المرابون ليدفع ما عليه وإلا فعليه تحمل العواقب. وهيكتور يصل إلى مكتبه في الصباح ويحيِّي موظَّفيه، شيس في غرفةٍ أخرى يتحدث إلى رجلَين يبدوان فظَّين. يقول: لا تقلقا. سوف تحصلان على نقودكما في نهاية الأسبوع. سأكون مهيمنًا على الشركة حينذاك، والأسهم تساوي الملايين. يوافق البلطجيان على أن يمنحاه قليلًا من الوقت. ويقولان له: لكنها فرصتك الأخيرة. أي تأخيراتٍ أخرى فستسبح مع الأسماك في قاع النهر. ينصرف الرجلان. يجفِّف شيس العَرق من على جبهته ويتنهَّد تنهيدةً طويلة. ثم يُخرج خطابًا من الدرج العلوي في مكتبه. يتطلع إليه لحظة ويبدو راضيًا إلى حدٍّ بعيد. بابتسامةٍ خبيثة يطويه ويضعه في جيبه العلوي الداخلي. من الواضح أن العَجَلات تدور لكننا لا نعرف إلى أين تأخذنا.

ينتقل المشهد إلى مكتب هيكتور. يدخل شيس وهو يحمل شيئًا يشبه تُرْمسًا كبيرًا ويسأل هيكتور إن كان يريد أن يتذوَّق مشروبًا جديدًا. يسأل هيكتور: ما اسمه؟ يرد شيس: جازماتز، فيومئ هيكتور بالموافقة، مأخوذًا بالجرْس المثير للكلمة. لا يرتاب في شيء، يسمح هيكتور لشيس بأن يصبَّ له مقدارًا كبيرًا من الاختراع الجديد. وهيكتور يتناول الكأس، يتطلع شيس ببريق في عينه المحدِّقة، منتظرًا أن يبدأ الشراب السام عمله. في مشهد كلوز أب متوسط، يرفع هيكتور الكأس إلى فمه ويتناول رشفةً صغيرةً تجريبية. يتجعَّد أنفه تعبيرًا عن الرفض؛ تتسع عيناه؛ ويرقص شاربه. النبرة كوميدية تمامًا، لكن وشيس يُلحُّ عليه وهيكتور يرفع الكأس إلى فمه لمرة ثانية، تصبح النتائج الشريرة للجازماتز أكثر وضوحًا. يبتلع هيكتور جزءًا آخر من المشروب. يمسح شفتَيه، يبتسم لشيس، ثم يهزُّ رأسه، وكأنه يوحي بأن المذاق ليس طيبًا تمامًا. متجاهلًا نقد رئيسه، ينظر شيس في ساعته، يفرد أصابع يده اليمنى، ويبدأ عد الثواني من واحد إلى خمسة. هيكتور مرتبك. وقبل أن يستطيع أن يقول أي شيء يصل شيس إلى الثانية الخامسة والأخيرة، وعلى هذا النحو بالضبط، ودون أي تحذير، يميل هيكتور إلى الأمام في مقعده ويخبط رأسه على مكتبه. نفترض أن الشراب جعله يُغمى عليه، وأنه يفقد الوعي مؤقتًا، لكن وشيس يقف هناك يشاهده بعينَين خاويتَين وقاسيتَين، يبدأ هيكتور في الاختفاء. تختفي ذراعاه أولًا، تشحب ببطء من الشاشة وتتلاشى، ثم جذعه، ورأسه في النهاية. يتبع جزءٌ منه الآخر، وفي النهاية يذوب جسده كله في العدم. يخرج شيس من الغرفة ويُغلق الباب خلفه. متوقفًا في المدخل ليتذوَّق طعم انتصاره، يميلُ بظهره على الباب ويبتسم. كارت بارز مكتوب عليه: فترة طويلة جدًّا يا هيكتور. كان جميلًا أن أعرفك.

ينصرف شيس. وبمجرد أن يترك الإطار، تركِّز الكاميرا على الباب لثانية أو اثنتَين، ثم، وببطءٍ شديد، تبدأ الاندفاع إلى ثقب المفتاح. إنها لقطةٌ جميلة، مليئة بالغموض والترقُّب، والفتحة تكبر أكثر وأكثر، وتشغل مساحةً أكبر وأكبر من الشاشة، نستطيع النظر إلى مكتب هيكتور. وبعد لحظة نكون داخل المكتب نفسه، ولأننا نتوقع أن نجده خاويًا، لا نكون مستعدِّين لما تكشفه لنا الكاميرا. نرى هيكتور مسترخيًا على مكتبه. لا يزال فاقد الوعي، لكنه مرئيٌّ مرةً أخرى، ونحن نحاول استيعاب هذا التحوُّل الفجائي الخارق، يمكن أن نتوصل إلى نتيجةٍ واحدةٍ فقط. لا بد أن تأثيرات الشراب انتهت. رأينا للتو هيكتور يختفي، وإذا كنا نستطيع رؤيته الآن، فإن ذلك يعني فقط أن الشراب كان أقل قوةً مما اعتقدنا.

يبدأ هيكتور يستيقظ. نشعُر بالراحة بهذه العلامة من علامات الحياة، بعودته سالمًا إلى الأرض. نفترض أن النظام عاد للعالم، وأن هيكتور سيكون على وشك أن يصب انتقامه على شيس ويفضحه باعتباره وغدًا. على مدار أكثر من الثواني العشرين التالية، يمُر في واحدة من نمره الأكثر هشاشة، الأكثر حدة لرجلٍ مضحك. مثل شخصٍ يحاول التغلب على الآثار السيئة للخمر، يقف من مقعده، مشوشًا وتائهًا تمامًا، ويبدأ الترنُّح في الغرفة. نضحك على ذلك. نؤمن بما تقوله لنا عيوننا، ولأننا واثقون بأن هيكتور عاد إلى طبيعته، يمكن أن يدهشنا هذا المشهد عن التواء الركبتَين والانهيار نتيجة الدُّوار، لكن هيكتور يسير حينذاك إلى المرآة المعلَّقة على الجدار، ويتحول كل شيء مرةً أخرى. يريد أن يتطلع إلى نفسه. يريد أن يسوِّي شعره ويعدل ربطة العنق، لكنه حين يحدِّق في المرآة البيضاوية الملساء البرَّاقة، لا يكون وجهٌ هناك. ليس له أيُّ انعكاس. يلمسُ نفسه ليتأكد من أنه واقع، ليتأكد من إمكانية أن يلمسَ جسده، لكنه حين ينظر إلى المرآة مرةً أخرى، لا يرى نفسه. هيكتور مرتبك، لكنه لا يُصاب بالهلع. ربما في المرآة خطأٌ ما.

يخرج إلى الرَّدهة. السكرتيرة تسير بجواره، وتحمل في ذراعَيها رزمةً من الورق. يبتسم لها هيكتور ويلوِّح لها بود، لكن يبدو أنها لا تلاحظ. يهز هيكتور كتفَيه. وحينذاك بالضبط يقترب كاتبان شابَّان من الاتجاه المقابل. يحاول هيكتور أن يلفتَ انتباههما بتعبيرات وجهه. يُدمدم. يُخرج لسانه. يُشير أحد الكاتبين إلى باب مكتب هيكتور. يسأل: ألم يأتِ الرئيس بعدُ؟ فيردُّ الآخر: لا أعرف. لم أرَه. وهو ينطق هذه الكلمات يكون هيكتور، بالطبع، واقفًا أمامه مباشرة، على بُعد أقل من ستِّ بوصات من وجهه.

يتحول المشهد إلى غرفة المعيشة في منزل هيكتور. زوجته تسير ذهابًا وجيئة، بالتناوب تفركُ يدَيها وتبكي في منديل. لا شك أنها سمعَت أخبار اختفاء هيكتور. يدخل شيس، س. ليستر شيس المكلَّل بالخزي، مؤلِّف المؤامرة الشيطانية ليسرقَ من هيكتور إمبراطوريةَ المشروبات الغازية. يتظاهر بأنه يواسي المرأة المسكينة، يربِّت على كتفها ويهزُّ رأسه في أسًى زائف. ينتزع الخطاب الغامض من جيبه العلوي ويعطيها إياه، موضحًا أنه وجده في مكتب هيكتور في ذلك الصباح. مشهد يركِّز على الرسالة بشكلٍ كبير. وفيه: يا أعز حبيبة. سامحيني من فضلك. يقول الطبيب إنني أعاني من مرضٍ مميت ولا يبقَى من حياتي سوى شهرَين فقط. لأجنِّبك الألم، قررْتُ أن أُنهيَها الآن. لا تقلقي بشأن العمل. الشركة في أيدٍ طيبة مع شيس. أحبك دائمًا، هيكتور. لم يمُر وقتٌ طويل على هذه الأكاذيب والخدَع لتعمل عملَها. في اللقطة التالية، نرى الخطاب يسقط من أصابع الزوجة ويطير على الأرض. أكثر مما تحتمل. انقلب العالم رأسًا على عقب، وتحطَّم كل ما فيه. وبعد أقلَّ من ثانية غابت عن الوعي.

تتبعُها الكاميرا على الأرضية، ثم تذوب صورةُ جسدها الخامل الملقَى في لقطةٍ واسعةٍ لهيكتور. ترك المكتب ويتجوَّل في الشوارع، يحاول التكيُّف مع الشيء الغريب والبَشِع الذي حدث له. ليبرهنَ على ضياع كل أمل، يتوقف في تقاطعٍ مزدحم ويتجرد من ملابسه الداخلية. يرقص قليلًا، يمشي على يدَيه، يُبرز فخذه للسيارات المارَّة، وحين لم ينتبه له أحد، بتجهُّمٍ يرتدي ملابسه مرة أخرى وينصرف. بعد ذلك، يبدو هيكتور متقبلًا مصيره. لا يقاوم حالته بقَدْر ما يحاول فهمها، وبدل أن يبحث عن طريقة ليجعل نفسه مرئيًّا مرةً أخرى (بمواجهة شيس، على سبيل المثال، أو بالبحث عن ترياقٍ يُزيل تأثيرات الشراب)، يشرع في سلسلة من التجارب الغريبة المتهورة، بحث عن حقيقته وما آل إليه. بشكلٍ غير متوقع — بضربةٍ فجائيةٍ خاطفةٍ من يده — يُسقط قبَّعة عابر سبيل. هكذا تجري الأمور، هذا ما يبدو أن هيكتور يقوله لنفسه. يمكن أن يكون الرجل مختفيًا عن كل من حوله، لكن جسمه لا يزال يتفاعل مع العالم. سائرٌ آخر يقترب. يمدُّ هيكتور قدمه ويوقعه. نعم، من المؤكد أن فرضيته صحيحة، لكن هذا لا يعني أن الأمر لا يتطلب المزيد من البحث. متحمسًا لغايته الآن، يرفع ذيلَ فستان امرأة ويدرسُ ساقيها. يقبِّل امرأةً أخرى في الخد، ثم امرأةً ثالثة في الفم. يشطبُ الحروف من على يافطة توقُّف، وبعد لحظة يصطدم موتوسيكل في ترولِّي. يتسحَّب خلف رجلَين، وبضربِ كلٍّ منهما على كتفه وركلهما في قصبة الساق، فينشب شجار بينهما. في هذه الخدَع شيءٌ وحشيٌّ وصبياني، لكن مشاهدتها مُرْضية أيضًا، وكلٌّ منها تضيفُ حقيقةً أخرى لمجموعةٍ متنامية من الأدلة. ثم وهيكتور يلتقط بيسبول شاردة تتدحرج باتجاهه على الرصيف، يكتشف اكتشافَه الثاني المهم. بمجرد أن يمسك رجلٌ غير مرئي شيئًا يختفي الشيء عن الأنظار. لا يُرفرف في الهواء؛ يُمتصُّ في الخواء، في العدم نفسه الذي يطوِّق الرجل نفسه، وفي اللحظة التي يدخل فيها ذلك المجال المسكون بالأشباح، يختفي. يجري الصبي الذي فقد الكرة إلى النقطة التي يعتقد أن الكرة استقرَّت فيها. قوانين الفيزياء تنص على أن الكرة ينبغي أن تكون هناك، لكنها ليست هناك. وهو يرى ذلك، يضع هيكتور الكرة على الأرض وينصرف. ينظر الولد، ياه! الكرة هناك مرةً أخرى، تحت قدمَيه. ماذا حدث في العالم؟ تنتهي اللقطة بكلوز أب لوجه الصبي مذهولًا.

يتجوَّل هيكتور في الركن ويبدأ السير إلى الشارع التالي. على الفور تقريبًا، يواجهه مشهدٌ منفِّر، شيء يجعل دم المرء يغلي. جنتلمان بدين ومهندم يسرق نسخة من «مورننج كورنيكل» موزِّع صُحفٍ كفيف. لم يكن مع الرجل عملاتٌ معدنية، ولأنه كان في عَجَلة من أمره، مندفعًا جدًّا بحيث لا يُبالي بفك ورقةٍ نقدية، يأخذ صحيفة وينصرف. غاضبًا يجري هيكتور خلفه، وحين يقف الرجل في الركن لينتظر في الإشارة، يلتقط هيكتور محفظته. وهذا مضحك ومزعج معًا. لا نشعر بأدنى أسفٍ على الضحية، لكننا نصعَق من ابتهاج هيكتور وهو ينفِّذ القانون بيدَيه. حتى وهو يعود إلى الكشك ويُعيد النقود للصبي الكفيف، لا نهدأ تمامًا. في اللحظات الأولى بعد السرقة، نعتقد أن هيكتور سوف يحتفظ بالنقود لنفسه، وفي هذه الفترة القصيرة المظلمة نفهم أنه لم يسرق محفظة الرجل البدين ليصحِّح الظلم، لكن ببساطة لأنه كان يعرف أنه يستطيع أن يفلِت بها. كرمه ليس مجرد استدراك. صار كل شيء ممكنًا بالنسبة له، ولم يعُد عليه أن يطيع القانون. يمكن أن يفعل الخير إذا أراد، لكن يمكنه أيضًا أن يفعل الشر، وعند هذه النقطة لا نعرف أي قرار سيأخذ.

بالعودة إلى البيت، أُخِذَت زوجة هيكتور إلى سريرها.

في المكتب، يفتح شيس خزانةً حديدية ويُخرِج رزمةً سميكة من شهادات الأسهم. يجلس على مكتبه ويعُدها.

وفي أثناء ذلك يكون هيكتور على وشك ارتكاب أولى جرائمه الكبرى. يدخل محل مجوهرات، وأمام نصف دستة من شهود لا يرون، يُفرغ بطلنا المختفي والمثير للشفقة علبة عرضٍ زجاجية من محتوياتها، بهدوء يحمِّل جيوبه بحفنٍ من الساعات والعقود والخواتم. يبدو مستمتعًا ومحدَّد الهدف معًا، ويقوم بعمله بابتسامةٍ صغيرة لكنها ملحوظة تجعِّد زاويتَي فمه. يبدو فعلًا باردًا وغريبًا، ومن الدليل أمام أعيننا لا بد أن نستنتج أن هيكتور حلَّت عليه اللعنة.

يغادر المحل. ولسببٍ غير مفهوم، أول ما يفعله هو الاتجاه مباشرة إلى سلة مهملاتٍ موضوعة على الرصيف. يغرس ذراعه عميقًا في القمامة ويُخرِج كيسًا من الورق. من الواضح أنه وضَعَه هناك بنفسه، لكن رغم أن الكيس ممتلئ بشيءٍ ما، لا نعرف ما هو. حين يعود هيكتور إلى واجهة المحل، يفتح الكيس ويبدأ نثر مادةٍ مسحوقة على الرصيف، نرتبك تمامًا. قد تكون قذارة؛ قد تكون رمادًا؛ قد تكون بارودًا؛ لكن مهما تكن المادة، لا معنى لأن يضَعَها هيكتور على الأرض. في لحظات، يكون هناك خطٌّ غامقٌ رفيع من واجهة محل المجوهرات إلى حافة الشارع. وقد غطَّى عرض الرصيف، يتقدم هيكتور الآن إلى الشارع نفسه. متفاديًا السيارات، متجنِّبًا عربات الترولِّي، متنقِّلًا بين المشاكل، يواصل تفريغ الكيس وهو يعبُر الطريق، ليبدو أكثر وأكثر مثل فلاحٍ مجنون يحاول غرسَ صفٍّ من البذور. يمتد الخط الآن عبْر الشارع. نُدرِك فجأة هيكتور يخطو إلى الرصيف المقابل ويمدُّ الخط أكثر. لا نعرف إلى أين يؤدِّي الخط، لكن وهيكتور يفتح باب المبنى الذي أمامه ويختفي في المدخل، نتوقع خدعةً أخرى على وشك أن تُلعَب علينا. يُغلق الباب خلفه، وتتغيَّر الزاوية فجأة. ننظر إلى لقطةٍ واسعةٍ للبناية التي دخلها هيكتور للتو؛ مقر رئاسة شركة فيزي بوب للمشروبات الغازية.

تتسارع المشاهد بعد ذلك. في موجة من المشاهد التفسيرية السريعة، يكتشف مدير محل المجوهرات أنه سُرِق، يندفع إلى الرصيف ويستوقف شرطيًّا، ثم بإيماءاتٍ سريعة تتسم بالذعر، يشرح ما حدث. يحدِّق الشرطي في الأرض، يلاحظ الخطَّ الغامقَ على الرصيف، ثم يتتبعُه بعينه بطول الطريق إلى مبنى فيزي بوب عبْر الشارع. يقول: يبدو مثل مفتاح. يقول المدير: لنرَ إلى أين يمضي، ويسيران معًا باتجاه المبنى.

يعود المشهد إلى هيكتور. يسير الآن في دهليز، بحرصٍ يضع اللمسات الأخيرة على خطته. يصل إلى باب مكتب، وهو يُفرغ آخر القذارة على النصف الخارجي من العتبة، تميل الكاميرا إلى أعلى لتوضِّح لنا المكتوب على الباب: س. ليستر شيس، نائب المدير. حينذاك بالضبط، وهيكتور لا يزال منحنيًا في موضعه، يُفتح الباب وتظهر خطوات شيس نفسه. ينجح هيكتور في القفز إلى الخلف في الثانية الأخيرة — قبل أن يسقط شيس فوقه — وحينذاك مع بداية غلق الباب، يتسلَّل من خلال الفتحة ويتبختر مثل بطة إلى المكتب. وحتى والميلودراما تسير باتجاه ذروتها، يستمر هيكتور في حشد النكت. وحيدًا في المكتب، يرى شهادات الأسهم منتشرةً على مكتب شيس. يجرفُها، ويسوي الحوافَّ بدقَّة، ويضعُها في سترته. ثم، في سلسلة من الإيماءات السريعة الحادة، يمدُّ يده إلى جيوبه الجانبية ويبدأ إخراج المجوهرات، مكوِّمًا جبلًا هائلًا من البضائع المسروقة على دفتر شيس. وآخر خاتمٍ يُضاف إلى المجموعة، يعود شيس، يفرك يدَيه معًا وينظر سعيدًا بنفسه بشكلٍ مفرِط. يتراجع هيكتور. عمله انتهَى الآن، وكل ما تبقَّى أن يشاهد عدوَّه ينال ما ينتظره.

يحدث ذلك في دوامة الدهشة وسوء الفهم، دوامة عدالة تُنفَّذ وعدالة تُنتهَك. في البداية، تشتِّت المجوهرات شيس عن ملاحظة اختفاء الأسهم. يضيع الوقت، وحين ينقِّب في النهاية تحت الكومة المتلألئة ويرى أن الشهادات لم تعُد موجودة، يكون الوقت متأخرًا جدًّا. يفتح الباب بقوة، ويندفع الشرطي ومدير المحل. يتم التعرفُ على المجوهرات، وحلُّ لغز الجريمة، والقبضُ على اللص. لا يهم أن شيسًا بريء. قاد الأثر إلى الباب، وقبضا عليه متلبسًا بالبضائع. يعترض بالطبع، يحاول الهروب من النافذة، يبدأ إلقاء زجاجات الفيزي بوب على مهاجميه، لكن بعد بعضِ الأمور الهمجية التي تشمل عصًا وحربة، يتم التغلب عليه في النهاية. يتطلع هيكتور بلامبالاة وتجهُّم. حتى وشيس يُوضع في الكلبشات ويُقاد إلى خارج المكتب، لا يفرح هيكتور بانتصاره. تحقَّقَت خطته تمامًا، لكن أي خيرٍ جلبَتْه له؟ يوشك اليوم على الانتهاء الآن، ولا يزال غير مرئي.

يخرج مرةً أخرى ويبدأ السير في الشوارع. شوارع وسط المدينة مهجورة، ويبدو أن هيكتور الشخص الوحيد المتبقِّي في المدينة. ماذا حدث لما كان يحيط به من قبلُ من حشودٍ وضجَّة؟ أين السيارات وعربات الترولِّي، الجموع التي يكتظ بها الرصيف؟ للحظة نتساءل إن لم تكن الرقية قد عُكسَت. نعتقد أن هيكتور يصبح مرئيًّا مرةً أخرى وتلاشى الآخرون جميعًا. وفجأة تنطلق شاحنةٌ بجواره، تُسرع في برْكة. ترتفع من الرصيف أعمدةٌ من المياه، وتتناثر على كل شيءٍ في المشهد. يغرق هيكتور، وحين تدور الكاميرا لتوضِّح لنا الدمار، يكون صدر بدلته ناصعًا. ينبغي أن تكون لحظةً مبهجة، لكنها ليست مبهجة، وبذلك يجعلها هيكتور بتعمُّد غير مبهجة (نظرة طويلة حزينة إلى بدلته؛ الإحباط في عينَيه حين يرى أنه ليس ملوثًا بالطين)، تغيِّر هذه الحيلة البسيطة مزاجَ الفيلم. والليل يهبط نراه يعود إلى منزله. يدخل، يصعد السُّلم إلى الطابق الثاني، ويدخل غرفة نوم طفلَيه. الطفلة والطفل نائمان، كلٌّ منهما في سريرٍ منفصل. يجلس بجوار الطفلة، يتفحَّص وجهَها بضع لحظات، ثم يرفع يده ليبدأ تمسيد شعرها. لكنه وهو بالضبط على وشك لمسها يتوقَّف، يدرك فجأة أن يده يمكن أن توقظها، وإذا استيقظَت في الظلام ولم تجد أحدًا أصابها الرعب. إنه تسلسلٌ مؤثِّر، يمثِّله هيكتور بتحفظ وبساطة. فقد الحقَّ في لمس ابنته، ونحن نشاهده يتردَّد ثم يسحب يده في النهاية، نشعر بالتأثير الكامل للعنة التي حلَّت به. في تلك الإيماءة القصيرة — ترفرف اليد في الهواء، الراحة المفتوحة ترتفع أقل من بوصة عن رأس الطفلة — نفهم أن هيكتور تقلَّص إلى العدم.

مثل شبحٍ يقف ويغادر الغرفة. يسير إلى الصالة، يفتح بابًا ويدخل. إنها غرفة نومه، وهناك زوجتُه، أعز حبيبة، نائمة في سريرهما، يتوقف هيكتور. إنها تتحرك بعنف وتتقلَّب ذهابًا وجيئة وتركل الأغطية، في قبضة حُلمٍ مرعب. يقترب هيكتور من السرير وبحرصٍ يعيد ترتيب البطاطين، ويعدِّل الوسائد، ويطفئ مصباح طاولة السرير. تبدأ حركاتها العنيفة تهدأ، وبسرعة تستغرق في نومٍ عميق وهادئ. يتراجع هيكتور، يلقي لها بقبلةٍ صغيرة، ثم يجلس على مقعدٍ عند طرف السرير. يبدو وكأنه ينوي البقاء طوال الليل، يرعاها مثل روحٍ خيِّرة. حتى إذا كان لا يستطيع أن يلمسَها أو يسير إليها، يمكن أن يحميَها ويتغذَّى على قوة حضورها. لكن الرجال غير المرئيين ليسوا محصَّنين من الإنهاك. لهم أجسامٌ مثل الآخرين، ومثل الآخرين ينبغي أن يناموا. يبدأ جفنا هيكتور يثقلان. يرتجفان ويرتخيان، يُغلقان ثم يُفتحان مرةً أخرى، وحتى رغم ذلك ينتفضُ مرتَين مستيقظًا، من الواضح أنها معركةٌ خاسرة. بعد لحظةٍ يستسلم.

تسودُّ الشاشة. وحين تعود الصورة يكون الصباح، وضوء النهار يتدفق عبْر الستائر. انتقال إلى لقطةٍ لزوجة هيكتور، لا تزال نائمة في السرير. ثم انتقال إلى هيكتور، نائم في السرير. جسده ملتوٍ في وضع مستحيل، تشابك كوميدي لأطرافٍ متباعدة ومفاصلَ ملتفة، ولأننا غير مستعدين لرؤية هذا الرجل النعسان الملتف، نضحك، ومع هذه الضحكة يتغير مزاج الفيلم مرةً أخرى. تستيقظ أعزُّ حبيبة أولًا، وهي تفتح عينَيها وتجلس في السرير، يخبرنا وجهُها بكل شيء — ينتقل سريعًا من البهجة إلى عدم التصديق إلى التفاؤل الحذِر. تنطلقُ من السرير وتندفعُ إلى هيكتور. تلمسُ وجهه (الذي يتدلى إلى الخلف على ذراع الكرسي)، ويدخل جسم هيكتور في تقلصٍ شديد، قافزًا بانفعال على الذراعَين والساقَين ويستقر في النهاية في وضعٍ رأسي. ثم يفتح عينَيه. تلقائيًّا، دون أن يبدوَ أنه يتذكر أنَّ من المفترض أن يكون غير مرئي، يبتسم لها. يتبادلان القبلات، لكن بمجرد أن تتلامس شفاههما، يتراجع مرتبكًا. هل هو حقًّا هناك؟ هل انكسر السِّحر، أم إنه يحلم بهذا فقط؟ يلمسُ وجهه، يمرِّر يدَيه على صدره، ثم ينظر إلى عينَي زوجته. يسأل: هل ترينني؟ تقول: بالطبع أراك، وعيناها ممتلئتان بالدموع تميل إلى الأمام وتقبِّله مرةً أخرى. لكن هيكتور ليس واثقًا. يقف من مقعده ويسير إلى مرآةٍ معلَّقة على الحائط. البرهان في المرآة، وإذا كان قادرًا على رؤية انعكاسه فسوف يعرف أن الكابوس انتهَى. رؤيتُه تحسم النتيجة، لكن الجميل في تلك اللحظة بطء استجابته. لثانية أو اثنتَين، يبقَى التعبير على وجهه كما هو، وهو يحدِّق في عينَي الرجل الذي يحدِّق فيه بدوره من الحائط، يبدو وكأنه يتطلع إلى غريب، مواجهًا وجه رجلٍ لم يرَه من قبلُ. ثم والكاميرا تتحرك لتصوير لقطةٍ أقرب، يبدأ هيكتور يبتسم. آتية في أعقاب هذا الخواء الذي تقشعر له الأبدان، تُوحي الابتسامة بما هو أكثر من مجردة إعادة اكتشافه لنفسه. لم يعُد ينظر إلى هيكتور القديم. إنه شيءٌ آخر الآن، ومهما يكن مدى تشابهه مع الشخص الذي اعتاد أن يكونه، فقد تغيَّر تمامًا، انقلب تمامًا، وبرز مثل رجلٍ جديد. تكبر الابتسامة، وتصبح أكثر إشعاعًا، وأكثر رضًا عن الوجه الذي وُجِد في المرآة. تبدأ الدائرة تُغلق حولها، وبسرعة لا نرى إلا ذلك الفم المبتسم، الفم والشارب فوقه. يرتجف الشارب لبضع ثوانٍ، ثم تصغر الدائرة، ولا تزال تصغر. حين تغلق في النهاية وينتهي الفيلم.

في الحقيقة ينتهي مسار هيكتور مع هذا الفيلم. أوفَى بشروط عقده بإنتاج فيلمٍ آخر، لكن «الضِّعْف أو لا شيء» لا يمكن أن يُعتبَر عملًا جديدًا. كانت الكاليدوسكوب قد أفلسَت تقريبًا حينذاك، ولم تتبقَّ هناك نقودٌ كافية لتقديم إنتاجٍ آخر على نطاقٍ واسع. بدلًا من ذلك، سحب هيكتور أجزاء من موادَّ مرفوضة من أفلامٍ سابقة ورقَّعها معًا في مختارات من النكت، والسقطات، والارتجال التهريجي. كانت عمليةَ إنقاذٍ عبقرية، لكننا لا نعلم شيئًا عنها باستثناء ما تكشفه لنا عن مواهب هيكتور في المونتاج. لتقييم عمله بإنصاف، علينا أن ننظر إلى «مستر لا أحد» باعتباره فيلمه الأخير. إنه تأمل في اختفائه الخاص، ورغم غموضه وإيحائيته الماكرة، والأسئلة التي يطرحها ثم يرفض الإجابة عنها، هو بالأساس فيلم عن عذاب الأنانية. يبحثُ هيكتور عن طريقة ليودِّعنا بها، ليودِّع العالم، وليفعل ذلك ينبغي أن يمحوَ نفسه في عينَيه. يصبح غير مرئي، وحين يزول السحر في النهاية ويكون من الممكن أن يُرَى مرة أخرى، لا يتعرف على وجهه. ننظر إليه كما ينظر إلى نفسه وفي الازدواج الغريب لوجهات النظر، نشاهده يواجه حقيقةَ فنائه. الضِّعْف أو لا شيء. وكانت تلك هي العبارة التي اختارها عنوانًا لفيلمه التالي. تلك الكلمات لا ترتبط حتى من بعيدٍ بأي شيءٍ يقدَّم في هذا الخليط الذي يستغرق ثماني عشرة دقيقة من الإثارة والوثب. تُشير إلى مشهد المرآة في «مستر لا أحد»، وبمجرد أن يبتسم هيكتور ابتسامةً استثنائية، تُعطَى لنا لمحةٌ سريعة عما يختزنه المستقبل له. يسمح لنفسه أن يُولَد مرةً أخرى مع هذه الابتسامة، لكنه لم يعُد الشخص نفسه، لم يعُد هيكتور مان الذي أمتعنا وسلَّانا على مدار السنة الماضية. نراه يتحول إلى شخصٍ لم نعُد نتعرَّف عليه وقبل أن نستوعبَ ما قد يكون عليه هيكتور الجديد، يختفي. تُغلق الدائرة حول وجهه، يبتلعه الظلام. وبعد لحظة، للمرة الأولى والوحيدة في أيٍّ من أفلامه تُكتب كلمة «النهاية» على الشاشة، وكانت آخر مرة يراه أحدٌ فيها.
١  شفرة مورس: شفرة حرفية لإرسال المعلومات التلغرافية باستخدام تتابعاتٍ قياسية من عناصرَ طويلة وقصيرة تعبِّر عن الحروف والأرقام والعلامات والحروف الخاصة.
٢  أربكل (١٨٨٧–١٩٣٣): ممثل كوميدي أمريكي من عصر السينما الصامتة، وسيناريست ومخرج.
٣  لويد (١٩٣٨–؟)؛ كيتون (١٩٥١م–؟)؛ لانجدون (١٩٣٦–١٩٩١م): ممثلون أمريكيون.
٤  فوف كيكو Veuve Clicquot: نوع من الشمبانيا الفرنسية.
٥  دايم dime: قطعة عملة بعشرة سنتات.
٦  برودون Proudhon (١٨٠٩–١٨٦٥م): سياسي وفيلسوف فرنسي.
٧  بيكابو: لعبة تُلعب مع طفل؛ حيث يختبئ شخصٌ وراء شيءٍ ما، ثم يظهر فجأة، قائلًا بيكابو.
٨  اسم هانت Hunt يعني صيدًا hunt، ويقابلها بالفرنسية chasse، وهو اسم شيس chase بعد حذف حرف إس. سيمور Seymour، سي مور see more وتعني «شاهد أكثر»؛ وباختصار ليستر Lester إلى Les، تتحول C. Lester إلى C. Les أو see less تعني «شاهد أقل».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦