٣
كتبتُ الكتاب في أقلَّ من تسعة أشهر. جاءت المخطوطة في أكثر من
ثلاثمائة صفحة بالآلة الكاتبة، وتمثِّل كل صفحة من تلك الصفحات
كفاحًا بالنسبة لي. نجحتُ في إنهائه، ويرجع هذا فقط إلى أنني لم
أفعل شيئًا آخر. عملْتُ سبعة أيام أسبوعيًّا، جلستُ على المكتب من
عشر ساعات إلى اثنتَي عشرة ساعة يوميًّا، وباستثناء جولاتي القصيرة
في شارع مونتاج للتزود بالطعام والورق والحبر وأشرطة الآلة
الكاتبة، لم أبرَحِ الشقة إلا نادرًا. لم يكن لدىَّ تليفون أو راديو
أو تليفزيون، أو حياةٌ اجتماعيةٌ من أي نوع. مرةً في أبريل وأخرى في
أغسطس سافرْتُ بمترو الأنفاق إلى منهاتن للرجوع إلى بعض الكتب في
المكتبة العامة، وباستثناء ذلك لم أتزحزح من بروكلين. لكنني حقًّا
لم أكن في بروكلين أيضًا. كنتُ في الكتاب، وكان الكتابُ في رأسي،
وما دمتُ بقيْتُ داخل رأسي، فقد كان يمكن أن أواصل كتابة الكتاب. كان
الأمر يشبه الحياة في خليةٍ مبطَّنة، لكن من بين كل الحيوات التي قد
أكون عشتُها في تلك اللحظة، كانت الوحيدة التي لها معنًى بالنسبة
لي. لم أكن قادرًا على أن أكونَ في العالم، وكنتُ أعرف أنني لو
حاولْتُ أن أعود إليه قبل أن أكون مستعدًّا، فسوف أُسحَق؛ لذا
تحصنْتُ في تلك الشقة الصغيرة وقضيْتُ أيامًا أكتب عن هيكتور مان.
كان عملًا بطيئًا، وربما عملًا بلا معنًى، لكنه تطلَّب كل انتباهي
لتسعة أشهرٍ متواصلة، وفيها كنتُ مشغولًا جدًّا بطريقةٍ تحول دون
التفكير في أي شيءٍ آخر، ربما حال ذلك بيني وبين الجنون.
في أواخر أبريل، كتبتُ إلى سميث أطلب منه مدَّ إجازتي لفصل الخريف.
قلتُ إنني لم أحسم بعدُ ما يتعلق بخطَطي على المدى البعيد، لكن إذا لم
تتغيَّر الأمور بالنسبة لي فجأة في الشهور القليلة التالية، فربما
أُنهي علاقتي بالتدريس — إذا لم يكن للأبد فعلى الأقل لفترةٍ طويلة.
تمنَّيتُ أن يسامحني. لم يكن لأنني فقدتُ الاهتمام. لم أكن فقط
متأكدًا إن كانت ساقاي يمكن أن تحملاني حين أقفُ وأحاولُ أن أتحدَّث
أمام الطلبة.
ببطءٍ كنتُ أعتاد على أن أكون بدون هيلين والولدَيْن، لكن ذلك لم
يكن يعني أنني حققْتُ أيَّ تقدم. لم أكن أعرفُ من أنا، ولم أكن أعرفُ
ما أريد، وحتى أجد طريقةً أعيشُ بها مع الناس مرةً أخرى، فسوف أستمر
نصفَ إنسانٍ فقط. طوال كتابة الكتاب توقفتُ متعمدًا عن التفكير في
المستقبل. من الخطَط المعقولة أن أبقَى في نيويورك، أن أشتريَ بعض
الأثاث للشقة التي استأجرتُها وأبدأ حياةً جديدةً هناك، لكن حين جاءت
اللحظة لأخطو الخطوة التالية، قررتُ عكس ذلك وعدتُ إلى فيرمونت. كنتُ
في المخاض الأخير لمراجعة المخطوطة حينذاك، أستعد لكتابة المسوَّدة
الأخيرة على الآلة الكاتبة وتسليم الكتاب للنشر، حين بدا لي فجأة
أن نيويورك هي الكتاب، وبمجرد انتهاء الكتاب ينبغي أن أغادر
نيويورك وأذهب إلى مكانٍ آخر. ربما كانت فيرمونت أسوأ اختيارٍ
أختاره، لكنها كانت أرضًا مألوفةً لي، وكنتُ أعرفُ أنني إذا عدْتُ
إليها فسأكون قريبًا من هيلين مرةً أخرى، أنني سأتنفَّس الهواء نفسه
الذي تنفَّسناه معًا وهي على قيد الحياة. كان هناك ارتياح لهذه
الفكرة، لا يمكن أن أعود إلى المنزل القديم في هامبتون، لكن كانت
هناك منازلُ أخرى في بلداتٍ أخرى، وما دمت بقيتُ في المنطقة العامة،
يمكن أن أستمرَّ في حياتي الانفرادية المجنونة دون أن أديرَ ظهري
للماضي. لم أكن مستعدًّا للذهاب بعدُ. لم يمضِ إلا عامٌ ونصف، وأريد
لأساي أن يستمر. وكان كل ما أحتاج إليه مشروعًا للعمل فيه، محيطًا
آخر أغرق فيه.
شرعتُ في شراء مكان في بلدة ويست تي — على بعد حوالَي خمسة وعشرين
ميلًا جنوب هامبتون. كان منزلًا صغيرًا غريبًا، نوعًا من شاليه
تزلُّجٍ جاهزٍ مفروشٍ بسجاد من الحائط إلى الحائط وبه مِدفأةٌ كهربائية،
لكن بشاعته كانت شديدةً جدًّا تُماثل الجمال تقريبًا. كان يخلو من
أي سحر أو شخصية، أو تفاصيل جميلة ليضلِّل المرء بالتفكير في أنه
يمكن أن يصبح بيتًا. كان مستشفًى لحيٍّ ميت، محطة على الطريق
للمختلين عقليًّا، وأن تسكن تلك الدواخل الخاوية المموَّهة الشخصية
يعني أن تفهم أن العالم، وهم ينبغي أن يُعاد ابتكاره يوميًّا. ولكن
رغم الأخطاء في تصميمه فاجأتني أبعادُ المنزل بأنها مثالية. لم تكن
كبيرةً جدًّا بحيث تشعر أنك تائهٌ فيها، ولم تكن صغيرةً جدًّا بحيث
تشعر أنك مطوَّق فيها. كان هناك مطبخ به كوًى في السقف؛ غرفة معيشة
مغمورة بنافذةٍ كبيرة وحائطَين خاويَين مرتفعَين بما يكفي لاستيعاب
أرفف لكتبي؛ بلكونة مفتوحة تُطل على غرفة المعيشة؛ وثلاث غرف نوم
متماثلة؛ واحدة للنوم، وواحدة للعمل، وواحدة لتخزين الأشياء التي
لم أعد أحتمل النظر إليها ولا أستطيع التخلص منها. كانت بالحجم
والشكل المناسبَين لرجل ينوي أن يعيش وحيدًا، ولها مزيةٌ أخرى وهي
العزلة الكاملة. تقع في منتصف الطريق إلى قمة جبلٍ تحيط بها مجموعةٌ
كثيفة من أشجار البتولا والتنوب والقيقب، لا يمكن الوصول إليها
إلا من طريقٍ ترابي. إذا كنتُ لا أريد أن أرى أحدًا، فما كنتُ لأراه.
والأكثر أهمية، ما كان لأحدٍ أن يراني.
انتقلتُ إليها بالضبط بعد اليوم الأول من سنة ١٩٨٧م، وفي الأسابيع
الستة التالية كرَّستُ نفسي لمسائلَ عملية؛ إعداد مكتبة، وتركيب موقدٍ
خشبي، وبيع سيارتي لأستبدل بها شاحنةَ بيك أب ذات دفعٍ رباعي. كان
الجبل غادرًا حين تتساقط الثلوج، وحيث إنها تتساقط طوالَ الوقت
تقريبًا، كنتُ أحتاج إلى وسيلةٍ تجعلُني أصعد وأهبط دون أن تتحول
الرحلة في كل مرة إلى مغامرة. استأجرتُ سباكًا وكهربائيًّا لإصلاح
المواسير والأسلاك، ودهنتُ الحوائط، وخزَّنتُ ما يكفي من الخشب
للشتاء، واشتريتُ لنفسي كمبيوتر وراديو وعدة تليفون — جهاز فاكس.
وأثناء ذلك كان «العالم الصامت لهيكتور
مان» يشُق طريقه ببطء في القنوات الملتفَّة للنشر
الأكاديمي. على عكس الكتب الأخرى، لا تُقبل الكتب الأكاديمية أو
تُرفض بواسطة محررٍ واحد في الدار. تُرسَل نسخٌ من المخطوطة إلى
متخصِّصين مختلفين في المجال، ولا يحدث شيءٌ حتى يقرأ أولئك الناس
المقترح ويرسلوا تقاريرهم. أتعاب
fees مثل هذه الأعمال أدنى ما
يكون (مائتا دولار في أفضل الأحوال)، وحيث إن القُراء غالبًا من
الأساتذة المشغولين بالتدريس وتأليف كتبهم، تتعطَّل العملية غالبًا.
في حالتي، انتظرْتُ من منتصف نوفمبر إلى نهاية مارس قبل أن أتلقَّى
ردًّا. وحينذاك كنتُ مستغرقًا جدًّا في أمرٍ آخر حتى إنني نسيْتُ
تقريبًا أنني أرسلْتُ إليهم المخطوطة. كنتُ سعيدًا بموافقتهم
بالطبع، سعيدًا بأن لديَّ شيئًا ما عن جهودي، لكن لا يمكن أن أقول
إن ذلك كان يعني الكثير لي. كان خبرًا طيبًا لهيكتور مان، ربما،
خبرًا طيبًا للمولَعين بالأفلام القديمة ومتذوِّقي الشوارب السوداء،
لكنني تخطيتُ التجربة حينذاك، لم أعُد أفكِّر فيها إلا نادرًا. وفي
المرات القليلة التي فكَّرتُ فيها، شعرتُ وكأن الكتاب كتبه شخصٌ
آخر.
في منتصف فبراير، تلقَّيتُ خطابًا من زميلٍ سابقٍ في كلية الدراسات
العليا، ألكس كروننبرج، كان حينذاك يدرس في كولومبيا. وقد قابلتُه
آخر مرة في مراسم تأبين هيلين والولدَيْن، ورغم أننا لم نتكلم معًا
من حينها، ما زلْتُ أعتبره صديقًا حميمًا. (كان خطابه للتعزية
نموذجًا للفصاحة والتعاطف، أفضل خطابٍ تلقيتُه على الإطلاق.) استهل
خطابه الجديد بالاعتذار لأنه لم يتصل بي قبل ذلك. قال إنه يفكر فيَّ
كثيرًا، وسمع من خلال الشائعات أنني في إجازة من هامبتون وأنني
قضيتُ بعضَ الأشهر في نيويورك. كان يشعُر بالأسف لأنني لم أتصل به.
لو عرف بأنني هناك لسَعِد كثيرًا بأن يراني. كانت هذه كلماته بدقة —
لسَعِد كثيرًا — تعبيرًا
معتادًا من تعبيراتِ ألكس. على أية حال، بدأَت الفِقرة التالية بأن
مطبعة جامعة كولومبيا طلبَت منه أن يحرِّر سلسلةً جديدةً من الكتب،
مكتبة الكلاسيكيات
العالمية. رجل يحمل اسمًا متناقضًا، ديكستر فينبوم،
تخرَّج في كلية كولومبيا للهندسة في ١٩٢٧م، وهبَهم أربعة ملايين دولار
ونصف المليون للبدء في هذه المجموعة. وكانت الفكرة جمع الروائع
العظيمة في الأدب العالمي في خطٍّ واحدٍ منسجم من الكتب. ويشمل ذلك
كل شيء من ميستر إكهرت إلى فرناندو بيسوا،
١ وفي الحالات التي تُعتبر فيها الترجمة غير كافية، سوف
يتم التفويض بترجماتٍ جديدة. كتب ألكس:
إنه
مشروعٌ مجنون، لكنهم كلَّفوني بأن أكون محرِّرًا تنفيذيًّا، ورغم كل
الأعمال الإضافية (لم أعُد أنام)، ينبغي أن أعترفَ بأن ذلك
يسعدني. في وصيته، وضع فينوبوم قائمة بأول مائة عنوانٍ كان
يرغب في رؤيتها منشورة، اغتنَى من تصنيع رقائق الألومنيوم، لكن
لا يمكنك أن تلومه على ذوقه في الأدب. كان أحد الكتب كتاب
شاتوبريان مذكِّرات من وراء القبر. لم أكن قد قرأتُ هذا الشيء
اللعين، كل صفحاته الألفَين، لكنَّني أتذكَّر ما قلته لي ذات ليلة
في ١٩٧١م في مكانٍ ما في مبنى جامعة ييل — ربما قرب تلك الساحة
الصغيرة خارج البينيك٢ مباشرة — وأكرِّره لك الآن. قلتُ (ممسكًا بالمجلد
الأول من الطبعة الفرنسية ملوِّحًا به في الهواء): «هذه أجمل
سيرةٍ ذاتيةٍ كُتبَت على الإطلاق.» لا أعرفُ إن كنتَ لا تزال تشعر
بذلك حتى الآن، لكن ربما لا أحتاج إلى أن أقولَ لك إنه لا توجد
إلا ترجمتان كاملتان منذ نُشر الكتاب في ١٨٤٨م؛ واحدة في ١٨٤٩م،
وواحدة في ١٩٠٢م. لقد حان الوقت لقيام شخصٍ ما بترجمةٍ أخرى، ألا
تظن ذلك؟ لا أعرف إن كنتَ لا تزال مهتمًّا بترجمة الكتب، لكن
إذا كنتَ لا تزال مهتمًّا، يُسعدني إذا وافقتَ على أن تقوم بهذه
الترجمة لنا.
كان لديَّ تليفون حينذاك. لم يكن ذلك لأنني آمل في أن يتصل بي
أحد، لكنني تصورتُ أنه ينبغي أن يكون لديَّ واحدٌ قد أستخدمه في حالة
حدوث مشكلةٍ ما. لم يكن لي جيرانٌ في هذا المكان المرتفع، وإذا ما
انهار السقف أو اشتعلَت النيران في المنزل، أودُّ أن أكون قادرًا على
الاتصال طلبًا للمساعدة. كان هذا أحد تنازلاتي القليلة للواقع،
اعترافٌ حذِرٌ بأنني لم أكن حقًّا الشخص الوحيد الذي تُرِك في
العالم. من الطبيعي أن أردَّ على ألكس بخطاب، لكن تصادف أنني كنتُ في
المطبخ حين فتحتُ البريد بعد ظهيرة ذلك اليوم، وكان التليفون هناك،
على المنضدة على أقلَّ من قدمَين من يدي. كان ألكس قد انتقل حديثًا
وكان عنوانه الجديد ورقمه مكتوبَين تحت توقيعه مباشرة. أُغريتُ بأخذ
مزية هذا كله؛ لذا رفعتُ السماعة وطلبتُ الرقم.
رن التليفون أربع مراتٍ على الجانب الآخر، ثم رن الأنسر ماشين.
وعلى غير المتوقع كانت الرسالة بصوت طفل. بعد ثلاث كلمات أو أربع،
عرفتُ أن الصوتَ صوتُ ابن ألكس. لا بد أن يعقوب كان في العاشرة
تقريبًا في ذلك الوقت، كان أكبر من تود بعام ونصف تقريبًا — أو
أكبر من تود بعام ونصف لو كان تود لا يزال على قيد الحياة. قال
الطفل: إنه النصف الثاني من الشوط التاسع. القواعد ممتلئة ورجلان
في الخارج. النتيجة أربعة لثلاثة، فريقي يخسر، وأنا متفائل. إذا
حصلتُ على ضربة، فزنا بالمباراة. هنا تأتي الرمية. أتأرجح. إنها
كرةٌ أرضية. أُسقِط المدرب وأبدأ الجري. لاعب القاعدة الثاني يستحوذ
على الضربة الأرضية، ويُلقيها للأول، أنا في الخارج. نعم، هذا
صحيح، يا ناس، أنا في الخارج. يعقوب في الخارج. وأبي، ألكس،
أيضًا. الأسرة كلها في الخارج الآن. من فضلِك اترك رسالةً بعد
الصافرة، وسوف نردُّ عليك بمجرد أن نلفَّ القواعدَ ونعودَ إلى
البيت.
كانت مقطوعةً رائعة من الهُراء، لكنها هزَّتني. حين انطلقَت الصافرة
بعد انتهاء الرسالة، لم أستطِع التفكير في أي شيءٍ أقوله، وبدلًا من
أن أترك الشريط يدور في صمت، وضعتُ السماعة. لم أُحبَّ قط الحديث في
هذه الآلات. كانت تُنرفزني وتُضايقني، لكن الاستماع إلى يعقوب دوَّخَني
وأذهلَني، ودفعَني قريبًا من اليأس. كان هناك قَدْرٌ كبير من السعادة
في صوته، وضحكٌ كثيرٌ جدًّا ينساب من حوافِّ الكلمات. كان تود طفلًا
متألقًا وماهرًا، أيضًا، لكنه لم يكن في الثامنة والنصف الآن، كان
في السابعة، وسوف يستمر في السابعة حتى بعد أن يصبح يعقوب رجلًا
كبيرًا.
أعطيتُ نفسي بضعَ دقائق، ثم حاولْتُ مرةً أخرى. كنتُ أعرفُ ما أتوقَّعه
حينذاك، وحين جاءت الرسالة للمرة الثانية، أبقيتُ التليفون بعيدًا
عن أذني بحيث لا يكون عليَّ أن أستمع إليها. بدا أن الكلمات تستمر
إلى الأبد، لكن حين قطعَتْها الصافرة في النهاية، قربتُ التليفون من
أذني مرةً أخرى وبدأتُ الحديث. قلتُ: ألكس، قرأتُ خطابك للتو، وأودُّ أن
أخبرك بأنني أرغب في القيام بالترجمة. واضعًا في الاعتبار طول
الكتاب، لا ينبغي ألا تضع في حسابك أن ترى مخطوطةً منتهيةً قبل
سنتَين أو ثلاث سنوات. لكنني أفترضُ أنك تُدرِك ذلك بالفعل. لا أزال
مقيمًا هنا، لكن بمجرد أن أتعلم كيف أستخدم الكمبيوتر الذي
اشتريتُه الأسبوع الماضي سوف أبدأ. شكرًا على الدعوة. كنتُ أبحث عن
شيءٍ أقوم به، وأظن أنني سأستمتع بهذا. أطيب تحياتي إلى بربارا
والأطفال. أتمنى أن أتحدَّث معك قريبًا.
رد في ذلك المساء، مذهولًا وسعيدًا لأنني وافقتُ. قال: كانت مجرد
طلقة في الظلام، لكنني ما كنتُ لأشعر بالراحة إن لم أسألك أولًا.
لا يمكن إلا أن أعبِّر لك عن مدى سعادتي.
قلتُ: أنا سعيدٌ لأنك سعيد.
سأطلب منهم أن يرسلوا إليك العقد غدًا. لمجرد أن يصبح كل شيء
رسميًّا.
مهما تقل. إنني تصورتُ بالفعل كيف أُترجم العنوان.
يبدو هذا بشعًا بالنسبة لي. حرفيًّا جدًّا بشكلٍ ما، ويبقَى في
الوقت ذاته صعبَ الفهم.
فيم تفكِّر؟
– مذكِّرات ميِّت.
– رائع.
– ليس سيئًا، أليس كذلك؟
– لا، ليس سيئًا. يطيب لي كثيرًا.
– الشيء المهم أن له معنًى. استغرق الأمر من شاتوبريان خمسة
وثلاثين عامًا ليكتب الكتاب، ولم يرغب في نشره إلا بعد موته
بخمسين عامًا. إنه حرفيًّا مكتوبٌ بصوتِ ميتٍ.
– لكنه لم يأخذ خمسين عامًا. نشر الكتاب في ١٨٤٨م، السنة التي مات
فيها.
– عانَى من مشاكلَ مالية. بعد ثورة ١٨٣٠م، انتهت مسيرتُه السياسية،
ووقع تحت طائلة الديون. كلَّمَتْه مدام ريكامييه، خليلتُه لاثنتَي عشرة
سنة أو نحو ذلك — نعم، مدام ريكامييه تلك — في تقديم بعض القراءات الخاصة من «المذكرات» لجمهورٍ قليلٍ مختار في
صالونها. كانت الفكرة أن تعثُر على ناشر يوافق على أن يدفع
لشاتوبريان مقدمًا، أن يدفع له نقودًا مقابل عمل لن يظهر إلا بعد
سنوات. فشلَت الخطة، لكن الاستجابة للكتاب كانت جيدة بشكل
استثنائي. صارت «المذكِّرات» أشهر
كتابٍ غير مكتمل وغير منشور وغير مقروء في التاريخ. لكن شاتوبريان
لا يزال منكسرًا؛ لذا جاءت مدام ريكامييه بمخططٍ جديد، وقد أثمرَ
هذا المخطط، أو أثمر بشكلٍ ما. تشكلَت شركة مساهمة، واشترى الناس
أسهمًا في المخطوطة. أخمِّن أنك يمكن أن تسمِّيَها الكلمة المؤجلة،
بالطريقة نفسها التي يقامر بها الناس في وول ستريت على سعر فول
الصويا والذرة. في الواقع، رهن شاتوبريان سيرته الذاتية ليمول
شيخوخته. أعطَوه مبلغًا كبيرًا من المال مقدمًا، مما سمح له بأن
يسدِّد دائنيه، وضمن له دخلًا سنويًّا بقية حياته. كان ترتيبًا
ممتازًا. لكن المشكلة الوحيدة أن شاتوبريان بقي على قيد الحياة.
حيت تشكَّلَت الشركة كان في منتصف الستينيات من العمر، وبقي حتى
الثمانين. في أثناء ذلك، تنقلَت الأسهم مراتٍ عديدة، والأصدقاء
والمعجَبون الذين استثمروا في البداية رحلوا منذ زمن. امتلك
شاتوبريان حفنةٌ من الغرباء. الشيء الوحيد الذي كان يهمُّهم تحويل
الأرباح، وكلما استمر على قيد الحياة، ازدادت رغبتُهم في أن يموت.
لا بد أن تلك السنوات الأخيرة كانت قاتمةً بالنسبة له. عجوزٌ هشٌّ مكبَّل
بالرومانسية، مدام ريكامييه كفيفة، وكل أصدقائه ماتوا ودُفنوا.
لكنه يظل ينقِّح المخطوطة حتى النهاية.
– يا لها من قصةٍ مبهجة!
– أظن أنها ليست مسلية جدًّا، لكن دعني أقل لك، تمكَّن الفيكونت
العجوز من كتابة جملةٍ رائعة. إنه كتابٌ لا يصدَّق يا ألكس.
– وهكذا تقول إنك لا تُبالي بقضاء السنتَين أو الثلاث التالية من
حياتك مع فرنسيٍّ كئيب.
– قضيتُ للتو سنة مع كوميديان من السينما الصامتة، وأظن أنني مستعدٌّ
للتغيير.
– السينما الصامتة؟ لم أسمع شيئًا عن ذلك.
– شخصٌ ما اسمه هيكتور مان. انتهيتُ من كتابة كتابٍ عنه في
الخريف.
– كنتَ مشغولًا إذن. هذا جيِّد.
– كان عليَّ أن أفعل شيئًا، فقررْتُ ان أفعل ذلك.
– لماذا لم أسمع عن هذا الممثل؟ ليس لأنني لا أعرف شيئًا عن
الأفلام، لكن لا يبدو أنني سمعتُ بالاسم.
– لم يسمع به أحد. إنه مضحكي الخاص، مهرِّج البلاط الذي يؤدي لي
فقط. لاثنَي عشر شهرًا أو ثلاثة عشر، قضيتُ كل لحظات اليقظة
معه.
– هل تعني أنك كنتَ معه فعليًّا؟ أم إن ذلك مجرد تعبيرٍ
مجازي؟
– لم يكن أحد مع هيكتور منذ ١٩٢٩م. إنه ميِّت. ميِّت مثل شاتوبريان
ومدام ريكامييه. ميِّت مثل ديكستر، ما اسمه؟
– فينبوم.
– ميت مثل ديكستر فينبوم.
– أي إنك قضيتَ سنة تشاهد أفلامًا قديمة.
– ليس بالضبط. قضيتُ ثلاثة أشهر أشاهد أفلامًا قديمة، وبعد ذلك
أغلقتُ غرفة على نفسي وقضيتُ تسعة أشهر أكتب عنها. ربما هذا أغرب
عملٍ قمتُ به على الإطلاق. كنتُ أكتب عن أشياء لم يعُد من الممكن أن
أراها، وكان عليَّ أن أقدِّمها بمصطلحاتٍ بصريةٍ خالصة. كانت الخبرة
كلها تشبه الهلوسة.
– وماذا عن الأحياء يا ديفيد؟ هل تقضي وقتًا طويلًا معهم؟
– أقل ما يمكن.
– هذا ما توقَّعتُ أن تقولَه.
– أجريتُ محادثةً في واشنطون في العام الماضي مع رجلٍ يُدعى سينج.
دكتور جي إم سينج. شخصٌ رائع، واستمتعتُ بالوقت الذي قضيتُه معه. قدَّم
لي خدمةً عظيمة.
– هل تُراجع طبيبًا الآن؟
– لا بالطبع. الحديث الذي يدور بيننا الآن أطول حديثٍ أُجريه مع أي
شخصٍ منذ ذلك الوقت.
– كان ينبغي أن تتصل بي وأنت في نيويورك.
– لم أستطع.
– لم تبلغ حتى الأربعين يا ديفيد. الحياة لم تنتهِ كما
تعرف.
– بالفعل، أبلغ الأربعين الشهر القادم. سيكون في حديقة ميدان
ماديسون حفلٌ كبير في الخامس عشر، وأتمنَّى أن تستطيع الحضور أنت
وبربارا. أنا مندهش لأنك لم تستلم دعوتك بعدُ.
– قَلِقَ الجميعُ عليك، هذا كل ما في الأمر. لا أريد أن أتطفل،
لكن حين يتصرف بهذا الشكل شخصٌ تهتم به، من الصعب أن تكتفيَ بالوقوف
والمشاهدة. أتمنى لو تعطيني فرصة للمساعدة.
– لقد ساعدْتَ. عرضتَ عليَّ مهمةً جديدة، وأنا ممتنٌّ لك.
– ذلك العمل. أتحدث عن الحياة.
– هل هناك فرق؟
– أنت عنيدٌ جدًّا، أليس كذلك؟
– حدِّثني بعض الشيء عن ديكستر فينبوم. الرجل المتبرع لي، ولا أعرف
شيئًا عنه.
– لن تتحدث عنه، أليس كذلك؟
– كما اعتاد أن يقول صديقنا العجوز في مكتب الخطابات التي لا تُسلَّم
ولا تُرد: أفضِّل ألا أفعل.
– لا أحد يستطيع أن يعيش دون الآخرين يا ديفيد. مستحيل.
– ربما لا. ربما لا يُوجد أحدٌ قبلي قط. ربما أكون الأول.
•••
من مقدمة «مذكِّرات ميت» (باريس، ١٤ أبريل ١٨٤٦م، تمت مراجعتها في
٢٨ يوليو):
حيث يستحيل أن أتنبأ بلحظة موتي،
وحيث إن الأيام الممنوحة للرجال، في مثل عمري، أيام
الراحة فقط، أو بالأحرى أيام المعاناة، أشعر
بالاضطرار إلى تقديم بضع كلمات
للتفسير.
في الرابع من سبتمبر أبلغ
الثامنة والسبعين. حان الوقت لأغادر عالمًا يغادرني
بسرعة، ولن أندم …
الضرورة المؤسفة، التي ضغطَت بقدَمها على حلقي باستمرار،
دفعَتْني إلى بيع «مذكِّراتي». لا أحد يتخيَّل ما عانيتُه
لاضطراري إلى رَهْن قبري، لكنني كنتُ أدين بهذه التضحية
الأخيرة لوعودي الصادقة واستقامتي … كانت خطَّتي أن أسلِّمها
إلى مدام شاتوبريان. وكان عليها أن تُخرجَها إلى العالم أو
تُخفيَها، ما تراه مناسبًا. والآن أكثر من أي وقتٍ مضى،
أعتقد أن الحل الأخير كان الأفضل …
كتبتُ «المذكرات» في أوقاتٍ مختلفة وفي بلدانٍ مختلفة.
ولهذا رأيت من الضروري أن أضيف مقدماتٍ تصف الأمكنة التي
كانت أمام عينيَّ والمشاعر التي كانت في قلبي حين
استُؤنفَت قصتي. وهكذا تشابكَت الأشكال المتغيرة لحياتي بعضها مع
بعض. خطر لي أحيانًا في لحظات رفاهيتي أن أتحدث
عن أيام شقائي؛ وفي أوقات محنتي أن أحكي عن فترات سعادتي.
يتداخل شبابي في شيخوختي، يصبغ ثقل سنواتي الأخيرة سنوات
براءتي ويُكئبها، وأشعة شمسي تتقاطع وتندمج معًا من لحظة
سطوعها إلى لحظة غروبها، مما أدَّى إلى نوعٍ من التشوش في
قصصي— أو، إذا شئْتَ نوعًا من الوحدة الغامضة. يستدعي
مهدي شيئًا من قبري، يستدعي قبري شيئًا من مهدي؛ تصبح
معاناتي ملذات، وملذاتي معاناة، والآن وقد أكملْتُ قراءةً
متأنيةً لهذه المذكرات، لم أعُد
متأكدًا مما إن كانت نتاج عقلٍ شاب أم رأسٍ شاخ بتقدُّم
العمر.
لا يمكن أن أعرف إذا كان القارئ
سوف يستمتع بهذا الخليط أم يستاء منه. لا يُوجد ما
يمكن أن أُداويَه به. إنه نتيجة الحظوظ المتبدِّلة، تضارب
قدري الذي كثيرًا ما تركَتْني عواصفه دون طاولة أكتب
عليها إلا الصخرة التي تحطَّمت
عليها.
اضطُررْتُ إلى السماح بظهور بعض الأجزاء من هذه
«المذكرات» في حياتي، لكنني أفضِّل أن أتحدَّث من أعماق قبري؛
لذا تصحب قصتي أصوات تحمل شيئًا مقدَّسًا لأنها تأتي من
القبر. إذا كنْتُ قد عانيْتُ كثيرًا في هذا العالم لأتحول
إلى ظل سعيد في العالم التالي، فإن شعاعًا من حقولٍ سماوية
يُلقي بضوءٍ واقٍ على صوري الأخيرة. تجلس الحياة ثقيلةً
عليَّ؛ وربما يناسبني الموت أكثر.
تحتل هذه «
المذكرات» أهمية خاصة لي. منح سانت بونافنتورا
٤ الإذن لمواصلة تأليف كتابه بعد موته. لا يمكن
أن أطمعَ في مثل هذه المحاباة، لكن إن لم يكن هناك شيءٌ آخر
أودُّ أن أبعث في ساعة من منتصف الليل لأصحِّح
بروفاتي …
إذا كان أيُّ جزء من أعمالي أكثر
إرضاء لي من الأخرى، فهو الجزء المرتبط بشبابي — الركن
الأكثر اختفاءً في حياتي. فيه كان عليَّ أن أُوقِظ
عالمًا معروفًا لي فقط، وأنا أتجوَّل في ذلك العالم
المتلاشي، لم أواجه إلا الصمت والمذكِّرات. من بين كل
الذين عرفتُهم، كم لا يزالون أحياء
اليوم؟
… إذا كان ينبغي أن أموت خارج
فرنسا، أطلب ألا يعود جثماني إلى وطني الأصلي إلا بعد
خمسين عامًا من دفنه الأول. اتركوا بقاياي تتجنَّب
التشريح الدنس؛ لا تتركوا أحدًا يبحث في دماغي الخامل
وقلبي المُطفَأ ليكتشف سر وجودي. الموت لا يكشف أسرار
الحياة. فكرة سفر الجثة بالبريد تملؤني هلعًا، لكن
العظام الجافة والبالية تُنقل بسهولة. تكون أقل
إنهاكًا في تلك الرحلة الأخيرة مما كانت حين جرَرتُها
حول هذه الأرض، مثقلةً بأعباء
المشاكل.
بدأتُ العمل في تلك الصفحات صباح اليوم التالي لمكالمتي مع ألكس.
تمكَّنتُ من القيام بذلك لأنني كنتُ أملك نسخةً من الكتاب (طبعة بلياد
من جزأَين جمعه ليفيليان ومولنير، واكتمل بالاختلافات والملاحظات
والملاحق) وبقي في يديَّ ثلاثة أيامٍ فقط قبل وصول خطاب ألكس. في
وقتٍ سابق من ذلك الأسبوع، انتهيتُ من ترتيب مكتبتي الجديدة. لساعاتٍ
عديدةٍ يوميًّا أفرغ الكتب وأضعها على الأرفف، وفي موضعٍ ما في وسط
هذه العملية المملَّة، صادفْتُ شاتوبريان. لم أفتح «
المذكرات» لسنوات، لكن ذلك الصباح،
في فوضى غرفة المعيشة في فيرمونت، مُحاطًا بالخواء، والصناديق
المقلوبة وأبراج الكتب غير المصنَّفة، فتحتُها باندفاعٍ مرةً أخرى.
وكان أول ما وقعَتْ عيناي عليه فقرة قصيرة في المجلد الأول. يحكي
فيها شاتوبريان عن صحبة شاعرٍ بريتاني
٥ في رحلة إلى فيرساي في يونيو ١٧٨٩م. قبل أقلَّ من شهرٍ من
اقتحام الباستيل، وفي منتصف الطريق أثناء زيارتهما لمَحَا ماري
أنطوانيت تسير مع طفلَيها.
ملقية نظرةً باسمة
في اتجاهي، التحية اللطيفة نفسها التي تلقَّيتُها منها يوم العرض
الذي قدَّمتُه. لن أنسى أبدًا نظرتها تلك، التي سرعان ما تلاشت.
وماري أنطوانيت تبتسم، اتضح شكل فمها تمامًا (فكرة مروِّعة!)
حتى إن ذكرى هذه الابتسامة مكَّنتْني من التعرف على فك ابنة
الملوك هذه حين اكتُشف رأس المرأة السيئة الحظ في استخراج الجثث
في ١٨١٥م.
كانت صورةً رهيبةً مذهلة، ظلِلْتُ أفكِّر فيها طويلًا بعد أن أغلقْتُ
الكتاب ووضعتُه على الرف. الرأس المقطوع لماري أنطوانيت، استُخرج من
حفرة لرفات البشر. في ثلاث جُملٍ قصيرة، ينتقل شاتوبريان ستة وعشرين
عامًا. يمضي من اللحم إلى العظام، من حياةٍ لاذعة إلى موتٍ مجهول،
وفي الفجوة بينهما تكمن خبرة جيلٍ كامل، سنوات لا تُوصف من الرعب
والوحشية والجنون. أذهلَتني الفقرة وحرَّكَتني بطريقةٍ لم تحرِّكْني بها
كلماتٌ في عام ونصف. ثم، وبعد ثلاثة أيام من مواجهتي العارضة لتلك
الجُمل، استلمْتُ خطاب ألكس يطلب مني ترجمة الكتاب. هل كانت
مصادفة؟ كانت بالطبع، لكن حين شعرْتُ بأنني أردتُ أن يحدث ذلك — كما
لو أن خطاب ألكس أكمل بشكلٍ ما فكرةً عجزْتُ أن أُنهيَها. في الماضي،
لم أكن قط شخصًا يؤمن بهُراءٍ صوفيٍّ من هذا النوع. لكن حين تحيا كما
كنتُ أحيا حينذاك، كل شيء مغلَق بداخلك ولا تُبالي بالنظر إلى أي شيء
حولك، يبدأ منظورك يتغير؛ لأن الحقيقة كانت أن خطاب ألكس مؤرَّخ
بالإثنَين، اليوم التاسع، واستلمتُه الخميس، اليوم الثانيَ عشَر، بعد
ثلاثة أيام. وهذا يعني أنه حين كان في نيويورك يكتب لي عن الكتاب،
كنتُ في فيرمونت أُمسِك بالكتاب في يديَّ. لا أريد أن أؤكِّد على أهمية
الارتباط، لكن لا يمكن إلا أن أعتبره علامة. كان الأمر كما لو
أنني طلبْتُ شيئًا دون أن أعرفه، وفجأة استُجيب طلبي.
وهكذا استقرَّ بي الأمر وبدأْتُ العمل من جديد. نسيْتُ ما يتعلق
بهيكتور مان ولم أفكِّر إلا في شاتوبريان، دافنًا نفسي في سجلٍّ هائل
عن حياة لا علاقة لها بحياتي. وهذا ما راقني أكثر بشأن المهمة؛
المسافة، المسافة الهائلة بين نفسي وما أفعله. كان رائعًا أن
أُعسكِر لعامٍ في أمريكا عشرينيات القرن العشرين؛ وربما كان أفضل أن
أقضي أيامي في فرنسا القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر. سقط
الجليد على جبلي الصغير في فيرمونت، ولم أهتم. كنتُ في سان مالو
٦ وباريس، في أوهايو وفلوريدا، في إنجلترا وروما
وبرلين. كان الكثير من العمل آليًّا، ولأنني كنتُ خادم النص لا
مبدعه، فقد تطلب نوعًا مختلفًا من الطاقة عن النوع الذي بذلتُه في
كتابة «
العالم الصامت». الترجمة
تشبه إلى حدٍّ ما جرف الفحم. تغرفُه وترميه في الفرن. كل كتلة كلمة،
وكل جاروفٍ جملةٌ أخرى، وإذا كان ظهرك قويًّا بما يكفي ولديك الجلَد
لتبقَى على هذه الحال لثماني ساعات أو عشر، يمكنك أن تُبقيَ النار
حامية. ومع ما يقربُ من مليون كلمة أمامي، كنتُ مستعدًّا للعمل أطولَ
فترةٍ مطلوبة وبأقصى جهد، حتى لو كان الأمر يعني حرقَ
المنزل.
معظم ذلك الشتاء الأول لم أذهب إلى أيِّ مكان. مرةً كلَّ عشرة أيام،
كنتُ أقود السيارة إلى جراند يونيون في براتلبورو لأشتري طعامًا،
لكن كان هذا الشيء الوحيد الذي سمحتُ بأن يعوق روتيني. كانت
براتلبورو تبعُد مسافةً كبيرةً عن طريقي، لكن بقيادة هذه الأميال
العشرين الإضافية تصوَّرتُ أنني أستطيع تجنُّب مصادفة أي شخصٍ أعرفه.
كان سكان هامبتون يميلون إلى الشراء من جراند يونيون آخر شمال
الكلية مباشرة، وكانت فرص أن يصل أيٌّ منهم إلى براتلبورو ضئيلة.
لكن هذا لا يعني أنها لا يمكن أن تحدث، وعلى الرغم من تخطيطي
الحذِر، فقد كان للاستراتيجية في النهاية نتائجُ سلبيةٌ عليَّ. بعد
الظهيرة في مارس، وأنا أُحمِّل عربتي بورق التواليت في الممَر رقم
ستة، وجدتُ نفسي محاصَرًا بجريج وماري تليفسون. وأدَّى هذا إلى دعوة
للعشاء، ورغم أنني بذلتُ أقصى ما في وسعي للتهرُّب منها، ظلَّت ماري
تبدِّل المواعيد حتى انتهَى الأمر بي إلى أعذارٍ خيالية. وبعد اثنتَي
عشرةَ ليلة، قُدْتُ سيارتي إلى منزلهما على حافة حرم جامعة هامبتون،
على بُعد أقلَّ من ميلٍ عن المكان الذي عشتُ فيه أنا وهيلين والولدان.
لو كان الاثنان فقط، ربما ما كان الأمر ليُمثِّل لي هذه المحنة، لكن
جريج وماري قاما بدعوة عشرين آخرين، ولم أكن مستعدًّا لهذا الحشد.
كانوا جميعًا ودودين، بالطبع، وربما سعد معظمهم برؤيتي، لكنني
شعرتُ بالحرج، وبأنني على غير طبيعتي، وكلما فتحْتُ فمي لأنطق
بكلمةٍ أُخطئ. لم أعُد مطَّلعًا على شائعات هامبتون. افترضوا جميعًا
أنني أريد أن أسمع عن المؤامرات والمواقف المُحرِجة، حالات الطلاق
والعلاقات خارج الزواج، الترقيات والنزاعات الإدارية، لكنني
وجدتُها مملَّة بشكلٍ لا يُحتمل. كنتُ أبتعد عن المحادثة، وبعد لحظة أجد
نفسي محاطًا بمجموعةٍ أخرى تنهمك في محادثةٍ مختلفة لكنها مماثلة.
ولم يكن أيٌّ منهم عديم اللياقة بدرجة تجعلُه يذكُر هيلين
(الأكاديميون مؤدَّبون جدًّا فيما يتعلق بذلك)؛ ولذا تناولوا مواضيع
يُفترض أنها محايدة؛ مواد الأخبار الجديدة، السياسة، الرياضة. لم
يكن لديَّ فكرةٌ عما يتحدثون عنه. لم أُلقِ نظرة على صحيفة لأكثر من
عام، وبقَدْر اهتمامي، ربما كانوا يشيرون إلى أحداثٍ تحدث في عالمٍ
آخر.
بدأ الحفل والجميع يحتشدون في الطابق الأرضي، يتجوَّلون في الغرف
وخارجها، متجمِّعين معًا لبضع دقائق ليتفرَّقوا لتشكيل مجموعاتٍ أخرى
في غرفٍ أخرى. ذهبتُ من غرفة المعيشة إلى غرفة الطعام إلى المطبخ
إلى المُختلى، وفي لحظةٍ ما التحق بي جريج ووضع كأس سكوتش وصودا في
يدي. أخذتُها دون أن أشكره، ولأنني كنتُ قلقًا ومرتبكًا، تجرَّعتُها في
حوالَي أربع وعشرين ثانية. كانت أول قطرة من الكحول تدخل فمي منذ
أكثر من عام. استسلمتُ لإغواءات الميني بارات في فنادقَ مختلفة
وأنا أقوم ببحثي عن هيكتور مان، لكنني أقسمْتُ ألا أتناول أي
مشروبٍ كحولي بعد أن انتقلْتُ إلى بروكلين وبدأْتُ تأليف الكتاب.
لم أكن أتوقُ إلى الشراب بشدة حين لا يكون متوفرًا بالقرب مني،
لكنني كنتُ أعرف أنني على بُعد بضع لحظاتٍ هشة من التسبُّب في مشكلةٍ
سيئةٍ لنفسي. أقنعَني سلوكي بعد سقوط الطائرة بذلك، ولو لم أُنقِذ
نفسي وأغادر فيرمونت حين غادرْتُها، ربما لم أعشْ طويلًا لأحضُر
حفلة جريج وماري — ناهيك عن أكون في موقف التساؤل عما جعلَني أعود
بحقِّ الجحيم.
بعد أن أنهيتُ الشراب، ذهبتُ إلى البار لملء الكأس مرةً أخرى،
لكنني هذه المرة استغنيْتُ عن الصودا ووضعْتُ ثلجًا فقط. في المرة
الثالثة تناسيتُ الثلج وصبَبتُ الخمر فقط.
حين تم إعداد العشاء، اصطفَّ الضيوف حول المائدة الممتلئة بأطباق
الطعام، ثم تبعثروا في الأجزاء الأخرى من المنزل بحثًا عن مقاعد.
انتهَى بي الأمر على كنبة في المُختلى، محصورًا بين مسند الذراع
وكارين مولَّر، أستاذ مساعد في قسم اللغة الألمانية. كان اتزاني
حينذاك مختلًّا قليلًا بالفعل، وأنا أجلس ومعي طبقٌ من السلطة
وشريحة لحم متوازنًا بصورةٍ غيرِ مستقرة على ركبتي، استدرتُ لأستعيد
كأسي من خلف الأريكة (حيث وضعتُه قبل أن أجلس)، وبمجرد أن أمسكتُ
بالكأس سقط من يدي. تناثرَت دفقةٌ كبيرة من الجون ووكر على عنق
كارين، وبعد لحظة، سقط الكأس على ظهرها. قفزَت — كيف لا تقفز؟ —
وحين قفزَت، أسقطَت طبقَها من اللحم والسلطة، الذي لم يُسقِط فقط
طبقي مهشَّمًا على الأرض، لكنه استقرَّ مقلوبًا في حَجْري.
لم تكن كارثةً كبيرة، لكنني كنتُ قد شربْتُ كثيرًا فلم أعرف ذلك،
وببنطلونٍ منقوع في زيت الزيتون وقميصٍ تناثر عليه الحَسَاء، تفوَّهْتُ
بإهانات. لا أتذكَّر ماذا قلْتُ، لكنه كان شيئًا قاسيًا ومهينًا،
كلامًا لا مبرر له تمامًا. بقرة
خرقاء. أظن أنه كان كذلك. لكن ربما كان أيضًا
بقرة غبية، أو بشكلٍ آخر
بقرة غبية خرقاء. وبصرف
النظر عن الكلمات فقد عبَّرت عن غضبٍ ينبغي ألا يتم التعبير عنه
أبدًا تحت أي ظرف، وخاصةً حين يمكن أن يُسمع في غرفةٍ تغصُّ بأساتذةٍ
جامعيين متوتِّرين ومنفعلين. وربما لا تكون هناك حاجةٌ لإضافة أن
كاري لم تكن غبية أو خرقاء، ولا تشبه البقرة بحالٍ من الأحوال،
كانت امرأةً هيفاء وجذَّابة في أواخر الثلاثينيات من العمر تدرِّس
مناهج عن جوته وهولدرلين ولم يظهر منها نحوي قَط إلا أعظم احترامٍ
وعطف. قبل الحادث بثوانٍ فقط، دعَتْني لإلقاء محاضرة لأحد فصولها،
وكنتُ أسلِّك حنجرتي وأستعدُّ لأخبرها بأنني ينبغي أن أفكِّر في الأمر
حين سُكِب الشراب. كانت غلطتي تمامًا، وعلى الفور استدرتُ لألقي
باللوم عليها. كانت نوبةً مثيرةً للاشمئزاز، وبرهانًا آخر على أنني
لم أكن في حالةٍ تسمح لي بمغادرة قفَصي. كانت كارين بمثابة بداية
لطيفة بالنسبة لي؛ فقد قدَّمَت إشاراتٍ عابرةً خفية عن استعدادها
لمزيد من المحادثات الحميمية في أيِّ مواضيع، وأنا، الذي لم يكن قد
لمس امرأةً لعامَين تقريبًا، وجدتُ نفسي أستجيبُ لتلك التلميحات
الخفية تقريبًا متخيلًا، بالطريقة الفجَّة والسوقية لرجل في دمائه
قدٍرٌ كبير جدًّا من الكحول، كيف تبدو عارية. هل هذا ما جعلَني
أنهشُها بهذه الشراسة؟ هل كان اشمئزازي من نفسي هائلًا جدًّا حتى
كان عليَّ أن أعاقبها لأنها أيقظَت ومضةً من الإثارة الجنسية في
نفسي؟ أم كنتُ أعرفُ سرًّا أنها لم تكن تفعل شيئًا من هذا النوع، وأن
المسرحية الصغيرة كلها من ابتكاري، لحظة من الشبق جلبها الاقتراب
من جسدٍ دافئٍ عطِر؟
ومما جعل الأمور أسوأ أنني لم أنبِس بكلمةِ أسف حين بدأَت تبكي.
كنا جالسَيْن حينذاك، وحين رأيتُ الشفة السُّفلَى لكارين تبدأ في
الارتجاف وزوايا عينَيها تمتلئان بالدموع، كنتُ سعيدًا، متهللًا
تقريبًا نتيجة الذعر الذي أحدثْتُه. كان في الغرفة حينذاك ستةٌ
آخرون أو سبعة، استداروا جميعًا في اتجاهنا بعد أول صرخة دهشةٍ من
كارين. وجلب صخبُ قعقعة الطبقَين عددًا من الضيوف الآخرين إلى
العتبة، وحين تفوَّهتُ بتعليقي الشنيع كان هناك على الأقل دستةٌ من
الشهود الذين سمعوها. بعد ذلك ساد الصمت. كانت لحظة صدمةٍ جماعية،
وبعد ثانيتَين لم يكن أحدٌ يعرف ماذا يقول أو يفعل. في ذلك الفاصل
الضئيل من الذهول والشك، تحوَّلَت الإساءة لكارين إلى غضب.
قالت: ليس لك الحق في أن تحدِّثني بهذا الشكل يا ديفيد. من
أنت؟
لحسن الحظ كانت ماري بين مَن أتَوْا إلى المدخل، وقبل أن أتسبَّب في
إحداث أي ضررٍ آخر، اندفعَت إلى الغرفة وأمسكَت بذراعي.
قال لكارين: لم يقصد ديفيد ذلك. هل كنتَ تقصدُ يا ديفيد؟ كان مجرد
شيءٍ من تلك الأشياء التي تقفز دون تفكير.
كنتُ أريد أن أقول شيئًا فظًّا ومناقضًا، شيئًا يُثبِت أنني أعني
كلَّ كلمة قلْتُها، لكنني أمسكْتُ لساني. تطلَّب القيام بذلك كل قواي
في السيطرة على نفسي، لكن ماري كانت تحاول بأقصى جهدٍ أن تكون
حمامةَ سلام، وكان جزءٌ مني يعرف أنني سأندم إذا تسبَّبتُ لها في مزيد
من المشاكل. ورغم ذلك لم أعتذر، ولم أحاول أن أتصرَّف بلطف. بدلًا
من أن أقول ما كنتُ أودُّ أن أقوله، حررْتُ ذراعي من قبضتها وغادرْتُ
الغرفة، خارجًا من المختلى وعبْر غرفة المعيشة وزملائي القدامى
يتطلعون إليَّ ولا يقولون شيئًا.
صَعِدْتُ مباشرة إلى غرفة نوم جريج وماري. كانت خطَّتي أن أنتزع
أشيائي وأغادر، لكن سترتي كانت مدفونة تحت كومٍ هائل من المعاطف
على السرير، فلم أستطع العثور عليها. بعد التفتيش لوهلةٍ قصيرة،
بدأْتُ رمي المعاطف على الأرضية، مستبعدًا الاحتمالات لأبسِّط
بحثي. بالضبط حين أتيتُ إلى نقطة المنتصف — كانت المعاطف على
الأرضية أكثر من المعاطف على السرير — دخلَت ماري الغرفة. كانت
امرأةً قصيرةً مستديرةَ الوجه بشعرٍ أشقر مجعَّد ووجنتَين محمرَّتَين، وهي
تقفُ في المدخل ويداها على وركيها، فهمْتُ على الفور أنها لم تعُد
ترغب في التعامل معي. شعرْتُ وكأنني طفلٌ على وشك أن توبِّخه
أمه.
قالت: ماذا تفعل؟
– أبحث عن معطفي.
– إنه في خزانة الطابق الأرضي. ألا تتذكَّر؟
– اعتقدْتُ أنه هنا.
– إنه في الطابق الأرضي. وضعه جريج في الخزانة حين أتيْتَ. كنْتَ
الشخصَ الذي وجدَ شماعةً له.
– حسنًا، سأبحث عنه في الطابق الأرضي.
لكن ماري لم تكن لتتركني أنصرف بهذه السهولة. خطَت بضعَ خطواتٍ
أخرى إلى داخل الغرفة، انحنت لتتناول معطفًا، وألقت به غاضبةً على
السرير. ثم التقطَت معطفًا آخر ورمَت هذا المعطف أيضًا على السرير.
واصلَتْ جمع المعاطف، وفي كل مرة تقذف معطفًا آخر على السرير، كانت
تتوقف عما تقوله وسط الجملة. كانت المعاطف مثل علامات الترقيم —
شرطات مفاجئة، حذف متسرع، علامات تعجب عنيفة — وكل علامة تخترق
كلماتها مثل فأس.
قالت: حين تنزل إلى الطابق الأرضي، أريد أن … تُصالِح كارين …
لا يعنيني إن كان عليك أن تنزل على ركبتَيك … وتتضرَّع لها
لتسامحك … الجميع يتحدَّثون عن الموضوع … وإذا لم تفعل ذلك من
أجلي الآن يا ديفيد … فلن أدعوك إلى هذا المنزل مرة أخرى.
رددْتُ: بدايةً لم أكن أريد المجيء. لو لم تَلْوي ذراعي ما كنتُ
لآتي إلى هنا قَط لأهين ضيوفك. كان يمكنك أن تقيمي حفلتك المملَّة
العديمة الطعم التي اعتدتِ أن تقيميها دائمًا.
– إنك تحتاج إلى مساعدة يا ديفيد … لا أنسى ما مرَرْتَ به … لكن
الصبر طال جدًّا … اذهب لزيارة طبيبٍ قبل أن تُدمر حياتك.
– أعيشُ الحياة الممكنة بالنسبة لي، ولا تتضمَّن الذهاب إلى حفلاتٍ في
منزلك.
ألقتْ ماري بالمعطف الأخير على السرير، ولسببٍ غير مفهوم جلسَت
فجأة وبدأَت تبكي.
قالت بصوتٍ هادئ: اسمعْ يا غبي. أحبِّها أيضًا. تزوجْتَها، لكن
هيلين كانت أفضل أصدقائي.
– لا لم تكن. كانت أفضل أصدقائي. وكنت أفضل أصدقائها. لا شأن لك
بهذا يا ماري.
وضع هذا الرد نهاية للحديث. كنتُ قاسيًا جدًّا معها، قاطعًا في
رفضي لمشاعرها فلم تعد قادرة على التفكير في شيءٍ آخر تقوله. حين
غادرْتُ الغرفة، كانت تجلس وظهرها لي، تهزُّ رأسها إلى الأمام
والخلف ناظرة إلى المعاطف.
•••
بعد يومَين من الحفلة، جاءت كلمةٌ من مطبعة جامعة بنسلفانيا
بالموافقة على نشر كتابي. كنتُ حينذاك قد وصلتُ إلى مائة صفحة
تقريبًا في ترجمة شاتوبريان وحين ظهر «العالم الصامت لهيكتور مان» بعد سنة، كنتُ قد
ترجمتُ ألفًا ومائتَي صفحةٍ أخرى. وإذا واصلْتُ العمل بهذه السرعة،
يمكن أن أنتهي من المسوَّدة في سبعة أشهر أو ثمانية. وبإضافة وقتٍ
إضافي للمراجعات والتقلُّب في المزاج أو الرأي، في أقلَّ من عامٍ يمكن
أن أسلِّم المخطوطة الكاملة لألكس.
وكما تبيَّن استمر هذا العام ثلاثة أشهرٍ فقط. انتهيتُ من مائتَين
وخمسين صفحةً أخرى، ووصلتُ إلى الفصل عن سقوط نابليون في الكتاب
الثالث والعشرين (المآسي والعجائب توائم،
إنها تولد معًا)، ثم في مساءٍ رطبٍ وعاصفٍ في بداية
الصيف، وجدْتُ خطاب فريدة سبلينج في صندوقٍ بريدي. أعترفُ بأنني
أُخِذْتُ به في البداية، لكن بمجرد أن أرسلْتُ الرد وفكَّرتُ في
الأمر قليلًا، أقنعْتُ نفسي بأنه خدعة. ولا يعني ذلك أنني كنتُ
مخطئًا في الرد عليها، لكن وقد أمَّنْتُ رهاناتي، افترضْتُ أن
مراسلتنا ستنتهي عند هذا الحد.
بعد تسعة أيام، استلمتُ خطابًا آخر منها. استخدمَت هذه المرة
ورقةً كاملة، وفي قمة الصفحة كتلةٌ من الكتابة المزخرفة بالأزرق
تحمل اسمها وعنوانها. كنتُ أدرك مدى بساطة إنتاج ورقٍ شخصي عليه
بياناتٌ زائفة، لكن لماذا يتكبد شخصٌ عناء محاولة خداع شخصٍ بانتحال
اسم شخصٍ لم أسمع عنه قط؟ اسم فريدة سبلينج لم يكن يعني شيئًا لي.
ربما كانت زوجة هيكتور مان، وربما كانت مجنونة تعيش وحدها في كوخٍ
مهجور، لكن لم يعُد هناك معنًى لإنكار أنها حقيقية.
كتبَت: أستاذي العزيز، شكوكُك مفهومة
تمامًا، ولا يدهشني إطلاقًا أنك متردِّد في تصديقي. الطريقة
الوحيدة لمعرفة الحقيقة أن تقبل الدعوة التي وجهتُها لك في
خطابي السابق. طِر إلى تيرا ديل سوينو وقابل هيكتور. إذا
أخبرتُك بأنه كتب وأخرج عددًا من الأفلام الروائية بعد مغادرة
هوليوود في ١٩٢٩م — وأنه ينوي عرضَها لك هنا في المزرعة — ربما
يُغريك هذا بالمجيء. هيكتور في التسعين تقريبًا وصحتُه منهارة.
تطلب مني وصيتُه تدميرَ الأفلام ونيجاتيف تلك الأفلام في خلال
أربعٍ وعشرين ساعة من موته، ولا أعرف كم سيبقَى على قيد الحياة.
من فضلك اتصل بي سريعًا. متطلِّعة إلى ردك، مع فائق احترامي،
فريدة سبلينج (مسز هيكتور مان).
مرةً أخرى، لم أسمح لنفسي بالتعجُّل. كان ردِّي مختصرًا ورسميًّا
وربما حتى فظًّا بعض الشيء، لكن قبل أن ألتزم بأي شيء، كان عليَّ
أن أتأكَّد إن كان يمكن الوثوق بها. كتبْتُ: أود
أن أصدِّقك، لكن ينبغي أن أحصل على برهان. إذا كنتِ تتوقَّعين أن
أقطع كل هذه المسافة إلى نيو مكسيكو، أحتاج إلى أن أعرف
مصداقية تصريحاتك وأن هيكتور مان حيٌّ حقًّا. بمجرد إزالة شكوكي
سآتي إلى المزرعة. لكن يجب أن أنبِّهك إلى أنني لا أسافر
بالطائرة، المخلص د. ز.
لم يكن هناك شك في أنها ستعاود الاتصال — إن لم أكن قد
أفزعْتُها. إن كنتُ قد فعلتُ ذلك، فإنها تعترف ضمنيًّا بأنها خدعَتْني،
وتنتهي القصة. لم أكن أظنُّ أن الحال كذلك، لكن بصرف النظر عما كانت
على وشك القيام به أو عدم القيام به، لم يكن الأمر ليستغرقَ وقتًا
طويلًا لأكتشفَ الحقيقة. كانت نبرة خطابها الثاني ملحَّة، متوسِّلة
تقريبًا، وإذا كانت حقًّا كما تقول، فإنها لن تضيع أيَّ وقتٍ قبل أن
تكتبَ لي مرةً أخرى. كان الصمتُ يعني أنني قد وصفتُها بالمخادعة،
لكنها إذا ردَّتْ — وأتوقَّع تمامًا أن ترُد — فسيأتي الخطاب سريعًا.
استغرق الأمر تسعة أيام ليصلني الخطاب السابق. وإذا تساوت كل
الأشياء (لا تأخير، لا أخطاء في مكتب البريد)، تصوَّرتُ أن التالي
سيأتي حتى أسرع من ذلك.
بذلْتُ أقصى ما في وسعي لأظل هادئًا، لألتزم بروتيني وأواصل
ترجمة «المذكِّرات»، لكن دون
جدوى. كنت مُشَتَّتًا جدًّا، قلِقًا جدًّا بدرجة لا تجعلني أنتبه لها
كما ينبغي، وبعد الكفاح للوفاء بحصَّتي لعدة أيامٍ متتابعة، أعلنْتُ
في النهاية التوقف عن المشروع. متألقًا ومبكرًا في صباح اليوم
التالي، زحفتُ إلى الخزانة في غرفة النوم الإضافية، وأخرجتُ ملفَّات
بحثي القديم عن هيكتور، وقد وضعتُها في كراتين بعد أن انتهيتُ من
الكتاب. كانت هناك ستُّ كراتين، خمسٌ منها تضُم ملاحظات مخطوطتي
وخطوطها العريضة ومسوَّداتها، وكانت الكرتونة الأخرى مكدَّسة بكل
أنواع المواد النفيسة؛ القُصاصات، الصور الفوتوغرافية، الوثائق
المصوَّرة بالميكروفيلم، والمقالات المصوَّرة، سخرية لاذعة من أعمدة
الشائعات القديمة، كل ما استطعتُ أن أضع يدي عليه من قصاصاتٍ مطبوعة
تشير إلى هيكتور مان. لم أكن قد ألقيتُ نظرةً على هذه الأوراق لفترةٍ
طويلة، ومع عدم وجود أي شيءٍ أفعلُه إلا انتظار فريدة سبلينج مرةً
أخرى، حملتُ الكرتونة إلى غرفة مكتبي، وقضيتُ بقية الأسبوع أفتِّش
فيها. لم أكن أتوقَّع أن أعرفَ شيئًا لا أعرفُه بالفعل، لكن محتويات
الملف أصبحَت حينذاك مبهمةً إلى حدٍّ ما بالنسبة لي، وشعرتُ بأنه يستحق
نظرةً أخرى. معظم المعلومات التي جمعْتُها كانت غير جديرة بالثقة؛
مقالات من صحفٍ شعبية، تفاهات من مجلات التسلية، نُتَف من تحقيقاتٍ
صحيفة عن السينما تعجُّ بالغُلو، افتراضات خاطئة، وكذب ساحق. ويبقى
أنني ما دمتُ أتذكَّر ألَّا أصدِّق ما أقرأ، لم أرَ أن التمرينَ يمكن أن
يتسبَّب في أيِّ أذًى.
كان هيكتور موضوعَ أربعِ لمحاتٍ مختصرة كُتبَت بين أغسطس ١٩٢٧م
وأكتوبر ١٩٢٨م. ظهرَت اللمحة الأولى في المجلة الشهرية «بوليتين»
التي تصدُر عن كاليدوسكوب، جهاز الدعاية لشركة الإنتاج التي أسَّسها
هانت حديثًا، كانت أساسًا بيانًا صحفيًّا ينوِّه بالعَقْد الذي وقَّعوه
مع هيكتور، وحيث لم يكُن يعرفُ عنه إلا القليل في ذلك الوقت، كانوا
أحرارًا في ابتكار أية قصةٍ تخدم أغراضهم. كانت تلك هي الأيام
الأخيرة
للعاشق اللاتيني
لهوليوود، الفترة التي تلَت مباشرةً موت فالنتينو
٧ حين كان الأجانب الغرباء السود لا يزالون يُشكِّلون
حشودًا كبيرة، وحاولت «كاليدوسكوب» الاستفادة من الظاهرة بإدخال
هيكتور باعتباره
سنيور المزَح
الهَزْلية،
محبوب أمريكا
الجنوبية بلمسةٍ كوميدية. ولدعم هذا التأكيد لفَّقوا
قائمةً مثيرةً من الأرصدة، مسيرة كاملة يفترضُ أنها تسبق وصوله إلى
كاليفورنيا. عروض في قاعات الموسيقا في بوينس أيرس، جولات فوديفيل
ممتدة في أرجاء الأرجنتين والبرازيل، سلسلة من الأفلام التي حقَّقَت
نجاحًا ساحقًا أُنتجَت في المكسيك. بتقديم هيكتور نجمًا راسخًا
بالفعل، كان يمكن لهانت أن يحقِّق سمعةً لنفسه باعتباره رجلًا عينُه
على المواهب. لم يكن مجرد وافدٍ جديد على هذا العمل، كان رئيس
استوديو ماهرًا ومغامرًا زايد على منافسيه في استيراد ممثلٍ أجنبي
مشهورٍ وفرضه على الجمهور الأمريكي. كانت كذبةً من السهل تمريرها.
لم يكن أحدٌ ينتبه لما يحدث في البلاد الأخرى، رغم كل شيء، ومع
العدد الكبير جدًّا من الاحتمالات المتخيَّلة للاختيار من بينها،
لماذا يتم تطويقُها بالحقائق؟
وبعد ستة أشهر، قدَّم مقال في عدد فبراير من «فوتوبلاي» رؤيةً أكثرَ واقعيةً لماضي
هيكتور. كانت قد عُرضَت له عدة أفلامٍ حينذاك، وكان الاهتمام بأعماله
يتزايد في أرجاء البلاد، وتقلصَت دون شك الحاجة إلى تشويه حياته
السابقة. كتبَت القصة مراسلةٌ للصحيفة اسمها بريجيد أوفالون، ومن
تعليقها في الفقرة الأولى عن النظرة
الثاقبة لهيكتور ورشاقة
عضلاته، نفهم على الفور أن هدفَها الوحيد أن
تمتدحه. مفتونة بلكنته الإسبانية الثقيلة، ومع ذلك تمتدحه لطلاقة
إنجليزيته، وتسأله لماذا يحمل اسمًا ألمانيًّا. يجيب هيكتور:
الأمر بسيطٌ جدًّا. وُلِد أبواي في
ألمانيا، وأنا أيضًا. نهاجر جميعًا إلى الأرجنتين وأنا طفلٌ
صغير. أتحدَّث الألمانية معهما في البيت، والإسبانية في
المدرسة. وتأتي الإنجليزية بعد ذلك، حين أذهب إلى أمريكا.
الفولاذ ليس جيدًا جدًّا. ثم تسأله مس أوفالون عن
المدة التي قضاها هنا، ويقول هيكتور: ثلاث سنوات. وهذا بالطبع
يناقض المعلومات المنشورة في بوليتين كاليدوسكوب، وحين يواصل هيكتور ليشرح بعض
الوظائف التي شغلها بعد وصوله إلى كاليفورنيا (مساعد نادل، بائع
مكانس كهربائية، حفَّار خنادق)، لا يذكُر أي عملٍ سابق في تقديم
العروض. ناهيك عن مسيرة الأمريكي اللاتيني المتألق التي حوَّلَته إلى
اسمٍ مألوف.
ليس من الصعب استبعادُ مبالغاتِ قسم دعاية هانت، لكن لمجرد أنهم
تجاهلوا الحقيقة لا يعني أن قصة «فوتوبلاي» لم تعُد دقيقةً أو قابلةً للتصديق. في عدد
مارس من «بكتشر جوير»، يكتب
صحفيٌّ اسمه راندال سيمز عن زيارة هيكتور لمجموعة تشابك التانجو ويندهش تمامًا حين يجد
أن آلة الضحك الأرجنتيني هذا يتحدَّث
إنجليزيةً خاليةً من الأخطاء، بدون أي أثر للكْنة، لو لم تكن
تعرف من أين أتى، فسوف تقسم على أنه نشأ في مدينة ساندوسكي في
ولاية أوهايو. يقصد بها سيمز المجاملة، لكن
ملاحظته تثير أسئلةً محيِّرة عن أصول هيكتور. حتى إذا قَبِلنا أن
الأرجنتين المكان الذي قضى فيه طفولته، يبدو أنه غادرها إلى
أمريكا في فترةٍ مبكِّرة عما تُوحي به المقالات الأخرى. في الفِقرة
التالية، يذكُر سيمز أن هيكتور يقول: كنتُ
ولدًا سيئًا جدًّا. ألقَى بي والداي خارج المنزل وأنا في
السادسة عشرة، ولم أنظر قَط للخلف. وفي النهاية، شققتُ طريقي
إلى الشمال ونزلتُ في أمريكا. ومن البداية لم تكن هناك إلا
فكرةٌ وحيدةٌ في عقلي؛ أن أنجح في التمثيل. الرجل
الذي نطق بهذه الكلمات لا يحمل أي شبه بالرجل الذي تحدَّث إلى
بريجيد أوفالون قبل شهر. هل قلَّد اللكنة الثقيلة على سبيل الدعابة
للفوتوبلاي، أم إن سيمز شوَّه
الحقيقة متعمدًا، مؤكدًا على براعة هيكتور في الإنجليزية وسيلة
لإقناع منتجيه بإمكانياته ممثلًا ناطقًا في الشهور والسنوات
التالية؟ ربما اجتمع الاثنان معًا في المقال، وربما دفع طرفٌ ثالث
لسيمز — يُحتمل أن يكون هانت، الذي كان غارقًا حينذاك في المشاكل
المالية. هل كان هانت يحاول زيادة قيمة تسويق هيكتور ليصفِّي خدماته
لشركة إنتاجٍ أخرى؟ من المستحيل أن نعرف، لكن بصرف النظر عن دوافع
سيمز، ومهما يكن السوء الذي حرَّفَت به أوفالون تصريحاتِ هيكتور، لا
يمكن التوفيقُ بين المقالَين، بصرف النظر عن عدد الأعذار التي قد
يلتمسها المرء للصحفيين.
ظهر آخر حوارٍ منشور لهيكتور في عدد أكتوبر من بكتشر بلاي. لدعم ما قاله لبي تي
باركر — أو على الأرجح ما يودُّ باكر أن نصدِّق أنه قاله — يبدو من
المرجَّح أن ولدنا كان له يدٌ في خلق هذا الارتباك بنفسه. في هذه
المرة والداه من مدينة ستانيسلي على الحافة الشرقية للإمبراطورية
النمسوية المجرية، واللغة الأولى لهيكتور البولندية، لا
الألمانية. يرحلون إلى فيينا وهو في الثانية من العمر، ويبقَون
هناك لستة أشهر، ثم يذهبون إلى أمريكا، حيث يقضون ثلاثة أعوام في
نيويورك وعامًا في ميدويست قبل أن يغادروا مرةً أخرى ويستقرُّوا في
بوينس أيرس. يقاطعه باركر ليسأله عن المكان الذي عاشوا فيه في
ميدويست، ويردُّ هيكتور بهدوء: مدينة ساندوسكي في ولاية أوهايو. قبل
ذلك بستة أشهر بالضبط، ذكَر راندال سيمز ساندوسكي في مقاله في
بيكتشر جوير — ليس بوصفها
مكانًا حقيقيًّا بل بوصفها مكانًا مجازيًّا، بوصفها ممثلةً للمدن
الأمريكية. الآن يحدِّد هيكتور هذه المدينة ويضعُها في قصته، ربما لا
لسببٍ إلا لأنه منجذبٌ للموسيقا الجشَّة الموقَّعة للكلمتَين:
سان-دوس-كي، أو-هاي-و، لها رنينٌ ممتع، تقطيع
لمقاطعَ ثلاثية بكل القوة والدقة في تعبيرٍ شعري دقيق. يقول إن أباه
كان مهندسًا مدنيًّا متخصصًا في إنشاء الكباري. وكانت أمه، أجمل
امرأة على وجه الأرض، راقصةً ومطربةً ورسَّامة. هام هيكتور بالاثنَين
كليهما، وكان طفلًا متدينًا مهذَّبًا (على عكس الصبي السيئ في
مقال سيمز)، حتى موتهما التراجيدي في حادث مَرْكب وهو في الرابعة
عشرة، كان يخطِّط ليقتفي خُطَى أبيه ويصبح مهندسًا. وقد غيَّر الفقد
المفاجئ لوالدَيْه هذا كله. ويقول إنه من اللحظة التي أصبح فيها
يتيمًا كان حُلمه الوحيد أن يعود إلى أمريكا ويبدأ حياةً جديدةً
هناك. تطلَّب الأمر سلسلةً طويلةً من المعجزات قبل أن يحدث ذلك، لكنه
وقد عاد يشعُر بشكلٍ مؤكَّد أن هذا هو المكان الذي كان يسعى إليه
دائمًا.
قد تكون بعضُ هذه التصريحات صحيحة، لكن ليس الكثير منها، وربما
لا يكون من بينها تصريحٌ واحدٌ صحيح. إنها النسخة الرابعة التي
قدَّمَها عن ماضيه، وبينما فيها كلها بعض العناصر المشتركة (أبوان
يتحدثان الألمانية أو البولندية، قضاء فترة في الأرجنتين، الهجرة
من العالَم القديم إلى العالَم الجديد)، يخضع كل شيءٍ آخر للتغيير.
إنه حازمٌ وعملي في تقرير، رعديد وعاطفي في التقرير التالي. إنه
مثيرٌ للمشاكل عند صحفي، مطيعٌ وورِعٌ عند الآخر؛ نشأ ثريًّا، نشأ
فقيرًا؛ يتحدث بلكنةٍ ثقيلة، يتحدث من دون لكنةٍ على الإطلاق. وبوضع
هذه المتناقضات معًا لن تصل إلى شيء، بورتريه لرجلٍ بشخصياتٍ كثيرة
جدًّا وتواريخ عائلية بحيث يتقلص إلى كومٍ من النِّتَف، لغزٌ محير لم
تعُد أجزاؤه مترابطة. في كل مرة يُطرح عليه سؤال، يقدِّم إجابةً
مختلفة. تتدفَّق منه الكلمات، لكنه مصمِّم على ألا يقول أبدًا الكلام
نفسه مرتَين. يبدو أنه يخبِّئ شيئًا ما، أنه يحافظ على سِر، لكنه يشرع
في التشويش عليه برشاقةٍ ومزاجٍ طيبٍ متألق لا يبدو أن أحدًا يلاحظه.
لا يستطيع الصحفيون مقاومته. يُضحكهم، يُلهيهم بحيلٍ سحريةٍ صغيرة،
وبعد بُرهة يتوقَّفون عن الضغط عليه بشأن الحقيقة ويستسلمون لقوة
الأداء. يواصل هيكتور التحليق، متمايلًا بجنونٍ من الشوارع
المرصوفة بالحصى في فيينا إلى مسطحاتٍ بأسماءٍ رنانة في أوهايو،
وتبدأ أخيرًا تتساءل إن كانت هذه مباراةَ خداع أم مجردَ محاولةٍ
حمقاء لطرد الضجَر. ربما تكون أكاذيبُه بريئة. ربما لا يُحاوِل خداع
أحد بقَدْر ما يبحث عن طريقة للتسلية. يمكن أن تكون المقابلات عمليةً
مملَّة رغم كل شيء. إذا ظل الجميع يسألونك الأسئلة نفسها، ربما يكون
عليك أن تأتي بإجاباتٍ جديدة لمجرد أن تبقَى يقظًا.
لا شيء مؤكَّد، لكن بعد تمحيصِ هذا الخليط من الذكريات المخادعة
والحكايات الزائفة، شعرْتُ بأنني اكتشفْتُ حقيقةً صغيرة. في
المقابلات الثلاث الأولى، يتجنَّب هيكتور ذِكْر المكان الذي وُلِد فيه.
حين تسأله أوفالون، يقول ألمانيا؛ وحين يسأله سيمز، يقول النمسا؛
لكنه لم يقدِّم في الحالتَين أي تفاصيل: لم يذكُر البلدة أو المدينة
أو المنطقة. فقط وهو يتحدَّث لباركر يُسهِب قليلًا ويملأ الفراغات.
كانت ستانيسلاف ذات يوم جزءًا من المجر النمساوية، لكن بعد تفكُّك
الإمبراطورية في نهاية الحرب، ضُمَّت إلى بولندا. بولندا بلدةٌ بعيدة
بالنسبة للأمريكيين، أبعد بكثير من ألمانيا، وهيكتور يفعل كل ما
يستطيع ليقلِّل من غربته، كان إقرارًا غريًبا منه أن يعتبر هذه
المدينة مكان ميلاده. وكان السبب الوحيد المحتمل بالنسبة له
للإقرار بذلك، على ما بدا لي، أنه إقرارٌ صحيح. لم أستطِع تأكيد هذا
الشك، لكن لا معنَى لأن يكذبَ بشأنه. لم تكن بولندا لتحسِّن من وضعه،
وإذا كان ينوي اختلاق خلفيةٍ زائفةٍ لنفسه، فلماذا يهتمُّ بذِكْرها على
الإطلاق؟ كانت غلطة، انحرافًا مؤقتًا للانتباه، ويسمع باركر هذه الزلَّة
من اللسان قبل أن يحاولَ هيكتور إصلاح التلف. إذا كان قد جعل نفسه
للتوِّ غريبًا جدًّا فإنه الآن سوف يصحِّح الخطأ بالإلحاح على شهاداته
الأمريكية. يأتي إلى نيويورك، مدينة المهاجرين، ثم يكرِّر تغيير
الموطن بالانتقال إلى المنطقة الرئيسية. ذلك حيث تظهر مدينة
ساندوسكي في ولاية أوهايو في الصورة. ينتزع الاسم منه بيسر،
متذكرًا إياه من نبذة كُتبَت عنه قبل ستة أشهر، ثم يُلقي به على بي
تي باركر على غير توقُّع. يخدم الاسمُ غرضَه جيدًا. يتم تحويل الصحفي
عن مساره، وبدلًا من أن يطرحَ عليه مزيدًا من الأسئلة عن بولندا،
يتراجع في مقعده ويبدأ الحديث مع هيكتور عن حقول الفِصْفَصَة في
الميدويست.
تقع ستانيسلاف جنوب نهر الدنيستر
٨ مباشرة، في منتصف الطريق بين لفوف وشيرنوفيتز في
إقليم جاليشيا.
٩ إذا كانت هذه هي المقاطعة التي قضى فيها هيكتور
طفولته، فهناك سببٌ حقيقي لافتراض أنه وُلِد يهوديًّا. حقيقة أن
المنطقة مكتظة بالمستوطنات اليهودية لم تكن كافيةً لإقناعي، لكن
باجتماع السكان اليهود وحقيقة أن أسرته غادرَت المنطقة يصبح
البرهان مقنعًا تمامًا. اليهود هم الذين غادروا ذلك الجزء من
العالَم، وبداية مع المذابح الروسية في ثمانينيات القرن التاسع
عشر، تناثر مئاتُ الألوف من المهاجرين الناطقين بالأييدية
١٠ عبْر أوروبا الغربية والولايات المتحدة. وذهب كثيرٌ
منهم إلى أمريكا الجنوبية أيضًا. في الأرجنتين وحدها زاد السكان
اليهود من ستة آلاف إلى أكثر من مائة ألفٍ بين منعطف القرن ونشوب
الحرب العالمية الأولى. لا شك في أن هيكتور وأسرته انضَموا إلى تلك
الأعداد. وإذا لم يكونوا قد انضَموا إليهم فقد كان الاحتمال نادرًا
جدًّا بالنسبة لهم أن يحطُّوا في الأرجنتين. في تلك اللحظة في
التاريخ، لم يسافر من ستانيسلاف إلى بوينس أيرس إلا
اليهود.
كنْتُ مزهوًّا باكتشافي الصغير، لكن هذا لا يعني أنني اعتقدْتُ
أنه يساوي الكثير. إذا كان هيكتور يخبِّئ شيئًا حقًّا، وإذا تبيَّن أن
هذا الشيء هو الدِّين الذي وُلِد عليه، فإن كل ما اكتشفتُه كان أحطَّ
أنواع النفاق الاجتماعي. لم تكن جريمةً أن تكون يهوديًّا في
هوليوود في ذلك الوقت. كان مجرد شيءٍ يفضِّل المرء ألا يتحدث عنه.
كان يولسون
١١ قد قدَّم بالفعل فيلم
مغنِّي
الجاز في ذلك الوقت، وكانت مسارح برودواي مليئة
بالجمهور الذين يدفعون الكثير لرؤية إيدي كانتور وفاني برايس،
١٢ والاستماع إلى أعمال إرفنج برلين وجريشوين، والتصفيق
للإخوة ماركس.
١٣ ربما كانت يهودية هيكتور تمثِّل عبئًا عليه. ربما عانَى
منها، وربما خَجِل منها، لكن كان من الصعب أن أتخيَّل أنه قُتِل
بسببها. هناك دائمًا متعصِّب يحمل كراهية تكفي لقتل يهوديٍّ،
بالطبع، لكن من يفعل ذلك يود إعلان جريمته، واستخدامها مثالًا
لترويع الآخرين، وبصرف النظر عن حقيقة مصير هيكتور، كانت الحقيقة
المؤكَّدة عدم العثور على جسده.
من يوم التوقيع مع كاليدوسكوب إلى يوم اختفائه، لم يستمرَّ عمل
هيكتور إلا سبعةَ عشرَ شهرًا. وبرغم قصر الفترة، حقَّق قَدْرًا من
الشهرة، وبحلول أوائل ١٩٢٨م، بدأ اسمه يظهر في الأعمدة الاجتماعية
لهوليوود. نجحْتُ في الاطلاع على عشرين قطعةً تقريبًا من تلك القِطَع
من مختلف أرشيفات الميكروفيلم في أثناء رحلاتي. ولا بد أنه كان
هناك الكثير غيرها لم أتوصَّل إليه، ناهيك عن قطعٍ أخرى تلفَت، لكن
رغم ندرة تلك الإشارات وعدم كفايتها، فإنها تُبرهن على أن هيكتور
لم يكن شخصًا يميل للجلوس في البيت بعد حلول الظلام. كان يظهر في
المطاعم والملاهي الليلية، وفي الحفلات والعروض السينمائية
الأولى، وكلما ظهر اسمه في صحيفة يرافقه في كل مرة تقريبًا تعبيرٌ
وصفي يشير إلى
سِحْره الكامن، أو
عينَيه اللتَين لا تُقاوَمان،
أو
وجهه الرائع المذهل. ويصح
هذا خاصةً حين يكون التعليق لكاتبة، لكن كان هناك رجالٌ أيضًا
يستسلمون لمفاتنه. أحدهم، وكان يعمل باسم جوردون فلاي (عنوان
عموده «
فلاي أون ذا وول»)، بالَغ
حتى إنه رأى أن هيكتور يضيع مواهبه في الكوميديا وينبغي أن يتحول
إلى الدراما. كتب:
مع تلك الصورة، يفسد
إحساس المرء بالتناسب الجمالي أن يشاهد سنيور مان الرائع
يخاطربالاصطدامفي الجدران وأعمدة المصابيح بشكلٍ متكرر.
ويمكن أن يخدم الجمهور بشكلٍ أفضل إذا تخلى عن هذه الأعمال
البهلوانيةوالتركيز على تقبيل النساء الجميلات. من
المؤكد أن في البلدة ممثلاتٍ شاباتٍ كثيراتٍ يرغبن في القيام
بهذا الدور. تُخبرني المصادر بأن إرين فلاورزقدَّمَت بالفعل عدة تجارب في الأداء، لكن يبدو
أن الهيدلج١٤ الأنيقيضع عينه الآن على قنستانس هارت، الفتاة
ذات الشعبية الدائمة التي تتمتَّع بالحيوية والنشاط. وننتظر
بشغفٍ نتائج اختبار الشاشة.
لكن هيكتور معظم الوقت لم يستقبل من الصحفيين أكثر من إيماءةٍ
سريعة. لم يكن حكايةً كبيرةً بعدُ، لم يكن إلا وافدًا جديدًا واعدًا
ضمن آخرين، وفي نصف الأعمدة التي في يدي على الأقل كان مجرد اسم —
بصحبة امرأة عادة، هي نفسها أيضًا مجرد اسم. لُمِح هيكتور مان في
الفيزيرد نيست مع سيلفيا نونان. ظهر هيكتور مان في قاعة رقص ملهَى
الجبرالتار الليلة الماضية مع ميلدريد سواين. تبادل هيكتور مان
الضحك مع أليس دوير، أكل محارًا مع بولي ماك كراكين، أمسَك يدَ
دولوريس سانت جون، تسلَّل إلى ملهًى مع فيونا مار. عمومًا، أحصيتُ
أسماء ثماني نساءٍ مختلفات، لكن مَن يعرف كم عدد الأخريات اللائي
ظهر معهن في تلك السنة؟ كانت معلوماتي قاصرةً على المقالات التي
نجحْتُ في العثور عليها، وهؤلاء الثماني قد يكنَّ عشرين ببساطة،
وربما أكثر.
حين انتشرَت أخبار اختفاء هيكتور في يناير التالي، لم يلتفِت إلى
حياته الغرامية. قبل ذلك بثلاثة أيامٍ شنق سيمور هانت نفسه في غرفة
نومه، وبدلًا من محاولة التنقيب عن دليلٍ على قصة حبٍّ فاشلة أو
علاقةٍ سرية، ركَّز البوليس جهوده على العلاقات المضطربة لهيكتور مع
مصرفيِّ سينسيناتي
١٥ الفاسد. ربما كان من المغري جدًّا عدم الربط بين
الفضيحتَين. بعد توقيف هانت، اقتبس عن هيكتور أنه قال إنه استراح
لمعرفة أن الأمريكيين لا يزالون يتمتَّعون بحسِّ العدالة. مصدر لم
يذكُر اسمه، يُوصَف بأنه من الأصدقاء الشخصيين المقرَّبين لهيكتور، ذكَر
أن أعلن أمام نصف دستة من الناس:
الرجل
وغد.نصب عليَّ في آلاف الدولارات وحاول تدمير
حياتي المهنية. أنا سعيد لأنهم سجنوه. ينال ما يستحق، ولا
أشعر بأية شفقة عليه. بدأَت الشائعات تنتشر في
الصحافة بأن هيكتور هو الذي سلَّم هانت للسلطات. ادَّعى أنصار هذه
النظرية أن هانت، وقد مات، تخلَّص مساعدوه من هيكتور لمنع تسرُّب
المزيد من المعلومات إلى الجمهور. وذهبَت بعضُ النُّسَخ إلى الإيحاء
بأن هانت لم يمُت منتحرًا بل مقتولًا بشكلٍ تمَّ ترتيبُه ليبدو وكأنه
انتحار — الخطوة الأولى في مؤامرةٍ مُحكَمة لأصدقائه المنحطِّين لمحو
آثار جرائمهم.
كانت قراءة عالم الجريمة للأحداث. قراءة لا بد أنها بدت مقاربةً
مقبولة في أمريكا عشرينيات القرن العشرين، لكن بدون جسدٍ لدعم
الفرضية، بدأ تحقيقُ البوليس ينهار. لعبَت الصحف جنبًا إلى جنب في
أول أسبوعَين، مروِّجة قصصًا عن الممارسات العملية لهانت وزيادة عنصر
الجريمة في صناعة السينما، لكن حين لم يتم تأكيد ارتباطٍ معيَّن بين
اختفاء هيكتور وموت منتجه السابق، بدأ البحث عن دوافعَ وتفسيراتٍ
أخرى. حيَّر تقارُب الحدثَين الجميع، لكن ليس من الصحيح منطقيًّا أن
أحدهما تسبَّب في حدوث الآخر. الحقائق المتقاربة ليست بالضرورة
أحداثًا مترابطة، حتى لو بدا أن قُربَهما يوحي بأنهما مرتبطان.
وحينذاك، وقد بدأ التحقيق يأخذ مساراتٍ أخرى، تبيَّن أن الكثير من
المسارات توقَّفَتْ بالفعل. دولوريس سانت جون، وقد وُصفَت في العديد من
المقالات المبكِّرة بأنها خطيبة هيكتور، تسلَّلَت من المدينة بهدوء
وعادت إلى بيت أبوَيها في كانساس. مضى شهرٌ آخر قبل أن يعثُر عليها
الصحفيون، وحين عثَروا عليها، رفضَت الحديث إليهم، مدعيةً أنها لا
تزال مضطربةً جدًّا لاختفاء هيكتور بدرجة تحول دون أن تُصدر بيانًا
كاملًا. وكان تعليقها الوحيد قلبي
محطَّم، وبعد ذلك لم يسمع أحدٌ عنها قط. ممثلة شابة
ساحرة ظهرت في نصف دستة من الأفلام (من بينها «أمين المخزن» و«مستر نوبدي»، وفيهما لعبَت دور ابنة العمدة وزوجة
هيكتور)، هجرَت مهنتَها فجأة واختفت من عالَم السينما.
جول بلوشتين، الكاتب الكوميدي الذي عمل مع هيكتور في كل أفلام
كاليدوسكوب الاثني عشر، أخبر مراسل صحيفة «منوعات» أنه وهيكتور كانا يتعاونان في سلسلة
سيناريوهات لكوميدياتٍ ناطقة، وأن رفيقه في الكتابة كان في
روحٍ معنويةٍ رائعة. كان يراه
يوميًّا منذ منتصف ديسمبر، وعلى عكس كل الآخرين ممن جرَت معهم
مقابلاتٌ حول هيكتور، استمرَّ يتحدَّث عنه بصيغة المضارع. اعترف
بلوشتين: من الصحيح أن الأمور انتهت بشكلٍ
سيئ إلى حدٍّ ما مع هانت، لكن هيكتور لم يكن الشخصَ الوحيدَ الذي
تعرَّض لهزةٍ سيئة ٍفي كاليدوسكوب. تعرَّضْنا جميعًا لضرباتٍ عنيفة
هناك، وحتى لو تلقَّى أسوأها، فهو ليس الشخص الذي يحمل الضغائن.
أمامه المستقبل كله يتطلع إليه، وفي اللحظة التي انتهَى فيها
عقده مع كاليدوسكوب، تحوَّل ذهنه إلى أمورٍ أخرى. كان يعمل بجدية
معي، بجدية لم أرَه يعمل بها قط، وكان دماغه متأججًا بأفكارٍ
جديدة. حين اختفَى عن الأنظار، كان أول سيناريو لنا قد اكتمل
تقريبًا — عمل مضحك جدًّا بعنوان «نقطة
وشَرْطة» — وكنا على وشك توقيع عقدٍ مع
هاري كوهن في كولومبيا. كان من المفترض أن يبدأ العمل في
مارس. كان هيكتور سيُخرِجه ويمثِّل فيه دورًا صامتًا صغيرًا
لكنه مرِح، وإذا بدا هذا مثل شخصٍ كان يخطِّط لقتل نفسه، فإنك لا
تعرفُ أبسطَ الأمورِ عن هيكتور. من العبَث أن نعتقد أنه كان
سيتخلَّص من حياته. ربما خلَّصه أحدٌ منها، لكن ذلك يعني أن له
أعداءً، وطوالَ المدة التي عرفتُه فيها لم أرَه قط يحتكُّ بشخصٍ
بطريقةٍ غيرِ مناسبة. الرجل أمير، وأعشق العمل معه. يمكن أن
نجلس هنا طوالَ اليوم نتأمل فيما حدث، لكن حتى النقود تقول إنه
يعيش في مكانٍ ما، إنه تلقَّى في منتصف الليلة إحدى إلهاماته
الغريبة وانصرف ليكون وحيدًا لبرهةٍ قصيرة. يعتقد الجميع أنه
مات، لكنني لن أندهشَ إذا دخل هيكتور الآن من الباب، وألقى
بقبَّعته على المقعد وقال: «أوكيه، جول، هيا
نعمل.»
أكَّدَت كولومبيا أنها كانت تتفاوضُ مع هيكتور وبلوشتين على عقد
لثلاثة أفلام يشمل «نُقطة وشَرطة»
كما يشمل أيضًا عملَين كوميديَّين روائيَّين أخريَين. لم يتم توقيع شيءٍ
بعدُ، قال المتحدث باسمها، لكن بمجرد أن تكون الشروط مُرْضيةً
للطرفَين، يتطلع الاستوديو للترحيب بهيكتور
في العائلة. نفت ملاحظات بلوشتين، مع بيان
كولومبيا، فكرة أن الحياة المهنية لهيكتور وصلَت إلى طريقٍ مسدودة،
وهو ما دفعَت به بعضُ الصحف الشعبية بوصفه احتمالًا للانتحار. لكن
الحقائق أوضحَت أن آفاق هيكتور كانت بعيدةً عن القتامة. الفوضى في
كاليدوسكوب لم تهشِّم روحه، كما
أعلنَت «لوس أنجلوس ريكورد» في
١٨ فبراير ١٩٢٩م، وحيث إنه لم يظهر خطابٌ أو ملاحظةٌ تدعم الخلاف
بشأن تخلُّص هيكتور من حياته، بدَأت نظرية الانتحار تفقد أساسها
لصالح مجموعة من التكهنات الغريبة والظنون البلهاء؛ عمليات اختطاف
فاشلة، حوادث عجيبة، أحداث خارقة. وفي أثناء ذلك لم يحقِّق البوليس
أي تقدُّم في الارتباط بهانت، ورغم الزعم بأنهم يتتبعون عدة خيوطٍ واعدة (لوس أنجلوس ديلي نيوز، ٧ مارس ١٩٢٩م)،
لم تظهر في الأفق شكوكٌ جديدة. لو قُتِل هيكتور، لم يكن هناك دليلٌ
كافٍ لاتهام أي شخصٍ بالجريمة. ولو قتل نفسه، فقد كان ذلك لسببٍ ليس
لأحدٍ أن يفهمه. أوحى بعضُ الساخرين بأن اختفاءه لم يكن إلا حيلةً
دعائية، حيلة رخيصة دبَّرها هاري كوهن في كولومبيا للَفتِ الانتباه
إلى نجمه الجديد؛ ولذا يمكن أن نتوقع الآن معجزةَ ظهوره مرةً أخرى
في أي يوم. بدا أن ذلك يصنع نوعًا معينًا من الفهم المنحرف، لكن
والأيام تمُر وهيكتور لا يعود، ثبت أن النظرية خاطئةٌ مثل كل
النظريات الأخرى. كان لكل شخصٍ رأيٌ بشأن ما حدث لهيكتور، والحقيقة
أنْ لا أحد كان يعرف شيئًا. وإذا كان هناك مَن يعرف، فإنه لم
يتكلم.
كانت القضية خبرًا رئيسيًّا لشهر ونصف تقريبًا، وبدأ الاهتمام
يفتُر. لم تكن هناك اكتشافاتٌ جديدةٌ جديرة بالذكر، أو احتمالاتٌ
جديدةٌ جديرةٌ بالفحص، وفي النهاية صرفَت الصحف اهتمامها إلى مسائلَ
أخرى. في وقتٍ متأخر من الربيع نشرت «لوس
أنجلوس إيكزامنر» القصة الأولى من عدة قصصٍ ظهرَت
بشكلٍ متقطع في السنتَين التاليتَين يُفترَض فيها أن شخصًا رأى
هيكتور في مكانٍ ناءٍ بعيد الاحتمال — ما يسمى مشاهدات هيكتور — لكنها
لم تكن أكثر من بدع، فِقرات صغيرة من الحشو مدفونة في قاع صفحات
الأبراج، نكتة دائمة للمطَّلعين على بواطن الأمور في هوليوود.
هيكتور في مدينة أوتيكا بولاية نيويورك، يعمل مشرفَ عمال. هيكتور
في البمب مع سيرك جوَّال. هيكتور وسط المشرَّدين والسكارى. في مارس
١٩٣٣م، نشر راندال سيمز، الصحفي الذي أجرى مقابلةً مع هيكتور لصحيفة
«بكتشر جوير» قبل خمس
سنوات، نشر مقالًا في ملحق «الهيرلد إكسبريس
سانداي» بعنوان «ماذا حدث
لهيكتور مان؟» وعد المقال بمعلوماتٍ جديدة عن
القضية، لكن باستثناء التلميح إلى مثلث حبٍّ يائس ومعقَّد ربما كان
يتضمن هيكتور أو لا يتضمنه، كان أساسًا صياغةً جديدةً للمقالات التي
ظهرَت في صحف لوس أنجلوس في ١٩٢٩م. ثمَّة مقطوعةٌ مماثلة، كتبها شخصٌ
اسمه دَبْنِي ستريهورن، ظهرَت في عدد ١٩٤١م من مجلة «كولير» ، وكتاب يرجع إلى ١٩٥٧م بعنوان
رديء «فضائح هوليوود وأسرارها»،
كتبه فرانك سي كليبالد، كرَّس فصلًا قصيرًا لاختفاء هيكتور، تبيَّن
بفحصٍ دقيقٍ أنه نسخة طبق الأصل من مقال ستريهورن في المجلة. ربما
كانت هناك مقالاتٌ وفصولٌ أخرى كُتبَت عن هيكتور عبْر السنوات، لكنني
لم أعرفها. لم أكن أملكُ إلا ما في الكرتونة، وما كان في الكرتونة
هو كلُّ ما نجحتُ في العثور عليه.