٤
بعد أسبوعَين، لم يكن قد وصلني شيءٌ من فريدة سبلينج. توقعْتُ مكالماتٍ في منتصف الليل، رسائل يأتي بها ساعٍ خاص، تليغرافات، فاكسات، مناشداتٍ يائسة لأسرع إلى سرير هيكتور، لكن بعد أربعة عشر يومًا من الصمت، توقفْتُ عن التماس أي عذرٍ لها. عاد شكِّي، وتدريجيًّا عدْتُ إلى حيث كنْتُ. وضعْتُ الصندوق في الخزانة مرةً أخرى، وبعد الحَيْرة لأسبوعٍ آخر أو عشرة أيام، التقطْتُ مخطوطة شاتوبريان وبدأْتُ العمل فيها بدأَبٍ مرةً أخرى. ابتعدْتُ عنها شهرًا تقريبًا، لكن باستثناء ما تبقَّى من مشاعر الإحباط والاشمئزاز، نجحْتُ في إبعاد التفكير في تيرا دِلْ سوينو عن ذهني. مرةً أخرى كان هيكتور ميِّتًا. مات في ١٩٢٩م، أو مات أولَ أمس. لم يكن مهمًّا أية ميتةٍ هي الحقيقية. لم يعُد ينتمي لهذا العالم، ولم تكن لتُواتيني فرصة للقاء به.
لكنني لن ألومَ البيرةَ عما حدث. ربما كانت ردودُ أفعالي التلقائية بطيئةً بعض الشيء، لكن الأمر تضمَّن أيضًا عناصرَ أخرى، وأشك في أن استبعاد البيرة من المعادلة لم يكن ليُحدِث أي فرق. كان المطر لا يزال يتدفق حين غادرْتُ المطعم، وبعد العَدْو عدة مئاتٍ من الياردات إلى موقف سيارات البلدية، نُقعْتُ في المياه تمامًا. كان من المربك أن أتعثَّر وأنا أحاول إخراج المفاتيح من جيب بنطلوني المبتل، وربما كان أكثر إرباكًا أنني بمجرد أن قبضتُ عليها وحاولتُ إخراجها، وقعَت على الفور في بركة ماء، مما يعني ضياع المزيد من الوقت وأنا أنحني للبحث عنها في الظلام، وحين انتصبْتُ في النهاية وصعِدتُ إلى شاحنتي، كنتُ مبلَّلًا مثل شخصٍ أخذ دشًّا وهو يرتدي ملابسه. لُمِ البيرة، لكن لُمْ أيضًا تلك الملابسَ المبتلة والماء الذي يتساقط في عينيَّ. مرةً بعد أخرى كان عليَّ أن آخذ يدي بعيدًا عن عجلة القيادة لأجفِّف جبهتي، وحين تضيفُ هذا الارتباك إلى عدم الثقة في المنظومة السيئة لإزالة الصقيع (مما كان يعني أنني حين لا أجفِّف جبهتي، أستخدم تلك اليد نفسها لأجفِّف الزجاج الأمامي المضبَّب) ثم تعقَّدَت المشكلة بالمسَّاحات التالفة (متى لا تكون تالفة؟)، وهي ظروفٌ قد لا تضمن قيادة السيارة بأمانٍ حتى البيت.
تكمُن المفارقة في أنني كنتُ مُدرِكًا لهذا كله. مرتجفًا في ملابسي المبتلَّة، توَّاقًا للعودة وارتداء ملابسَ دافئة، لكنني مع ذلك بذلْتُ جهدًا واعيًا لقيادة السيارة ببطءٍ قَدْر ما أستطيع. هذا ما أنقذَني، على ما أفترض، لكنه في الوقت ذاته قد يكون سببَ الحادث. لو كنتُ أسير أسرع، ربما كنْتُ أكثر يقظة، أكثر تفهمًا لتقلبات الطريق، لكن بعد وهلةٍ بدأ عقلي يشرد، وفي النهاية غرقْتُ في أحد تلك التأملات الطويلة غير المبرَّرة التي يبدو أنها لا تحدُث إلا وأنت تسير وحيدًا في سيارة. في هذه الحالة، إذا تذكَّرْتُ بشكل صحيح، كان الأمر يتعلق بعدِّ الأعمال اليومية الزائلة. كم من الوقت قضيته في السنوات الأربعين الماضية وأنا أربط حذائي؟ كم من الأبواب فتحتُها وأغلقتُها؟ كم مرةً عطسْتُ؟ كم من الساعات قضيتُها وأنا أبحث عن أشياء لا أستطيع العثور عليها؟ كم مرةً رطمتُ إصبع قدمي أو خبطتُ رأسي أو غفلتُ عن شيء يزحف أمام عيني؟ وجدتُ فيه تدريبًا لذيذًا إلى حدٍّ ما، وواصلْتُ الإضافة إلى القائمة وأنا أشق طريقي عبْر الظلام. على بعد عشرين ميلًا تقريبًا من براتلبورو، على امتدادٍ مفتوح بين بلدتي تي – وويست تي –، بالضبط على بعد ثلاثة أميالٍ من الوصلة التي تأخذني إلى الطريق الترابي إلى منزلي، رأيتُ عينَي حيوانٍ تلمعان في الكشَّافات الأمامية. بعد لحظة، رأيتُ أنه كلب. كان على بعد عشرين ياردة أو ثلاثين، مخلوقًا مبتلًّا ورَثًّا يتخبَّط في الليل، وعلى عكس ما يفعله معظم الكلاب حين تضلُّ لا يسير على جانب الطريق بل يهرول في مركزه — أو إلى يسار مركزه بالضبط، مما يجعله يرتطم في منتصف حارتي. انحرفْتُ لأتجنَّب الاصطدام به، وفي اللحظة نفسها وضعْتُ قدمي على الفرامل. ربما ما كان ينبغي أن أفعل ذلك، لكنني فعلْتُه بالفعل قبل أن أنتبه إلى ضرورة ألَّا أفعلَه، ولأن سطح الطريق كان مبتلًّا وزلقًا من المطر، لم تتوقف الإطارات. انزلقْتُ عبْر الخط الأصفر، وقبل أن أتأرجح للطريق الآخر، اصطدمَت الشاحنة بعمود التليفونات.
كنْتُ رابطًا حزام مقعدي، لكن الرجة جعلَت ذراعي اليسرى ترتطم في عجلة القيادة، ومع تطاير كل السلع فجأة من أكياسها، انطلقَت علبة صلصة طماطم وارتطمَت في ذقَني. جُرح وجهي بشدة، وكان ساعدي يرتجف، لكنني ما زلْتُ أستطيع ثَنْي يدي، وما زلْتُ أستطيع فتح فمي وغلقه، واستنتجْتُ أنه لا يوجد كسر في العظام. كان ينبغي أن أشعر بارتياح لأنني نجوْتُ دون التعرض لأية إصابةٍ خطيرة، لكنني لم أكن في حالةٍ مزاجية تسمح بأن أُحصيَ نعمي وأتأمل مدى السوء الذي كان من الممكن أن يلحق بي. كان هذا سيئًا جدًّا، كنتُ غاضبًا من نفسي لأني خبطتُ الشاحنة. تحطَّم كشاف أمامي؛ وانثنى الرفرف؛ وطُبِّقَت الواجهة الأمامية. كان المحرك لا يزال يعمل، رغم ذلك، لكن حين حاولْتُ أن أرجعَ إلى الخلف وأشُقَّ طريقي بالسيارة، اكتشفْتُ أن الإطارَين الأماميَّين مغروسان في الوحل إلى المنتصف. واستغرق الأمر عشرين دقيقة من التدافع في الوحل والمطر لأخلِّصهما، وحينذاك كنتُ مبلَّلًا جدًّا ومنهكًا جدًّا بشكلٍ يجعلني لا أهتم بتنظيف السلع التي قُذفَت داخل المقصورة. جلسْتُ خلف عَجلة القيادة، وعدْتُ إلى الطريق، وانطلقْتُ. كما اكتشفْتُ بعد ذلك، أنهيْتُ الرحلة إلى البيت وكيس من البازلاء المجمَّدة مثبَّت أسفل ظهري.
كانت الساعة قد تجاوزَت الحادية عشرة حين وصلْتُ أمام منزلي، كنتُ أرتجف في ملابسي، وكان فكِّي وذراعي يؤلمانني، وكنْتُ في حالةٍ مزاجيةٍ سيئة. يقولون: توقَّعْ غير المتوقع، لكن بمجرد حدوث غير المتوقَّع، فإن آخر ما تتوقَّعه أن يحدث مرةً أخرى. فقدتُ حذري، ولأنني ما زلْتُ مكتئبًا نتيجة ما حدث للكلب وعمود التليفونات، ومنشغلًا بتفاصيل الحادث وأنا أنزل من الشاحنة، لم ألاحظ السيارة الواقفة إلى يسار المنزل. لم يكن كشَّاف سيارتي يغطِّي هذا الاتجاه، وحين أوقفتُ المحرك وأغلقتُ النور، عَمَّ الظلام حولي. كان المطر قد خَفَّ حينذاك، لكنه لا يزال يَنِز، ولم تكن هناك أنوارٌ مضاءة في المنزل. معتقدًا أنني سأعودُ قبل غروب الشمس، لم أهتمَّ بإضاءة النور فوق الباب الرئيسي. كانت السماء مُعتِمة. كانت الأرض مُعتِمة. شققتُ طريقي إلى المنزل بالذاكرة والقدمَين، لكنني لم أستطع رؤية أيِّ شيء.
كان من الشائع في جنوب فيرمونت أن تترك منزلك غيرَ مغلَق، لكنني لم أفعل ذلك. كنتُ أغلق الباب بالمفتاح كلما خرجْتُ. كانت عادةً متأصلةً رفضْتُ كسرها، حتى لو كان خروجي لخمسِ دقائقَ فقط. حينذاك ارتبكتُ مع مفاتيحي للمرة الثانية. فهمْتُ مدى غباء هذه الاحتياطات. حبستُ نفسي خارج منزلي. كانت المفاتيح في يدي، لكنها ستة مفاتيح في السلسلة، ولم أتعرَّف على المفتاح الصحيح. تحسَّستُ الباب على العمياني، محاولًا العثور على القفل. بمجرد العثورِ عليه اخترْتُ أحد المفاتيح بشكلٍ عشوائي ووضعتُه في الثقب. دخل نصف المسافة وتوقَّف. وكان عليَّ أن أحاول بمفتاحٍ آخر، لكن كان عليَّ قبل ذلك أن أُخرِج المفتاح الأول. استغرق ذلك وقتًا أطولَ بكثيرٍ مما توقعْتُ. في آخر لحظة وأنا أُخرِج الحزَّ الأخير من الثقب، اهتز المفتاح قليلًا وأفلتَت السلسلة من يدي. رنَّتْ على الدرجات الخشبية، ثم وثبَت حيث يعلم الله في الليل. وهكذا انتهت الرحلة كما بدأَت: زحفتُ على الأربع وأنا ألعن في سرِّي، وأخذْتُ أبحث عن مجموعة من المفاتيح المختفية.
لم أتمكن من العثور عليها لثانيتَين أو ثلاثٍ حيث انبعث نورٌ في الساحة. حدَّقتُ، محوِّلًا رأسي بشكلٍ غريزي إلى النور، وقبل أن تكون هناك فرصة للخوف، قبل حتى أن ألحظ حدوث ذلك، رأيتُ سيارة تقف هناك — سيارة لا معنى لوجودها في ممتلكاتي — وامرأة تنزل منها. فتحَت مظلةً كبيرةً حمراء، وأغلقَت الباب خلفها، وانطفأ النور. قالت: هل تحتاج إلى مساعدة؟ تحاملْتُ على قدميَّ، وفي تلك اللحظة انبعثَ نورٌ آخر. سلَّطت المرأة كشافًا على وجهي.
سألتُ: من أنت؟
ردَّت: لا تعرفني، لكنك تعرف الشخص الذي أرسلَني.
– هذا ليس كافيًا. قولي من أنت وإلا طلبتُ البوليس.
– اسمي ألما جروند. أنتظر هنا لأكثر من خمسِ ساعات، يا مستر زيمر، وأحتاج إلى التحدُّث معك.
ومن الذي أرسلك؟
– فريدة سبلينج. هيكتور في حالةٍ سيئة. تودُّ أن تعرف ذلك، وطلبَت مني أن أُبلِغكَ بأنه لم يعُد هناك الكثير من الوقت.
•••
عثرنا على المفاتيح بكشَّافها، وحين فتحتُ الباب ودخلنا المنزل، أشعلت أنوار غرفة المعيشة. جاءت ألما جروند خلفي — امرأةٌ قصيرةٌ في منتصف الثلاثينيات أو أواخرها، ترتدي بلوزةً زرقاء من الحرير وبنطلونًا رماديًّا أنيقًا. شعرٌ بُني متوسط الطول، كعبٌ عالٍ، أحمر شفاه قرمزي، وشنطةٌ كبيرة من الجلد معلَّقة على كتفها. حين دخلَت في النور رأيْتُ وحمة على الجانب الأيسر من وجهها. كانت بقعةً أرجوانية بحجم قبضة رجلٍ تقريبًا، طويلة وعريضة بشكلٍ يجعلها تشبه خريطةَ بلدٍ خيالي؛ كتلة صُلبة باهتة تغطِّي أكثر من نصف الوجنة، تبدأ من زاوية عينها وتنزل حتى فكِّها. كان شعرها مقصوصًا بحيث يغطِّي معظمها، وكانت تحافظ على رأسها مائلًا بشكلٍ غير ملائمٍ لمنع شعرها من الحركة. افترضْتُ أنها إيماءةٌ متأصلة، عادة اكُتسبَت بعد حياة من القلق، منحَتْها لمسة من الحماقة والهشاشة، تصرُّف فتاةٍ خَجْلَى تفضِّل النظر إلى السجادة عن النظر في عينك.
في أية ليلةٍ أخرى، ربما رغبْتُ في الحديث إليها — لكن ليس في تلك الليلة. كنتُ منزعجًا جدًّا، منشغلًا بما حدث، وكان كل ما أرغب فيه خلع ملابسي المبتلَّة، وأخذ حمامٍ ساخن، والنوم. أغلقتُ الباب خلفي بعد إشعال أنوار غرفة المعيشة. والآن فتحتُه مرةً أخرى وطلبْتُ منها بأدبٍ أن تنصرف.
قالت: امنَحني خمسَ دقائق فقط. يمكن أن أوضِّح كل شيء.
– لا أحب أن يتعدى أحدٌ على ممتلكاتي ولا أحب أن يهبط أحدٌ عليَّ في منتصف الليل. لا ترغبين في أن أُلقيَ بك إلى الخارج، أليس كذلك؟
تطلعتْ إليَّ حينذاك، مندهشة من عنفي ومرتعبة من نبرة الغضب في صوتي. قالت: ظننْتُ أنك تريد أن ترى هيكتور، وهي تنطقُ بهذه الكلمات خطت بضع خطوات إلى داخل المنزل، مبتعدةً عن الباب حذرةً من أن أخطِّط لتنفيذ تهديدي. حين استدارت وواجهَتْني مرةً أخرى، كنتُ أستطيع فقط رؤية جانبها الأيمن. بدت مختلفةً من هذه الزاوية، ورأيتُ أن لها وجهًا رقيقًا مستديرًا، وبشرةً ناعمةً جدًّا. ليست غيرَ جذابة في النهاية؛ ربما جميلة تقريبًا. عيناها زرقاوان غامقتان، فيهما ذكاءٌ حادٌّ ذكَّرني إلى حدٍّ ما بهيلين.
قلتُ: لم أعُد مهتمًّا بما تقول فريدة سبلينج. جعلَتْني أنتظر وقتًا طويلًا جدًّا، وكان عليَّ أن أعمل بجهدٍ شديد لأتغلب على ذلك. لن أذهب إلى هناك مرةً أخرى. أملٌ هائل. خيبةُ أملٍ هائلة. لم تعُد لديَّ القدرة على تحمُّل ذلك. من جانبي انتهت القصة.
قبل أن تتمكَّن من الرد، أنهيْتُ خطبتي القصيرة بطلقةِ فراقٍ عدوانية. قلْتُ: سآخذ حمَّامًا، وحين أنتهي من الحمَّام أتوقَّع أن تكوني قد انصرفْتِ من هنا. من فضلك كوني طيبة وأغلِقي الباب وراءك.
أدرْتُ لها ظهري وبدأتُ السير باتجاه السلالم، مصمِّمًا على تجاهلها ونفض يديَّ من المسألة كلها. في منتصف السلالم سمعْتُها تقول: كتبْتَ هذا الكتاب الرائع مستر زيمر. لك الحقُّ في معرفة القصة الحقيقية، وأحتاج إلى مساعدتك. إذا لم تسمعني فسوف تحدُث أمورٌ مرعبة. اسمَعْني لخمسِ دقائقَ فقط. هذا كل ما أطلُب.
مكثْتُ في البانيو خمس عشرة دقيقة أو عشرين. أضف ثلاثًا أخرى أو أربعًا لتجفيف نفسي، واثنتَين أخريَين لفحصِ ذقَني في المرآة، وستًّا أخرى أو سبعًا لارتداء ملابسَ نظيفة، ولا بد أنني بقيتُ في الطابق العلوي ما يقرب من نصف ساعة. لم أكن في عَجلة من أمري. كنْتُ أعرف أنها ستكون هناك حين أنزل مرةً أخرى، وما زلْتُ في حالةٍ مزاجيةٍ بشعة، ما زلْتُ أغلي بعدوانيةٍ مكبوتةٍ وحقد. لم أكن خائفًا من ألما جروند، لكن كان غضَبي يُرعبني، ولم أعُد أعرفُ ما أصابني. كان هناك انفجارٌ في حفل تليفسنز في الربيع السابق، لكنني بقيْتُ مختبئًا من حينها، وفقدْتُ عادةَ التحدث إلى غرباء. الشخص ُالوحيد الذي أعرف كيف أكون معه هو أنا — لكنني لم أكن في الحقيقة أحدًا، ولم أكن حيًّا في الحقيقة. كنْتُ مجرد شخصٍ يتظاهر بأنه حي، كنتُ رجلًا ميتًا يقضي أيامه يترجم كتابَ رجلٍ ميت.
بدأَت بسيلٍ من الاعتذار، تتطلع إليَّ من الطابق الأرضيِّ وأنا أخرج إلى اللوجيا، تطلب أن أسامحها على سوء سلوكها وتفسِّر مدى أسفها لتوسُّلها لي بدون تحفُّظ. قالت إنها لم تكن تطوفُ حول منازل الناس في الليل ولم تقصِد أن تُفزعَني. حين طرقَت على بابي في الساعة السادسة، كانت الشمس مشرقة. افترضَتْ خطأً أنني في البيت، وإذا كانت تنتظر في الساحة كلَّ تلك الساعات، فإن ذلك يرجع فقط إلى أنها اعتقدَت أنني سأعود في أية لحظة.
وأنا أنزل السلالم وأشُق طريقي إلى غرفة المعيشة، رأيْتُ أنها سرَّحَت شعرها ووضعَت طبقةً جديدةً من أحمر الشفاه. بدَت آنذاك أكثر تماسكًا — أقل تهلهلًا، أقل شكًّا في نفسها — وحتى وأنا أسير باتجاهها وأطلب منها أن تجلس، شعرْتُ بأنها ليست ضعيفةً أو جبانةً كما اعتقدْتُ.
قلْتُ: لن أستمع إليكِ إلا بعد أن تُجيبي على بعض الأسئلة. إذا اقتنعْتُ بما تقولين منحْتُك فرصةً للكلام. وإذا لم أقتنع طلبْتُ أن تنصرفي، ولن أرغب في رؤيتك مرةً أخرى. مفهوم؟
– هل تريد إجاباتٍ طويلة أم إجاباتٍ قصيرة؟
– إجابات قصيرة. قصيرة قَدْر المستطاع.
– حدِّد لي فقط من أين أبدأ، وسوف أبذل أفضلَ ما في وسعي.
– أول شيءٍ أريد أن أعرفه لماذا لم ترُدَّ فريدة سبلينج عليَّ.
– استلمَت رسالتك الثانية، لكن بمجرد أن جلسَت لترُدَّ عليك، حدث شيءٌ منعها من أن تُواصِل.
– لشهرٍ كامل؟
– هل ما زال في المستشفَى؟
– عاد إلى البيت أمسِ. ثم أخذتُ أول طائرة هذا الصباح، هبطَتْ في بوسطن في الثانية والنصف تقريبًا، وانطلقْتُ إلى هنا في سيارةٍ مستأجَرة. كان ذلك أسرعَ من كتابة خطاب، أليس كذلك؟ يوم بدلًا من ثلاثة أو أربعة، وربما حتى خمسة. في خمسة أيامٍ يمكن أن يموتَ هيكتور.
– لماذا لم تتناولي التليفون وتكلِّميني؟
لم أشأ أن أخاطر. كان من السهل جدًّا أن تُنهيَ المكالمة معي.
– ولماذا تهتمين بالأمر؟ هذا سؤالي التالي. من أنتِ، ولماذا تتدخلين؟
– عرفْتُهما طوالَ حياتي. إنهما قريبان جدًّا لي.
– لم تخبريني، أنت ابنتُهما، أليس كذلك؟
– أنا ابنة شارلي جروند. ربما لا تتذكَّر الاسم، لكنني متأكدةٌ من أنه مرَّ عليك. ربما رأيْتَه عشرات المرات.
– المصور.
– صحيح.
صوَّر كل أفلام هيكتور في كاليدوسكوب. حين قرَّر هيكتور وفريدة البدء في صناعة أفلام مرةً أخرى، ترك كاليفورنيا وذهب ليعيش في المزرعة. كان ذلك في ١٩٤٠م. تزوَّج من أمي في ١٩٤٦م. وُلِدْتُ هناك، ونشأْتُ هناك. إنه مكانٌ مهم بالنسبة لي يا مستر زيمر. كل ما أنا فيه يأتي من ذلك المكان.
– ولم تغادريه قط؟
رذهبْتُ إلى مدرسةٍ داخلية في الخامسة عشرة. ثم إلى الكلية. وبعد ذلك عشْتُ في المدن. نيويورك ولندن ولوس أنجلوس. تزوَّجْتُ وطُلِّقْت، اشتغلتُ في عدة وظائف، فعلْتُ أشياء كثيرة.
– لكنك تعيشين في المزرعة الآن.
– عدْتُ منذ سبع سنواتٍ تقريبًا. ماتت أمي، وعدتُ إلى البيت لحضور الجنازة. وبعد ذلك قرَّرْتُ البقاء. مات شارلي بعد عامَين، لكنني ما زلْتُ هناك.
– ماذا تفعلين؟
أكتب سيرة حياة هيكتور. استغرق الأمر ستَّ سنوات ونصف السنة، لكنني أُوشِك على الانتهاء منها الآن.
– تدريجيًّا يكون للأمر معنًى.
– بالطبع، له معنًى. ما كان لي أن أقطع أربعمائة وعشرين ميلًا لأضنَّ عليك بالمعلومات، أليس كذلك؟
– ذلك هو السؤال التالي. لماذا أنا؟ من بين كل البشر في العالم، لماذا اخترْتِني؟
– لأنني أريد شاهدًا. أتحدث عن أشياء في كتابٍ لم يرَه أحدٌ آخر، ولن يكون لتصريحاتي مصداقية إذا لم يدعمني شخصٌ آخر.
– لكن لا ينبغي أن يكون هذا الشخص أنا. يمكن أن يكون أي شخص. بطريقتك الحذِرة الملتوية، قلْتِ لي إن تلك الأفلام الأخيرة موجودة. إذا كان هناك مزيدٌ من الأعمال لهيكتور تُمكن رؤيتُها، ينبغي أن تتصلي بدارسٍ للأفلام وتطلبي منه أن يُلقيَ نظرةً عليها. تريدين سلطة تؤكِّد لك، شخصًا له سمعةٌ طيبة في المجال. لسْتُ إلا هاويًا.
– ربما لا تكون ناقدًا محترفًا للأفلام، لكنك خبيرٌ في كوميديات هيكتور مان. كتبْتَ كتابًا استثنائيًّا يا مستر زيمر. لن يكتبَ أحدٌ أفضلَ من ذلك عن تلك الأفلام. إنه عملٌ تام.
حتى تلك اللحظة كانت تنتبه لي بشكلٍ كامل. متحركًا ذهابًا وجيئة أمامها وهي تجلس على الأريكة، شعرْتُ أنني أُشبه وكيلَ نيابةٍ يتفحَّص شاهدة. كنتُ صاحب التميُّز، وكانت تتطلَّع في عيني مباشرة وهي تردُّ على أسئلتي. وآنذاك، فجأة، نظرَت إلى ساعتها وبدأَت تتململ، وشعرْتُ أن المزاج ساء.
قالَت: الوقتُ متأخر.
أسأْتُ فهم التعليق بأنه يعني أنها تعبَتْ؛ لذا صدمَني بوصفه أمرًا سخيفًا عبثيًّا تمامًا يُقال في هذه الظروف. قلْتُ: أنتِ من بدأ هذا. لن تتخلي عني الآن، أليس كذلك؟ نسخِّن فقط.
– إنها الواحدة والنصف. تُقلع الطائرة من بوسطن في السابعة والربع. إذا تحرَّكْنا في خلال ساعة ربما نلحق بها.
– عم تتحدَّثين؟
– لا تعتقد أنني أتيتُ من فيرمونت لمجرد الحديث، أليس كذلك؟ سأعود بك معي إلى نيو مكسيكو. ظننْتُ أنك تفهَم هذا.
– لا بد أنك تمزحين.
– إنها رحلةٌ طويلة. إذا كانت لديك أسئلةٌ أخرى يمكنك أن تطرحها ويُسعدني الردَّ عليها في الطريق. وحين نصل إلى هناك تكون قد عرفْتَ كل ما أعرفُ، أعدُك.
– أنتِ أذكى من أن تعتقدي أنني قد أرغب في ذلك. ليس الآن. ليس في منتصف الليل.
– ينبغي عليك. بعد موت هيكتور بأربعٍ وعشرين ساعة يتم تدمير هذه الأفلام. وربما يكون قد مات الآن. ربما يكون قد مات وأنا في رحلتي إلى هنا اليوم. ألا تفهمني مستر زيمر؟ إذا لم نغادر الآن، ربما لا يكون هناك وقتٌ كافٍ.
– تنسين ما أخبرْتُ به فريدة في الرسالة الأخيرة. لا أضع خططًا. إنها ضد ديني.
قالتْ: لم أنسَ. فكَّرتُ في بعض أقراص الزنكس لأجعل الأمور أسهل بالنسبة لك. إنها الأقراص التي تُحب استخدامها، أليس كذلك؟
– كيف عرفْتِ ذلك؟
– كتبْتَ كتابًا عظيمًا، لكن هذا لا يعني أننا يمكن أن نثق فيك. كان عليَّ أن أنقِّب قليلًا وأتحقَّق منك. أجريتُ بعضَ المكالمات الهاتفية، وكتبتُ بعض الرسائل، وقرأْتُ أعمالك الأخرى. أعرف ما مرَّ بك، وأنا آسفة جدًّا — آسفة جدًّا لما جرى لزوجتك وابنَيك. لا بد أن الأمر كان رهيبًا بالنسبة لك.
– لم يكن لكِ حق. مقيتٌ أن ننقِّب في حياة شخص بهذا الشكل. اندفعْتِ إلى هنا طلبًا لمساعدتي، ثم تتحوَّلين وتخبرينني بهذا؟ لماذا ينبغي أن أساعدك؟ تجعلينني أرغب في التقيؤ.
– لم يكن لفريدة وهيكتور أن يسمحا لي بدعوتك قبل أن يعرفا حقيقتك. فعلْتُ ذلك من أجلهما.
– لا أقبل هذا. لا أقبل كلمةً سخيفةً مما تقولين.
– نحن في الجانب نفسه يا مستر زيمر. لا ينبغي أن يصيح كلٌّ منا في وجه الآخر. ينبغي أن نعمل معًا كصديقَين.
– لسْتُ صديقَكِ. لا أمثِّل أيَّ شيءٍ لك. أنت شبحٌ يطوف في الليل، والآن أودُّ أن تغادري إلى هناك وتتركيني وحدي.
– لا أستطيع أن أفعل ذلك. ينبغي أن آخُذكَ معي، وينبغي أن نذهبَ الآن. من فضلك، لا تجعلني أهدِّدك. إنها طريقةٌ غبيةٌ لمعالجة الأمر.
لم أكن أعرف عما تتحدث. كنْتُ أطولَ منها بثماني بوصات وأثقل منها بخمسين رطلًا على الأقل — رجل ضخم الحجم على وشك أن يفقد أعصابه، كمية مجهولة يمكن أن تنفجر عنفًا في أية لحظة — وكانت تحدِّثني عن تهديدات. وقفْتُ حيث كنْتُ، أراقبها من موضعي قرب الموقد الخشبي. تفصل بيننا عشْر أقدام أو اثنتا عشرة، وبالضبط وهي تنهض من الأريكة، هطلَت زخةٌ جديدة من المطر على السقف، ناقرة على الألواح الخشبية مثل وابلٍ من الأحجار. قفزَتْ من الصوت، محدِّقة حول الغرفة بنظرةٍ فزعةٍ حائرة في عينَيها، وفي تلك اللحظة عرفْتُ ما يحدث بعد ذلك. لا يمكن أن أفسِّر من أين أتت هذه المعرفة، لكن بصرف النظر عن الهاجس أو اليقظة الحدْسية التي سيطرَت عليَّ حين رأيتُ تلك النظرة في عينَيها، عرفْتُ أنها تحمل مسدسًا في حقيبتها، وعرفْتُ أنها ستدُس يدها اليمنى في خلال ثلاث ثوانٍ أو أربع في الحقيبة وتُخرج المسدس.
كانت لحظة من أكثر لحظات حياتي بهجة، كنْتُ على بعد نصف خطوة من الحقيقة، بوصة أو اثنتَين خارج حدود جسدي، وحين حدث الأمر وأنا أفكِّر فيه، بدا وكأن جلدي صار شفافًا. لم أعُد أشغل فضاءً بقَدْر ما كنتُ أذوب فيه. ما كان حولي كان داخلي أيضًا، وكان عليَّ فقط أن أنظر داخلي لأرى العالم.
كان المسدَّس في يدها. كان مسدسًا صغيرًا فضيًّا بقبضةٍ لؤلؤية، ليس أكبر من نصف حجم المسدَّسات اللعبة التي لعبْتُ بها وأنا صبي. وهي تستدير في اتجاهي وترفع ذراعها، استطعْتُ أن أرى أن اليد في نهاية ذراعها كانت ترتجف.
قالت: هذه ليست أنا. لا أفعل أشياء من هذا القبيل. اطلُبْ مني أن أنحِّيه جانبًا وسأفعل. لكن ينبغي أن نذهب الآن.
كانت أول مرة على الإطلاق يُوجَّه مسدَّس إليَّ، تعجَّبتُ من الراحة التي شعرْتُ بها، وتقبُّلي لاحتمالات اللحظة بشكلٍ طبيعي. حركة خطأ، كلمة خطأ، وأموت بدون أي سبب. ينبغي لهذه الفكرة أن تُرعبَني. ينبغي أن أرغبَ في الجري، لكنني لم أشعر بضرورة القيام بذلك، لم يكن لديَّ ميلٌ لإيقاف ما يحدث. تفتح جمالٌ هائل ومروِّع أمامي، وكل ما أرغب فيه أن أظلَّ أتطلع إليه، أن أظل أتطلع في عينَي تلك المرأة ذات الوجه الغريب المزدوج ونحن واقفان في تلك الغرفة، نستمع للمطر يتدفق فوقنا مثل عشرة آلاف طبلة تُفزِع شياطين الليل.
قلتُ: تقدَّمي وأطلقي النار. ستقدِّمين لي خدمةً عظيمة.
خرجَت الكلمات من فمي قبل أن أعرف أنني سأنطق بها. بدت لي فظَّة ومرعبة، كلمات لا ينطق بها إلا شخصٌ مختل، لكن بمجرد أن سمعتُها، أدركْتُ أنني لم تكن لديَّ نية لسحبها. أحببْتُها، سعدْتُ بفظاظتها وصراحتها، بنهجها الحازم غير العبثي في ورطة أواجهها. لكن رغم الشجاعة التي منحَتني إياها هذه الكلمات، لم أزل غير متأكد مما تعنيه. هل كنْتُ أطلب منها حقًّا أن تقتلَني، أم كنْتُ أبحث عن طريقة لأَثنيَها عن ذلك وأمنعَها من قتلي؟ هل كنتُ أريد حقًّا أن تضغط على الزناد، أم كنتُ أُحاول أن أسيطر على يدها وأخدعها لتُسقط المسدس؟ طرحْتُ هذين السؤالَين على نفسي مراتٍ كثيرةً في آخر إحدى عشرة سنة، لكنني لم أتوصَّل قط إلى إجابةٍ قاطعة. كل ما أعرفه أنني لم أكن خائفًا. حين أخرجَت ألما جروند المسدس وصوَّبتْه إلى صدري، لم يُثِر الخوف في نفسي بقَدْر ما أثار الفتنة. فهمْتُ أن الطلقات في هذا المسدس تحتوي على فكرة لم تخطر على بالي من قبلُ. كان العالم ممتلئًا بالثقوب، فتحات صغيرة من اللامعنى، صدوع ميكروسكوبية يمكن للعقل أن يمشي خلالها، وبمجرد أن تصبح على الجانب الآخر من أحد هذه الثقوب، تكون حرًّا في نفسك، حرًّا في حياتك، حرًّا في موتك، حرًّا من كل ما ينتمي إليك. صادفْتُ أحدها في غرفة معيشتي في تلك الليلة. ظهر في شكل مسدس، وآنذاك كنتُ داخل المسدس، لم أُبالِ خرجْتُ منه أو لم أخرج. كنتُ هادئًا تمامًا ومجنونًا تمامًا، ومستعدًّا تمامًا لقبول ما تعرضُه اللحظة. اللامبالاة بهذا الحجم نادرة، ولأنها لم يحقِّقها إلا شخصٌ مستعدٌّ لأن يتخلى عن حقيقته فهي تستحق التقدير. تُلهِم الرهبة فيمَن يتغذَّون عليها.
يمكن أن أتذكَّر كل شيء حتى هذه النقطة، كل شيٍء حتى اللحظة التي نطقْتُ فيها بتلك الكلمات، وقليل جدًّا بعدها، لكن التتابع بعد ذلك يصبح معتمًا بالنسبة لي. أعرف أنني صحتُ فيها، خابطًا على صدري مشجِّعًا إياها على أن تضغط على الزناد، لكنني لا أتذكَّر إن كنتُ قد فعلتُ ذلك قبل أن تبدأ الصراخ أو بعده. ولا أتذكَّر أي شيء مما قالتْ. ولا بد أن هذا يعني أنني تكلَّمتُ معظم الحديث، لكن الكلمات كانت تندفع خارجةً مني بسرعةٍ حينذاك حتى إنني لم أكن أعرفُ ما أقول. أكثر ما يهم أنها كانت فزِعة. لم تتوقع أن أقلبَ الطاولة عليها، وحين رفعْتُ عيني عن المسدس ونظرْتُ في عينَيها مرةً أخرى، عرفْتُ أنها لا تملكُ القدرة على قتلي. كانت خدعةً ويأسًا طفوليًّا، وحين بدأْتُ السير باتجاهها، أسقطَت ذراعها إلى جانبها على الفور. فرَّ صوتٌ مبهم من حنجرتها — تيارٌ مكتوم ومخنوق من النفس، صخبٌ غير محدَّد يقع في موضعٍ ما بين الأنين والتنهد — وأنا أواصل الهجوم عليها بتهكُّمي وإهاناتي المزعجة، صائحًا فيها بأن تُسرع وتُنفذ، كنتُ أعرف — أعرفُ بشكلٍ مطلَق، أعرفُ بما يتجاوز أيَّ ظلالٍ للشك — أن المسدس غير مشحون. مرةً أخرى، لا أزعم بأنني أعرفُ من أين أتى هذا اليقين، لكن حين رأيتها تخفضُ ذراعها، عرفْتُ أنه لن يحدث لي شيء، وكنتُ أريد أن أعاقبَها على ذلك، على أن أجعلها تدفعُ مقابلَ تظاهرها بغير حقيقتها.
أتحدث عن ثوانٍ، حياة كاملة تُختزل إلى ثوانٍ. خطوتُ خطوة، ثم خطوة أخرى، وفجأة كنْتُ فوقها، أَلوِي ذراعَها وأنزع المسدَّس من يدها. لم تعُد ملَك الموت، لكنني عرفْتُ آنذاك طعم الموت، وفي جنون الثواني التي تلت ذلك، فعلْتُ بالتأكيد أعنف وأبشع ما فعلْتُ. فقط لأبرهن على أمر. فقط لأبيِّن لها أنني أقوى منها. أخذْتُ المسدَّس منها، تراجعْتُ بضعَ خطوات، ثم وجَّهْتُه إلى رأسي. لم يكن فيه رصاص، بالطبع، لكنها لم تكن تعرفُ أنني أعرفُ ذلك، أردْتُ أن أستخدم معرفتي لإذلالها، أن أقدِّم لها صورةَ رجلٍ لا يخشى الموت. بدأَتِ اللعبة وسوف أنهيها. أتذكَّر أنها كانت تصرخ حينذاك، ما زلْتُ أسمع صُراخَها وتوسُّلَها لي ألا أفعل ذلك، لكن لم يكن لشيءٍ أن يوقفني آنذاك.
كنت أتوقع أن أسمع طرقعة، ربما يتلوها صدى طَرْقٍ قصير من الخزنة الخاوية. وضعْتُ إصبعي حول الزناد، مقدمًا لألما جروند ما لا بد أنها كانت ابتسامةً غريبةً مثيرةً للغثيان، وبدأْتُ الضغط. صرخَت: يا إلهي. يا إلهي، لا تفعل ذلك، لكن الزناد لم يتحرك. حاولْتُ مرة أخرى، ومرةً أخرى لم يحدث شيء. افترضْتُ أن الزناد معلَّق، لكن حين أنزلْتُ المسدس لألقيَ نظرةً دقيقةً عليه، عرفْتُ المشكلة أخيرًا. كان صِمام الأمان مشدودًا. كان المسدس مشحونًا، وكان صمام الأمان مشدودًا. لم تتذكَّر أن تفتحه. لولا هذا الخطأ لكانت إحدى تلك الرصاصات في رأسي.
•••
جلسَت على الأريكة وواصلَت البكاء في يدَيها. لم أعرف كم استغرق الأمر، لكن بمجرد أن تماسكَت، افترضْتُ أنها ستنهض وتغادر. أيُّ اختيار آخر كان أمامها؟ فقدتُ صوابي تقريبًا بسببها، وآنذاك وقد ضيعَتِ التنافسَ المقيت لإرادتَينا، لم أتخيل أنَّ لديها القدرة على أن تنطق بكلمةٍ أخرى.
وضعْتُ المسدس في جيبي. بمجرد أنني لم أعُد ألمسه، شعرْتُ بالجنون يبدأ الانصراف من جسدي. لم يبقَ إلا الرعب — نوع من الشفق الدافئ المحسوس، الذكرى في يدي اليمنى لمحاولة ضغط الزناد، ضغط المعدن الصلب في جمجمتي. إن لم يكن في الجمجمة ثقبٌ آنذاك فذلك يرجع إلى أنني كنتُ غبيًّا ومحظوظًا؛ لأن الحظ تفوَّق مرةً في حياتي على غبائي. كنْتُ على بُعد بوصةٍ من قتل نفسي. سرقَتْ سلسلةً من الأحداثِ حياتي مِنِّي ثم أعادتها إليَّ، وفي الوسط، في الفجوة الضئيلة بين هاتَين اللحظتَين، صارت حياتي حياةً أخرى.
حين رفعَت ألما وجهَها مرةً أخرى في النهاية، كانت الدموع لا تزال تنساب على وجنتَيها. كان مكياجها ملطخًا، تاركًا خطًّا متعرجًا من السواد عبْر مركز وحمتها، وبدَت شعثاء جدًّا، منهارةً جدًّا بالكارثة التي فعلَتها بنفسها، حتى إنني أسفْتُ تقريبًا لها.
قلْتُ: اذهبي واغتسلي. تبدين مرعبة.
أثر فيَّ أنها لم تقُل أي شيء. كانت امرأة تؤمن بالكلمات، تثق في قدرتها على الإقناع في المواقف الصعبة، لكنني حين أصدرْتُ لها هذا الأمر، نهضَت من الأريكة في صمتٍ وفعلَت ما أمرْتُها به. مجرد أثرٍ شاحب لابتسامة، هزة ضئيلة من الكتفَين. وهي تمشي وتصل إلى الحمام، شعرْتُ بمدى سوء الهزيمة التي لحقَت بها، مدى الخزي الذي أصابها بما اقترفَت يداها. بشكلٍ لا يمكن تفسيره، حرَّك مشهدها وهي تغادر الغرفة شيئًا في داخلي. قلبَت أفكاري بشكلٍ ما، وفي أول ومضة تعاطُف وما رافقَها من مشاعر، اتخذْتُ قرارًا مفاجئًا وغير متوقَّع تمامًا. بقَدْر ما يُمكِن قياسُ كمية هذه الأشياء، أعتقد أن القرار كان بداية القصة التي أحاوِل أن أحكيَها الآن.
مكثَت في الحمام وقتًا طويلًا. وقد توقَّف المطر آنذاك، وبدلًا من الجلوس في انتظارها، قررْتُ أن أخلِّص شاحنتي من الفوضى، وأحضرتُ البقالة منها. استغرق الأمر أقلَّ من عشر دقائقَ بقليل. وحين انتهيْتُ من وضع الطعام، كانت ألما لا تزال في الحمام. سِرْتُ إلى الباب لأُنصت، وبدأ القلق يتسرَّب إلى نفسي متسائلًا إن لم تكن قد دخلَت إلى هناك بنية القيام بعملٍ طائش يتسم بالحماقة. قبل أن أغادر المنزل كانت المياه تنساب في الحوض. سمعْتُ الحنفيات مفتوحة على الآخر، وحين مررْتُ بالباب لأخرج، سمعْتُ نحيبها في ظل الصخب. الحنفيات آنذاك مغلَقة، ولم يكن هناك صوتٌ على الإطلاق. قد يعني ذلك انتهاء نوبة بكائها وأنها تمشِّط شعرها بهدوء وتضع مكياجها. وقد يعني أنها في غيبوبة على الأرض، مكوَّمة بتأثير عشرين قرصًا من الزنكس في معدتها.
طرقْتُ. وحين لم ترُد، طرقْتُ مرةً أخرى وسألْتُ إن كانت على ما يُرام. قالتْ إنها ستأتي، ستخرج في خلال دقيقة، ثم بعد وقفةٍ طويلة، بصوتٍ بدا أنه يجاهد من أجل نفَس، قالتْ إنها آسفة، آسفة على كل ما حدث من أمورٍ رهيبة. قالت إنها تفضِّل الموت على مغادرة المنزل قبل أن أسامحَها، تتوسَّل لي لأسامحها، وحتى لو لم أفعل ذلك فسوف تذهب، تذهب على أية حال، ولن تزعجني مرةً أخرى.
كنتُ أقف منتظرًا قرب الباب. حين خرجَت كانت في عينَيها تلك نظرة زهو باهتة، تلك التي تصادفها بعد نوبة بكاءٍ طويلة، لكن شعرها كان في موضعه مرةً أخرى، وقد وضعَت المسحوق وأحمر الشفاه بحيث يُخفي معظم الاحمرار. كانت تنوي السير بعيدًا عني، لكنني مددْتُ يدي وأوقفْتُها.
قلْتُ: الساعة تجاوزت الثانية. نحن الاثنان مُنهَكان، وفي حاجة إلى قدْرٍ من النوم. يمكنكِ أن تستخدمي سريري. وسوف أنام في الطابق الأرضي على الأريكة.
كانت خجلى جدًّا من نفسها، لا تملك الجرأة على رفع رأسها والنظر إليَّ. قالتْ لا أفهم، موجِّهة كلماتها إلى الأرض، وحين لم أنطق بكلمة بعد ذلك مباشرة، قالتْ مرةً أخرى: لا أفهم.
قلْتُ: لن يذهب أحدٌ إلى أي مكان الليلة. لا أنا ولا أنت. يمكن أن نتحدث غدًا عن غد، لكن ينبغي أن نبقَى هنا الآن.
– ماذا يعني ذلك؟
– يعني أن الطريق طويلٌ إلى نيو مكسيكو. ومن الأفضل أن نبدأ بانتعاشٍ في الصباح. أعرفُ أنكِ في عَجلةٍ من أمرك، لكن بضع ساعات لن تغيِّر الكثير.
– اعتقدْتُ أنك ترغب في أن أغادر.
– كنْتُ. لكنني غيَّرتُ رأيي الآن.
ارتفع رأسها قليلًا حينذاك، واستطعْتُ أن أرى مدى ارتباكها. قالتْ: لا ينبغي أن تكون لطيفًا معي. لا أطلب ذلك.
– لا تقلقي. أفكِّر في نفسي لا فيك. أمامنا يومٌ طويل غدًا، وإذا لم أنَم الآن فلن أستطيع أن أفتح عينيَّ. ينبغي أن أكونَ يقظًا لأسمع ما تخبرينني به، أليس كذلك؟
– لا تقلْ إنك ترغب في الذهاب معي. لا يمكن أن تقول ذلك. من المستحيل أن تقول ذلك.
– لا أفكر في أن أفعل أي شيءٍ آخر غدًا. لماذا لا أذهب؟
– لا تكذبْ. إذا كنْتَ تكذبُ عليَّ الآن، أظن أنني لا أحتمل ذلك. تمزق قلبي.
استغرق الأمر عدة دقائق لأُقنعَها بأنني أنوي الذهاب معها. كان التحول ببساطة مذهلًا جدًّا بالنسبة إليها بحيث لا تفهم، وكان عليَّ أن أكرر الكلام عدةَ مرات قبل أن تُصدِّقني. لم أقل لها كل شيء بالطبع. لم أتحدث عن الثقوب الميكروسكوبية في الكون أو القوى التعويضية للجنون المؤقت. كان ذلك صعبًا جدًّا، لذا اكتفيتُ بإخبارها بأن قراري شخصي ولا علاقة له بها. قلتُ: تصرفنا كلانا بشكل سيئ، ومسئوليتي عما حدث لا تقل عن مسئوليتها. لا لوم أو تسامح، أو تسجيل نقاط لمن فعل كذا لمن. أو كلمات على هذه الشاكلة، كلمات أثبتَتْ لها في النهاية أن لديَّ أسبابًا خاصة للقاء هيكتور وأنني لن أذهب من أجل أحدٍ إلا نفسي.
تلت ذلك مفاوضاتٌ شاقة. لم تقبل ألما أن أعرضَ عليها سريري. أزعجَتني كثيرًا، وعلى قمة ذلك كنتُ مصابًا من حادثة الطريق في وقتٍ سابقٍ من تلك الليلة. كنْتُ أحتاج للراحة، ولن أحصلَ عليها وأنا مؤرق على الأريكة. أصررْتُ على أنني على ما يُرام، لكنها لم تستجب، وظل الجدل بيننا، كلٌّ منا يحاول إجبار الآخر في كوميديا هَزْلية بعد أقلَّ من ساعة من انتزاع المسدَّس من يدها واقترابي من إطلاق رصاصة في رأسي. لكنني كنْتُ مُنهَكًا جدًّا بشكلٍ يحول دون أن أخوض مزيدًا من الجدل، وفي النهاية تركْتُها تفعل ما تشاء. أحضرْتُ بعض الملاءات ووسادةً احتياطية، ووضعْتُها على الأريكة، ثم أخبرْتُها بمكان إطفاء الأنوار. كان هذا كل شيء. قالتْ إنها لا تهتم بوضع الملاءات، وبعد أن شكرَتْني للمرة السابعة في آخر ثلاث دقائق، صَعِدْتُ إلى غرفتي.
لا شك في أنني كنتُ متعَبًا، لكن بمجرد تسلُّلي تحت الأغطية، عانيتُ من مشكلة في الدخول في النوم، رقدْتُ أتطلع إلى الظلال على السقف، وحين لم تعُد تبدو مثيرة، انقلبْتُ على جانبي واستمعْتُ إلى الأصوات الخافتة لألما وهي تتحرك في الطابق الأرضي. ألما، الشكل الأنثوي لألموس، تعني المغذِّية القوية. في النهاية، انطفأ النور تحت بابي، وسمعْتُ سوست الأريكة تتحرك وهي تستقر فيها لليلة. بعد ذلك، لا بد أنني غفلْتُ برهة؛ لأنني لا أتذكَّر أي شيء حدث حتى فتحْتُ عينيَّ في الثالثة والنصف. رأيْتُ الوقت في الساعة الكهربية بجانب السرير، ولأنني كنْتُ مترنحًا، معلَّقًا في تلك الحالة بين النوم واليقظة، فهمْتُ بشكلٍ مبهم أنني فتحْتُ عينيَّ لأن ألما كانت تزحف إلى السرير بجواري وتضع يدها على كتفي. قالت إنها وحيدة تحت ولا تستطيع النوم. كان هذا مفهومًا تمامًا لي. كنتُ أعرف تمامًا معنى عدم القدرة على النوم، وقبل أن أستيقظ بشكلٍ كافٍ لأسألها عما تفعل في سريري، وضعتُ يديَّ حولها وأخذْتُ أقبِّلها في فمها.
•••
انطلقنا في صباح اليوم التالي قبل الظهر بقليل. أرادت ألما أن تقود السيارة؛ لذا قمْتُ بأشياء غير محدَّدة، ورتَّبتُ متطلبات الرحلة، قائلًا لها أين تلفُّ وأي طريقٍ سريع تأخذه، وهي تنطلقُ بسيارتها الدودج الزرقاء المستأجرة إلى بوسطن. كانت هناك بعض مخلَّفات العاصفة على الأرض — أغصان ساقطة، وأوراق أشجار مبلَّلة ملتصقة بأسطح السيارات، وسارية علم سقطَت في حديقة شخصٍ ما — لكن السماء كانت صافية من جديد، وكنا ننطلق في ضوء الشمس طول الطريق إلى المطار.
لم ينطق أيٌّ منا بكلمة عما حدث في غرفة النوم في الليلة السابقة. جلس في السيارة معنا مثل سِر، مثل شيءٍ ينتمي للغرف الصغيرة والأفكار الليلية ولا ينبغي تعريضُه لنور النهار. كانت تسميتُه تعني المخاطرة بتدميره، وهكذا لم نذهب أبعد من نظرةٍ جانبيةٍ عارضة، وابتسامةٍ عابرة، ويدٍ يضعُها أحدُنا بحذَر على ركبة الآخر. كيف يمكن أن أخمِّن ما تفكِّر فيه ألما؟ كنْتُ سعيدًا بأنها زحفَتْ إلى سريري، وسعيدًا بأننا قضَينا تلك الساعات معًا في الظلام. لكنها ليلةٌ وحيدةٌ فقط، ولم تكن لديَّ فكرة عما يحدث لنا بعد ذلك.
آخر مرة قدتُ السيارة إلى مطار لوجان كنتُ في السيارة مع هيلين وتود وماركو. آخر صباحٍ في حيواتهم قُضِيَ على الطرق نفسها التي أسافر عليها أنا وألما. ملفًّا ملفًّا قطعوا الرحلة نفسها؛ ميلًا ميلًا قطعوا الأرض نفسها. الطريق ٣٠ إلى الطريق السريع ٩١؛ ٩١ إلى ماس بايك؛ ماس بايك إلى ٩٣؛ ٩٣ إلى النفق. رحَّب جزءٌ مني بهذا التكرار الغريب للمشهد. بدا الأمر وكأنه عقابٌ بارع، كأن الآلهة قررتْ عدم السماح بأن يكون لي مستقبل حتى أعود إلى الماضي؛ لذا أملَت العدالة ضرورة أن أقضيَ أول صباح مع ألما في الطريق نفسها التي قضيْتُ فيها آخر صباحٍ مع هيلين. كان عليَّ أن أركب سيارة وأتجه إلى المطار، وكان عليَّ أن أندفع بسرعة تزيد عن المسموح بها بعشرة أميالٍ أو عشرين حتى لا تفوتَني الطائرة.
تذكَّرْتُ مشاجرة الولدَيْن في المقعد الخلفي، وفي لحظةٍ ما ضرب تود أخاه الأصغر على ذراعه. التفتَت هيلين لتذكِّره بأنه أكبر من أن يؤذيَ طفلًا في الرابعة، واشتكى ابننا البكر بفظاظة من أن «م» هو الذي بدأ ولذا نال ما يستحق. قال: إذا ضربكِ أحدٌ فمن حقك أن ترُدِّي له الضربة. فردَدْتُ مقدمًا آخر تصريحٍ أبوي في حياتي بأنه ليس لأحد الحق في أن يضرب شخصًا أصغر منه. فقال تُود: لكن ماركو سيبقَى أصغر مني دائمًا، مما يعني أنني لن أستطيع ضربه أبدًا. قلتُ، معجبًا بمنطق حجته: أحيانًا لا تكون الحياة منصفة. كانت مقولةً حمقاء، وتذكَّرْتُ أن هيلين انفجرَت ضاحكة حين نطقتُ بهذه المسلَّمة البشعة. كانت طريقتُها في إخباري بأن تود أذكى شخصٍ في الأربعة الذين يجلسون في السيارة في ذلك الصباح. اتفقْتُ معها، بالطبع. كانوا جميعًا أبرع مني، ولم أعتقد لثانيةٍ أنني أستطيع أن أمسك شمعة لهم.
كانت ألما سائقةً جيدة. وأنا جالسٌ أشاهدها تدخل وتخرج من الممرَّات اليسرى والوسطى، عابرةً كلَّ ما في مرمى البصر، قلْتُ لها إنها تبدو جميلة.
قالت: لأنك تنظر إلى الجانب الطيب. إذا كنتَ تجلس هنا، ربما لم تكن لتقول ذلك.
– ألهذا رغبْتِ في القيادة؟
– السيارة مستأجَرة باسمي. أنا الوحيدة التي يُفترض أن تقودها.
ولا علاقة لهذا بالغرور.
يستغرق الأمر وقتًا يا ديفيد. ولا جدوى من المبالغة حين لا ينبغي أن نبالغ.
– لا تزعجني، تعرفين. اعتدْتُ عليها بالفعل.
– لا يمكن أن تكونَ قد اعتدتَ عليها. ليس بعدُ على أية حال. لم تتطلع إليَّ بما يكفي لتعرف حقيقة شعورك.
– قلْتِ إنكِ كنتِ متزوجة. لم تمنع على ما يبدو الرجالَ من أن يروكِ جذابة.
– أحب الرجال. بعد بُرهة يحبونني. ربما لم أكن مثل بعض الفتيات، لكن لي نصيبي الكبير من الخبرات. اقضِ وقتًا كافيًا معي، ولن تراها بعد ذلك.
– لكنني أحب رؤيتها. تجعلكِ مختلفة، امرأة لا تشبه أية امرأةٍ أخرى. أنت الوحيدة التي قابلْتُها ولا تشبه إلا نفسها.
– هذا ما اعتاد أبي قوله. قال لي إنها هديةٌ خاصة من الرب، تجعلني أفضل من كل الفتيات.
– هل صدَّقْتِه؟
– أحيانًا. وشعرْتُ أحيانًا بأنني ملعونة. إنها شيءٌ بشع، رغم كل شيء، تجعلك هدفًا سهلًا وأنت طفل. ظلِلْتُ أفكِّر في أنني قد أستطيع التخلص منها ذات يوم، وأن طبيبًا ما يجري لي عملية ويجعلني أبدو طبيعية. كلما حلمْتُ بنفسي في الليل، كان جانبا وجهي متماثلَين. ناعمَين وأبيضَين، متناسقَين بشكلٍ كامل. ولم يتوقف هذا حتى بلغتُ الرابعة عشرة.
– كنت تتعلمين كيف تتعايشين معها.
– ربما، لا أعرف. لكن حدث لي شيءٌ ما في ذلك الوقت تقريبًا، وبدأ تفكيري يتغير. كانت خبرةً كبيرةً بالنسبة لي، نقطة تحوُّل في حياتي.
– وقع شخص في حبك.
– بشكلٍ باهت. أظن أنني لم أقرأها منذ كنتُ في المرحلة الثانوية.
قرأْتُها كل يوم لستة أشهر. كتبها هوثرون من أجلي. كانت قصتي.
– عالِم وعروسه الشابة. هذا هو الموقف، أليس كذلك؟ يحاول إزالة الوحمة من وجهها.
– وحمة حمراء. من الجانب الأيسر من وجهها.
– لا غرابة في أنك أحببْتِها.
– الحب ليس كلمة قوية بما يكفي. كنتُ مهووسة بها. أكلَتْني هذه القصة حيةً.
– الوحمة تبدو مثل يد إنسان، أليس كذلك؟ بدأْتُ أتذكَّر الآن. يقول هوثورن إنها تبدو مثل بصمة يدٍ ضغطَت على خدها.
– لكنها صغيرة. في حجم يد قزم، يد رضيع.
كان فيها هذا العيب الضئيل، وباستثناء ذلك وجهُها رائع. تُعرَف بأنها تتمتع بجمالٍ استثنائي.
جورجيانا. حتى تتزوج ألمير لا تعتقد حتى أنها عيب. إنه الشخص الذي يعلِّمها أن تكرهها، الذي يقلبها على نفسها ويجعلها ترغب في إزالتها. بالنسبة له، ليست مجرد خلَل، ليست مجرد شيءٍ يدمِّر جمالها الجسدي. إنها علامة على تشوهٍ داخلي، بقعةٍ في روح جورجيانا، علامة إثم وموت وتحلُّل.
طابع الفناء.
أو ببساطة ما نظن أنه إنساني. هذا ما يجعلها مأساوية جدًّا. يدخل ألمير مختبره ويبدأ تجريب الإكسير والجرعات، محاولًا التوصل إلى صيغة لإزالة البقعة المرعبة، وتوافقه جورجيانا البريئة. ذلك مفزع جدًّا. ترغب في أن يُحبها. هذا كل ما يعنيها، وإذا كانت إزالة الوحمة الثمن الذي تدفعه مقابل حبه، فإنها ترغب في المخاطرة بحياتها من أجله.
وينتهي الأمر بأن يقتلها.
لكن ليس قبل أن تختفي الوحمة. هذا بالغ الأهمية. في الثانية الأخيرة، وهي على شفا الموت، تتلاشى العلامة من خدِّها. تُمحَى، تُمحى تمامًا، حينذاك فقط، في تلك اللحظة بالضبط، وجورجيانا المسكينة تموت.
الوحمة حقيقتها. امحُها تُمحَ معها.
– لا تعرف ما فعلَته تلك القصة بي. ظلِلْتُ أقرأها، ظلِلْتُ أفكِّر فيها، ورويدًا رويدًا بدأْتُ أرى نفسي على حقيقتها. يحمل الآخرون إنسانيتهم داخلهم، لكنني أضع إنسانيتي على وجهي. هذا هو الفرق بيني وبين الآخرين. لم يُسمحْ لي بإخفاء حقيقتي. كلما نظر الناس إليَّ نظروا إلى روحي مباشرة. لم أكن فتاةً دميمة — كنتُ أعرف ذلك — وكنتُ أعرف أيضًا أنني سأُعرَّف دائمًا بتلك البقعة القرمزية على وجهي. لا فائدة من التخلص منها. كانت الحقيقةَ الجوهرية لحياتي، وإزالتُها تشبه السعي لتدمير نفسي. لم أعرِف قط السعادة المعتادة، لكنني بعد قراءة القصة، أدركْتُ أنني أملك شيئًا طيبًا. كنْتُ أعرفُ ما يعتقده الناس. وكل ما عليَّ أن أفعله أن أنظر إليهم وأدرس ردود أفعالهم حين يرون الجانب الأيسر من وجهي، وأعرف إن كانوا مصدر ثقة أم لا. كانت الوحمة اختبار إنسانيتهم. كانت تقيسُ جدارة أرواحهم، وإذا بذلْتُ جهدًا أستطيع أن أرى مباشرةً ما في دواخلهم وأعرفَ حقيقتهم. وحين بلغْتُ السادسة عشرة أو السابعة عشرة كانت لديَّ شوكةٌ رنانةٌ دقيقة. ولا يعني هذا أنني لم أرتكب أخطاءً بشأن الناس، لكنني كنتُ أعرف أفضل معظم الوقت. فقط لم أستطع التوقف.
كما في الليلة الأخيرة. لم تكن خطأ.
– أوشك كلٌّ منا أن يقتل الآخر.
– كان ينبغي أن يكون الأمر بهذه الطريقة. حين تسابق الزمن، يسرع كل شيء. لم يكن بإمكاننا تقديم رفاهية المقدمات الرسمية والتصافح بالأيدي والمحادثة الحصيفة على الشراب. كان ينبغي أن يكون الأمر عنيفًا. مثل كوكبين يصطدمان على حافة الفضاء.
– لا تقولي إنك لم تكوني خائفة.
– كنتُ خائفةً لدرجة الموت. لكنني لم أتهوَّر، تعرف. كان ينبغي أن أستعدَّ لأي شيء.
– قالوا لك إنني مجنون، أليس كذلك؟
– لم يستخدم أحدٌ هذه الكلمة قط. أقوى ما قيل انهيارٌ عصبي.
– ماذا قالت لك شوكتي الرنانة حين جئت إلى هناك؟
– تعرفُ بالفعل الإجابة على ذلك.
فزعْتِ، أليس كذلك؟ لقد فزعْتُ فزعًا رهيبًا.
– كان الأمر أكثر من ذلك، كنتُ خائفة، ومستثارة في الوقت ذاته، أكاد أرتجفُ سعادة. نظرْتُ إليك، وللحظتَين بدا تقريبًا وكأنني أنظر إلى نفسي. لم يحدث لي هذا من قبلُ قط.
– أحببْتِ ذلك.
– عشقتُه. تُهت، ظننتُ أنني سأتمزق أشلاء.
– والآن تثقين فيَّ.
– لن تخذلني. ولن أخذلك. نعرف ذلك.
– ماذا نعرف أيضًا؟
– لا شيء؛ لذا نحن نجلس الآن معًا في السيارة؛ لأننا متماثلان، ولأننا لا نعرف غير ذلك.
•••
أخذنا رحلة الساعة الرابعة إلى ألبوكيرك وكان أمامنا عشرون دقيقة. بشكلٍ نموذجي، كان ينبغي أن أتناول الزنكس عند وصولنا إلى هوليوك أو سبرنجفيلد. وسيستر على أقصى تقدير، لكنني كنتُ مأخوذًا تمامًا بحديث ألما بدرجةٍ تحولُ دون أن أقطع الحديث، وبقيتُ من دونه. حين مرَرْنا بإشارات المَخْرج ٤٩٥، أدركْتُ أنه لا جدوى من تناولها. كانت الأقراص في حقيبة ألما، لكنها لم تقرأ تعليمات النشرة. لم تكن تعرفُ أنها ينبغي أن تُبلع قبل أن تؤثِّر بساعةٍ أو اثنتَين.
في البداية، كنتُ سعيدًا لأنني لم أتناولها. كل أعرج يرتجف لفكرة التخلي عن عكازه، لكن إذا كنتُ أستطيع قطع الرحلة بدون انفجارٍ في البكاء أو هذيانٍ محموم، ربما أكون أفضل في النهاية. انتابَتْني الفكرة لعشرين دقيقةً أخرى أو ثلاثين. ثم ونحن نقترب من حدود بوسطن، فهمْتُ أنه لم يعُد هناك اختيار. كنا ننطلق بالسيارة لأكثر من ثلاث ساعات، ولم نتحدث بعدُ عن هيكتور. افترضْتُ أننا ينبغي أن نفعلَ ذلك في السيارة، لكن انتهَى بنا الأمر ونحن نتحدث في أمورٍ أخرى، أمور لا شك في ضرورة الحديث عنها أولًا، لم تكن أقلَّ أهمية مما ينتظرنا في نيو مكسيكو، وقبل أن أعرفَها، كانت المرحلة الأولى من الرحلة قد انتهت تقريبًا. لا أستطيع أن أنامَ منها الآن. كان عليَّ أن أبقَى يقظًا لأستمع إلى القصة التي وعدَتْني بحكايتها.
جلسنا في منطقة بجوار بوابة الإقلاع. سألَتْني ألما إن كنتُ أرغب في تناول الأقراص، أخبرتُها بأنني لن أتناول الزنكس. قلتُ: أمسِكي يدي وسأكون على ما يُرام. أشعر بأنني في حالةٍ طيبة.
أمسكَت يدي، ولبرهةٍ قصيرةٍ تعانقنا أمام المسافرين الآخرين. كان تهورًا مراهقًا بحتًا — ليستْ مراهقتي، ربما، لكن المراهقة التي تمنيْتُها دائمًا — وكانت خبرةً جديدةً أن أقبِّل امرأة على الملأ حتى إنني لم أفكِّر في العذاب الذي ينتظرني. ونحن نصعد الطائرة، مسحَت ألما أحمر الشفاه من على خدي، ولم ألاحظ ونحن نعبُر العتبة وندخل. لم يسبِّب السير في الممر الأوسط أو الجلوس في المقعد أية مشكلة لي. ولم أضطرب حتى وأنا أربط حزام المقعد، أو حتى حين أزَّت المحرِّكات بكل قوَّتها وشعرْتُ بالآلة تتذبذب في جلدي. كنا في الدرجة الأولى. ذكرَت قائمة الطعام أنهم سوف يقدمون دجاجًا على الغداء. أخذَت ألما، وكانت تجلس بجوار النافذة على شمالي — تحوَّل جانبها الأيمن إليَّ مرةً أخرى — يدي في يدها، ورفعَتْها إلى يدها، وقبَّلَتْها.
كان غلطَتي الوحيدة أنني أغلقْتُ عينيَّ. حين تحركَت الطائرة من موضعها وبدأَتْ تتجه إلى مدرج الإقلاع، لم أرغب في رؤيتها تقلع بنا. شعرْتُ بأنها أخطر لحظة وإذا احتملْتُ الانتقال من الأرض إلى السماء، وتجاهلْتُ ببساطةٍ حقيقة أننا فقدنا التماسَّ بالأرض، تصوَّرْتُ أنني سيكون أمامي فرصة لتحمُّل الباقي. لكنني أخطأْتُ في حجب المشهد، أخطأْتُ في الانفصال عن الحدث وهو يتكشَّف في تلك اللحظة. ربما كانت تجربته مؤلمة، لكن الأسوأ بكثير أن أبتعدَ عن الألم وأنسحبَ إلى قوقعة أفكاري. انتهَى عالم الحاضر. لم يعُد هناك ما أراه، لم يعُد هناك ما يأخذني من تراكُم مخاوفي، وكلما طال وقتُ إغلاق عينيَّ رأيْتُ بشكلٍ أكثر رعبًا ما أرادتْ مخاوفي أن أراه. تمنيْتُ دائمًا لو متُّ مع هيلين والولدَيْن، لكنني لم أترك نفسي قط لأتخيَّل ما عاشوه في اللحظات الأخيرة قبل سقوط الطائرة. آنذاك، وعيناي مغلَقتان، سمعْتُ الولدين يصرخان، ورأيْتُ هيلين تأخذهما في ذراعَيها، وتخبرهما بأنها تُحبهما، هامسةً خلال صُراخ مائة وثمانية وأربعين شخصًا آخر على وشك الموت أنها تُحبهما دائمًا، وحين رأيتُها هناك والولدان في ذراعَيها، انهرْتُ وانتحبْتُ. بالضبط كما تخيلْتُ دائمًا، انهرْتُ وانتحبْتُ.
وضعْتُ يديَّ على وجهي، ولأطول وقتٍ ظلِلْتُ أبكي في كفيَّ المملحتَين، عاجزًا عن رفع رأسي، عاجزًا عن فتح عينيَّ والتوقف. في النهاية، شعرْتُ بيد ألما على قفاي. لم أعرفِ الوقت الذي مكثتْه هناك، لكن جاءت لحظة شعرْتُ بها، وبعد بُرهة أدركْتُ أن يدها الأخرى كانت تعلو وتهبط على ذراعي تمسِّدها برقَّةٍ بالغة، مستخدمةً نفس الحركة الناعمة الإيقاعية التي تستخدمها أم لتبعث الراحة في نفس طفل في حالةٍ سيئة. ومن الغريب جدًّا أنني في اللحظة التي أدركْتُ فيها هذه الفكرة، أدركْتُ حقيقة أنني استحضرْتُ هذه الفكرة عن الأمهات والأطفال، تخيلْتُ أنني انزلقْتُ في جسد تود، ابني، وأن هيلين هي التي تبعث الراحة في نفسي لا ألما. استمر هذا الشعور بضع ثوانٍ فقط، لكنه كان مُفرِط القوة، ليس تخيلًا بقَدْر ما كان واقعًا، كان تحولًا حقيقيًّا حوَّلني إلى شخصٍ آخر، وحين تلاشى انتهَى فجأة أسوأ ما حدث لي.