٥

بعد نصف ساعة، بدأَت ألما تتحدث. كنا على ارتفاع سبعة أميال، نحلق فوق بلدٍ مجهول في بنسلفانيا أو أوهايو، وظلَّت تتحدث طوال الطريق إلى ألبوكيرك. كانت هناك وقفةٌ قصيرة عند الهبوط، ثم واصلَت القصة ونحن نركب سيارتها ونبدأ رحلة لساعتَين ونصف إلى تيرا دل سوينو. انطلَقنا في سلسلة من الطرق الصحراوية السريعة والأصيل يتحول إلى مساء والمساء يتحول إلى ليل. كما أتذكَّر لم تتوقف القصة حتى وصلنْا إلى بوابات المزرعة — وحتى آنذاك لم تكن قد انتهت تمامًا. تحدثَتْ سبعَ ساعاتٍ تقريبًا، ولم يكن الوقتُ كافيًا لوضع كل الأمور في نصابها.

قفزَتْ كثيرًا في البداية، مندفعةً من الخلف إلى الأمام بين الماضي والحاضر، واستغرق الأمر بُرهة لأستوعبَ الأمر وأرتِّب الأحداث زمنيًّا. قالت إن كلَّ ذلك في كتابها، كل الأسماء والتواريخ، كل الحقائق الأساسية، ولا حاجة لإعادة ترتيب تفاصيل حياة هيكتور قبل اختفائه — ليس في تلك العصرية على الطائرة، على أية حال، ليس حين يمكن أن أقرأ الكتاب بنفسي في الأيام والأسابيع التالية. المهم الأمور التي أثَّرت على مصير هيكتور باعتباره رجلًا مختفيًا، السنوات التي قضاها في الصحراء يكتب ويُخرج أفلامًا لم يرَها الجمهور قط. وكانت هذه الأفلام السبب في سفري إلى نيو مكسيكو معها آنذاك، وربما كان من المثير أن أعرف أن هيكتور وُلِد باسم شيام ماندلبوم — على سفينة بخارية هولندية في وسط الأطلنطي — ولم يكن ذلك بالغ الأهمية. ولا يهم أن أمه ماتت وهو في الثانية عشرة أو أن أباه، وكان نجار موبيليا غير مهتم بالسياسة، ضُرب حتى أشرف على الموت على أيدي الرعاع المعادين للبلاشفة والمعادين للسامية في الأسبوع المأساوي في بوينس أيرس في ١٩١٩م. مما أدى إلى رحيل هيكتور إلى أمريكا، لكنَّ أباه كان يحثُّه على الهجرة لبعض الوقت قبل ذلك، وعجَّلَت الأزمة باتخاذ القرار. ولم يكن هناك جدوى من الاستماع إلى دستتَين من الوظائف التي شغلَها بعد الوصول إلى نيويورك، وأقل ضرورةً من ذلك الحديث عما حدث له بعد الوصول إلى هوليوود في ١٩٢٥م. كنتُ أعرفُ ما يكفي عن الأعمال المبكِّرة مستخدمًا إضافيًّا ومشيدًا للمشاهد، وأحيانًا لاعبًا لدورٍ صغير في عددٍ من الأفلام المفقودة والمنسية بالنسبة لنا لنتجاوز تلك السنوات، وما يكفي بشأن علاقاته المتشابكة مع هانت بما لا يستوجب الإسهاب فيها مرةً أخرى. قالت ألما إن الخبرة كرَّهَتْ هيكتور في العمل السينمائي، لكنه لم يكن مستعدًّا للتخلي عنه، وحتى ليلة ١٤ يناير ١٩٢٩م، كانت آخر فكرة طرأَت على ذهنه أن يغادر كاليفورنيا إلى الأبد.

عام قبل اختفائه أجرت بريجيد أوفالون معه حوارًا لمجلة «فوتوبلاي». ذهبَت إلى منزله في نورث أورانج درايف في الساعة الثالثة عصر يوم سبت، وبحلول الخامسة كانا على الأرضية معًا، يتقلبان على السجادة ويبحث كلٌّ منهما عن الثقوب والفجوات في جسد الآخر. قالت ألما: كان هيكتور معتادًا على التصرُّف على هذا النحو مع النساء، ولم تكن هذه أول مرة يستخدم قواه الإغوائية لفتحٍ سريع وحاسم. كانت أوفالون في الثالثة والعشرين، فتاة كاثوليكية ناصعة من سبوكين١ تخرَّجَت في كلية سميث وعادت إلى الغرب لتحقِّق نجاحًا في الصحافة. والحقيقة أن ألما تخرَّجَت أيضًا في سميث، واستخدمَت اتصالاتها هناك للاطلاع على نسخةٍ من سجل ١٩٢٦م. كانت لقطة رأس أوفالون غير حاسمة. قالت ألما: العينان متقاربتان جدًّا معًا، ذقَنها عريضٌ جدًّا، ولم يكن شعرها القصير متسقًا مع ملامحها. لكن كان فيها شيءٌ مثير، وفي نظرتها شرارة من الشقاوة أو الدعابة، زخم داخلي متألق. في صورةٍ فوتوغرافيةٍ لإنتاج جمعية الدراما لمسرحية «العاصفة»، التقطَت صورة لأوفالون في منتصف العرض، في دور ميراندا مرتديةً فستانًا أبيض رقيقًا وتضع زهرةً بيضاء في شعرها، وقالت ألما إنها كانت جميلة في تلك الصورة، هفوة صغيرة من شيءٍ متلألئ بالحياة والطاقة — مفتوحة الفم، ذراع تتطوح إلى الأمام، في تمثيل يشبه الخطابة. صحفيةً كتبَت أوفالون بأسلوب تلك الأيام. جُملُها حادة وقوية، وكانت تتمتع بموهبة ترصيع مقالاتها بتعليقاتٍ بارعة وتورياتٍ ملتفة ببراعة مما ساعدها على الصعود بسرعة في وظيفتها بالمجلة. كان المقال عن هيكتور استثناء، أكثر جدية بكثير وإعجابًا صريحًا بموضوعها أكثر مما في أيٍّ من مقالاتها الأخرى التي قرأَتْها ألما. لكن النبرة الثقيلة لم تكن إلا مبالغةً متواضعة، دعمَتْها أوفالون قليلًا لإحداث تأثيرٍ كوميدي، وكانت أساسًا طريقة كلام هيكتور في ذلك الوقت. تحسَّنَت إنجليزيتُه بمرور الوقت، لكن بالعودة إلى العشرينيات كان يبدو مثل شخصٍ نزل من السفينة للتو. ربما وقف على قدمَيه في هوليوود، لكنه بالأمس كان مجرد غريبٍ آخر مرتبك، يقف في قفص الاتهام بكل ما يملك محشورًا في كرتونة.

في الشهور التي تلت المقابلة، واصل هيكتور الوثب مع عددٍ كبير من الممثلات الشابات الجميلات. كان يستمتع بالظهور على الملأ معهن، ويستمتع بالذهاب إلى السرير معهن، لكن لم تستمرَّ أيٌّ من هذه النزوات. كانت أوفالون أمهر من الأخريات اللائي عرفَهن، وبمجرد أن تعب هيكتور من لعبته الأخيرة، اتصل ببريجيد بثبات وطلب منها أن يراها مرةً أخرى. بين أوائل فبراير وأواخر يونيو كان يزور شقتها في المتوسط مرةً أو اثنتَين أسبوعيًّا، وفي تلك الفترة، في معظم أبريل ومايو، كان معها ليس أقلَّ من كل ثاني ليلة أو ثالث ليلة. ولا شك في أنه كان معجبًا بها. بمرور الشهور، نشأَت بينهما ألفةٌ مريحة، لكن بينما اعتبرَتْها بريجيد الأقل خبرة دليلًا على حبٍّ أبدي، لم يخدع هيكتور نفسه قط بالتفكير في أنها أكثر من صداقة حميمية. اعتبرها صديقته، رفيقته الجنسية، حليفته التي يثق فيها، لكن هذا لا يعني أن لديه أية نية في عرض الزواج عليها.

كانت صحفية، ولا بد أنها تعرفُ حقيقة ما يفعله هيكتور في الليالي التي لا ينام فيها في سريرها. كل ما كان عليها أن تفعلَه أن تفتح صحيفة الصباح وتُتابع مآثره، وتتشمَّم التلميحات بشأن أحدث نزواته ومداعباته. حتى لو كانت معظم القصص التي تقرؤها عنه مزيفة، كان هناك أكثر من دليلٍ كافٍ لإثارة غَيرتها. لكن بريجيد لم تكن غيورة — أو على الأقل لم تُظهِر أنها غيورة. كلما نادى هيكتور رحَّبَت به بين ذراعَيها. لم تتحدث قط عن الأخريات، ولأنها لم تكن تتهمه أو توبِّخه أو تطلب منه أن ينصلح، زادت مشاعره نحوها. كانت هذه خطة بريجيد. سلَّمَت قلبها له، وبدل أن تدفعه لاتخاذ قرارٍ متعجل بشأن حياتهما معًا، قرَّرتْ التحلي بالصبر. عاجلًا أو آجلًا، سيكُف هيكتور عن الجري وراء النساء. تفقد الملاحقة المحمومة للنساء جاذبيتها بالنسبة له. يمل؛ يخلِّص نظامه منها؛ يرى النور. وحينئذٍ تكون هناك من أجله.

هكذا خطَّطَت بريجيد أوفالون، واضحة التفكير واسعة الحيلة، ولبعض الوقت بدا وكأنها أحكمَت القبضة على رَجُلِها. صار هيكتور، متورطًا في مناقشاته المتنوعة مع هانت، مكافحًا ضد التعب وضغوط سلق فيلمٍ جديد كل شهر، صار أقلَّ ميلًا لتبديد لياليه في ملاهي الجاز والحانات، لاستهلاك قوَّته في إغواءات لا طائل من ورائها. صارت شقة أوفالون ملجأً له، وساعدَت الأمسياتُ الهادئة التي قضياها معًا على الحفاظ على توازن رأسه وشهوته. كانت بريجيد ناقدةً ثاقبة البصر، ولأنها كانت مطلعةً على الإنتاج السينمائي أكثر منه، صار يعتمد أكثر وأكثر على حكمها. وهي التي اقترحَت عليه أن يجرِّب دولوريس سانت جون لدور ابنة الشريف في «أمين المخزن»، فيلمه التالي على بكرتَين. كانت بريجيد تدرُس مسار سانت جون لعدة شهور قبل ذلك، وكان رأيها أن الممثلة التي تبلغ الثانية والعشرين لديها إمكانية أن تصبح شيئًا كبيرًا في المستقبل، مابل نورماند أخرى أو جلوريا سوانسون، نورما تالماج أخرى.٢

اتبع هيكتور نصيحتها. حين دخلت سانت جون مكتبه بعد ثلاثة أيام، كان قد شاهد بالفعل فيلمَين من أفلامها وقرَّر عرض الدور عليها. كانت بريجيد مصيبة بشأن موهبة سانت جون، لكن لا شيء مما قالت ولا شيء مما رآه في أعمال سانت جون في السينما جعل هيكتور مستعدًّا للتأثير الهائل الذي كان لوجودها عليه. كان جانبًا واحدًا أن تشاهد تمثيلها في السينما الصامتة؛ وكان جانبًا آخر تمامًا أن يصافح يدها وينظر في عينَيها. ربما كانت ممثلاتٌ أخريات أكثر إثارة للإعجاب على الشريط السينمائي، لكن في العالم الحقيقي للصوت واللون، في العالم المجسد الثلاثي الأبعاد للحواس الخمس والعناصر الأربعة والجنسَين، لم يقابل قط مخلوقًا يمكن أن يقارنه بهذه المخلوقة. لم يكن الأمر أن سانت جون أجمل من الأخريات، ولم يكن الأمر أنها قالت له أيَّ شيءٍ بارز في الدقائق الخمس والعشرين التي قضياها معًا في عصر ذلك اليوم. لأكون صادقة تمامًا، بدت إلى حدٍّ ما أقرب إلى الغباء، بذكاء لا يتجاوز المتوسط، لكنها تتميز بطبيعة وحشية، طاقة حيوانية تبرز من جلدها وتشع من تلميحاتها التي جعلَت من المستحيل أن يتوقف عن النظر إليها. العينان اللتان ردتا النظرة إليه كانتا سيبريتَين زرقاوَين شاحبتَين. بشرتها بيضاء، وشعرها ظلال الأحمر الأكثر قتامة، أحمر يقترب من البني المحمر. على عكس شعر معظم الأمريكيات في يونيو ١٩٢٨م، كان طويلًا، يتدلى على كتفَيها. تحدثا برهة في أمورٍ غير محددة. ثم وبدون أية مقدمات أخبرها هيكتور بالجزء الخاص بها إذا رغبَت فقبلَت. قالت إنها لم تعمل في كوميديا جسدية من قبل وتتطلع للتحدي. ثم نهضَت من مقعدها، وصافحَت يده، وغادرَت المكتب. بعد عشر دقائق وصورة وجهها لا تزال متوهجة في رأسه، قرَّر هيكتور أن دولوريس سانت جون هي المرأة التي سيتزوَّجها. إنها امرأة حياته، وإذا تبيَّن أنها لا ترغب فيه، فإنه لن يتزوج أية امرأة.

أدت باقتدار في «أمين المخزن»، مقدمةً كل ما طلبه منها هيكتور مساهمةً ببعض الإضافات البارعة من عندها، لكنه حين حاول أن يجعلها توقِّع على الاشتراك في فيلمه التالي اعترضَت. عُرِض عليها الدور الرئيسي في فيلم لألن دوان،٣ والفرصة ببساطة أعظم من أن ترفضها. هيكتور، الذي يُفترَض أن له لمسةً سحريةً مع النساء، لم يصل معها إلى نتيجة. لم يستطع العثور على كلماتٍ ليعبِّر عن نفسه بالإنجليزية، وكلما أوشك أن يعلن لها عن نواياه تراجع في اللحظة الأخيرة. شعر أنه قد يفزعها إذا خرجَت الكلمات خطأ ويُفسِد فرصته للأبد. وفي أثناء ذلك واصل قضاء ليالٍ عديدة أسبوعيًّا في شقة بريجيد، ولأنه لم يُعطِها أي وعد، ولأنه كان حرًّا في أن يحب مَن يشاء، لم ينطق لها بكلمة بشأن سانت جون. حين انتهَى تصوير «أمين المخزن» في أواخر يونيو، غادرَت سانت جون مكان التصوير إلى جبال تيهاشابي.٤ عملَت في فيلم دوان أربعة أسابيع، وفي أثناء ذلك كتب هيكتور لها سبعةً وستين خطابًا. ما لم يستطع أن يقوله لها شخصيًّا، وجد أخيرًا الشجاعة ليدوِّنه على الورق. قاله وكرَّره مرةً بعد أخرى، ورغم أنه كان يقوله بشكلٍ مختلف كلما كتب، كانت الرسالة نفسها دائمًا. في البداية، ارتبكَتْ سانت جون، ثم انتشت، ثم بدأَت تتطلع للخطابات، وفي النهاية أدركَتْ أنها لا تستطيع العيش بدونها. وحين عادت إلى لوس أنجلوس في بداية أغسطس، أخبرَت هيكتور بأن الرد نعم. نعم، تحبه. نعم ستصبح زوجته.

لم يحدَّد تاريخ للعرس، لكنهما كانا يتحدثان عن يناير أو فبراير — وقتٌ كافٍ ليفي هيكتور بعقده مع هانت وينفِّذ نقلته التالية. حانت اللحظة للتحدث مع بريجيد، لكنه ظل يؤجلها، لم يجرؤ تمامًا على القيام بذلك. قال إنه يعمل لوقتٍ متأخر مع بلوستاين وميرفي، في غرفة المونتاج، في استطلاع لموقع التصوير، متوعك. بين بداية أغسطس ومنتصف أكتوبر اخترع عشرات الاعتذارات لكيلا يراها، لكنه لم يستطع قطع العلاقة معها تمامًا. حتى في مخاض افتتانه بسانت جون، واصل زيارة بريجيد مرةً أو اثنتَين أسبوعيًّا، وكلما مرَّ من باب الشقة، تراجع إلى الإعداد المريح القديم ذاته. بالطبع، يمكن أن نتهمه بالجبن، ويمكن أيضًا أن نؤكد بسهولة بأنه رجل في صراع. ربما أعاد التفكير بشأن الزواج من سانت جون. ربما لم يكن مستعدًّا للتخلي عن أوفالون. ربما كان ممزقًا بين المرأتَين ويشعر بالحاجة إلى الاثنتَين كلتَيهما. يمكن للإحساس بالذنب أن يجعل إنسانًا يعمل ضد أفضل مصالحه، لكن الرغبة قد تفعل ذلك أيضًا، وحين يختلط الإحساس بالذنب والرغبة بالتساوي في قلب إنسان، قد يأتي هذا الإنسان بأمورٍ غريبة.

لم تشُك أوفالون في شيء. في سبتمبر، حين ورَّط هيكتور سانت جون في لعب دور زوجته في «مستر لا أحد»، هنأَته على حسن اختياره. حتى حين تسربَت شائعات من المجموعة بأن هناك حميمية خاصة بين هيكتور وسيدته التي تلعب الدور الرئيسي، لم تقلَق كثيرًا. كان هيكتور يُحب الغزل. كان يقع دائمًا في حب الممثلات اللائي يعمل معهن، لكن بمجرد انتهاء التصوير وذهاب كل شخص إلى بيته، ينساهن بسرعة. لكن القصص استمرَّت في هذه الحالة. انتقل هيكتور بالفعل إلى «الضِّعف أو لا شيء»، آخر فيلم له في كاليدوسكوب، وكان جوردون فلاي يهمس في عموده بأن أجراس العرس على وشك أن ترن لفاتنة طويلة الشعر وعاشقها المرِح ذي الشوارب. كان منتصف أكتوبر، وأوفالون، التي لم يتصل بها هيكتور لخمسة أيام أو ستة، تتصل بغرفة المونتاج وتطلب منه أن يأتي إلى شقتها تلك الليلة. لم تطلب منه شيئًا من هذا القبيل من قبلُ، وهكذا ألغى خطط العَشَاء مع دولوريس وذهب إلى مكان بريجيد بدلًا من ذلك. وهناك واجهه السؤال الذي أجَّل إجابتَه في الشهرَين السابقَين، وفي النهاية قال لها الحقيقة.

كان هيكتور يدعو من أجل شيءٍ محدد، انفجار غضبٍ أنثوي يجعله في الشارع مترنحًا ويُنهي الأمور مرةً واحدة إلى الأبد، لكن بريجيد اكتفت بالنظر إليه حين باح إليها بالخبر، وأخذَت نفَسًا عميقًا، وقالت من غير الممكن أن يُحب سانت جون. ليس ممكنًا لأنه يُحبها. قال هيكتور: نعم، إنه يُحبها، وسيبقَى يُحبها دائمًا، لكن الحقيقة أنه سيتزوَّج سانت جون. فبدأَت بريجيد تبكي، لكنها لم تتهمه بالخيانة، لم تقدِّم حججًا لصالحها أو تنفجر غاضبة بشأن مدى بشاعة إساءته إليها. قالت إنه مخطئ في حقِّ نفسه، وبمجرد أن يدرك أن أحدًا لم يحبَّه كما أحبَّتْه سيعود إليها. قالت إن دولوريس سانت جون شيء وليست شخصًا. إنها شيءٌ براق ومُسْكر، لكنها تحت جلدها فظة وسطحية وغبية، ولا تستحق أن تكون زوجةً له. كان ينبغي أن يقول هيكتور شيئًا لها هنا. تطلَّبت اللحظة أن ينطق بملاحظة وحشية نافذة تدمِّر أملها للأبد، لكن أسى بريجيد كان قويًّا جدًّا عليه، وإخلاصها له قويًّا جدًّا، وهو يستمع إلى كلامها في تلك الجُمَل القصيرة المتقطعة التي نطقَت بها، لم يجرؤ على النطق بالكلمات. ردَّ: أنتِ مُحقة. ربما لن أبقَى أكثر من عام أو اثنَين. لكن ينبغي أن أُكمل المهمة. ينبغي أن تكون لي، وبمجرد أن أفعل ذلك، سوف يتولى كل شيءٍ آخر أمره بنفسه.

انتهَى به الأمر بقضاء الليلة في شقة بريجيد. ليس لأنه اعتقد أن ذلك قد يحسِّن الأمر بينهما، لكن لأنها توسَّلَت إليه أن يبقَى معها للمرة الأخيرة، ولم يستطع أن يقول لها لا. في صباح اليوم التالي، تسلَّل خارجًا قبل أن تستيقظ، ومن تلك اللحظة بدأَت الأمور تتغير بالنسبة له. انتهَى التعاقد مع هانت؛ بدأ العمل في «نُقطة وشَرْطة» مع بلوشتاين؛ تبلورَت خطَط العُرس. بعد شهرَين ونصف، لم يسمع شيئًا من بريجيد. وجد صمتَها محيرًا بعض الشيء، لكن الحقيقة أنه كان مشغولًا جدًّا مع سانت جون بدرجة تجعله لا يفكِّر كثيرًا في الأمر. إذا كانت بريجيد اختفت، يمكن أن يرجع ذلك فقط إلى أنها شخصيةٌ تلتزم بكلمتها، ومعتزة بنفسها بدرجة تمنعُها من الوقوف في طريقه. آنذاك وقد وضَّح نواياه، تراجعَتْ لتتركه يغرق أو يعوم بطريقته. إذا عام فربما لا يراها مرةً أخرى. وإذا غرق، فربما تعودُ في الدقيقة الأخيرة وتحاول سحبه من الماء.

لا بد أن التفكير في أمور أوفالون على هذا النحو أراح ضمير هيكتور، أن يحوِّلها إلى كائنٍ متفوقٍ لا تشعر بأي ألم والسكاكين تنغرس في جسدها، لا تنزف حين تُجرَح. لكن في غياب أية حقائق يمكن التحقق منها، لماذا لا ينهمك في تفكيرٍ متفائل بعضَ الشيء؟ أراد أن يصدِّق أنها على ما يُرام، أنها تواصل حياتها بجرأة. لاحَظ أن مقالاتها توقفَت عن الظهور في «فوتوبلاي»، لكن هذا قد يعني أنها خارج المدينة أو شغلَت وظيفةً أخرى في مكانٍ آخر، وفي تلك اللحظة رفض النظر في أي احتمالاتٍ سيئة. كان ذلك حتى ظهرَت في النهاية مرةً أخرى (بدسِّ خطابٍ تحت بابه في ليلة رأس السنة) وعلم مدى بؤس حماقته. بعد يومَين من خروجه من شقتها في أكتوبر، قطعَت رُسغَيها في البانيو. لولا المياه التي تسربَت إلى الشقة التي تحتها، ما كانت صاحبة الأرض فتحَت الباب، وتم العثور على بريجيد قبل فوات الأوان. نقلَتها سيارة الإسعاف إلى المستشفَى. كتبَتْ أنها أفاقت بعد يومَين، لكن ذهنها كان مشوشًا، أفكارها غير مترابطة وتبكي طول الوقت، وقرَّر الأطباء الإبقاء عليها تحت الملاحظة. وأدَّى هذا إلى بقائها شهرَين في عنبر الأمراض النفسية. كانت مستعدة لقضاء بقية حياتها هناك، لكن هذا يرجع فقط إلى أن هدفها الوحيد في الحياة كان العثور على طريقةٍ لتقتل نفسها، ولم يكن المكان يمثِّل لها أية أهمية. ثم حدثَت معجزة وهي تستعد للمحاولة التالية، أو بالأحرى، اكتشفَتْ أن معجزةً حدثَتْ بالفعل وأنها تعيش في ظل سحرها في الشهرَين السابقَين. بمجرد تأكيد الأطباء أنه حدثٌ حقيقي وليس شيئًا من صنع خيالها، لم تعُد ترغب في الموت. واستمرت قائلة إنها فقدت إيمانها قبل ذلك بسنوات. لم تذهب للاعتراف منذ كانت في المدرسة الثانوية، لكن حين أتت الممرضة في ذلك الصباح لتُعطيَها نتائج الاختبار، شعرَتْ كما لو أن الرب وضع فمه على فمها ونفس الحياة فيها مرةً أخرى. كانت حاملًا. حدث ذلك في الخريف، في آخر ليلة قضياها معًا، وآنذاك كانت تحمل طفل هيكتور في داخلها.

بعد خروجها من المستشفَى، انتقلَتْ إلى شقتها. كان لديها مبلغٌ ضئيلٌ مدَّخر، لكنه لم يكن يكفي لدفع الإيجار بدون الرجوع إلى العمل — ولم تكن تستطيع الرجوع؛ فقد استقالت بالفعل من وظيفتها في المجلة. واصلَت الرسالة تقول إنها عثرَتْ على غرفةٍ رخيصةٍ في مكانٍ ما، مكان بسريرٍ من الحديد وصليبٍ خشبي على الحائط ومستعمرة من الفئران تعيش تحت ألواح الأرضية، لكنها لم تذكُر له اسم النُّزل أو حتى المدينة التي يقع فيها. كان من العبث أن يخرج للبحث عنها. كانت مسجَّلة باسمٍ مزيَّف، وتسعى للبقاء مختفيةً إلى أن يتقدَّم حملها أكثر؛ حيث يصبح من غير الممكن أن يحاول التحدث إليها بشأن الإجهاض. قرَّرَت أن تُبقيَ على حياة طفلها، وسواء أراد هيكتور الزواج منها أو لم يُرِد، عزمَت على أن تصبح أمًّا لطفله. وانتهَى خطابها على النحو التالي: جمعنا القدَر معًا، يا عزيزي، حيثما أكن الآن تكن معي دائمًا.

ثم مزيد من الصمت. مرَّ أسبوعان آخران، وبريجيد ملتزمة بوعدها وبقيَت مختبئة. لم يُخبر هيكتور سانت جون بشيءٍ عن خطاب أوفالون، لكنه كان يعرف أن فرصَ الزواج منها ربما انتهت. ولا يستطيع التفكير في حياتهما المستقبلية معًا من دون أن يفكِّر أيضًا في بريجيد، من دون أن يعذِّب نفسه بصور حبيبته السابقة الحامل في نُزلٍ حقيرٍ في حيٍّ مهجور، تندفع ببطء إلى الجنون وطفلها يكبر بداخلها. لم يكن يريد التخلي عن سانت جون. لم يكن يريد التخلي عن حُلم الزحف إلى سريرها كل ليلة والإحساس بجسدها الناعم الكهربي على جلده العاري، لكن الرجال مسئولون عن أفعالهم، وإذا وُلِد الطفل، فلن يكون هناك مهربٌ مما حدث. انتحر هانت في الحادي عشر من يناير، لكن هيكتور لم يعُد يفكِّر في هانت، وحين سمع الأخبار في الثاني عشر من يناير، لم يشعُر بشيء. كان الماضي عديم الأهمية. ما يعنيه المستقبل فقط، والمستقبل صار فجأة موضع شك. كان على وشك أن يفسخ خطبته لدولوريس، لكنه لا يستطيع ذلك قبل أن تظهرَ بريجيد مرةً أخرى، ولأنه لا يعرف أين يعثُر عليها، كان لا يستطيع التحرك، لا يستطيع التزحزح عن البقعة التي حصره فيها الحاضر. بمرور الوقت، بدأ يشعر وكأنه رجلٌ مُسمِرَت قدماه في الأرض.

في ليلة الرابع عشر من يناير، أنهَى العمل مع بلوشتاين في السابعة. كانت سانت جون تتوقَّع قدومه على العشاء في منزلها في وادي توبانجا في الثامنة. وكان هيكتور يصل قبل ذلك، لكن كانت بالسيارة مشكلة طولَ الطريق، وحين انتهَى من تغيير الإطار في سيارته الديسوتو الزرقاء، كان قد استهلَك ثلاثة أرباع الساعة. لولا هذا الإطار المثقوب، ربما لم يحدُث قط الحدث الذي حوَّل مسار حياته؛ لأنه حينذاك بالضبط، وهو قابع في الظلام خارج طريق لا سينيجا بولفار،٥ ويبدأ تحريك الطرف الأمامي لسيارته، طرقَت بريجيد أوفالون على باب منزل دولوريس سانت جون، وفي اللحظة التي أنهَى فيها هيكتور مهمته الصغيرة وجلس خلف عَجلة قيادة سيارته، أطلقَت سانت جون بدون قصد طلقةً من عيار ٣٢ في العين اليسرى لأوفالون.

هذا ما قالَتْه على أية حال، ومن نظرة الذهول والرعب التي استقبلَتْه وهو يعبُر الباب الرئيسي، لم يرَ هيكتور سببًا للشك فيها. قالت إنها لم تكن تعرفُ أن المسدس مشحون. أعطاه إياها وكيلُها حين انتقلَتْ إلى هذا المنزل المنعزل في الوادي منذ ثلاثة شهور. يُفترَض أنه للحماية، وبعد أن بدأَتْ بريجيد قول كل هذه الأشياء المجنونة لها، صارخةً بشأن طفل هيكتور وقطع رسغَيها والقضبان على نوافذ مستشفيات المجانين والدم من جراح المسيح، ارتعبَت دولوريس وطلبَت منها مغادرة المكان. لكن بريجيد لم تخرج، وبعد بضعِ دقائق كانت تتهم دولوريس بأنها سرقَت رجُلَها، وتهدِّدها بإنذاراتٍ وحشية وتصفها بأنها شيطانةٌ ومتشرِّدة ومومس قذرة وضيعة. بالضبط قبل ذلك بستة شهور، كانت بريجيد تلك الصحفية الحلوة في «فوتوبلاي» بابتسامةٍ جميلة وإحساسٍ حاد بالدعابة، لكنها فقدَت عقلها، كانت خطيرة، تترنح حول الغرفة وتبكي بكاءً حارًّا، لم تعُد دولوريس ترغب في بقائها أكثر من ذلك. وعند ذلك فكَّرت في المسدس. كان في الدرج الأوسط من مكتب في غرفة المعيشة. لم تقصِد الضغط على الزناد. اعتقدَتْ فقط أن منظر المسدس قد يكون كافيًا لإخافة بريجيد فتنصرف. لكن بمجرد أن سحبَتْه من الدرج وصوَّبَتْه عبْر الغرفة، انطلقَت الرصاصة في يدها. لم يكن الصوتُ مرتفعًا. قالت: مجرد فرقعةٍ ضئيلة، وحينها أصدرت بريجيد نخرةً غامضةً وسقطَت على الأرض.

لم تدخُل دولوريس غرفة المعيشة معه (قالت: شيءٌ رهيبٌ جدًّا، لا أستطيع النظر إليها)، وهكذا دخل وحده. كانت بريجيد ترقُد على وجهها على سجادة أمام الأريكة، جسمها دافئ، والدم لا يزال يتسرَّب من مؤخرة جمجمتها. قلبها هيكتور، وحين نظر إلى وجهها المدمَّر ورأى الثقب حيث كانت عينها اليسرى، توقَّف عن التنفس فجأة. لم يستطع النظر إليها والتنفُّس في الوقت ذاته. لكي يبدأ التنفُّس مرةً أخرى، كان عليه أن ينظر بعيدًا، وبمجرد أن فعل ذلك لم يجرؤ على النظر إليها بعد ذلك. ضاع كل شيء. تهشَّم كل شيء. الطفل الذي لم يُولَد بداخلها، مات وضاع أيضًا. في النهاية، وقف وذهب إلى الصالة، حيث وجد بطانيةً في الدولاب. وحين عاد إلى غرفة المعيشة، نظر إليها مرةً أخيرة، وشعر بالنَّفَس يتوقف بداخله مرةً أخرى، ثم فتح البطانية وفردها على جسدها التراجيدي الصغير.

أول ما خطر على باله أن يذهب إلى البوليس، لكن دولوريس كانت خائفة. قالت كيف تبدو قصتها حين يسألونها عن المسدَّس، حين يرغمونها على السير في سلسلةٍ لا تُحتمل من الأحداث للمرة الثانيةَ عشرةَ ويجعلونها تفسِّر لماذا ترقُد امرأة حامل في الرابعة والعشرين ميتة على أرضية غرفة معيشتها؟ حتى لو صدَّقوها، لو قَبِلوا أن الطلقة خرجَت من المسدَّس بدون قصد، فإن الفضيحة ستُفسِد حياتها. ستنتهي مسيرتها، ومسيرة هيكتور أيضًا؛ لهذا السبب لماذا ينبغي أن يعانيا من غلطة ليست غلطتهما؟ قالت ينبغي أن يتصلا بريجي، تقصد ريجنالد دوز، وكيلها، الأحمق نفسه الذي أعطاها المسدَّس — ويتركاه يعالج الأمر. كان ريجي ذكيًّا، يعرف كل الزوايا. إذا استمعا لريجي، فقد يكتشفان طريقةً لإنقاذ عنقَيْهما.

لكن هيكتور كان يعرف أنه لم يعُد آمنًا بالفعل. ستكون الفضيحة والخزي العلني إذا تحدَّثا، وستكون المشكلة أسوأ إذا لم يتحدَّثا. يمكن أن يُتهما بالقتل، وبمجرد عرض القضية على المحكمة، لن يصدِّق أحدٌ على الأرض أن موت بريجيد حدث بدون قصد. اخترْ سُمَّك. كان على هيكتور أن يقرِّر. كان عليه أن يقرِّر لكلَيهما، ولم يكن هناك قرارٌ صائبٌ يمكن أن يتخذه. قال لها: انسي ما يتعلق بريجي. إذا سمع دوز بما فعلَتْ، وقعَتْ تحت رحمته. سوف تتذلل أمامه على ركبتَين داميتَين بقية حياتها. ولا يمكن أن يكون هناك شخصٌ آخر؛ إما رفع التليفون والاتصال بالبوليس، أو عدم الحديث لأحد. وإذا لم يكن هناك حديث مع أحد، فإن عليهما أن يهتما بالجسد بنفسيهما.

كان يعرف أنه سوف يحترق في الجحيم على هذا القول، وكان يعرف أيضًا أنه لن يرى دولوريس مرةً أخرى، لكنه قاله على أية حال، وحينذاك تقدَّما وفعلاها. لم تعُد مسألة خير أو شر. كانت تتعلق بإحداث أقلِّ ضرر في هذه الظروف؛ تتعلق بعدم إفساد حياة شخصٍ آخر من دون هدف. أخذا سيارة دولوريس الكرايسلر وانطلقا إلى الجبال على بعد ساعة شمال ماليبو٦ بجسد بريجيد في الشاحنة. كانت الجثة لا تزال في البطانية، الملفوفة بدورها في السجادة، وكان في الشاحنة جاروف أيضًا وجده هيكتور في سقيفة الحديقة خلف منزل دولوريس، واستخدَمه في حفر الحفرة. ولو لم يكن إلا ذلك، لحسبَ أنه يدين لها بالكثير. خانها، رغم كل شيء، وكان أبرز ما في ذلك أنها ظلَّت على ثقتها فيه. لم يكن لقصص بريجيد تأثيرٌ عليها. نبذَتها باعتبارها هذيانًا، باعتبارها كذبًا جنونيًّا نطقَت به امرأةٌ غيورةٌ معتوهة، وحتى حين وُضِع الدليل أمام أنفها الجميل مباشرة، رفضَت قَبوله. ربما كان ذلك غرورًا، بالطبع، غرورًا شنيعًا لا يرى في العالم إلا ما يريد أن يراه، لكنه في الوقت ذاته ربما كان حبًّا حقيقيًّا، حبًّا أعمى لا يتخيل هيكتور أنه على وشك أن يفقده. ولا نحتاج إلى أن نقول إنه لم يعرف قَط إن كان غرورًا شنيعًا أم حبًّا أعمى. بعد أن عادا من مأموريتهما البشعة في الهضاب في تلك الليلة، عاد إلى منزله في سيارته، ولم يرَها مرةً أخرى.

كان ذلك حين اختفَى. باستثناء الملابس التي على ظهره والنقود التي في محفظته، ترك كل شيء وراءه، وبحلول العاشرة من الصباح التالي كان يتجه شمالًا في قطار إلى سياتل. كان يتوقع تمامًا أن يتم القبض عليه. بمجرد صدور أخبار عن فقدان بريجيد لن يمضيَ وقتٌ طويل قبل الربط بين اختفاء الاثنَين. قد يرغب البوليس في استجوابه، وهنا يبدأ البحث عنه جديًّا. لكن هيكتور كان مخطئًا في ذلك، بالضبط كما كان مخطئًا في كل شيءٍ آخر. كان الشخص المفقود، وفي ذلك الوقت لم يعرف أحدٌ بهلاك بريجيد. لم تعُد لها وظيفةٌ أو عنوانٌ دائم، وحين فشلَت في العودة إلى غرفتها في نُزل فيتزويليام أرمز وسط مدينة لوس أنجلوس بقية الأسبوع في ١٩٢٩م، أنزل موظف الاستقبال مقتنياتها في البدروم وأجَّر غرفتها لشخصٍ آخر. لم يكن في ذلك شيءٌ غير عادي. يختفي الناس طول الوقت، ولا يمكن أن تترك غرفة خالية ومستأجر جديد يرغب في دفع مقابل لها. حتى لو شعر موظف الاستقبال بأنه معني بما يكفي لإبلاغ البوليس، لم يكن هناك ما يمكن أن يُفعَل بهذا الشأن على أية حال. كانت بريجيد مسجلة باسمٍ مزيَّف، وكيف يمكن أن تبحث عن شخصٍ لم يُوجد؟

بعد شهرَين تم استدعاء والدها من سبوكين٧ وتحدَّث إلى مخبر من لوس أنجلوس اسمه رينولدز، الذي واصل العمل في القضية حتى إحالته إلى المعاش في ١٩٣٦م. وبعد أربعة وعشرين عامًا، تم في النهاية إخراج عظام ابنة مستر أوفالون من تحت الأرض. أخرجها بلدوزر يحفِر في موقع بناء في تطورٍ عمرانيٍّ جديد على حافة سيمي هيلز.٨ أُرسلَتْ إلى مختبر الطب الشرعي في لوس أنجلوس، لكن أوراق رينولدز كانت مخزونة على عمقٍ آنذاك، ولا يمكن تحديد الشخص الذي ترجع إليه.

علمَت ألما عن تلك العظام لأنها جعلَتها شغلَها الشاغل. أخبرها هيكتور بموضع دفنها، وحين زارت التطور العمراني في أوائل الثمانينيات، تحدثت إلى عددٍ كافٍ من الناس لتتأكد من أنها وجدَت في تلك البقعة.

بحلول ذلك الوقت كانت سانت جون قد ماتت أيضًا منذ زمنٍ طويل. بعد عودتها إلى منزل والدَيْها في ويتشيتا٩ بعد اختفاء هيكتور، أصدرت بيانَها للصحافة وبقيَت في عزلة. بعد سنة ونصف تزوَّجَت من مصرفيٍّ محلي اسمه جورج ت. برنكرهوف. أنجبا طفلَين، ويلَّا وجورج جونيور. في ١٩٣٤م، والابن الأكبر دون الثالثة، فقدَتْ سانت جون السيطرة على سيارتها وهي عائدةٌ إلى البيت ذات ليلة في نوفمبر والمطر يتساقط بغزارة. اصطدمَت بعمودٍ من أعمدة التليفونات، ودفعها أثر الاصطدام في الزجاج الأمامي وقطع الشريان السباتي في عنقها. طبقًا لتقرير البوليس عن تشريح الجثة، نزفَت حتى الموت من دون أن تستعيدَ وعيها.

وبعد عامَين، تزوَّج برنكرهوف مرةً أخرى. حين كتبَت إليه ألما في ١٩٨٣م تطلب مقابلةً معه، ردَّت أرملتُه بأنه مات بفشلٍ كُلوي في الخريف السابق. لكنَّ الابنَين كانا على قيد الحياة، وتحدثَت ألما إليهما — واحد في دالاس بولاية تكساس، والآخر في أورلاندو بولاية فلوريدا. لم يكن لدى أيٍّ منهما الكثير مما يقدمه. قالا إنهما كانا صغيرَين جدًّا في ذلك الوقت. عرفا أمهما من الصور الفوتوغرافية، لكنهما لا يتذكَّرانها على الإطلاق.

•••

حين دخل هيكتور المحطة الرئيسية صباح الخامسَ عشرَ من يناير، كان قد حلَق شاربه. تنكَّر بإزالة أكثر سمة تميِّزه، محوِّلًا وجهه إلى وجهٍ آخر بعملية طرحٍ بسيطة. قالت: كانت العينان والحاجبان والجبهة والشعر الأسود الحريري أيضًا تمثِّل شيئًا للمطلع على أفلامه، لكن هيكتور عثَر، بعد وقتٍ قصيرٍ من شراء التذكرة، على حلٍّ لتلك المشكلة أيضًا. قالت ألما، ولمعالجة ذلك عثَر أيضًا على اسمٍ جديد.

رحلة التاسعة وإحدى وعشرين دقيقة إلى سياتل ما كان لها أن تقلع قبل ساعةٍ أخرى. قرَّر هيكتور قتلَ الوقت بالذهاب إلى المطعم لتناول كوبٍ من القهوة، لكن ما إن جلس إلى الطاولة وبدأ يشم روائح لحم الخنزير المقدَّد والبيض المقلي على الصينية حتى اجتاحتْه موجة من الغثيان. انتهَى به الأمر إلى غرفة الرجال، دخل كشكًا على يدَيه وركبتَيه وأفرغ محتويات معدته في التواليت. اندفع كلُّ شيء منه، السوائل الخضراء السيئة والفتات المتخثر من الطعام البني غير المهضوم، تطهير مرعب من الخزي والخوف، وحين انتهت النوبة، جلس على الأرض حيث مكث برهةً طويلة، مكافحًا لالتقاط أنفاسه. كان رأسه مائلًا على الجدار من خلفه، ومن هذه الزاوية رأى شيئًا لا يمكن من دون ذلك أن يلاحظه. في كوع الماسورة المنحنية خلف التواليت مباشرة، ترك شخصٌ ما كابًا. سحبه هيكتور من مكانه الخفي واكتشف أنه كابُ عامل، كابٌ متين من صوف التويد ببروز قصير من الأمام — لا يختلف كثيرًا عن كاب استخدمه هو نفسه ذات مرة، في بداية وصوله إلى أمريكا. قلبَه هيكتور ليتأكد من عدم وجود شيء بداخله، أو أنه قذِر جدًّا أو ملوَّث بدرجة تجعله لا يصلُح لأن يضعَه على رأسه. وحينذاك رأى اسم صاحبه مكتوبًا بالحبر بطول ظهر النطاق الجلدي الداخلي؛ هرمان ليسر. أذهل هيكتور باعتباره اسمًا مناسبًا، وربما اسمًا رائعًا، وعلى أية حال اسمًا ليس أسوأ من أي اسمٍ آخر. اسمه هرمان، أليس كذلك؟ إذا اعتاد أن يناديَ نفسَه باسم هرمان، يمكن أن يغيِّر هويته من دون أن يتنازل عن اسمه. كان هذا هو المهم: أن يتخلَّص من نفسه بالنسبة للآخرين ويتذكَّر مَن هو بالنسبة لنفسه، ليس لأنه يرغب في ذلك، بل بدقَّة لأنه لا يرغب.

هرمان ليسر. سينطقه البعض «لسر»، وسينطقه آخرون «لوسر».١٠ على أية حال، شعر هيكتور بأنه وجد الاسم الذي يستحقه.

كان الكاب مناسبًا تمامًا. لم يكن فضفاضًا جدًّا ولم يكن محكمًا جدًّا، وقد أعطاه ما يكفي ليُنزل الحافة على جبهته ويُخفي الميل المميز لحاجبيه، وإخفاء الصفاء الرهيب لعينَيه. بعد الطرح، إذن، إضافة. هيكتور ناقص الشارب، ثم هيكتور زائد الكاب. محت معالمه العمليتان، وغادر غرفة الرجال ذلك الصباح وهو يشبه أي شخص، لا يشبه أي شخص، مثل صورة طبق الأصل من مستر لا أحد نفسه.

أقام في سياتل ستة أشهر، ثم انتقل جنوبًا إلى بورتلاند لعام، ثم عاد شمالًا إلى واشنطون، حيث بقي حتى ربيع ١٩٣١م. في البداية، كان يدفعه هلعٌ خالص. شعر هيكتور بأنه كان يجري طول حياته، وفي الأيام التي أعقبَت اختفاءه، لم تختلف طموحاته عن طموحات أي مجرمٍ آخر: ما دام يمر يوم من دون القبض عليه يعتبر أنه قضى ذلك اليوم بشكلٍ جيد. كل صباح وكل مساء، كان يقرأ ما كُتب عنه في الصحف، متتبعًا التطور في القضية ليرى مدى قربهم من العثور عليه. كان ما يكتبونه عنه يربكه، فزعًا من قلة الجهد الذي بذله أي شخصٍ ليعرفه. كان هانت عديم الأهمية، ومع ذلك يبدأ كل مقالٍ وينتهي به؛ تلاعُب في الأسهم، استثماراتٌ زائفة، شغل هوليوود بكل مجده المتآكل. لم يُذكَر اسم بريجيد قط، وإلى أن عادت دولوريس إلى كانساس، لم ينشغل أحد حتى بالحديث إليها. يومًا بعد يوم، تضاءل الضغط، وبعد أربعة أسابيع بدون اختراق وتغطيةٍ متناقصة في الصحف، بدأ هلعُه يهدأ. لم يشتبه أحدٌ فيه في أي شيء. كان يمكن أن يعود إلى بيته إذا أراد. كل ما عليه أن يفعله أن يركب قطارًا إلى لوس أنجلوس، ويستعيد حياته بالضبط حيث تركها.

لكن هيكتور لم يذهب إلى أي مكان. لم يكن يريد سوى أن يكون في منزله في شمال أورانج درايف، جالسًا في شرفة الشمس مع بلوشتاين وهما يشربان الشاي المثلَّج ويضعان اللمسات النهائية في «نقطة وشرطة». كانت صناعة الأفلام مثل العيش في هذيان. كانت أصعب الأعمال التي ابتكرها إنسان وأكثرها مشقة، وكلما زادت صعوبتها رآها أكثر إثارة للبهجة. كان يتفهم الوظيفة، يتقن ببطءٍ تعقيدات الوظيفة، وبمرور الوقت تأكد من أنه تطوَّر وأصبح ممن يُجيدون المهنة. هذا كل ما كان يتمناه لنفسه؛ أن يتقن هذا الشيء. لم يرغب في أكثر من ذلك؛ لذا كان الشيء الوحيد الذي لم يسمح لنفسه بالقيام به مرةً أخرى. إنك لا تدفع فتاةً بريئةً للجنون، وتجعلها حاملًا، وتدفن جسدها الميت على عمق ثماني أقدامٍ تحت الأرض وتتوقع أن تواصل حياتك كما كانت من قبلُ. إنسانٌ فعل ما فعل يستحق العقاب. إذا لم يعاقبه العالم فعليه أن يعاقبَ نفسه.

استأجر غرفة في بنسيون قرب بايك بليس ماركت، وحين انتهت النقود التي كانت في محفظته في النهاية، عثر على وظيفة مع بائع سمكٍ محلي. يستيقظ كل صباح في الرابعة، ويُفرغ الشاحنات في ضباب ما قبل الفجر، محمِّلًا الكراتين والبوشل، ورطوبة بوجيه ساوند١١ تيبس أصابعه وتشُق طريقَها إلى عظامه. ثم بعد تدخينٍ سريع، ينشر سرطان البحر والمحار على أسرَّة من الثلج المجروش، ويلي ذلك أعمالٌ متنوِّعة متكرِّرة في النهار؛ قعقعة الصدف على الميزان، الشنط الورقية البنية، تقطيع المحار بسيفه القصير المميت. وحين لم يكن يعمل يقرأ هرمان ليسر كتبًا من المكتبة العامة، ويحتفظ بمفكِّرة، ولا يتحدث مع أحد إطلاقًا إلا مرغمًا. قالت ألما: كان الموضوع أن يتقوقع في القيود التي فرضها على نفسه، ليُزعج نفسه قَدْر المستطاع. وحين صار العمل سهلًا جدًّا، انتقل إلى بورتلاند؛ حيث عثَر على وظيفة حارسٍ ليلي في مصنع براميل. بعد صخب السوق المسقوفة جاء صَمْتُ أفكاره. أوضحَت ألما: لم يكن هناك شيءٌ ثابتٌ بشأن اختياراته. كانت كفَّارته عملًا مستمرًّا، وكان العقاب الذي يفرضُه على نفسه يتغيَّر طبقًا لما يشعر أنه أعظم عيوبه في لحظةٍ معيَّنة. حنَّ للصحبة، اشتاق أن يكون مع امرأةٍ مرةً أخرى، أراد أجسادًا وأصواتًا من حوله؛ لذا حبس نفسه بين جدران هذا المصنع الخاوي، ساعيًا إلى تهذيب نفسه بالأهداف الدقيقة لنكران الذات.
انهارت سوق الأسهم وهو في بورتلاند، وحين توقفَت شركة كومستوك باريل عن العمل في منتصف الثلاثينيات، فقد هيكتور وظيفته. وحينذاك كان قد شقَّ طريقه خلال عدة مئات من الكتب، بادئًا بالروايات الكبرى في القرن التاسعَ عشرَ التي تحدَّث عنها الجميع لكنه لم يكن قط قد اهتم بقراءتها (ديكنز، فولبير، ستندال، تولستوي)، ثم، بمجرد أن شعر بأنه اطلع عليها بشكلٍ جيد، قرَّر أن يبدأ من الصفر ويعلِّم نفسه بطريقةٍ منهجية. لم يكن هيكتور يعرفُ شيئًا تقريبًا. ترك المدرسة في السادسةَ عشرة، ولم يهتمَّ أحدٌ بأن يُخبرَه بأن سقراط وسوفوكليس ليسا الرجل نفسه، أو أن جورج إليوت امرأة، أو أن «الكوميديا الإلهية» قصيدة عن الآخرة لا مهزلة تنتهي بزواج كل الشخصيات من الشخص المناسب. كانت الظروف تضغط على هيكتور دائمًا، ولم يكن هناك وقتٌ ليقلق على مثل هذه الأمور. آنذاك، فجأة، كان الوقت غير محدود. محبوسًا في ألكاترازه الخاص،١٢ قضى سنوات أَسْره يكتسب لغةً جديدة ليفكِّر في شروط بقائه، ليفهم الألم المستمر القاسي في روحه. طبقًا لألما، حوَّلَته صرامة تدريبه الذهني تدريجيًّا إلى شخصٍ آخر. تعلَّم كيف ينظر إلى نفسه عن بُعد، أن يرى نفسه في المقام الأول رجلًا ضمن الرجال الآخرين، ثم مجموعةً من الأجزاء العشوائية، ثم بقعة من التراب — قالت: وكلما ابتعد عن أصله كان أقرب إلى تحقيق العظمة. أطلَعها على مذكِّراته في تلك الفترة، وبعد مرور خمسين عامًا على ما حدث، استطاعت ألما أن تشاهد الآلام المبرِّحة لضميره مباشرة. قرأَت عليَّ فِقرةً من الذاكرة: لم أَضِعْ أكثر من الآن، لم أكن قط أكثر إحساسًا بالوحدة والخوف — لكنني لم أكن أكثر حيوية. كُتِبَت هذه الكلمات قبل أن يغادر بورتلاند بأقلَّ من ساعة. ثم، غالبًا بعد تفكير، جلس مرةً أخرى وأضاف فِقرةً أخرى في ذيل الصفحة: لا أتحدث إلا إلى الموتى. لا أثقُ إلا فيهم، لا يفهمُني سواهم. مثلهم، أعيشُ بدون مستقبل.

كان هناك خبرٌ عن وظائف في سبوكين. كان يُفترض أن مصانع الخشب تبحث عن رجال، وكان هناك حديثٌ عن عدة مخيمات تسجيل في الشرق والشمال للتوظيف. لم يكن هيكتور مهتمًّا بتلك الوظائف، لكن سمع صدفةً رفيقَين يتحدثان عن الفرص المتوفرة هناك بعد ظهر أحد الأيام بعد فترةٍ قصيرةٍ من إغلاق مصنع البراميل، وبرزَت له فكرة، وبمجرد أن بدأ بتفحُّص الفكرة، لم يستطعْ مقاومتها. نشأَت بريجيد في سبوكين. ماتت أمها، لكن أباها لا يزال حيًّا، وفي الأسرة أيضًا أختان أصغر. من بين كل العذابات التي تخيَّلها هيكتور، من بين كل الآلام التي يمكن أن يسبِّبها لنفسه، لم يكن هناك أسوأ من التفكير في الذهاب إلى المدينة التي يعيشون فيها. إذا لمح مستر أوفالون والفتاتَين، فسيعرف كيف يبدون، وستبقَى وجوهُهم في ذهنه كلما فكَّر في الأذى الذي ألحقه بهم. شعر بأنه يستحقُّ أن يعانيَ كل هذه المعاناة. كان مضطرًّا إلى أن يجعلهم حقيقة، أن يجعلهم حقيقةً في ذاكرته بقَدْر ما كانت بريجيد نفسها.

كان باتريك أوفالون، وهو لا يزال معروفًا بلون شعره في صباه، يمتلك ويُدير منتجات رِد الرياضية في وسط مدينة سبوكين في السنوات العشرين الأخيرة. في صباح يومِ وصوله وجد هيكتور فندقًا رخيصًا على بعد منزلَين غرب محطة القطار، دفع مقدم ليلةٍ واحدة، ثم ذهب ليبحث عن المحل. وجده في خمسِ دقائق. لم يفكِّر فيما يفعلُه بمجرد وصوله، لكن لمجرد الحذَر رأى من الأفضل أن يقفَ في الخارج ويُحاوِل إلقاء نظرة على أوفالون من خلال الواجهة. لم يكن هيكتور يعرفُ إنْ كانت بريجيد قد أتت على ذِكْره في أيٍّ من خطاباتها إليهم. وإذا ذكَرَته، فإن الأسرة تعرفُ أنه يتحدث بلهجةٍ إسبانيةٍ ثقيلة. والأكثر أهمية، ربما اهتموا أكثر باختفائه في ١٩٢٩م، وفُقِدَت بريجيد نفسُها لما يقرب من عامَين، ربما وجدوا وحدهم في أمريكا رابطًا بين الحالتَين. وكان كل ما عليه أن يفعله أن يدخلَ المحل ويفتح فمه. إذا عرف أوفالون حقيقة هيكتور مان، يحتمل أن تُثار شكوكُه بعد ثلاث جمل أو أربع.

لكن لم يرَ أوفالون في أي مكان. وهيكتور يضغط أنفه على الزجاج، متظاهرًا بفحص طقمٍ لنوادي الجولف معروضٍ في الواجهة، ألقَى نظرةً واضحة في المحل، وبقَدْرِ ما يتبيَّن من هذه الزاوية، لم يكن أحدٌ بالداخل. لا يوجد زبائن أو كاتب خلف الطاولة. كان الوقت لا يزال مبكرًا — بعد العاشرة بقليل — لكن العلامة على الباب تشير إلى أنه «مفتوح»، وبدل البقاء في الشارع المزدحم والمخاطرة بأن ينتبه أحدٌ إليه، تخلَّى عن خطته وقرَّر الدخول. فكَّر في أنهم إذا اكتشفوا حقيقته فليكن ما يكون.

أصدر البابُ صريرًا حين دفعه ليفتحه، وأزَّت الألواح الخشبية العارية تحت القدمَين وهو يسير باتجاه الطاولة في الخلف. ليس مكانًا واسعًا، لكن الأرفف مكدَّسة بالبضائع، وبدا أن هناك كلَّ ما قد يحتاج إليه الرياضي؛ الصنانير وبكرات الصيد، والزعانف المطاطية ونظارات السباحة، والمسدَّسات وبنادق الصيد، ومضارب التنس، وقفَّازات البيسبول، وكُرات القدم، وكُرات السلة، وألواح الكتف والخوذات، وأحذية بكعبٍ رفيع وأحذية بكعبٍ عريض، وتي شيرتات الركل وتي شيرتات القيادة، ودبابيس البولنج، وقضبان رفع الأثقال، والكُرات الطبية. صفَّان من أعمدة على مسافاتٍ منتظمة بطول المحل، وفي كل صفٍّ صورة في إطار لرِد أوفالون. كان شابًّا في الصور، ويبدو فيها منهمكًا في نشاطٍ رياضي، مرتديًا زي البيسبول في واحدة، والفوتبول في أخرى، لكن غالبًا سباقات جري في الزي القصير لرجل التِّراك والميدان.١٣ في إحدى الصور، تلتقطُه الكاميرا في خطوةٍ كاملة، والقدمان على الأرض، أمام أقرب منافسيه بياردتَين. وفي أخرى، يُصافح رجلًا بقبَّعةٍ رسمية وسترةٍ رسمية، مستلمًا ميداليةً برونزية في دورة الألعاب الأولمبية في سانت لويس في ١٩٠٤م.

وهيكتور يقترب من الطاولة، ظهرَت شابة من غرفةٍ خلفية، تجفِّف يدَيها بفوطة. كانت تنظر إلى أسفل، ورأسها مائلٌ إلى جانب، ورغم أن وجهَها كان مختفيًا عنه إلى حدٍّ بعيد، كان في مشيتها شيءٌ ما، شيءٌ ما في انحدار كتفَيها، شيءٌ ما في الطريقة التي حكَّتْ بها أصابعها بالفوطة مما جعله يشعر أنه ينظر إلى بريجيد. لعدة ثوانٍ، وكأن تسعة عشر شهرًا لم تمضِ قط. خرجَت من قبرها، نبشَت طريقها خارجةً من التراب الذي جرفه فوق جسدها، وكانت هناك آنذاك، سليمة تتنفَّس مرةً أخرى، بدون رصاصةٍ في دماغها أو ثقبٍ حيث كانت عينُها، تعمل مساعدةً في محل أبيها في سبوكين في ولاية واشنطون.

ظلَّتْ تمشي باتجاهه، متوقفةً فقط لتضع الفوطة على قمة كرتونة مغلَقة، والغريب فيما حدث بعد ذلك أنها بعد أن رفعَت رأسها ونظرَت في عينَيه، استمر الوهم. كان لها أيضًا وجهُ بريجيد. الفك نفسه والفم نفسه والجبهة نفسها والذقَن نفسه. حين ابتسمَتْ له بعد لحظة، رأى الابتسامة نفسها أيضًا. فقط حين صارت على بعد خمس أقدامٍ منه بدأ يلاحظ الاختلافات. وجهها مغطًّى بنمشٍ لم يكن موجودًا على وجه بريجيد، وكانت عيناها أغمق. كانتا أيضًا متباعدتَين أكثر، أبعد قليلًا عن قصبة أنفها، وعزَّز هذا التغيُّر الضئيل في ملامحها الاتساق العام لوجهها، مما جعلها أجمل بدرجةٍ أو اثنتَين عن أختها. رد هيكتور لها الابتسامة، وحين وصلَت إلى الطاولة وتحدثَت إليه بصوت بريجيد، سائلةً إن كان يحتاج إلى مساعدة، لم يعُد يشعر بأنه على وشك السقوط على الأرض في إغماءةٍ مميتة.

قال إنه يبحث عن مستر أوفالون، ويسأل إن كان من الممكن أن يتحدث إليه. لم يبذل أي جهد لإخفاء لهجته، ناطقًا كلمة «ميستر» بلغةٍ مُبالَغ فيها في «ر»، ثم مال أقرب إليها، متفحِّصًا علامات رد الفعل على وجهها. لم يحدث شيء، أو بالأحرى استمرَّت المحادثة وكأن شيئًا لم يحدث، وحينها عرف هيكتور أن بريجيد احتفظَت بعلاقتها به سرًّا. نشأَت في أسرةٍ كاثوليكية، ولا بد أنها أحجمَت عن فكرة أن تجعل أباها وأختَيها يعرفون أنها تنام مع رجلٍ خطيب لامرأةٍ أخرى وأن ذلك الرجل، الذي ختَن قضيبه، لا ينوي فسخ خطبته ليتزوَّجها. وإذا كان هذا هو الوضع، فربما لم يعرفوا أنها كانت حاملًا، أو أنها قطعَت رُسغَيها في البانيو، أو أنها قضت شهرَين في مستشفًى وهي تحلم بطرقٍ أفضل وأكثر فاعلية لقتل نفسها. وربما توقفَت عن الكتابة إليهم ربما حتى قبل أن تظهرَ سانت جون في المشهد، وهي لا تزال واثقةً جدًّا بشكلٍ يجعلها تفترض أن كلَّ شيءٍ يسير كما تتمنَّى.

حينذاك كان دماغُ هيكتور يعدو، مندفعًا في عدة اتجاهاتٍ في الوقت ذاته، وحين قالت الفتاة التي خلف الطاولة إن أباها خارج البلدة لأسبوع، في مهمة في كاليفورنيا، شعر هيكتور وكأنه يعرف طبيعة المهمة. ذهب رِد أوفالون إلى لوس أنجلوس للتحدث إلى البوليس بشأن ابنته المفقودة. يحثُّهم على فعل شيءٍ في قضيةٍ مستمرة لشهورٍ طويلة جدًّا، وإذا لم يقتنع بردودهم، فسوف يستأجر مُخبرًا خاصًّا ليبدأ البحث من جديدٍ في كل مكان. ربما قال لابنته في سبوكين: اللعنة على التكلفة. ينبغي القيام بشيءٍ قبل فوات الأوان.

قالت الابنة في سبوكين إنها تقوم بمهام المحل في غياب أبيها، لكن إذا اهتم هيكتور بترك اسمه ورقمه، يمكن أن تُعطيَه الرسالة حين يعود يوم الجمعة. قال هيكتور إنه لا حاجة إلى ذلك، وإنه سيعود بنفسه يوم الجمعة، وحينذاك، لمجرَّد أن يكون مهذبًا، أو ربما لأنه يريد أن يترك انطباعًا جيدًا في نفسها، سألها إن كانت قد تُركَت لتديرَ الأمور بنفسها. قال: يبدو أنها عمليةٌ كبيرةٌ جدًّا لا يمكن لشخصٍ واحدٍ أن يقوم بها.

ردَّت: يُفترض أن يُوجد ثلاثة أشخاص، لكن المساعدة المنتظمة أبلغَت بأنها مريضةٌ هذا الصباح، وأقيل الشيَّال الأسبوع الماضي لأنه سرق قفَّازات بيسبول وباعها بنصف الثمن لأطفال في حيِّه. قالت إنها تشعُر بأنها تائهةٌ قليلًا. مرَّ وقتٌ طويل منذ كانت تساعد في المحل، ولا تعرف الاختلاف بين مضربِ الجولف وأية أداةٍ أخرى من الخشب، ولا يمكنها أن تستخدمَ سجل النقود بدون ضغط تسعة أزرار خطأ وإفساد عملية البيع.

جرى كل شيء بودٍّ شديد وبشكلٍ مباشر. لم يبدُ أنها تفكِّر مرتَين بشأن مشاركته هذه الأسرار، وباستمرار المحادثة، عرف هيكتور أنها كانت بعيدةً في السنوات الأربع الماضية، تدرُس لتصبح مدرِّسةً في شيءٍ ما سمَّتْه ولاية، وتبيَّن أنه كلية ولاية واشنطون في بولمان. تخرَّجَت في يونيو، وعادت إلى البيت لتعيشَ مع أبيها، وكانت على وشكِ أن تبدأ مهنتها مدرِّسة للصف الرابع في مدرسة هوراس جريلي الابتدائية. أخبرَتْه بأنها لا تصدِّق حظها. كانت المدرسة نفسها التي ذهبَت إليها وهي فتاة، وقد تعلَّمَت هي وأختاها الأكبر على يد مسز نيرجارد في الصف الرابع. درست مسز «ن» هناك اثنَين وأربعين عامًا، وأذهلَها كمعجزةٍ أن مدرستَها القديمة أُحيلَت إلى المعاش حين بدأَت هي نفسها البحث عن وظيفة. في أقلَّ من ستة أسابيع ستقفُ أمام الفصلِ نفسِه الذي جلسَت فيه يوميًّا وهي تلميذة في العاشرة من عمرها، وقالت: أليس غريبًا، ألا تسير الحياة أحيانًا بشكلٍ مضحك؟

قال هيكتور: نعم، مضحكٌ جدًّا، غريبٌ جدًّا. عرف آنذاك أنه يتحدث إلى نورا، صغرى بنات أوفالون، لا ديردر، التي تزوجَت في التاسعةَ عشرةَ ورحلَت لتعيش في سان فرانسيسكو. بعد ثلاث دقائق في صحبتها قرَّر هيكتور أن نورا لا تُشبِه أختها الراحلة. ربما كانت تُشبِه بريجيد، لكنها لا تتمتع بشيء من طاقتها المتوتِّرة المغرورة، بشيءٍ من طموحها، بشيءٍ من ذكائها العصبي المندفع. هذه الأخت أرقُّ، وأكثر هدوءًا، وأكثر سذاجة. تذكَّر أن بريجيد وصفَت نفسَها ذات يومٍ بأنها الوحيدة من بنات أوفالون التي تجري دماءٌ حقيقيةٌ في عروقها. قالت: ديردر من الخل، ونورا من لبنٍ دافئ تمامًا. قالت إنها الوحيدة التي ينبغي أن تُسمَّى بريجيد، على اسم سانت بريجيد،١٤ القديسة الراعية لأيرلندا؛ لأنه لو كان هناك شخصٌ مقدَّر له أن يكرِّس حياته لحياة التضحية بالذات والأعمال الطيبة، لكانت أختها الصغيرة نورا.

مرة أخرى كان على وشك أن يستدير ويغادر المكان، ومرةً أخرى أبقاه شيءٌ هناك. دخلَت فكرةٌ جديدةٌ رأسه — الاندفاعات الأكثر جنونًا، شيءٌ خطير جدًّا ومدمِّر للذات أدهشَه أنه فكَّر فيه، ناهيك عن أنه وجد الجرأة على البوح به.

قال لنورا مبتسمًا ابتسامةَ اعتذار وهازًّا كتفَيه: لا مكسب من دون مغامرة، لكن السبب وراء قدومه إلى هنا هذا الصباح أن يسأل مستر أوفالون عن وظيفة. سمع عما حدث مع الشيال ويتساءل إن كانت الوظيفة ما زالت متاحة. قالت نورا: غريب. حدث هذا من وقتٍ قريب، ولم يضعوا إشعارًا في إعلانات الوظائف المطلوبة بعدُ. لا يخطِّطون للقيام بذلك إلى أن يعود أبوها من رحلته. قال هيكتور: حسنًا، الأخبار تنتشر. ردَّت نورا، نعم، ربما يكون ذلك صحيحًا، لكن لماذا يريد أن يكون شيالًا على أية حال؟ إنها وظيفةٌ للنكرات، للرجال ذوي الظهور القوية والعقول الغبية العديمي الطموح؛ من المؤكَّد أنه يستطيع أن يفعل ما هو أفضل من ذلك. قال هيكتور: ليس بالضرورة. الوقت صعب، وأية وظيفةٍ تدرُّ نقودًا في هذه الأيام وظيفةٌ جيدة. لماذا لا تمنحه فرصة؟ إنها وحدها في المحل، ويعرف أنها قد تحتاج إلى مساعدة. إذا رضيَت عن عمله، فربما تتحدث عنه بكلمةٍ طيبةٍ مع أبيها. ماذا تقول مس أوفالون؟ هل يعقدان الصفقة؟

كان قد مضى عليه أقلُّ من ساعة في سبوكين، وحصل هرمان ليسر على وظيفة من جديد. هزَّت نورا يده، ضاحكةً من جرأة عرضه، ثم خلع هيكتور جاكته (كانت قطعة الثياب الراقية التي يمتلكها)، وبدأ العمل. تحوَّل إلى فِراشة، وقضى بقية اليوم يرفرف حول شمعةٍ مُشتعلة. كان يعرف أن جناحَيه قد يشتعلان في أية لحظة، لكن كلما اقتربَ من لمس النار شعر أكثر بأنه يواجه مصيره. وكما كتب في مذكراته في تلك الليلة: إذا كنت أسعى إلى إنقاذ حياتي، فعليَّ أن أكونَ في نطاقِ بوصةٍ من تدميرها.

•••

ضد كل التوقعات، استمرَّ ما يقرب من عام. في البداية شيالًا في الغرفة الخلفية، ثم كاتبًا ومساعدًا للمدير، يعمل تحت أوفالون نفسه مباشرة. قالت نورا إن أباها في الثالثة والخمسين، لكن حين تم تقديم هيكتور له في الاثنَين التالي، شعر أنه يبدو أكبر من ذلك، ربما في الستين، وربما مائة. لم يعُد شعر الرياضي السابق أحمر، القوام الرشيق لم يعُد كما كان، وكان يعرج أحيانًا بتأثير التهاب مفصل الركبة. كان أوفالون يظهر في المحل كل صباح في التاسعة بالضبط، لكن العمل لم يكن يحظى باهتمامٍ واضح منه، وينصرف عادةً في الحاديةَ عشرةَ أو في الحاديةَ عشرةَ والنصف. إذا كانت ساقه تحتمل، فقد ينطلق إلى نادي البلدة ويلعب جولة جولف مع اثنَين أو ثلاثة من أصدقائه. وإذا لم تكن تحتمل، فقد يتناول غداءً مبكرًا جدًّا في «بلوبل إن»، مطعم عبْر الشارع مباشرة، ثم يذهب إلى البيت ويقضي بعد الظهر في غرفة نومه، يقرأ الصحف ويشرب من زجاجات ويسكي جامسون الأيرلندي الذي يهرِّبه من كندا شهريًّا.

لم ينتقد هيكتور قط ولم يشكُ من عمله. ولم يجامِلْه قط. كان أوفالون يعبِّر عن رضاه بالصمت، وغالبًا، حين يكون في حالةٍ مزاجيةٍ طيبة، يحيي هيكتور بإيماءةٍ ضئيلةٍ من رأسه. لشهورٍ عديدة، لم يكن الاحتكاك بينهما يزيد عن ذلك. وجد هيكتور الأمر صارخًا في البداية، لكن والوقت يمُر تعلَّم ألا يأخذ المسألة بشكلٍ شخصي. كان الرجل يعيش في مجال الانطواء الأصم، المقاومة اللانهائية للعالم، ويبدو أنه يقضي أيامه من دون هدف سوى استهلاك الساعات بشكلٍ غيرِ مؤلم قَدْر المستطاع. لم يَفقِد أعصابه قَط، ونادرًا ما يبتسم. كان منصفًا ومنعزلًا، غائبًا حتى حين يكون حاضرًا، ولا يُظهِر أي شفقة أو تعاطف مع نفسه أكثر مما يُظهِر مع أي شخصٍ آخر.

بقَدْر ما كان أوفالون مغلقًا وغيرَ مُبالٍ به، كانت نورا متفتحةً ومندمجةً معه. هي التي وظَّفَت هيكتور، رغم كل شيء، واستمرَّتْ تشعر بأنها مسئولة عنه، تُعامِله من وقت لآخر باعتباره صديقها، وربيبها، ومشروعها الإنساني الإصلاحي. بعد عودة أبيها من لوس أنجلوس وتعافي الكاتب من نوبة قوباء منطقية،١٥ لم تعُد خدمات نورا مطلوبةً في المحل. كانت مشغولةً بالاستعداد للعام الدراسي القادم، مشغولةً بزيارة زملائها القدامى، مشغولةً بالتلاعب بانتباه عدد من الشباب، لكنها بقيةَ الصيفِ تحاول دائمًا أن تجد وقتًا لتمُر على محل رِدْ بعد الظهيرة مباشرةً لتعرف كيف يتقدَّم هيكتور. لم يعملا معًا إلا أربعة أيام، لكنهما في ذلك الوقت رسَّخا تقليد المشاركة في سندوتشات الجبن في المخزن في فسحة الغداء التي تمتد لنصف ساعة. آنذاك استمرَّت تظهر ومعها سندوتشاتُ الجبن، واستمرَّا يقضيان أنصافَ الساعات تلك في الحديث عن الكتب. بالنسبة لهيكتور، الذي لا يزال في بداية تعليمه لنفسه، كانت فرصةً ليتعلم شيئًا. وبالنسبة لنورا، التي تخرجَت في الجامعة حديثًا والتزمَت بحياة توجيه الآخرين، كانت فرصةً لنقل المعرفة لطالبٍ متألق جائع للمعرفة. كان هيكتور مشغولًا بشيكسبير في ذلك الصيف، وقرأَت نورا عليه المسرحيات، وساعدَتْه في فهم الكلمات التي لا يفهمها، شارحةً هذه النقطة أو تلك من التاريخ أو التقاليد المسرحية، مستكشفةً سيكولوجيا الشخصيات ودوافعها. في أثناء إحدى جلساتهما في الغرفة الخلفية، وهيكتور يتلعثم في نطق «ثو أويست»١٦ في الفصل الثالث من «لير»، واعترف لها بمدى ما تسبِّبه لهجتُه له من ارتباك. قال إنه لا يستطيع نطق هذه اللغة البشعة ويبدو دائمًا أحمقَ حين يتحدث أمام أناس مثلها. رفضَتْ نورا سماع هذا الكلام المتشائم. قالت إنها درسَت علاج التخاطب في الولاية، وهناك علاجاتٌ محددة، وتدريباتٌ عملية، وتقنياتٌ للتحسن. إنها تَعِده، إذا قَبِل التحدِّي، بتخليصه من هذه اللهجة، إزالة كل آثار الإسبانية من لسانه. ذكَّرها هيكتور بأنه لا يملكُ ما يدفعه مقابل هذه الدروس. ردَّت نورا: من تحدث عن النقود؟ إذا كان مستعدًّا للعمل فإنها مستعدةٌ للمساعدة.
بعد فتح المَدْرسة في سبتمبر، لم يعُد لدى المُدرِّسة الجديدة للصف الرابع وقتٌ لتناول الغداء معه. عملَتْ هي وتلميذها في الأمسيات بدلًا من ذلك، يلتقيان معًا كل ثلاثاء وخميس من السابعة إلى التاسعة في ردهة منزل أوفالون. كافح هيكتور كفاحًا هائلًا مع حرف «الآي» القصير وحرف «الإي»، ولثغة «الثاء»، وحرف «الراء» الضعيف toothless. حروف العلة الساكنة، والحروف الانفجارية من بين الأسنان، والانثناءات الشفهية، والحروف الاحتكاكية، والانسداد الحنكي، والفونيمات. معظم الوقت لم يفهم ما تتحدث عنه نورا، لكن بدا أن التدريبات حقَّقَت تأثيرًا. بدأ لسانه يُصدِر أصواتًا لم يُصدِرها من قبلُ قط، وفي النهاية بعد تسعة أشهر من الجهد والتكرار، تقدَّم بدرجة تجعل من الصعب جدًّا أن تعرف أين وُلِد. ربما لا يبدو أمريكيًّا، لكنه أيضًا لا يبدو مهاجرًا فجًّا غير متعلم. ربما كان القدوم إلى سبوكين من أسوأ الأخطاء الفادحة التي ارتكَبها هيكتور على الإطلاق، لكن من بين كل الأمور التي حدثَت له هناك، ربما كان لدروس النطق التي أعطَتها له نورا التأثيرُ الأكثرُ عمقًا وديمومة. كل كلمةٍ نطقها في السنوات الخمسين التالية تأثَّرَت بها، وبقيَت في جسده بقية حياته.

كان أوفالون يميل للبقاء في غرفته بالدور العلوي يومي الثلاثاء والخميس، أو يخرج في المساء ويلعب بوكر مع أصدقائه. ذات ليلة في أوائل أكتوبر، رنَّ التليفون في منتصف الدرس، وذهبَت نورا إلى الردهة الأمامية للرد عليه. تحدَّثَت مع العامل بضع لحظات، ثم نادت أباها بتوتُّر وإثارة لتخبره بأن ستيجمان على الخط. قالت: إنه في لوس أنجلوس ويطلب أن تتحمل تكاليف المكالمة. هل توافق أم لا؟ قال أوفالون إنه سينزل فورًا. أغلقَت نورا الباب الجرَّار بين الرواق والردهة الأمامية لتوفِّر لأبيها الخصوصية، لكن أوفالون كان سكرانًا إلى حدٍّ ما حينذاك، فتحدَّث بصوتٍ مرتفعٍ كافٍ ليتبيَّن هيكتور بعض ما قيل. لم يتبيَّن كل شيء، لكنه تبيَّن ما يكفي ليعرف أن المكالمة لا تحمل أخبارًا طيبة.

بعد عشر دقائق، فُتِح البابُ الجرار مرةً أخرى ودخل أوفالون الرواق يجرُّ قدمَيه. كان ينتعل شبشبًا جلديًّا باليًا، وحمالتا البنطلون نازلتان من على كتفَيه، متدليتان حول ركبتَيه. ولم يكن يضع ربطة عنق أو كولر collar، وكان عليه أن يقبضَ على حافة طرف الطاولة المصنوعة من خشب الجوز ليحفظ توازنه. في البُرْهة القصيرة التالية، تحدَّث إلى نورا مباشرة، وكانت تجلس بجوار هيكتور على الأريكة في منتصف المكان. رغم كل الانتباه الذي وجَّهه إلى هيكتور، ربما كان تلميذُ ابنته غيرَ مرئي. ولا يرجع ذلك إلى أن أوفالون يتجاهله، أو أنه يتظاهر بأنه ليس هناك. ببساطة، لم يلاحظه. ولم يجرؤ هيكتور، الذي فهم كل حرفٍ من الحديث الذي جاء بعد ذلك، أن ينهضَ ويغادر.

قال أوفالون: ستيجمان يتخلى عن المهمة. كان يعمل لشهور في القضية، ولم يصل إلى شيءٍ واعد. قال إنها مزعجة بالنسبة له. لا يرغب في أن يأخذ المزيد من نقودنا.

سألَتْ نورا أباها عن رد فعله، وقال أوفالون إنه إذا كان يشعر بأن الأمر سيئ بشأن أخذ نقودنا، أيُّ جحيمٍ جعله يطلب أن نتحمل تكاليف المكالمة عندما اتصل؟ فقال له إنه كان خسيسًا في مهمته. إذا كان ستيجمان لا يرغب في العمل فسوف يبحث عن شخصٍ آخر.

ردَّتْ نورا: لا يا أبي، أنت مخطئ. إذا كان ستيجمان لا يستطيع العثور عليها، فذلك يعني أنْ لا أحد يستطيع. إنه أفضل مخبرٍ خاص في الساحل الغربي. هذا ما قاله رينولدز، ورينولدز رجلٌ يمكن أن يثقا فيه.

قال أوفالون: إلى الجحيم مع رينولدز. إلى الجحيم مع ستيجمان. يمكن أن يقولا أيَّ شيء، لكنه لن يستسلم.

هزَّت نورا رأسها إلى الخلف والأمام وعيناها ممتلئتان بالدموع. قالت: حان الوقت لمواجهة الحقيقة. لو كانت بريجيد حيةً في مكانٍ ما لكتبَتْ خطابًا. لاتصلَت. لأخبرَتْهم بمكانها.

قال أوفالون: لا يمكن التكهُّن بظروفها balls she would have. لم تكتب خطابًا لأكثر من أربع سنوات. قطعَت علاقتها بالأسرة وهذه هي الحقيقة التي عليهم مواجهتُها.

قالت نورا: ليس مع الأسرة. معه. كانت بريجيد تكتُب إليها طول الوقت. حين كانت في المدرسة في بولمان، كانت تُرسِل إليها خطابًا كل ثلاثة أسابيع أو أربعة.

لكن أوفالون لم يكن يريد أن يسمعَ شيئًا عن ذلك. لم يعُد يُريد أن يناقشه، وإذا لم تقفْ خلفه فسوف يواصل وحدَه واللعنة عليها وعلى آرائها اللعينة. ومع هذه الكلمات، ترك أوفالون الطاولة، وتمايل بحذَرٍ لحظةً أو اثنتَين وهو يحاول الوقوف على قدمَيه مرةً أخرى، ثم غادر المكان مترنحًا.

لم يكن من المفترض أن يشاهد هيكتور هذا المشهد. كان مجرد شيَّال، وليس صديقًا حميمًا، ولا شأن له بسماع محادثاتٍ خاصة بين أبٍ وابنته، وليس له الحق في أن يجلس في المكان ورئيسه يترنح سكرانًا، في حالة سيئة. لو طلبت نورا منه مغادرة المكان في تلك اللحظة لأغلق الموضوع إلى الأبد. ما كان ينبغي أن يسمع ما سمع، ما كان ينبغي أن يرى ما رأى، ولم يكن للموضوع أن يُذكَر مرةً أخرى. كل ما كان عليها أن تنطق جملةً واحدة، أن تقدِّم عذرًا ضعيفًا، فينهض هيكتور من الأريكة ويقول لها طابت ليلتك. لكن نورا لم تكن تتمتع بموهبة الادعاء. كانت الدموع لا تزال في عينَيها حين غادر أوفالون المكان، وآنذاك فتح أخيرًا الموضوعَ المحظور، لماذا تؤجل أي شيء؟

قالت إن أباها ليس على هذا النحو دائمًا. حين كانت وأختاها صغيرات، كان شخصًا مختلفًا ومن الصعب التعرف عليه الآن، ومن الصعب تذكر كيف كان في تلك الأيام. رِدْ أوفالون. ومضة الشمال الغربي. باتريك أوفالون، زوج ماري داي. داد أوفالون، إمبراطور الفتيات الصغيرات. قالت نور: لكن فكَّر في السنوات الست الأخيرة، فكَّر فيما مرَّ به، وربما لا يكون غريبًا أن أفضل أصدقائه رجل اسمه جيمسون — هذا الرجل الصامت الكئيب الذي يعيش معه في الدور العلوي، حاصرَتْه كل تلك الزجاجات من البيرة. جاءت الصفعة الأولى مع موت أمه، قتلها السرطان وهي في الرابعة والأربعين. قالت إن هذا كان قاسيًا جدًّا، لكن الأمور السيئة استمرَّت تحدث، عاصفةٌ عائليةٌ بعد أخرى، ضربةٌ في المعدة ثم ضربةٌ على الوجه، وتدريجيًّا هزمَتْه المخدرات. بعد أقل من سنة من الجنازة، حملَت ديردر، وحين رفضَت إتمام إجراءات الزفاف القَسْري الذي رتَّبه لها أوفالون طردَها من المنزل. قالت نورا وهذا ما قلَب بريجيد ضده أيضًا. كانت أختها الكبرى في عامها الأخير في سميث، تعيش في الناحية الأخرى من البلاد، لكنها حين سمعَت بما حدث، كتبَت إلى أبيها وقالتْ إنها لن تكلِّمه مرةً أخرى إذا لم يرحِّب بعودة ديردر إلى المنزل. ما كان لأوفالون أن يفعل ذلك. كان يدفع مصروفات تعليم بريجيد، ومن جعلها تعتقد أن تقول له ماذا يفعل؟ دفعَت مصروفاتها للفصل الدراسي الأخير، وبعد تخرُّجها توجهَت مباشرةً إلى كاليفورنيا لتصبح كاتبة. قالت نورا إنها عنيدةٌ مثل أبيها، وديردر عنيدة ضعفهما معًا. لم يكن مهمًّا أن تتزوج ديردر آنذاك وتنجب طفلًا آخر. لم تكلِّم أباها، ولم تكلِّمه بريجيد. وفي أثناء ذلك ذهبَت نورا إلى الكلية في بولمان. ظلت على اتصالٍ منتظِم بأختَيها، لكن بريجيد كانت تراسلها بشكلٍ أفضل، ونادرًا ما مرَّ شهر دون أن تستلم نورا خطابًا على الأقل منها. ثم في بداية العام الدراسي الأول لنورا توقفَت بريجيد عن الكتابة. في البداية بدا أن الأمر لا يدعو للقلق، لكن بعد ثلاثة أشهرٍ أو أربعة من الصمت المستمر، كتبَت نورا إلى ديردر وسألَتْها إن كانت لديها أيُّ أخبارٍ جديدةٍ من بريجيد. حين ردَّت ديردر بأنها لم تتصل بها لستة أشهرٍ بدأَت نورا تقلق. تحدثَت إلى أبيها في الأمر، وأوفالون المسكين، جاهدًا لإصلاح الأمور، طحَنه الإحساس بالذنب على ما فعلَه ببنتَيه الكبيرتَين، اتصل على الفور بشرطة لوس أنجلوس. تم تكليف مخبرٍ سريٍّ اسمه رينولدز بالقضية. بدأ البحث بسرعة، وفي خلال عدة أيام ظهرَت حقائقُ حاسمةٌ بالفعل؛ استقالت بريجيد من وظيفتها في المجلة، حاولَت الانتحار وانتهَى بها الأمر في المستشفَى، وكانت حاملًا، غادرَتْ شقتها من دون أن تترك عنوانًا للمكان الذي انتقلَت إليه، فُقِدَتْ. بقَدْر سواد هذه الأخبار، بقَدْر ما كان التفكير فيما تتضمَّنه هذه الحقائق مدمِّرًا، بدا وكأن رينولدز على وشك اكتشافِ ما حدث لها. ثم، تدريجيًّا، تجمَّدَت القضية. مضى شهر، ثم ثلاثة أشهر، ثم ثمانية أشهر، ولم يصل رينولدز إلى أخبارٍ جديدة. قال إنهم يتحدثون لكل من عرفها ويفعلون أقصى ما يستطيعون، لكن بمجرد تتبعها حتى فيتزويليام أرمز، وصلوا إلى طريقٍ مسدود. محبَطًا بعدم تقدُّم القضية قرَّر أوفالون دفع الأمور بالاستعانة بخدمات مخبرٍ خاص. أوصى رينولدز برجلٍ اسمه فرانك ستيجمان، ولبعض الوقت امتلأ أوفالون بأملٍ جديد. قالت نورا: القضية كل ما يعيش من أجله وكلما ذكر ستيجمان نتفةً من معلومات جديدة، أضأل تلميحة لتقدُّم، يكون أبوها على أول قطار إلى لوس أنجلوس، مسافرًا في الليل إذا تطلب الأمر، ويكون أول ما يفعله في صباح اليوم التالي أن يطرق على باب مكتب ستيجمان. لكن ستيجمان لم تعُد لديه أفكار الآن، ومستعدٌّ للتخلِّي عن المهمة. سمع هيكتور ذلك بنفسه. قالت هذا ما دارت المكالمة التليفونية حوله ولا تستطيع أن تحمِّله خطأ الرغبة في التخلي عن المهمة. ماتت بريجيد. تعرف ذلك، رينولدز وستيجمان يعرفان ذلك، لكن أباها لا يقبله حتى الآن. يتهم نفسه على كل شيء، وإذا لم يكن لديه سببٌ للأمل، إذا لم يستطع أن يُوهِم نفسه بأنه سيعثر على بريجيد، لم يستطع أن يتعايشَ مع نفسه. قالت نورا إن الأمر ليس بهذه البساطة. قد يموت أبوها. قد يفُوق الألم احتماله، فينهار ويموت.

•••

بعد تلك الليلة، ظلت نورا تحكي له كل شيء. من المفهوم أن ترغب في أن تشارك أحدًا في مشاكلها، لكن من بين كلِّ الناس في العالم، من بين كل المرشَّحين الذين يمكن أن تختار من بينهم، كان هيكتور الشخص الذي شغل الوظيفة. صار مصدر ثقة نورا، مستودَع المعلومات عن جريمته، وفي كل ليلة ثلاثاء وخميس، وهو يجلس إلى جوارها على الأريكة ويكافح في درسٍ آخر من دروسه، يشعر بمخِّه يتفتَّت في رأسه تدريجيًّا. اكتشف أن الحياة حلم حمَّى، والواقع عالم لا أساس له من الخيالات والهلاوس، مكانٌ كل ما تتخيله فيه يصبح حقيقة. هل يعرف حقيقة هيكتور مان؟ سألتْه نورا هذا السؤال ذات ليلة. قالت إن ستيجمان توصل إلى نظريةٍ جديدة، وبعد التوصل إلى العلاقة الغرامية منذ شهرَين، اتصل المخبر الخاص بأوفالون في نهاية الأسبوع وطلب فرصةً أخرى. اكتشف أن بريجيد نشرَتْ مقالًا عن هيكتور مان. وبعد أحد عشر شهرًا اختفَى مان، وتساءل عما إذا كان اختفاءُ بريجيد في الوقت ذاته محضَ صدفة. ماذا لو كان هناك ارتباطٌ بين القضيتَين غير القابلتَين للحل؟ لم يعُد ستيجمان بأية نتائج، لكن كان لديه على الأقل ما يعمل عليه آنذاك، وبإذنٍ من أوفالون، ودَّ أن يتابع الأمر. إذا استطاع تأكيد أن بريجيد ذهبَت لترى مان بعد أن كتبت المقال، فربما كان هناك سببٌ للتفاؤل.

قال هيكتور: لا، لم أسمع به قط. مَن هيكتور مان هذا؟ ولم تكن نورا أيضًا تعرفُ أكثر عنه. قالت: ممثل. مثَّل بعض الكوميديات الصامتة، منذ بضع سنوات، لكنها لم ترَ أيًّا منها. لم يكن لديها وقتٌ كافٍ للذهاب إلى السينما حين كانت في الكلية. قال هيكتور لا، لم يذهب هو نفسه غالبًا. إنها تحتاج إلى نقود، وقد قرأ في مكانٍ ما أن الأفلام مؤذيةٌ للعين. قالت نورا إنها تتذكَّر بشكلٍ باهتٍ أنها سمعَت عن القضية، لكنها لم تتابعها عن قُربٍ في ذلك الوقت. طبقًا لما قال ستيجمان، هيكتور مفقود من سنتَين تقريبًا. ولماذا غادر؟ أراد هيكتور أن يعرف. قالت نورا: لا أحد يعرف بالتأكيد. تلاشى فقط ذات يوم، ولم يُسمَعْ عنه منذ ذلك الوقت. قالت إن الأمر ليس مدعاة لأملٍ شديد. يمكن لرجل أن يبقَى مختبئًا كل هذا الوقت. إذا لم يعثروا عليه حتى الآن، فذلك يعني أنه يُحتمل أن يكون ميتًا. وافقَت نورا قائلة: نعم، ربما، وربما تكون بريجيد ميتةً أيضًا. واصلَت: لكن هناك شائعات، كان ستيجمان يقوم بفحصها. سأل هيكتور: أي نوعٍ من الشائعات؟ قالت نورا إنه ربما عاد إلى أمريكا الجنوبية. كان من هناك. من البرازيل أو الأرجنتين، لا تستطيع أن تتذكَّر أيَّ بلد، لكن الأمر لا يُصدَّق، أليس كذلك؟ سأل هيكتور: كيف لا يُصدَّق؟ إن هيكتور مان من الجزء نفسه من العالم الذي هو منه. ما الغريب في ذلك؟ قال هيكتور إنها تنسى أن أمريكا الجنوبية مكانٌ كبير. أمريكا الجنوبية واسعةٌ جدًّا. قالت نورا نعم، إنها تعرف، لكن حتى لو كان الأمر كذلك، أليس من المستحيل تصديقُ أن بريجيد ذهبَت معه؟ كان مجرد التفكير في ذلك يُسعدها. أختان ورجلان من أمريكا الجنوبية. بريجيد في مكانٍ مع رجلها، وهي في مكانٍ مع رجلها.

لن يكون الأمر مفزعًا إن لم يكن قد أحبها كثيرًا جدًّا، إذا لم يقع جزءٌ منه في حبها يوم التقَيا أول مرة. كان هيكتور يعرفُ أنها خارج الحدود، أنه إذا فكَّر في احتمال أن يلمسَها فإنه سيكون إثمًا لا يُغتفر، ومع ذلك ظلَّ يتردد على منزلها كل ليلة ثلاثاء وخميس، ميتًا ميتةً صغيرة كلما جلسَتْ بجواره على الأريكة وخبأَت جسدَها الذي يبلغ الثانية والعشرين من العمر في الوسائد القطيفة العنابية. من السهل جدًّا أن يمدَّ يده ويبدأ لمس عنقها، ويمرِّر يده بطول ذراعها، ويستدير باتجاهها ويبدأ تقبيل النمش على وجهها. بشكلٍ غريبٍ كما كانت محادثاتهما أحيانًا (بريجيد وستيجمان، تدهور أبيها، ملاحقة هيكتور مان)، كان إخماد هذه الرغبات أصعبَ عليه، وتطلب الأمر منه كل ذرة من قوَّته ليعبُر الخط. بعد ساعتَين من العذاب، كثيرًا ما وجد نفسه يتجه مباشرةً من الدرس إلى النهر، ليسير عبْر البلدة حتى يصل إلى حيٍّ صغيرٍ من منازلَ منهارة وفنادقَ من دورَين حيث يمكن أن تُشترَى المرأة لعشرين دقيقة أو ثلاثين من وقتها. كان حلًّا كئيبًا، لكن لم تكن هناك بدائل. قبل أقل من عامَين، كانت أكثر نساء هوليوود يتصارعن للقفز إلى السرير مع هيكتور. والآن يبحث عن ذلك في الأزقة الخلفية في سبوكين، مهدرًا نصفَ أجر اليوم على دقائقَ قليلةٍ من التنفيس.

لم يخطر ببال هيكتور قط أن نورا شعرَت بشيء تجاهه. كان شخصًا يدعو للأسى، رجلًا لا يستحق الاهتمام، وإذا كانت نورا ترغب في منحه الكثير من وقتها، فذلك يعود فقط إلى أنها أشفقَت عليه؛ لأنها شابةٌ عطوفة تخيلَت نفسها مخلِّصة الأرواح الضالة. القديسة بريجيد، كما كانت تسمِّيها أختها، شهيدة الأسرة. كان هيكتور رجلًا عاريًا من قبيلةٍ أفريقية، ونورا البعثة الأمريكية التي شقَّت طريقَها عبْر الأدغال لتُحسِّنه كثيرًا. لم يقابل قَط إنسانًا بهذه النزاهة، وبهذا الأمل، وهذه القدرة على تجاهل القوى السوداء التي تعمل في العالم. شك أحيانًا في أنها غبيةٌ جدًّا. وفي أحيانٍ أخرى، بدا أنها تتمتع بحكمة سامية فريدة. وفي أحيان أخرى، حين تستدير إليه بهذه النظرة القوية العنيدة في عينَيها، يعتقد أن قلبه يتحطَّم. كانت تلك مفارقةَ السنة التي قضاها في سبوكين. جعلَت نورا الحياة لا تُحتمل بالنسبة له، لكن نورا كانت الشيء الوحيد الذي يعيش من أجله، السبب الوحيد الذي جعله لا يحزم حقائبه ويرحل.

نصف الوقت، كان يخشى أن يعترف لها. وفي النصف الآخر من الوقت، يخشى أن يتم القبض عليه. تتبع ستيجمان زاوية هيكتور مان لثلاثة شهور ونصف قبل أن يستسلم مرةً أخرى. فَشِل البوليس، وفَشِل المخبر الخاص، لكن هذا لا يعني أن وضع هيكتور أكثر أمنًا. ذهب أوفالون إلى لوس أنجلوس عدة مراتٍ في الخريف والشتاء، وبدا من المحتمل أن يفترضَ عند نقطةٍ معيَّنة من هذه الزيارات أن ستيجمان أطلعه على صورٍ فوتوغرافيةٍ لهيكتور مان. ماذا إذا لاحظ أوفالون الشبه بين شيَّاله الذي يعمل بجدِّية والممثل المفقود؟ في بداية فبراير، بعد وقتٍ قصير من عودته من رحلته الأخيرة إلى كاليفورنيا، بدأ أوفالون ينظر إلى هيكتور بطريقةٍ جديدة. بدا أكثر يقظة، إلى حدٍّ ما، أكثر حذرًا، ولم يكُفَّ هيكتور عن التساؤل عما إذا لم يكن لدى والد نورا معلوماتٌ عنه. بعد شهورٍ من الصمت والازدراء المكبوح بالكاد، كان الرجل العجوز ينتبه فجأة للحمَّال الوضيع، حمَّال الصناديق، الذي يكدُّ في الغرفة الخلفية من محلِّه. حلَّ محلَّ الإيماءات الفاترة ابتسامات، ومن وقتٍ لآخر، من دون سببٍ معين، قد يربِّت على كتف مستخدَمه ويسأله عن أحواله. وبشكلٍ لافتٍ أكثر، بدأ أوفالون يفتح الباب حين يصل هيكتور إلى المنزل لدروسه المسائية. يصافح يده كما لو كان ضيفًا مرحَّبًا به، ثم، بشكلٍ مربكٍ إلى حدٍّ ما، لكن بنيةٍ حسنةٍ واضحة، يقف لحظةً ليعلِّق على الطقس قبل أن ينسحبَ إلى غرفته في الدور العلوي. مع أيِّ رجلٍ آخر، يبدو مثل هذا السلوك عاديًّا، الحد الأدنى مما تتطلبه قواعد الذوق، لكن في حالة أوفالون كان الأمر مربكًا تمامًا، ولم يكن هيكتور ليثق فيه. كان في خطرٍ شديد بشكلٍ يجعله لا ينخدع ببعض الابتسامات المهذَّبة والكلمات الودودة، وكلما طال هذا اللطف الزائف، ازداد هيكتور خوفًا. بحلول منتصف فبراير، شعَر بأن أيامه في سبوكين معدودة. نُصبَت له مصيدة، وعليه أن يستعدَّ لترك البلدة في أية لحظة، أن يهربَ في الليل ولا يُريَهم وجهَه مرةً أخرى.

ثم جاءت الخطوة الحتمية التالية. بالضبط وهيكتور يخطِّط لكلمة وداعٍ لنورا، حاصَره أوفالون في ركن في الغرفة الخلفية من المحل بعد الظهيرة وسأله إن كان مهتمًّا بترقية. قال إن جوينز وضع إعلانًا. انتقل مساعد المدير إلى سياتل ليدير محل طباعة لشقيق زوجته، وكان أوفالون يرغب في شغل الوظيفة بأسرعِ ما يمكن. كان يعرف أن هيكتور ليست لديه أيةُ خبرةٍ في البيع، وقال إنه كان يلاحظه، ويضع عينه على الكيفية التي يؤدِّي بها عمله، ولا يعتقد أن الأمر يتطلب منه وقتًا طويلًا ليتقن الوظيفة الجديدة. ستكون المسئولية أكبر وساعات العمل أطول، لكن أجره سيكون ضعفَ ما هو عليه الآن. هل يفكِّر في اعتبار الأمر منتهيًا أم إنه مستعد لقبوله؟ كان هيكتور مستعدًّا لقبوله. صافحه أوفالون، وهنَّأه على الترقية، ثم منَحَه بقية اليوم إجازة. لكن وهيكتور على وشك مغادرة المحل، ناداه أوفالون مرةً أخرى. قال الريس: افتح سجِّل النقود وأخرِجْ عشرين دولارًا، ثم اذهب إلى دكان بريسلر واشترِ لنفسك بدلةً جديدة، وببيونتَين. ستعمل في الواجهة الآن وتحتاج إلى أن تبدو في أفضل صورة.

عمليًّا، سلَّم أوفالون شغله لهيكتور. أعطاه لقبَ مساعد المدير، والحقيقة أن هيكتور لم يكن يساعد أحدًا. كان مكلَّفًا بإدارة المحل، ولم يكن أوفالون، وكان مدير مشروعه رسميًّا، يُدير شيئًا. كان رِدْ يقضي وقتًا ضئيلًا في المبنى ليهتم بالتفاصيل التافهة، وبمجرد أن فهم أن هذا المغرور الأجنبي الطموح يستطيع القيام بمسئوليات الوظيفة الجديدة، لم يعُد يبالي بالحضور إلى هناك. كان متعبًا من العمل، لم يعرف حتى اسم الشيال الجديد.

برع هيكتور مديرًا فعليًّا لبضائع رِد الرياضية. بعد العزلة سنةً في مصنع البراميل في بورتلاند والحبس الانفرادي في مخزن أوفالون، رحَّب بفرصة التواجد بين الناس مرةً أخرى. كان المحل مثل مسرحٍ صغير، والدور الذي قُدِّم له أساسًا الدور نفسه الذي لعبه في أفلامه. هيكتور في دور صاحب الضمير، الكاتب المتوتِّر بببيونة. وكان الاختلاف الوحيد آنذاك أن اسمه هرمان ليسر، وأن عليه أن يلعبه باستقامة. لا سقطات على المؤخِّرة أو أصابع مفَأفَأة، لا تشويهات تهريجية أو كدمات على الرأس. كانت وظيفته أن يُقنِع، أن يُشرِف على الحسابات، وأن يدافع عن مزايا الرياضة. لكن لم يقُل أحدٌ إن عليه أن يتردد عليه وعلى وجهه تعبيرٌ كئيب. كان له جمهور أمامه مرةً أخرى ودعائم كثيرة عليه أن يعمل معها، وبمجرد أن اكتشف الروتين، اندفعَت إليه غرائز الممثل القديم مرةً أخرى. فتن الزبائن بثرثرته الخلابة، وأبهجَهم بعروضه لقفَّازات الصيد وتقنيات صيد السمك، وكسبَ ولاءهم باستعداده لخصم خمسة في المائة وعشرة وحتى خمسةَ عشر من قائمة الأسعار. كانت المحافظ نحيلة في ١٩٣١م، لكن المباريات كانت لهوًا غير مكلِّف، وطريقةً جيدة لعدم التفكير فيما لا تستطيع أن تقدِّمه، واستمر محل رِدْ يقوم بأعمالٍ لائقة. يلعب الأولاد الكرة مهما تكن الظروف، ولا يتوقف الرجال أبدًا عن إلقاء الصنانير في الأنهار وإطلاق الرصاص في أجساد الحيوانات البرية. وحينذاك، علينا ألا ننسى، كانت هناك مسألة الأزياء. ليس فقط للفرق من المدارس الثانوية المحلية والكليات، لكن لمائتَي عضو في دوري البولنج لنادي الروتري، والفِرق العشر لرابطة البيسبول للجمعيات الخيرية الكاثوليكية، وأيضًا صفوف من ثلاث دست من ملابس هواة السوفتبول.١٧ كان أوفالون يسيطر على ذلك السوق منذ عقدٍ ونصف، واستمرَّت الطلبات تصل، بدقةٍ وانتظامٍ مثل مراحل القمر.

ذات ليلة في منتصف أبريل، وهيكتور ونورا يُنهيان درس الثلاثاء، التفتَتْ نورا إليه وأخبرَتْه بأنها تلقَّت عرضًا للزواج. جاء الإعلان من حيث لا يدري، بدون مقدِّمات، ولثانيتَين لم يكن هيكتور متأكدًا من صحة ما سمع. إعلان من هذا النوع يُرافَق عادة بابتسامة، وربما بضحكة، لكن نورا لم تبتسم، ولم تبدُ عليها أية سعادة وهي تشاركه في هذه الأخبار. سأل هيكتور عن اسم الشاب السعيد الحظ. هزَّت نورا رأسها، ثم نظرَت إلى الأرض وبدأت العبث بعصبية بفستانها القطني الأزرق. حين نظرَتْ إلى أعلى من جديد، كانت الدموع تلمع في عينَيها. بدأَت شفتاها تتحركان، لكن قبل أن تنطق بأي شيء، نهضَتْ فجأة من مقعدها، ووضعَت يدَها على فمها، واندفعَت خارج الرواق.

ذهبَت قبل أن يعرفَ ما حدث. ولم يكن هناك وقتٌ كافٍ ليناديها، وحين سمع نورا تصعد السلالم ثم تصفع باب غرفتها وتُغلِقه، فهم أنها لن تنزل مرةً أخرى في تلك الليلة. انتهَى الدرس. قال لنفسه إن عليه أن ينصرف، لكن انقضَت عدة دقائق وهو لا يستطيع النهوض من الأريكة. وفي النهاية، دخل أوفالون المكان. كانت الساعة بعد التاسعة بقليل، وكان رِدْ في حالته الليلية المعتادة، لكن لم يبلغ درجةً تجعله يفشل في الحفاظ على توازنه. ثبَّت عينَيه على هيكتور، ولأطول وقتٍ ظل يحدِّق في مديره المساعد، متطلعًا إليه من أعلى إلى أسفل وابتسامةٌ صغيرةٌ ملتوية تتشكَّل على الجزء السفلي من فمه. لم يعرف هيكتور إنْ كانت ابتسامةَ شفقة أم سخرية. بدت مثل الاثنتَين، نوعًا من الازدراء الرحيم، إن كان ذلك ممكنًا، ورأى هيكتور الأمر مربكًا، دليلًا على عدوانيةٍ متقيِّحة لم يكشف عنها أوفالون لشهور. أخيرًا وقف هيكتور وسأل: هل نورا ستتزوج؟ أطلق الريس ضحكةً قصيرةً ساخرة. قال: بحقِّ الجحيم كيف أعرف؟ لماذا لا تسألها هي نفسها؟ ثم، شاخرًا ردًّا على ضحكته التي أطلقَها، استدار أوفالون وغادر المكان.

بعد ليلتَين، اعتذرَت نورا عن غضبها. قالت إنها تشعر بأنها أفضل الآن، انتهت النوبة. رفضَته، انتهَى الأمر. أغلقَت المسألة؛ لم يعُد هناك ما يدعو للقلق. ألبرت سويني شخصٌ رائع، لكنه مجرد صبي، والتعامل مع الصبيان يُرهِقها، خاصة الصبيان الأغنياء الذين يعيشون على نقود آبائهم. إذا كان لها أن تتزوَّج، فينبغي أن تتزوج من رجل، رجل يعرف كيف يشُق طريقه في العالم ويستطيع أن يرعى نفسه. قال هيكتور لا ينبغي أن تلومي سويني لأن له أبًا غنيًّا. ليستْ غلطته، وبالإضافة إلى ذلك، ما العيب في أن يكون غنيًّا، على أية حال؟ قالت نورا لا عيب. فقط لا تريد أن تتزوَّجه، هذا كل ما في الأمر. الزواج أبدي، ولن تقول نعم حتى يأتيَ الرجل المناسب.

استعادت نورا روحَها المعنوية بسرعة، لكن بدا أن علاقات هيكتور مع أوفالون دخلَت مرحلةً جديدةً مزعجة. كانت نقطة التحول المواجهة الحاسمة في الرواق، بالتحديق الطويل والضحكة القصيرة الساخرة، وبعد تلك الليلة لاحظ هيكتور أنه أصبح مُراقَبًا من جديد. حين يأتي أوفالون إلى المحل، لا يشارك في الشغل أو التعامل مع الزبائن. بدلَ أن يقدِّم مساعدة أو يملأ سجلَّ النقود حين يكون الآخرون مشغولين، يقبع في مقعدٍ بجوار فاترينة عرض مضارب التنس وقفَّازات الجولف ويقرأ بهدوءٍ صحف الصباح، ملقيًا نظرةً عابرةً من حين لآخر بتلك الابتسامة اللاذعة المسحوبة على الجزء السفلي من فمه. يبدو كما لو كان يعتبر مساعده حيوانًا مدهشًا أو دميةً بمحرِّك. كان هيكتور يكسب له أموالًا كثيرة، محقِّقًا في عشر ساعات أو إحدى عشرة ساعة يوميًّا ما يمكن أن يعيشَ عليه فيما يشبه التقاعد، لكن يبدو أن كل هذه الجهود لم تؤدِّ إلا إلى أن يصبح أوفالون أكثر شكًّا فيه، وأكثر تلطفًا معه. حذرًا تظاهر هيكتور بأنه لا يلاحظ. وبرَّر ذلك بأنه لا بأس في أن يُعتبَر بالغَ الحماقة، وربما لا يكون الأمر سيئًا جدًّا حين بدأ يناديك بموشاشو والسنيور،١٨ لكنك لا تستطيع الاقتراب من رجلٍ مثله، وأنت على يقين من أن ظهرك يكون للحائط كلما دخل المكان.

لكن حين دعاك للخروج إلى نادي بلدته وطلب منك أن تنضم إليه لثماني عشرة حفرة جولف في صباح أحدٍ ساطعٍ في أوائل مايو، لم تقل لا. ولم ترفض حين عرض عليك الغداء في مطعم بلوبل إنْ، ليس مرة بل اثنتان في غضون أسبوع، وفي المرتَين يُصِر على أن تطلب أغلى الأطباق في قائمة الطعام. ما دام لا يعرف سرك، ما دام لا يشك فيما تفعله في سبوكين، يمكنك أن تحتمل ضغطَ فحصِه المستمر لك. تحمَّلتَ ذلك بدقة لأنك تعرف أن وجودك معه لا يُحتمل؛ لأنك تُشفِق عليه نتيجة البؤس الذي ألمَّ به؛ لأنك كلما سمعْتَ هذا الأسى الساخر يتسرَّبُ من صوته، تعرفُ أنك مسئولٌ جزئيًّا عن ذلك.

كان غداؤهما الثاني في بلوبل إنْ بعد ظهيرة الأربعاء في أواخر مايو. لو استعد هيكتور لما يحدث فربما جاء رد فعله مختلفًا، لكن بعد خمس وعشرين دقيقة من الحديث في موضوعاتٍ عابرة، أذهله سؤال أوفالون. في ذلك المساء، حين عاد هيكتور إلى النُّزل الذي يقيم فيه في الناحية الأخرى من البلدة، كتب في مفكِّرته أن العالم تغيَّر شكله بالنسبة له في لحظةٍ واحدة. فقدْتُ كل شيء. أسأْتُ فهم كل شيء. الأرض سماء، الشمس قمر، الأنهار جبال. كنتُ أنظر إلى العالَم الخطأ. ثم، وأحداث بعد الظهيرة لا تزال طازجة في ذهنه، دوَّن حديثه مع أوفالون كلمةً كلمة:

سأله أوفالون فجأة: وهكذا، ليسر، حدِّثني عن نواياك.

رد هيكتور: لا أفهم هذه الكلمة. أمامي شريحة لحم شهية، وأنوي أن آتيَ عليها. هل هذا ما تسأل عنه؟

– أنت رجلٌ ذكي، يا بُني. تعرف ما أعني.

– أتوسَّل إليك سيدي، لكن هذه النوايا تُربكني. لا أفهمها.

– النوايا على المدى البعيد.

– أوه، نعم، الآن أفهم. تشير إلى المستقبل، أفكاري بشأن المستقبل. يمكن أن أقول بأمانٍ إن نواياي الوحيدة أن أواصلَ كما أنا الآن. أن أستمرَّ في العمل معك. أن أبذل أقصى ما في وسعي في المحل.

– وماذا أيضًا؟

– ليس هناك شيءٌ آخر مستر أوفالون. أتحدَّث من القلب. منحتَني فرصةً عظيمة، وأسعى إلى أن أنتهزَ معظمها.

– ومن تظُن أنه حدَّثَني لأمنحك هذه الفرصة؟

– لا أعرف. اعتقدْتُ دائمًا أنه قرارك، أنتَ من منحَني الفرصة.

– كانت نورا.

– مس أوفالون؟ لم تُخبرني قط. لم أكن أعرفُ أنها المسئولة. أدينُ لها بالكثير، والآن يبدو أنني مدينٌ لها بأكثر مما أعتقد. إنني ممتنٌّ بما تخبرني به.

– هل تتمتع برؤيتها تُعاني؟

– مس نورا تعاني؟ لماذا تعاني؟ إنها فتاةٌ نشيطةٌ ورائعة تحظى بإعجاب الجميع. أعرف أن أحزانَ الأسرة تثقل قلبها — كما تثقل قلبك سيدي — لكن بعيدًا عن الدموع التي تذرِفها على أختها الغائبة، لم أرَها إلا في حالاتٍ مزاجيةٍ بالغة الحيوية والازدهار إلى أقصى درجة.

إنها قوية. تبدو شجاعة.

– تقدَّم لخطبتها ألبرت سويني في الشهر الماضي، ورفضَتْه. لماذا تظن أنها فعلَت ذلك؟ والد الصبي هو هيرام سويني، سيناتور الولاية، أقوى جمهوري في البلاد. يمكن أن تعيشَ في نعيمٍ لخمسين سنةً قادمة، وقالت لا. لماذا يا ليسر؟

– أخبرتني بأنها لا تحبه.

– صحيح. لأنها تحب شخصًا آخر. ومن تظن هذا الشخص؟

– من المستحيل أن أردَّ على هذا السؤال. لا أعرف شيئًا سيدي عن مشاعر مس نورا.

– لسْتَ لوطيًّا، أليس كذلك هرمان؟

– اعذرني سيدي؟

– لوطيٌّ. مِثْليٌّ.

– بالطبع لا.

– لماذا لا تفعل شيئًا إذن؟

– تتحدث بالألغاز مستر أوفالون. لا أستوعب.

– أنا مرهقٌ يا بني. ليس لديَّ ما أعيش من أجله الآن إلا شيءٌ واحد، وبمجرد أن يتم الاهتمام بهذا الشيء، كل ما أريده أن أموت في سلام. ساعِدني، أريد أن أعقدَ معك صفقة. فقط قل كلمة، يا صديقي، وكل شيء يكون لك. المحل، الشغل، الأعمال كلها.

هل تعرض بيع أعمالك لي؟ لا أملك نقودًا. وضع لا يسمح بإتمام مثل هذه الصفقات.

اندفعتَ إلى المحل في الصيف الماضي تتوسل عملًا، والآن أنتَ تُدير المعرض. تُديره بشكلٍ جيدٍ يا ليسر. كانت نورا محقِّة بشأنك، ولن أقفَ في طريقها. ما تُريده تحصل عليه.

لماذا تُواصل الإشارة إلى مس نورا؟ أظن أنك كنتُ تعرضُ عملًا.

أعرض ُعملًا بالطبع. لكن فقط إن اتفقنا على أمرٍ واحد. ليس وكأنني أطلبُ منك شيئًا لا تريده أنت. أرى الطريقة التي ينظر بها كلٌّ منكما للآخر. كل ما عليك فعلُه أن تتحرك.

ماذا تقول مستر أوفالون؟

اكتشِفه بنفسك.

لا أستطيع سيدي. لا أستطيع حقًّا.

نورا، يا أحمق. أنت الشخص الذي تُحبه.

لكنني لا شيء، لا شيء على الإطلاق. لا يمكن أن تُحبَّني نورا.

قد تعتقدُ أنت ذلك، قد أعتقدُ ذلك، لكننا نحن الاثنان مخطئان. قلب الفتاة يتحطَّم، وسأكون ملعونًا إذا جلسْتُ ساكنًا أشاهدُها تعاني أكثر. فقدْتُ ابنتَين، ولن يتكرَّر هذا مرةً أخرى.

لكن لا يجوزُ أن أتزوَّج نورا. أنا يهودي، وهذه الأمورُ غير مسموحٍ بها.

يهوديٌّ من أي نوع؟

يهودي. هناك نوعٌ واحد فقط من اليهود.

هل تؤمن بالله؟

هل يُغيِّر ذلك من الأمر شيئًا؟ أنا لا أشبهك. أتيْتُ من عالمٍ آخر.

أجِب على السؤال. هل تؤمن بالله؟

لا، لا أومن. أومن بأن الإنسان المدبِّر لكل الأشياء. الأشياء الطيبة والجيدة.

نحن إذن ننتمي للدين نفسه. نحن متماثلان يا ليسر. الاختلاف الوحيد أنك تفهَم النقود أفضل مما أفهمها. وهذا يعني أنك ستكون قادرًا على رعاية نورا. وهذا كل ما أريده. أن ترعى نورا، فأموت ميتةً طيبة.

تضعني في موقفٍ صعبٍ سيدي.

لا معنى للصعوبة يا رجل. تقدَّم إليها بنهاية الشهر وإلا أطلقتُ النار عليك. هل تفهم؟ سأطلق النار عليك، ثم أركل مؤخرتك وأنظِّف الولاية الملعونة منك.

تركَه هيكتور في ورطة. بعد مغادرة بلوبل إنْ بأربع ساعاتٍ أغلق المحلَّ للمرة الأخيرة، وعاد إلى غرفته وبدأ يحزم أشياءه. في لحظةٍ ما من المساء استعار آلةً كاتبةً من صاحبة النُّزل وكتب رسالةً من صفحةٍ واحدة إلى نورا، وقَّعها في ذيل الصفحة بالحرفَين الأولَين ﻫ. ل. لم يستطع أن يخاطر ويترك عيِّنة من خطِّ يده، ولم يستطع أيضًا أن يغادر من دون تفسير، من دون ابتكار قصة يفسِّر بها رحيلَه المفاجئ الغامض.

قال لها إنه متزوِّج. كانت أكبر كذبة يمكن أن يفكِّر فيها، لكنها على المدى الطويل أقلُّ بشاعة من الرفض الساحق. وقعَت زوجتُه فريسة للمرض في نيويورك، وعليه أن يندفع عائدًا ليعالج هذا الظرف الطارئ. صُعِقَت نورا بالطبع، لكنها بمجرد أن فهمَت أنه لا أمل إطلاقًا لهما، وأن هيكتور غيرُ متاحٍ لها منذ البداية، تعافت من إحباطها من دون ندوبٍ دائمة. ربما عرف أوفالون الخدعة، لكن حتى لو تبيَّن الرجل العجوز الحقيقة لنفسه، فمن المشكوك فيه أن يُطلِع نورا عليها. كانت مهمته حمايةَ مشاعرِ ابنته، ولماذا يعترضُ على ابتعاد هذا التافه المزعج الذي زحف كالدودة إلى مشاعرها؟ ينبغي أن يسعد لأنه تخلَّص من هيكتور، وتدريجيًّا، والغبار يهدأ في النهاية، قد يعودُ سويني الشاب ويتقدم مرةً أخرى، وقد تعودُ نورا إلى عقلها. في خطابه، شكرها هيكتور على الكثير من العطف الذي أظهرَتْه له. قال إنه لن ينساها أبدًا. إنها روحٌ مشرقة، امرأة فوق كل النساء الأخريات، ومجرد معرفته بها في الوقت القصير الذي قضاه في سبوكين غيَّرَت حياته تغييرًا دائمًا. حقيقي تمامًا، لكنه زائف تمامًا. كل جملة كذبة، لكن كل كلمة كُتِبَت باقتناع. انتظر حتى الثالثة صباحًا، ثم سار إلى منزلها ووضَع الخطاب تحت الباب الرئيسي — بالضبط كما فعلَت أختُها الراحلة، بريجيد، في مهمةٍ مماثلةٍ منذ عامَين ونصف، ذات يوم، ووضعَت خطابًا تحت باب منزله.

قالت ألما إنه حاول قتل نفسه في مونتانا١٩ في اليوم التالي، وبعد ثلاثة أيام حاول مرةً أخرى في شيكاجو. في الأولى ثبَّت المسدس في فمه، وفي الثانية ضغط الفوَّهة في عينه اليسرى — ولم يستطع التنفيذ في المرتَين. نزل في فندقٍ في جنوب وَبَش على حدود الحي الصيني، وبعد فشل المحاولة الثانية خرج في ليلةٍ حارةٍ من ليالي يونيو، يبحثُ عن مكانٍ يسكَر فيه. تصوَّر أنه إذا استطاع أن يصُبَّ كميةً كبيرةً من الخمر في جسده، فإن ذلك يمنحُه الجرأة للقفز في النهر ليغرقَ قبل أن ينتهيَ الليل. كانت هذه هي الخطة، على أية حال، لكن بعد أن خرجَ بقليل بحثًا عن القنينة، تعثَّر في شيء أفضل من الموت، أفضل من اللعنة البسيطة التي يتطلع إليها. اسمها سيلفيا ميرز، وبتوجيهٍ منها، تعلم هيكتور أنه يمكن أن يواصل قتل نفسه من دون أن يُنهيَ المهمة. علَّمَتْه كيف يشرب دمه، أوعزَت إليه بلذة التهام قلبه.

قابلَها صدفة في بارٍ في شارع روش، واقفةً أمام البار وهو على وشك أن يطلب كأسه الثانية. لم يكن فيها الكثير مما يتطلع إليه، وكان الثمن الذي عرضَتْه تافهًا جدًّا فوافق هيكتور على شروطها. سيموت قبل انتهاء الليلة على أية حال، وهل هناك شيءٌ مناسب أكثر من أن يقضيَ ساعاته الأخيرة على الأرض مع عاهرة؟

أخذَتْه عبْر الشارع إلى غرفة في فندق وايت هاوس، وبمجرد أن أنهيا مهمتهما في السرير، سألَتْه إن كان يهتم بتكرار الأمر مرةً أخرى. رفض هيكتور موضحًا أنه لا يملك نقودًا لجولةٍ ثانية، لكن حين أخبرَتْه بأنه لن تكونَ هناك أتعابٌ إضافية، هزَّ كتفَيه وقال لماذا لا، ثم تقدَّم واعتلاها مرةً أخرى. انتهت المرة الثانية سريعًا بقذفٍ آخر، وابتسمَت سيلفيا ميرز. جاملَتْ هيكتور على أدائه، وسألَتْه إن كان يستطيع تكرار الأمر مرةً أخرى. قال هيكتور ليس الآن مباشرة، لكن إذا أعطته نصف ساعة، ربما لا تكون هناك مشكلة. قالت إن ذلك ليس جيدًا جدًّا. إذا استطاع في خلال عشرينَ دقيقةً فسوف تمنحُه مرةً أخرى، لكن عليه أن ينتصبَ مرةً أخرى في خلال عشر دقائق. ألقت نظرة للساعة على الطاولة المجاورة للسرير. قالت عشر دقائق من الآن، تبدأ حين يتخطَّى عقرب الثواني الثانية عشرة. تلك هي الصفقة. عشرُ دقائق لتبدأ، وعشرٌ أخرى لتُنهيَ المهمة. لكن إذا خذلها في أية لحظة في أثناء المهمة، فعليه أن يعوِّضها عن المرة الأخيرة. كان هذا هو العقاب. ثلاث مراتٍ بسعر مرة، أو يدفع ثمن المرتَين بسعر التجزئة. ماذا يفعل؟ هل يرغب في المشي الآن، أم يظن أنه يستطيع أن يواصل تحت الضغط؟

لو لم تبتسم وهي تطرح السؤال لاعتقد هيكتور أنها مجنونة. لا تقدِّم العاهرات خدماتهن مجانًا، ولا يطرحن التحدي على فحولة زبائنهن. هذا للمتخصِّصين الصارمين وكارهي البشر في السر، الأشخاص الذين يتاجرون في المعاناة والأشكال الغريبة من الإذلال، لكن ميرز أذهلَتْه بوصفها فتاةً فوضويةً خفيفة الظل، ولا يبدو أنها تسخَر منه بقَدْر ما تحاول أن تتملَّقه ليلعبَ مباراة. لا، ليست مباراة بالضبط، بل تجربة، فحصٌ علمي في استمرار القوة الجنسية لعضوه المنهَك مرتَين. هل يمكن بعثُ الموتى، يبدو أنها كانت تطرح عليه هذا السؤال، وإذا كان يمكن بعثهم، كم مرة؟ لم يكن مسموحًا بالتخمين. لتقديم نتائجَ نهائية، ينبغي أن تتم الدراسة بشروطٍ معمليةٍ صارمة.

ردَّ هيكتور لها الابتسامة. كانت ميرز ممدَّدة في السرير وفي يدها سيجارة — واثقة، مسترخية، هادئة تمامًا في عُرْيها. ماذا كان ذلك بالنسبة لها؟ ودَّ هيكتور أن يعرف. قال: النقود. الكثير من النقود. قال هيكتور: هذا أمرٌ جيد. كانت تعرضُ عليه من دون مقابل، وفي النفَس نفسه تتحدَّث عن الثراء. أية مغفَّلة؟ قالت ليست غفلة، إنها مهارة. هناك نقود تكسبها، وإذا استطاع أن يكون على استعدادٍ في الدقائق التسع التالية، فسوف يبدأ العمل معها.

أطفأَت سيجارتها وبدأَت تُجري يدَيها على جسدها ممسِّدةً ثديَيها ومملِّسة بكفَّيها على بطنها، متابعةً بأناملها داخل فخذَيها مائلةً بها لتتماس مع شعر عانتها، وفرجها، وبظرها، ممدَّدة على استعداد له وفمها مفتوح وهي تزلق لسانها على شفتَيه. لم يكن هيكتور محصنًا ضد هذه الإثارة الكلاسيكية. ببطء لكن بثبات خرج الرجل الميت من قبره، وحين رأت ميرز ما يحدث، أصدرَت في حنجرتها صوتًا داعرًا طنانًا بعض الشيء، نغمةً واحدةً طويلة بدا أنها تجمع بين كلٍّ من القبول والتشجيع. كانت لعازر يتنفس من جديد. تدحرجَت على بطنها، مغمغمة بسلسلة كلمات من أربعة حروف ومتنهِّدة في استثارةٍ مدَّعاة، ثم رفعَت مؤخرتها في الهواء وطلبَت منه أن يبدأ. لم يكن هيكتور على استعدادٍ تام، لكن وهو يضغط قضيبه على الطيات القرمزية لشفرَيها، اشتد بما يكفي لإتمام الإيلاج. لم يُترَكْ له الكثير في النهاية، لكن شيئًا ما خرج منه بجانب العرق، كافيًا لإثبات قدرته على أية حال، وفي النهاية حين انزلق منها وغرق على الملاءات، استدارت وقبَّلَتْه في فمه. قالت: سبع عشرة دقيقة. فعلها ثلاثَ مرات في أقلَّ من ساعة، وهذا كلُّ ما كانت تتطلع إليه. إذا رغب فإنها تُريد أن تتخذه رفيقًا لها.

لم يفهم هيكتور ما تتحدث عنه. شرحَتْ وحين لم يفهم ما تحاول أن تقوله لها، شرحَتْه مرةً أخرى. قالت إن هناك رجالًا، رجالًا أثرياء في شيكاجو، رجالًا أثرياء في كل الميدويست٢٠ يرغبون في أن يدفعوا نقودًا كثيرة ليشاهدوا أناسًا يمارسون الجنس. قال هيكتور: أوه، تقصدين أفلام السمر، الأفلام الزرقاء.٢١ ردَّت ميرز: لا، لا شيء من هذه الأنواع المزيَّفة. أداءٌ حي. ممارسةٌ حقيقية أمام أناسٍ حقيقيين.

قالت إنها تعمل فيها لبعض الوقت، لكن رفيقها في الشهر الماضي توقَّف في مهمةٍ فاشلة للاقتحام. أل المسكين. شرب كثيرًا جدًّا ولم يستطع النهوض. حتى لو لم يتعطل، ربما حان الوقت للبحث عن بديل. في الأسبوعَين الأخيرَين، نجح ثلاثة مرشَّحين آخرين أو أربعة في الاختبار، لكن لا أحد من أولئك الرجال يمكن أن يتساوى بهيكتور. قالت إنها تُحِبُّ جسمه، تُحِبُّ ملمس قضيبه، وتعتقد أن وجهه وسيمٌ ورائع.

قال هيكتور: أوه، لا، لا يمكن أن يكشف وجهه. إذا أرادت أن يعمل معها، فعليه أن يضع قناعًا.

لم يكن شديد الحساسية. كانت أفلامه مشهورة في شيكاجو، ولم يكن يستطيع المخاطرة بأن يتم التعرف عليه. كان تمسُّكه بهدفه من المساومة شديدًا جدًّا، لكن كيف يمكن أن ينجز هذا العمل إذا كان عليه أن يؤديه في حالة خوف، إذا كان يخشى كلما ظهر أمام جمهورٍ أن يناديه أحدٌ باسمه. قال إن هذا شرطُه الوحيد. تتركه يخبِّئ وجهه، ويمكن أن تعتبره موافقًا.

تردَّدَت ميرز. كيف يُظهر قضيبه للعالم ولا يدع أحدًا يعرف حقيقته؟ قالت إنها لو كانت رجلًا لزهَت بما لديه. لودَّتْ أن يعرفَ الجميع أنه ينتمي إليها.

قال هيكتور: لكنهم لن يحضُروا لينظروا إليه. إنها نجمة، وكلما قل تفكير الجمهور في حقيقته كان الأداء أكثر حرارة. ضعي قناعًا على وجهه، ولن تكون له شخصية، لن تكون له خصائصُ مميزة، لا شيء يتداخل مع خيالات مَن يشاهدونهما. قال إنهم لا يرغبون في رؤيته يضاجعها، إنهم يرغبون في تخيُّل أنهم يضاجعونها. اجعليه مجهولًا وسوف يتحول إلى محرِّك لرغبة الذكور، ممثلًا لكل رجلٍ من الجمهور. السِّير قضيب قوي يصهل في جسد الليدي فَرْج بنهم. كل رجل، ومن ثَم أي رجل. قال: لكن امرأة واحدة فقط، دائمًا وأبدًا امرأة واحدة فقط، واسمها سيلفيا ميرز.

اقتنعَت ميرز بالحجة. كان أول درسٍ لها في تقنيات العرض، وحتى لو لم تستطع تتبُّع كل ما قال هيكتور، فقد أحبَّت الطريقة التي عبَّر بها، أحبَّت أنه يريد أن تكونَ النجمة. لكن حين سماها الليدي فرج ضحكَت ضحكةً مدوية. سألَتْه أين تعلَّم الحديث بهذه الطريقة؟ لم تعرف قَط رجلًا يجعل شيئًا شديد القذارة والجمال في الوقت ذاته.

قال هيكتور متعمدًا الحديث فوق رأسها: للقذارة مكافآتُها. إذا قرَّر إنسان أن يزحف إلى قبره، هل من صحبةٍ أفضل من امرأةٍ سريعة الانفعال؟ بهذه الطريقة يموت ببطء، وطالما ارتبط جسده بجسدها، يمكن أن يعيش على رائحة فساده.

ضحكَت ميرز مرةً أخرى، عاجزةً عن فهم معنى كلمات هيكتور. بدا وكأن الكتاب المقدَّس يتحدَّث إليها، مجموعة من الوعَّاظ والإنجيليين على جانب الطريق، لكن القصيدة القصيرة لهيكتور عن الموت والانحطاط أُلقيَت بهدوء، بابتسامةٍ ودوٍدٍ عطوفٍ على وجهه، حتى افترضَت أنه يمزح. لم تفهم لحظةً أنه يعترف بأعمقِ أسراره لها، وأنها تنظر لرجلٍ كان يجلس قبل أربع ساعاتٍ على السرير في غرفته بالفندق ومسدَّسٌ مشحونٌ مصوَّب إلى دماغه للمرة الثانية في أسبوع. كان هيكتور سعيدًا. حين رأى عدم الفهم في عينَيها، شعر بأنه محظوظٌ لأنه وقَع مع هذه المومس الباهتة الغبية. بصرف النظر عن الوقتِ الذي قضاه معها، كان يعرف أنه سيكون وحيدًا دائمًا حين يكونان معًا.

كانت ميرز في بدايات العشرين من العمر، فلاحة من ولاية داكوتا الجنوبية هربَت من بيتها في السادسةَ عشرة، واستقرَّت في شيكاجو بعد عام، وبدأَت العمل في الشوارع في الشهر الذي طار فيه ليندبرج٢٢ عبر الأطلنطي. لم يكن هناك ما يُجبرها، لم يكن هناك ما يبعدها عن ألف عاهرةٍ أخرى في ألف غرفةٍ أخرى في الفنادق في اللحظة نفسها. شقراء شاحبة بوجهٍ مستدير وعينَين رماديتَين شاحبتَين وبقايا ندوب حب الشباب على وجنتَيها، تحلَّت ببراعةٍ عاهرة، لكن لم يكن فيها سحر، ليس فيها فتنةٌ تُبقي اهتمام المرء حيًّا لفترةٍ طويلة. عنقُها قصيرٌ جدًّا بالنسبة لجسمها، وثدياها الصغيران متدليان قليلًا، وحول وركَيها وردفَيها بروزٌ ضئيل من الشحم. وهي وهيكتور يضعان شروط اتفاقهما (قسمة ستين وأربعين، وجدها هيكتور سخية)، ابتعد فجأة، مدركًا أنه لن يستطيع الاستمرار معها إذا ظل ينظر إليها. سألَتْه: ما الأمر هِرْم، ألسْتَ على ما يُرام؟ قال هيكتور، وعيناه لا تزالان مثبَّتتَين على بقعةٍ من الجير المنهار في الناحية المقابلة من الغرفة: أنا بخير. لم أشعر أنني أفضلُ في حياتي قط، أنا سعيدٌ جدًّا، يمكن أن أفتح النافذة وأصرخ مثل مجنون. هذا ما أشعر به يا طفلتي. فقدتُ عقلي، فقدتُ عقلي من البهجة.

•••

بعد ستة أيام، قام هيكتور وسيلفيا بأول عرضٍ عامٍّ لهما. بين أول ارتباطٍ لهما في أوائل يونيو وآخر عرضٍ في منتصف ديسمبر، أحصَتْ ألما أنهما ظهرا معًا سبعًا وأربعين مرةً تقريبًا. جرى معظم العمل في شيكاجو وحولها، لكن بعض الحجوزات جاءت من مدنٍ بعيدة مثل مينيابوليس وديترويت وكليفلاند.٢٣ وتراوحَت مواقع العرض بين ملاهٍ ليلية وأجنحة فنادق، وبين مستودعاتٍ ومواخير ومبانٍ إدارية وبيوتٍ خاصة. وكان أكبر جمهورٍ لهما مكونًا من حوالي مائة مُشاهِد (في حفل تآخٍ في مدينة نورمال بولاية إلينوي)، وكان الأصغر مكوَّنًا من واحدٍ فقط (تكرَّر في عشر مناسباتٍ مختلفة للرجل نفسه). وكانت الممارسة تتنوَّع طبقًا للرغبات والزبائن. قدَّم هيكتور وسيلفيا أحيانًا مسرحياتٍ صغيرة، تكتمل بملابسَ وحوار، وفي أحيانٍ أخرى لم يفعلا إلا السير عاريَين والنكاح صامتَين. كانت المسرحيات تقوم على أحلام اليقظة الإيروسية التقليدية جدًّا، وقد مالَا للعمل بأفضلِ شكلٍ أمام جمهورٍ صغير إلى متوسط. وكان العرض الأكثر شعبيةً نمرة الممرِّضة والمريض. بدا أن الناس يحبُّون مشاهدة سيلفيا وهي تخلع الزي الأبيض المنشَّى، ولم يكُفوا قَط عن إظهار علامات الاستحسان وسيلفيا تبدأ فكَّ أربطة الشاش من على جسد هيكتور. وكانت هناك أيضًا فضيحةُ صندوقِ الاعتراف (التي تنتهي والكاهن يفتنُ الراهبة)، وبشكلٍ أكثر تفصيلًا، حكاية الخليعَين اللذين يلتقيان في حفلةٍ تنكُّرية في فرنسا قبل الثورة. في كل الحالات تقريبًا كان الجمهور من الذكور فقط. وكانت التجمعاتُ الكبيرة صاخبةً عادة (حفلات توديع العزوبية واحتفالات أعياد الميلاد)، بينما كان نادرًا ما يَصدُر أي صخبٍ عن المجموعاتِ الصغيرة. كان المصرفيون والمحامون ورجال الأعمال والسياسيون والرياضيون وسماسرة البورصة، وممثلو الأثرياء الخاملين، يشاهدون جميعًا في فتنةٍ مذهلة. في معظم الأحيان كان اثنان أو ثلاثةٌ منهم يفتحون بناطيلهم ويبدَءون ممارسة العادة السرية. زوجان من مدينة فورت واين بولاية إنديانا، شاركا في خدماتٍ ثنائية لعرضٍ خاصٍّ في بيتهما، وصل الأمر إلى أن خلعا ملابسهما وبدآ يمارسان الحب معًا. اكتشف هيكتور أن ميرز على صواب. كانت هناك نقودٌ كثيرة من الجرأة على إعطاء الناس ما يريدون.

استأجر شقةً صغيرة في نورث سايد، ومن كل دولارٍ كسبه تبرَّع بخمسة وسبعين سنتًا صدقة. كان يضع أوراقًا بعشرة دولارات أو عشرين دولارًا في صندوق تبرُّعات كنيسة سانت أنطوني، ويُرسل هباتٍ دون ذِكْر اسم المانح إلى جماعة بناي أفراهام، ويُنفقُ مبالغَ غيرَ معروفةٍ من الفكَّة على المتسوِّلين العُميان والمعوَّقين الذين يقابلهم على الأرصفة في حيه. سبعة وأربعون عرضًا بمتوسط أقلَّ من عرضَين أسبوعيًّا. كانت هناك خمسةُ أيام بلا عمل، كان هيكتور يقضي معظمها في عزلة، يمكُث في شقته يقرأ الكتب. قالت ألما: انقسَم عالمه إلى اثنَين ولم يعُد جسمُه وعقله يتحدثان معًا. كان مقدِّم عروضٍ جنسية وناسكًا، فاسقًا مجنونًا وراهبًا معتزلًا، وإذا كان قد نجح في الإبقاء على هذه التناقضات في نفسه بقَدْر ما فعل، فذلك يرجع فقط إلى أنه كان يرغب في تخدير عقله. لم يعُد يُكافح ليكون طيبًا، ولم يعُد يتظاهر بأنه يؤمن بفضائل إنكار الذات. كان جسمُه يسيطر عليه، وكلما قلَّ تفكيره فيما يفعل جسده يستطيع أن يفعلَه بنجاحٍ أكبر. لاحظَت ألما أنه توقَّف عن الكتابة في مفكِّرته في هذه الفترة. كانت التدويناتُ الوحيدة خربشاتٍ جافةً قصيرة تسجِّل مواعيد أعماله مع سيلفيا ومواضعها — صفحة ونصف صفحة في ستة أشهر. اعتبرَتْها دليلًا على أنه كان يخافُ من النظر إلى نفسه، على أنه كان يتصرَّف مثل رجلٍ غطَّى كلَّ المرايا في منزله.

لم يجد مشكلةً إلا في المرة الأولى، أو بالضبط قبل المرة الأولى، وهو ما زال لا يعرف إن كان كُفْئًا للمهمة. لحسن الحظ حجزَت سيلفيا عرضَهما الأول لجمهور من رجلٍ واحد، مما جعل الأمر مُحتمَلًا إلى حدٍّ ما — أن يكون على الملأ بطريقةٍ خاصة، مع عينَين عليه لا عشرين أو خمسين أو مائة. في هذه الحالة، كانتا عينَي أرشيبالد بيرسون، قاضٍ على المعاش في السبعين يعيش وحيدًا في منزلٍ من ثلاثة طوابقَ من طراز تودور٢٤ في هايلاند بارك. وكانت سيلفيا قد ذهبَت قبل ذلك ذات يومٍ مع أل، وهي وهيكتور يركبان التاكسي في الليلة المحدَّدة ويتجهان إلى المكان الذي يقصدانه في الضواحي، حذَّرَتْه بأنهما قد يمارسان الجنس مرتَين، وربما ثلاثًا. قالت إن العجوزَ المغفَّل متمسِّك بها. يتصل منذ أسابيع، تواقًا لمعرفة متى تعود إليه، وتدريجيًّا رفعَت السعر إلى مائتَين وخمسين دولارًا في اللقطة، ضعف ما دفعَه آخر مرة. أعلنَتْ بزهو: أنا مش غبية لما يكون الكلام عن أكل العيش. لو لعبناها صح، يا رجل، ممكن يكون مصدر دخلنا.
تبيَّن أن بيرسون عجوزٌ خجول وعصبي — نحيل مثل مثقاب الإسكافي، برأسٍ ممتلئ بشعرٍ أبيض ممشَّط بإتقان وعينَين زرقاوَين واسعتَين جدًّا. كان يرتدي جاكتًا أخضر سموكن مخمليًّا لهذه المناسبة، وهو يقود هيكتور وسيلفيا إلى غرفة المعيشة، ظل يُسلِّك حنجرته ويُملِّس على واجهة جاكته، كما لو كان يشعُر بعدم الراحة في هذه الأناقة المفرِطة. عرضَ عليهما سجائر، وعرضَ عليهما شرابًا (وقد رفضا كلاهما)، ثم أعلن أنه يخطِّط لمصاحبة أدائهما بتشغيل مسجل فونوجراف بالسداسية الوترية الأولى في بي فلات لبرامس.٢٥ قهقَهتْ سيلفيا حين سمع كلمة «سداسية sextet»، غير مدركة أنها تشير إلى عدد الآلات في المقطوعة، لكن القاضي لم يعلِّق. ثم جامل بيرسون هيكتور على قناعه — وقد وضعه هيكتور على وجهه قبل أن يدخل المنزل — وقال إنه يراه مغريًا، لمسةً بارعة. وقال: أظن أنني سأستمتع بهذا. أحيِّيكِ يا سيلفيا على اختيار رفيقك. هذا الرفيق بالتأكيد أكثر حيويةً من أل.

كان القاضي يُحب البساطة. لم يكن يهتم بالملابس المثيرة أو الحوار الحار أو المشاهد الدرامية المصطنعة. قال إن كل ما يريده أن ينظر إلى جسدَيهما، وبمجرد انتهاء الحديث التمهيدي طلب منهما أن يذهبا إلى المطبخ ويخلعا ملابسهما. وهما يمضيان، وضع الموسيقا، وأطفأ المصابيح، وأوقد شموعًا في ستة مواضع حول الغرفة. كان مسرحًا بدون مسرحيِّين، تمثيلًا فجًّا للحياة نفسها، يفترضُ أن يسير هيكتور وسيلفيا إلى الغرفة عاريَين، ثم يبدآن المهمة على سجادةٍ فارسية. كان هذا مداه. يُمارِس هيكتور الحب مع سيلفيا، وحين يصل إلى لحظة الذروة، ينسحب منها ويقذف على ثديَيها. قال القاضي إن هذا كلُّ ما يريده. أن يكون التدفُّق حاسمًا، وكلما اندفَع في الهواء أكثر أسعدَه ذلك أكثر.

بعد أن خلعا ملابسهما في المطبخ، سارت سيلفيا إلى هيكتور وبدأَتْ تمرِّر يدَيها على جسده. قبَّلَتْه في عنقه، أزاحت القناع إلى الخلف وقبَّلَته في وجهه، ثم كوَّرَت قضيبه الرخو في يدها ومسَّدَته حتى صار صلبًا. كان هيكتور سعيدًا لأنه فكَّر في القناع. جعلَه يشعر بأنه أقل هشاشة، أقل خجلًا في عرض نفسه أمام العجوز، لكنه كان لا يزال متوترًا، ورحَّب بدفء لمسات سيلفيا، وقدَّر أنها تُحاول أن تستثيره work the butterflies out of his system. ربما كانت النجمة، لكنها تعرفُ أن عبء البرهان يقع على عاتقه. لم يكن هيكتور يستطيع تزييفَ الأمر مثلها؛ لم يكن يستطيع أن يأتي بحركات اللذة المصطنعة ويتظاهر بأنه يستمتع بالأمر. كان عليه أن ينقل شيئًا حقيقيًّا في نهاية العرض، وإذا لم يواصله باقتناعٍ أصيل، لم يكن ليجد الفرصة في الوصول هناك.

دخلا إلى غرفة المعيشة وأيديهما متماسكة، همجيان عاريان في دغلٍ من المرايا ذات الحوافِّ المطلية بالذهب ومكاتب لويس الخامس عشر. كان بيرسون يقبع في مقعدِه في الطرف الآخر من الغرفة؛ مقعدٍ جلديٍّ واسعٍ بذراع، يبدو أنه يبتلعُه، يجعله يبدو أنحفَ وأجفَّ من حقيقته. على يمينه آلة الفونوجراف، وسداسية برامس تلفُّ على القرص. وإلى يساره منصةٌ منخفضةٌ من الماهوجني، مغطَّاة بصناديقَ مطلية، وتماثيل صغيرة من اليشم، وقِطع أخرى من الزخارف الغالية. كانت غرفةً مليئةً بأسماء وأشياء ثابتة، ومقاطعة من الأفكار. لا يُمكِن أن يكون هناك شيءٌ أكثر تنافرًا في تلك المناطق المحيطة أكثر من الانتصاب الذي حمله هيكتور معه — أكثر من مشهد الأفعال التي بدأَت تتكشَّف فجأة على أقلَّ من عشرِ أقدام من مقعد القاضي.

إذا كان القاضي قد استمتع بما رأى فإنه لم يُبدِ أيَّ دليلٍ على المتعة. وقف مرتَين في أثناء العرض ليغيِّر التسجيل، لكن باستثناء هاتَين المقاطعتَين القصيرتَين الآليتَين، بقي في الوضع نفسه طولَ الوقت، جالسًا في عرشه الجلدي وساقٌ فوق الأخرى ويداه في حَجْره. لم يلمس نفسه، لم يفتح بنطلونه، لم يبتسم، لم يُصدر صوتًا. فقط في النهاية، في لحظة اندفاع هيكتور خارج سيلفيا وحدوث القذف، بدا أن صوتًا قصيرًا مرتجفًا انحبس في حنجرة القاضي. ظن هيكتور أنه يشبه التنهُّد تقريبًا — ثم مرةً أخرى، لا يشبه أي شيءٍ تقريبًا.

قالت ألما إنها المرة الأولى، لكنها كانت أيضًا المرة الخامسة والمرة الحادية عشرة والمرة الثامنة عشرة وست مراتٍ أخرى أيضًا. صار بيرسون زبونهما الأكثر إخلاصًا، ومرةً بعد أخرى عادا إلى المنزل في هايلاند بارك ليتمرَّغا على السجادة ويجمعا نقودهما. أدرك هيكتور أنه لا شيء يُسعِد سيلفيا أكثر من هذه النقود، وفي شهرَين كسبَت من الممارسة ما يكفي لتكُف عن بيع بضاعتها في فندق وايت هاوس. لم يكن كلُّ المبلغ يذهب إلى جيبها، لكن حتى بعد خصم خمسين في المائة للرجل الذي تسمِّيه حاميَها كان دخلُها ضعفَ المبلغ الذي كانت تكسبه من قبلُ أو ثلاثةَ أضعافه. كانت سيلفيا قرويةً غير متعلمة، سوقيةً شبه أمية تتحدث بشكلٍ مبَهمٍ صيغَ نفي النفي وتُفرِط في إساءة استخدام الألفاظ، لكن ثبت أنها تتمتَّع برأسٍ بارع في الشغل. كانت تُرتِّب الحجوزات، وتتفاوض مع الزبائن، وتهتم بكل المسائل العملية؛ الانتقال إلى المهام ومنها، واستئجار الملابس، والإعداد لعملٍ جديد. لم يشغل هيكتور نفسه بأيٍّ من هذه التفاصيل. تتصلُ به سيلفيا وتُبلغه بموعد عرضهما التالي ومكانه، ولم يكن عليه إلا أن ينتظرها لتمُرَّ عليه في تاكسي وتلتقطَه من أمام شقته. كانت قواعد غير معلنة، حدود علاقتهما. عملا معًا، مارسا الجنس معًا، وكسبا النقود معًا، لكنهما لم يهتمَّا قط بأن يصبحا صديقَين، وباستثناء المرات التي يتدربان فيها على مسرحيةٍ هَزْليةٍ جديدة، لم يتقابلا إلى وقتِ تقديم العروض.

طولَ الوقت افترضَ هيكتور أنه كان آمنًا معها. لم تكن تطرح أسئلةً أو تنقِّب في ماضيه، وفي الشهور الستة والنصف التي عملا معًا فيها، لم يرَها قط تنظر في ورقة، ناهيك عن الأخبار. ذات مرة، بطريقةٍ ملتفَّة، ألقَى إشارةً عابرةً إلى ممثل الكوميديا الصامتة الذي اختفَى منذ بضعِ سنوات. سأل وهو يعضُّ على أصابعه ويتظاهر بالبحث عن إجابة: ماذا كان اسمه؟ لكن حين ردَّت سيلفيا بنظرة من نظراتها الخاوية غير المبالية، اعتبر هيكتور أن ذلك يعني أنها ليست على علمٍ بالقضية. لكن في مكانٍ ما على طول الخط لا بد أن شخصًا ما تحدَّث إليها. لم يعرف هيكتور مَن هو قط، لكنه توقع أنه كان صديق سيلفيا — ما تسميه حاميها، بيجي لوي، بدين يبلغ وزنُه مائتَين وأربعَين رطلًا، بدأ في شيكاجو حارسًا لقاعة رقص، وآنذاك كان يعمل مديرًا ليليًّا لفندق وايت هاوس. ربما دفعها بيجي إلى القيام بذلك، مالئًا رأسها بحديثٍ عن الكسب السريع ومخطَّطات الابتزاز السهل جدًّا، أو ربما كانت سيلفيا تفعلُه من نفسها، محاولةً انتزاع بضع دولاراتٍ إضافية من هيكتور لنفسها. بطريقةٍ أو أخرى، كان الجشَع يقضي على أفضلِ ما فيها، وبمجرد أن أدرك هيكتور ما تخطِّط له، لم يكن أمامه إلا أن يهرب.

حدث ذلك في كليفلاند، قبل أقلَّ من أسبوع من الكريسماس. ذهبا إلى هناك بالقطار بدعوة من صاحبِ مصنعِ إطاراتٍ ثري، وقد انتهيا من القيام بممارستهما الفرنسية الخليعة أمام ثلاث دستٍ من الرجال والنساء (اجتمعوا في منزل صاحب المصنع للمشاركة في عربدةٍ خاصةٍ نصفِ سنوية)، وكانا آنذاك يجلسان في المقعد الخلفي في ليموزين مُضيفهما، في الطريق إلى الفندق حيث يتوقَّفان للنوم بضع ساعات قبل العودة إلى شيكاجو بعد ظهر اليوم التالي. كانا قد قبضا للتو مبلغًا كبيرًا مقابل عملهما؛ ألف دولار لعرضٍ واحد استمر أربعين دقيقة. كان من المفترض أن نصيب هيكتور أربعمائة دولار، لكن حين عدَّت سيلفيا نقود قطب الإطارات، أعطت رفيقها مائتَين وخمسين دولارًا فقط.

قال هيكتور: هذه خمسة وعشرون في المائة فقط. ما زلتِ تدينين لي بخمسةَ عشرَ أخرى.

ردَّت ميرز: لا أظن ذلك. هذا نصيبك، يا هِرْم، ولو كنتُ مكانك، لشكرتُ حظي.

– أوه؟ وبم أفسِّر هذا التغير الفجائي في السياسة المالية، عزيزتي سيلفيا؟

– مش فيزيا، بوبو. دولارات وسنتات. لديَّ الكثير من المعلومات عن حفلٍ معين الآن، ولو مش عايزني أفشي السر في كل البلدة، هيكون نصيبك خمسة وعشرين بس. مفيش أربعين بعد كده. أيام انتهت وراحت.

– تتمايلين مثل أميرة يا عزيزتي. تفهمين الجنس أفضل من أية امرأة عرفتُها على الإطلاق، لكنك تفتقرين إلى الكثير فيما يتعلق بالتفكير، أليس كذلك؟ تريدين الآن وضع ترتيبٍ جديد، حسنًا. ضعيه وحدِّثيني عنه. لكن لا تغيِّري القواعد من دون استشارتي أولًا.

– أوكيه مستر هوليوود. توقَّفْ عن استخدام القناع. إذا فعلْتَ ذلك فقد أراجع الأمر.

– أفهم. هذا إذن ما نسير إليه.

– حين لا يريد رجلٌ أن يكشف وجهه، يكون هناك سر، مش كده؟ وحين تعرف فتاةٌ حقيقة هذا السر، تكون مباراةً جديدةً تمامًا. عقدتُ صفقة مع هِرْم، ومعدش هناك هِرم، مش كده؟ اسمه هيكتور، والآن نبدأ كل شيء مرةً أخرى.

•••

يمكن أن تبدأ كل شيء مرةً أخرى مراتٍ ومراتٍ كما تحب، لكن لن يكون ذلك معه. حين توقفَت الليموزين أمام فندق كوياهوجا بعد بضع ثوانٍ، أخبرها هيكتور بأنهما سوف يواصلان الحديث في الموضوع في الصباح. قال إنه يريد أن يؤجِّل الكلام فيه إلى الصباح، أن يفكِّر فيه برهة قبل أن يصل إلى قرار، لكنه متأكِّد من أنهما يمكن أن يصلا إلى حلٍّ يُرضي الطرفين. ثم قبَّلها في يدها، بالضبط كما كان يفعل دائمًا حين يودِّعها بعد عرض — إيماءة شبه ساخرة، شبه فروسية صارت وداعهما المعتاد. من تكلُّف ابتسامة الانتصار التي انتشرَت على وجه سيلفيا وهو يرفع يدَها إلى فمه، أدرك هيكتور أنها لا تعرفُ شيئًا عما فعلَت، أنها لم تبتزَّه ليعطيها نصيبًا أكبر من الأرباح، لقد فسخَت المعاهدة.

ذهب إلى غرفته في الدور السابع، وعلى مدى الدقائق العشرين التالية وقف أمام المرآة، ضاغطًا فوَّهة المسدس على صدغه الأيمن. قالت ألما: أوشك أن يضغط على الزناد أكثر مما حدث في المرتَين الأخريَين، لكن حين خذلَتْه إرادتُه مرةً أخرى، وضع المسدَّس على الطاولة وغادر الفندق. كانت الرابعة والنصف صباحًا. سار إلى محطة جريهوند على بعد ثمانية بلوكات إلى الشمال، واشترى تذكرةً على أول أتوبيسٍ مغادر — أو بعد الأول. كان أتوبيس الساعة السادسة متجهًا إلى يانجس تاون ويتجه شرقًا، وأتوبيس السادسة وخمس دقائق يسير في الاتجاه المعاكس. كانت المحطة التاسعة على الحافة المتجهة غربًا مدينة ساندوسكي. كانت البلدة التي لم يقضِ فيها هيكتور طفولته قط، ويتذكَّر كم بدت له الكلمة جميلة، قرَّر هيكتور أن يذهب إليها آنذاك — فقط ليرى كيف يبدو ماضيه الخيالي.

كان صباح الحادي والعشرين من ديسمبر ١٩٣١م. كانت ساندوسكي على بُعد ستين ميلًا، وقد نام معظم الرحلة، ولم يستيقظ حتى وصل الأتوبيس إلى المحطة الأخيرة بعد ساعتَين ونصف. كان في جيبه مبلغٌ يزيد بقليلٍ عن ثلاثمائة دولار؛ مائتان وخمسون من ميرز، وخمسون أخرى دسَّها في محفظته قبل أن يغادر شيكاجو في العشرين، وفكَّة من عشرة دولارات فكَّها لدفع ثمن تذكرة الأتوبيس. دخل مطعم المحطة وطلب فطورًا خاصًّا؛ لحم خنزير وبيضًا وتوستًا وشرائح بطاطس وعصير برتقال وكل القهوة التي يمكن أن يحتسيَها. في منتصف الكوب الثالثة، سأل المسئول عن المطعم إن كان هناك ما يُرى في البلدة. قال إنه يمُر عليها للتو ويشُك في أنه يمكن أن يعودَ إليها مرةً أخرى. قال المسئول عن المطعم إن ساندوسكي ليس فيها الكثير. إنها مجرد بلدةٍ صغيرة، تَعرِف، لكن لو كنتُ مكانك، لذهبتُ لرؤية سيدار بوينت؛ حيث تُوجد حديقة ملاهٍ؛ حيث تجد العربات الدوَّارة والجولات الممتعة، القضبان القفَّازة وهوتيل بريكرز وكل شيء. بالمناسبة، هناك ابتكر نوت روكني٢٦ التمريرة الأمامية إن كنتَ من هواة الفوتبول. مغلَقة الآن في الشتاء، لكنها قد تكون جديرةً بإلقاء نظرةٍ عليها.

رسم مسئول المطعم تخطيطًا بسيطًا له على منديل ورق، لكن بدل أن يخرج يمينًا من المحطة ذهب هيكتور يسارًا. أخذه هذا الاتجاه إلى شارع كامب بدلًا من كولومبوس أفنيو، وليعقِّد الخطأ، استدار غربًا إلى ويست مونروي بدل أن يستدير شرقًا. قطع الطريق كله إلى شارع كنج قبل أن يتبيَّن له أنه يسير في الاتجاه الخطأ. لم تكن شبه الجزيرة على مرمى البصر، وبدلًا من الأعاصير وعَجلات فيريس، وجد نفسه ينظر إلى رقعةٍ كئيبةٍ من المصانع المنهارة والمستودعات الخاوية. طقس بارد كئيب، تهديد الجليد في الهواء، وكلب أجرب بثلاث أرجل الكائن الحي الوحيد في مائة ياردة.

قالت ألما: استدار هيكتور وبدأ يقتفي أثر خُطاه، وفي اللحظة التي استدار فيها سيطر عليه شعور بالتفاهة، بإنهاكٍ هائل جدًّا، بقسوةٍ شديدة، حتى كان عليه أن يستند إلى جدار مبنًى حتى لا يسقطَ على الأرض. كانت ريحٌ فاترة تهبُّ من بحيرة إري،٢٧ وحتى وهو يشعر بها تندفع إلى وجهه، لم يكن يعرفُ إن كانت ريحًا حقيقة أم من صنع خياله. لم يكن يعرف الشهر أو السنة. لم يكن يتذكَّر اسمه. طوب وحجارة، ونفَسه يُسرع في الهواء أمامه، والكلب بثلاثِ أرجلٍ يعرج في الركن ويتلاشى من المشهد. أدرك بعد ذلك أنها صورة موته، بورتريه لروحٍ محطَّمة، وبعد أن استجمع قواه بوقتٍ طويل وتحرَّك، كان جزء منه لا يزال هناك، يقف في الشارع الخالي في ساندوسكي بولاية أوهايو، يلهث من أجل نفَس ووجودُه يسقط منه نقطةً نقطة.

بحلول العاشرة والنصف، كان في كولومبوس أفنيو، يشقُّ طريقه بحذَر بين زحام متسوِّقي الكريسماس.

مرَّ بشركة وارنر بروس. المسرح، صالون مانيكير إستر جينج، ومحل كابوزي لإصلاح الأحذية، رأى الناس يدخُلون شركة كريسج وعنبر مونتجومري وشركة وولورث ويخرجون، وسمع بابا نويل جيش الخلاص وحيدًا يرنُّ جرسًا نحاسيًّا. وحين وصل إلى البنك التجاري وشركة تريست، قرَّر أن يدخل ويحوِّل ورقتَين من فئة خمسين دولارًا إلى أوراقٍ من فئة خمسة دولارات وعشرة دولارات ودولار. كانت عمليةً بلا معنًى، لكنه لم يستطع التفكير في شيءٍ آخر يفعله، وبدل أن يواصلَ التجوُّل في دوائر، تصوَّر أنها قد لا تكون فكرةً سيئة أن يدخل من البرد ولو لبضع دقائق.

على غير المتوقَّع كان البنك مزدحمًا بالزبائن، برجال ونساء يصطفُّون في الثامنة وعشر دقائق في طوابيرَ طويلةٍ أمام أربعة شبابيك صرف بقضبانٍ مصفوفة على الجدار الغربي. ذهب هيكتور إلى آخر أطول طابور، وكان الثاني بعد الباب. بعد أن احتل موقعه بلحظة، انضمَّت شابة للطابور الذي على يساره مباشرة. بدت في أوائل العشرين من العمر، وكانت ترتدي معطفًا صوفيًّا سميكًا بياقة من الفرو. ولأنه لم يكن لديه شيءٌ أفضل ليفعلَه في تلك اللحظة، بدأ هيكتور يتفحَّصها بزاوية عينه. رأى أن لها وجهًا رائعًا مثيرًا، بعظام وجنتَين بارزتَين وذقنٍ محدَّد برشاقة، وقد أحبَّ نظرة التأمل والثقة التي رصدَها في عينَيها. في الأيام الخوالي، كان سيبدأ الحديث إليها على الفور، لكن آنذاك اقتنع بمجرد المشاهدة، بالتفكير في اللحم المختبئ تحت المعطف وتخيَّل الأفكار التي تعتمل في رأسها الجميل المذهل. في لحظةٍ ألقت عليه نظرةً غير متعمدة، وحين رأت كيفَ يحدِّق فيها بنهَم، ردَّت على نظرته بابتسامةٍ قصيرة مبهَمة. أومأ هيكتور برأسه ممتنًّا لابتسامتها بابتسامةٍ قصيرة منه، وبعد لحظة تغيَّر تعبيرُها. ضيَّقَت عينَيها بتقطيبةٍ حائرةٍ متفحِّصة، وعرف هيكتور أنها تعرَّفتَ عليه. لم يكن هناك شك في ذلك؛ شاهدَت المرأة أفلامه. كانت تألف وجهه، ورغم أنها لم تستطِع بعدُ أن تتذكر مَن هو، لم يستغرق الأمر منها أكثر من ثلاثين ثانية لتتوصل إلى الإجابة.

حدث له ذلك مراتٍ عديدةً في السنوات الثلاث الماضية، وفي كل مرة كان يتهرب قبل أن يتمكَّن الشخصُ من طرح أسئلة عليه. لكن بالضبط وهو على وشك أن يفعل ذلك مرةً أخرى، تفتَّحَت كل أبواب جهنم في البنك. كانت الشابة تقف في الطابور أقرب إلى المدخل، ولأنها تلتفتُ قليلًا في اتجاه هيكتور، لم تُلاحِظ فتحَ الباب خلفها واندفاعَ رجلٍ إلى الداخل بمنديلٍ أحمرَ وأبيضَ مربوطٍ حول وجهه. كان يحمل حقيبةً من الدفيل٢٨ خاويةً في يد ومسدَّسًا معبأ بالرصاص في الأخرى. قالت ألما: كان من السهل معرفةُ أن المسدَّس معبَّأ بالرصاص لأن أول ما فعله لصُّ البنك إطلاق طلقة في السقف. صاح: على الأرض، الجميع على الأرض، والزبائن الخائفون يفعلون ما يأمر به الرجل، مدَّ يده وأمسك بالشخص الذي أمامه مباشرة. كان كل ذلك مجرد مسألة تصميم وعمارة وطوبوجرافيا. كانت الشابة على يسار هيكتور الأقرب إلى المدخل؛ ولذا أمسك بها الرجل، وانتهَى الأمر والمسدَّس مصوَّبٌ إلى رأسها. حذَّر الرجل: لا أحد يتحرك، لا أحد يتحرك وإلا فجَّرتُ دماغ هذا الطائر. بإيماءةٍ قوية وعنيفة، شدَّها وأوقفَها على قدمَيها وبدأ يدفعُها نصف دفعة ويرجُّها نصفَ رجَّة باتجاه شبابيك الصرَّافين. كانت ذراعُه اليسرى ملفوفةً حول كتفَيها من الخلف، والحقيبة الدفيل متدلية من قبضته، والعينان فوق منديل الوجه مجنونة، زائغة، متَّقدة بالخوف. لم يكن الأمر أن هيكتور اتخذ قرارًا واعيًا ليفعلَ ما فعلَه بعد ذلك، لكن في اللحظة التي لمسَت فيها ركبته الأرض، وجد نفسه يقفُ مرةً أخرى. لم ينوِ أن يكون بطلًا، ومن المؤكَّد أنه لم ينوِ أن يعرِّض نفسه للقتل، لكن بصرف النظر عما شعر به في تلك اللحظة، لم يكن خائفًا. غاضبًا، ربما، وأكثر من أن يكون قلقًا بعضَ الشيء من أن يعرِّض الفتاة للخطر، لكنه لم يكن خائفًا على نفسه. كان الشيء المهم زاوية الاقتراب. بمجرد أن يتحرك، لا يكون هناك وقتٌ للتوقف أو تغيير الاتجاه، لكنه إذا دفع الرجل بكامل سرعته، وإذا أتاه في الجانب الأيمن — جانب حقيبة الدفيل — فلن تكون هناك طريقةٌ تضمن ألا يتحول الرجل عن الفتاة ويصوِّب المسدس إليه. كانت الاستجابة الطبيعية الوحيدة. إذا اندفع تجاهك حيوانٌ برِّي من حيث لا تعلم، تنسى كل شيء إلا الحيوان.

قالت ألما: هذا بقَدْر ما استطاع هيكتور أن يحكي القصة. كان يستطيع أن يتحدث عما حدث حتى تلك اللحظة، حتى اللحظة التي بدأ الجري فيها باتجاه الرجل، لكنه لا يتذكر أنه سمع المسدس ينطلق، لا يتذكَّر الرصاصة التي اخترقَت صدره وطرحته على الأرض، لا يتذكر أنه رأى فريدة وهي تفلِت من الرجل. كانت فريدة في موقعٍ أفضل لترى ما حدث، لكنها كانت مشغولةً جدًّا بالتخلص من ذراعَي الرجل، فقدَت بالمثل الكثير من الأحداث التالية. رأت سقوط هيكتور على الأرض، ورأت الثقب الذي فُتح في سترته والدم يتدَّفق منه، لكنها لم تتتبع مسار الرجل ولم ترَه وهو يحاول الهروب. كانت الطلقة لا تزال تُدوِّي في أذنَيها، ومع عددٍ كبير جدًّا من الناس يصيحون ويصرخون حولها، لم تسمع الطلقات الثلاث الأخرى التي أطلقها حارس البنك على ظهر الرجل.

لكن كان الاثنان متأكدَين من التاريخ. كان ثابتًا في عقلَيهما، وحين زارت ألما خزائنَ ميكروفيلم «ساندوسكي إيفننج هيرالد»، وكليفلاند «بلين ديلر»، وعددًا آخر من الصحف المحلية المتوقِّفة والمتبقِّية، واستطاعت أيضًا أن تجمع بقية القصة بنفسها. تقول بعض العناوين: «حمَّام الدم في كولومبوس أفنيو»، «لص البنك يموت في تبادل إطلاق النار»، «البطل يصل إلى المستشفَى». كان اسم الرجل الذي كاد أن يقتل هيكتور داريل نوكس، أ. ك. أ. نوتسو نوكس، ميكانيكي سابق في السابعة والعشرين من العمر مطلوب في أربع ولاياتٍ لاتهامه في سلسلةٍ من سرقات البنوك والسطو المسلح. احتفَى كل الصحفيين بمصرعه، مركِّزين خاصةً على براعة الحارس في إطلاق النار — الذي نجح في إطلاق الطلقة الحاسمة ونوكس يتسلل من الباب — لكن ما أثار اهتمامهم أكثر شجاعة هيكتور، وامتدحوه بأنه أسمى مثالٍ للشجاعة شُوهد في تلك المناطق في سنواتٍ كثيرة. اقتبس عن شاهد عيان أن «الفتاة كانت هالكةً لا محالة. إذا لم يُمسك ذلك الرجل الثور من قرنَيه، أكره التفكير في المكان الذي كان يمكن أن تكون فيه الآن.» كانت الفتاة فريدة سبلينج، في الثانية والعشرين، وُصفَت بأشكالٍ متنوعة بأنها رسَّامة، متخرِّجة حديثًا في كلية برنارد (هكذا)، وابنة ثاديوس ب. سبلينج الراحل، مصرفي بارز في ساندوسكي وفاعل خير. في مقال بعد الآخر، عبَّرَت عن شُكرها للرجل الذي أنقذ حياتها. قالت إنها كانت في حالة هلعٍ شديد وكانت متأكدةً من أنها ستموت. وكانت تدعو له بالشفاء من جراحه.

عرضتْ عائلة سبلينج تغطيةَ تكاليفِ علاج الرجل، لكن بدا في الساعات الاثنتَين والسبعين الأولى أن من المشكوك فيه أن ينجو. كان فاقدَ الوعي حين وصل إلى المستشفَى، وبعد هذه الإصابة الشديدة وفقدان هذه الكمية من الدماء، لم يُمنح إلا فرصةً ضئيلة لتجنُّب خطر الصدمة والالتهاب، للخروج من هناك حيًّا. أزال الأطباء رئته اليسرى المدمَّرة، وأخرجوا قطع المعدن المتفجِّر الذي استقر في النسيج حول قلبه، ثم خاطوا الجرح مرةً أخرى. سواء كان الأمر طيبًا أو سيئًا، وجد هيكتور رصاصتَه. قالت ألما: لم يقصد أن يحدُث الأمر بهذه الطريقة لكن ما لم يستطع أن يفعلَه بنفسه فعله به شخصٌ آخر، والمفارقة أن نوكس لم يُتقن المهمة. لم يمُت هيكتور من مواجهته للموت. نام ببساطة، وحين استيقظ بعد غَفوتِه الطويلة، نسي تمامًا أنه كان يريد أن يقتل نفسه. كان الألم مبرِّحًا جدًّا بطريقةٍ تحول دون التفكير في أمرٍ بهذا التعقيد. كانت أعماقُه مشتعلة، وكل ما يستطيع أن يفكِّر فيه أن يسحب نفَسه التالي، كيف يُواصل التنفس من دون أن يؤجج اللهيب.

في البداية، لم تكن لديهم فكرة عن حقيقته. أفرغوا جيوبه وفحصوا محتويات محفظته، ولم يجدوا رخصةَ قيادة أو جوازَ سفر أو أوراقَ هُوية من أي نوع. كان الشيء الوحيد الذي عليه اسم بطاقة عضويةٍ لفرع الجانب الشمالي من المكتبة العامة في شيكاجو. كان الاسم ﻫ. ليسر، ولم يكن هناك عنوانٌ أو رقم تليفون، لا شيء يُشير إلى مكان سكنه. وطبقًا لما ورد في مقالات الصحف المنشورة بعد إطلاق النار، بذل بوليس ساندوسكي كل جهده لكشف المزيد من المعلومات عنه.

لكن فريدة كانت تعرف من هو — أو على الأقل تظن أنها تعرف. ذهبَت إلى كلية في نيويورك، وهي طالبة في التاسعة عشرة في ١٩٢٨م، نجحَت في مشاهدة ستة أفلام أو سبعة من الكوميديات الاثنتَي عشرة لهيكتور مان. لم يكن الأمر يرجع إلى اهتمامها بالكوميديا الخفيفة، لكن أفلامه كانت تُعرض مع أفلامٍ أخرى، جزء من برنامج الكرتون ونشرات الأخبار التي تُعرض قبل الأفلام المتميزة، وصارت على معرفةٍ كافية بشكله حتى إنها عرفَته حين رأَته. حين لمحَت هيكتور في البنك بعد ثلاث سنوات، أربكها غيابُ الشارب مؤقتًا. تعرَّفَت على الوجه، ولم تستطع ربطه بالاسم، وقبل أن تتوصل إلى اسمه اندفع نوكس خلفها وصوَّب المسدس إلى رأسها. مرت أربع وعشرون ساعة قبل أن تستطيع التفكير في الأمر مرةً أخرى، لكن بمجرد أن بدأ يتراجع قليلًا هلع اقترابها من الموت، جاءها الحل في ومضةٍ مفاجئة، يقين ساحق. ولم يهم أن اسم الرجل يُفترض أن يكون ليسر. تتبعَت أخبار اختفاء هيكتور في ١٩٢٩م، وإذا لم يكن ميتًا، وهو ما بدا أن معظم الناس يعتقدونه بشأنه، فينبغي إذن أن يكون حيًّا باسمٍ آخر. ما كان بلا معنًى أنه ظهر في ساندوسكي بولاية أوهايو، لكن الحقيقة أن معظم الأشياء كانت بلا معنًى، وإذا كانت قوانينُ الفيزياء تنص على أن أي شخصٍ في العالم يحتل قَدْرًا مُعيَّنًا من الفضاء — مما يعني أن كل شخص يوجد بالضرورة في مكانٍ ما — إذن لماذا لا يكون هذا المكان ساندوسكي، بولاية أوهايو؟ وبعد ثلاثة أيام، حين أفاق هيكتور من غيبوبته وبدأ يتحدث إلى الأطباء، زارت فريدة المستشفَى لتشكُره عما فعل. لم يستطع أن يقول الكثير، لكن القليل الذي قاله حمل علاماتٍ قاطعة على لهجةٍ أجنبية. حسم الصوت الأمر لها، وحين انحنت لتُقبِّله على جبهته قبل أن تغادر المستشفَى مباشرة، عرفَت من دون أي شكٍّ أن هيكتور مان أنقذ حياتها.

١  مدينة في شرق واشنطون.
٢  نورماند (١٨٩٢–١٩٣٠م)؛ سوانسون (١٨٩٩–١٩٨٣م)؛ تالماج (١٨٩٤–١٩٥٧م): ممثلات أمريكيات.
٣  ألن دوان (١٨٨٥–١٩٨١م): مخرج أمريكي من مواليد كندا.
٤  جبال تيهاشابي: سلسلة جبال في كاليفورنيا.
٥  La Cienega Boulevard: طريق في كاليفورنيا.
٦  مدينة في كاليفورنيا.
٧  سبوكين: مدينة شرق واشنطون.
٨  جبل في كاليفورنيا.
٩  ويتشيتا: مدينة في جنوب كانساس.
١٠  الاسم بالإنجليزية Loesser، ومن هنا جاء الاختلاف في النطق و«لسر» تعني «الأقل» و«لوسر» تعني «الخاسر».
١١  بوجيه ساوند: مدخل على المحيط الهادي على ساحل ولاية واشنطون.
١٢  ألكاتراز: جزيرة في خليج سان فرانسيسكو، كان بها السجن الفيدرالي الأكثر تأمينًا بين ١٩٣٤–١٩٦٣م.
١٣  رياضة تجمع مُنافسِين متنوِّعين تعتمد على مهارات الجري والقفز والرمي.
١٤  سانت بريجيد (٤٥١–٥٢٥ تقريبًا): عيدها في ١ فبراير.
١٥  قوباء منطقية shingles: التهابٌ فيروسيٌّ حادٌّ مؤلم في العُقَد العصبية، مع طفحٍ جلدي. المترجم
١٦  ثو أويست Thou ow’st: ما تمتلك. المترجم
١٧  السوفتبول softball: أو الكرة الليِّنة، نوعٌ من البيسبول يُلعب بكرةٍ أكبر وأكثر ليونة. المترجم
١٨  موشاشو Muchacho: كلمة إسبانية تعني «الشاب».
١٩  مونتانا Montana: ولاية في غرب أمريكا على الحدود مع كندا.
٢٠  الميدويست Midwest: أو وسط غرب الولايات المتحدة، منطقة من أربع مناطق تشكِّل الولايات المتحدة، تضم خمسَ ولاياتٍ هي أوهايو وإنديانا وإلينوي وميتشيجن وويسكونسن. المترجم
٢١  أفلام السمر stag films أو الأفلام الزرقاء blue movies: نوعٌ من أفلام البورنو التي كانت تُنتج سرًّا في النصف الأول من القرن العشرين؛ كانت صامتة وقصيرة، وكلمة stag تعني أيلًا أو حفلة سمر أو مخصيًّا. المترجم
٢٢  تشارلز ليندبرج Lindbergh (١٩٠٢–١٩٧٤م): طيارٌ أمريكي، أول من عبَر الأطلنطي بطائرة في ١٩٢٧م.
٢٣  مينيابوليس Minneapolis: أكبر مدن ولاية مينيسوتا في شمال الولايات المتحدة؛ ديترويت Detroit: أكبر مدن ولاية ميتشيجن؛ كليفلاند Cleveland: مدينة في ولاية أوهايو. المترجم
٢٤  تودور Tudor أسرة إنجليزية حكمَت من تولِّي هنري السابع العرش ١٤٨٥م إلى وفاة إليزابيث الأولى في ١٦٠٣م.
٢٥  السداسية الوترية الأولى String Sextet Number One في بي فلات B flat: وضعها يوهانس برامس Brahms في ١٨٦٠م، وبرامس (١٨٣٣–١٨٩٧م) موسيقار ألماني. المترجم
٢٦  نوت روكني Rockne (١٨٨٨–١٩٣١م): لاعب فوتبول أمريكي، من أعظم المدربين في تاريخ كرة القدم الجامعية.
٢٧  بحيرة إري Lake Erie: إحدى البحيرات العظمى في أمريكا الشمالية. المترجم
٢٨  الدفيل duffel: نسيج صوفي سميك. المترجم

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦