٦

تبيَّن أن الهبوط أقلُّ صعوبةً بالنسبة لي من الإقلاع. كنتُ مستعدًّا للخوف، لنوبةٍ أخرى من العجز المفرِط والخلل النفسي، لكن حين أخبرنا الكابتن بأننا نهبط، شعرْتُ بأنني ثابتٌ ورابطُ الجأش بشكلٍ غريب. قرَّرْتُ أنه لا بد أن هناك اختلافًا بين الصعود والهبوط، بين فقد التماسِّ بالأرض والعودة إلى أرضٍ صلبة. فكَّرْتُ؛ كان أحدهما وداعًا، والآخر لقاء، ربما البدايات تُحتمَل أكثر من النهايات أو ربما اكتشفْتُ (ببساطةٍ تامة) أن الموتى لم يعُد مسموحًا لهم بالصُّراخ فيَّ أكثر من مرة يوميًّا. استدرْتُ تجاه ألما وأمسكْتُ بذراعها. كانت قد بدأَت للتو المراحل الأولى من قصة هيكتور مع فريدة، مارة بالليلة التي انهار فيها واعترف لها ثم تُواصِل لتصف بداية رد فعل فريدة لهذا الاعتراف (قالت: الرصاصة تغفر لك؛ أعدْتَ لي حياتي، والآن أُعيد لك حياتك)، لكن حين وضعْتُ يدي على ذراع ألما، توقفَت عن الكلام فجأة، متوقفة في منتصف جملة، في منتصف فكرة. ابتسمَت، ثم مالتْ إلى الأمام وقبَّلَتْني — في البداية على الخد، ثم على الأذن، ثم بقوة في الفم. قالتْ إن كلًّا منهما وقع في حب الآخر. وإذا لم نحترس فسوف يحدث الشيء نفسه لنا.

لا بد أن سماع هذه الكلمات أحدث اختلافًا أيضًا — ساعدَتْني على أن أكونَ أقل خوفًا، أقل عرضةً للانهيار الداخلي — لكن في النهاية، إلى أي حدٍّ كان ينبغي أن تكون كلمة «يقع» الفعل في الجملتَين اللتَين لخَّصَتا تاريخي في السنوات الثلاث الماضية. تقع طائرةٌ من السماء، ويموت كلُّ المسافرين. تقع امرأةٌ في الحب، ويقع رجلٌ معها، لكن لم يفكِّر أيٌّ منهما في الموت والطائرة تهبط. في وسط الهواء والأرض تدور تحتنا ونحن نراهن على هدفنا النهائي، فهمْتُ أن ألما تمنحُني احتمال حياة ثانية، أن هناك شيئًا لا يزال أمامي إذا كانت لديَّ الشجاعة على أن أسير باتجاهه. استمعْتُ إلى موسيقا المحركات وهم يحرِّكون المفتاح. صار الصخب داخل الكابينة أعلى، اهتز الجدار، ثم غالبًا بعد تفكير، لمسَت عَجلات الطائرة الأرض.

استغرق الأمر برهةً لنتحرَّك ثانية. كان هناك فتح الباب الهيدروليك، والسير في المحطة، والتوقف في غرفة الرجال وغرفة النساء، والبحث عن تليفونٍ لإجراء مكالمةٍ مع المزرعة، وشراء الماء من أجل الرحلة إلى تيرا دل سوينو (قالت ألما: اشربْ بقَدْر ما تستطيع؛ الارتفاعاتُ مخادعة هنا، وبالطبع أنت لا ترغبُ في أن تُصاب بالجفاف)، وتمشيط الموقف الواسع بحثًا عن سيارة ألما سوبارو ستيشن فاجن، وتوقفٌ أخيرٌ لملء السيارة بالغاز قبل أن نأخذ طريقنا. كانت زيارتي الأولى لنيو مكسيكو. في ظروفٍ عادية، كنتُ سأحدِّق في المشهد الطبيعي، مشيرًا إلى التكوينات الصخرية والصبَّار ذي المنظر الجنوني، مستفسرًا عن اسم هذا الجبل أو تلك الشجيرة الكثيرة العُقَد، لكنني كنتُ مشغولًا جدًّا بقصة هيكتور بشكلٍ يحول دون أن أهتم بذلك الآن. كنتُ أخترق أنا وألما بعضَ أكثر البلاد إثارةً للإعجاب في أمريكا الشمالية، ورغم كل تأثيرها علينا كنا نجلس في غرفةٍ مُطفأة الأنوار مسدَلةِ الستائر. سافرتُ في هذا الطريق مراتٍ عديدةً بعد ذلك، لكنني لا أتذكَّر تقريبًا أيَّ شيء مما شاهدتُه في تلك الرحلة الأولى. كلما تذكَّرْتُ الرحلة في سيارة ألما، الصفراء المكسَّرة، الشيء الوحيد الذي أتذكَّره صوتُ صوتينا — صوتها وصوتي، صوتي وصوتها — وحلاوة الهواء يندفع إليَّ من خلال فتحة في الشباك. لكن الأرض نفسها غير مرئية. لا بد أنها كانت هناك، لكنني أتساءل الآن إن كنتُ قد اهتممْتُ بالنظر إليها. أو إن كنتُ قد اهتممْتُ، وكنتُ مشتتًا جدًّا بشكلٍ يحول دون أن أسجِّل ما أراه.

قالت ألما: أبقَوه في المستشفَى حتى أوائل فبراير. كانت فريدة تذهب لزيارته يوميًّا، وحين قال الأطباء إنه صار قويًّا بما يسمح له بالخروج، تحدثَت إلى أمها بشأن تركه في منزلهما حتى يتعافَى. كان لا يزال في حالةٍ سيئة. استغرق الأمر ستة أشهرٍ أخرى قبل أن يتمكَّن من الحركة بشكلٍ جيد.

– وهل كانت أمُّ فريدة راضيةً عن ذلك؟ ستةُ أشهرٍ وقتٌ طويل جدًّا.

– شعرَت بسعادةٍ غامرة. كانت فريدة كائنًا بريًّا في ذلك الوقت، فتاة من الفتيات البوهيميات المتحرِّرات اللائي نشأن في أواخر العشرينيات، ولم تحمل سوى الازدراء لساندوسكي، أوهايو. اجتاز آل سبلينج الانهيارَ الاقتصاديَّ وثمانون في المائة من ثروتهم سليمة — مما يعني أنهم ما زالوا ينتمون إلى ما تُحب فريدة أن تسميه «الحلقة الداخلية لمتخلفاتٍ أنيقاتٍ في الميدويست». كان عالمًا ضيقًا من الجمهوريات المتزمِّتات المشوَّشات الذهن، وكانت التسليات الأساسية رقصات تخلو من المتعة في نادي البلدة وحفلات عشاء طويلة تتسم بالسفه. مرةً كل عام، كانت فريدة تصُرُّ على أسنانها وتعود إلى البيت في عطلة الكريسماس، متحمِّلة تلك الأحداثَ البشعة من أجل أمها وأخيها المتزوِّج، فريدريك، وكان لا يزال يعيش في البلدة مع زوجته وطفلَيه. بحلول الثاني أو الثالث من يناير، تندفع عائدةً إلى نيويورك، آخذةً على نفسها عهدًا بألا تعود مرةً أخرى. ذلك العام، بالطبع، لم تحضُر أية حفلات — ولم تعُد إلى نيويورك. وقعَت في حب هيكتور بدلًا من ذلك. بقَدْر ما كان يهم أمها، كل ما يُبقيها في ساندوسكي جيد.

– كنتِ تقولين إنها لم تكن لديها اعتراضاتٌ على الزواج أيضًا؟

– كانت فريدة تُعلن التمرد لوقتٍ طويل. وقبل يومٍ بالضبط من إطلاق النار، أخبرَتْ أمها بأنها تخطِّط للانتقال إلى باريس وربما لا تضع قدمَها في أمريكا مرةً أخرى. وكان هذا سببَ وجودها في البنك في ذلك الصباح — لتسحب نقودًا من حسابها لشراء التذكرة. كانت كلمة «الزواج» آخر ما يمكن أن تسمعه مسز سبلينج من شفتَي ابنتها. في ضوء هذا التحول المعجزة، لماذا لا تحتضن هيكتور وترحِّب به في أسرتها؟ لم تكتفِ أم فريدة بعدم الرفض، جهَّزَت للعرسِ بنفسها.

هكذا تبدأ حياة هيكتور في ساندوسكي رغم كل شيء. ينتزع اسم البلدة من الهواء، ويحكي باقةً من الأكاذيب عنها، ثم يحقِّق هذه الأكاذيب. غريبٌ جدًّا، ألا تعتقد ذلك؟ تشايم ماندبلوم يصبح هيكتور مان، وهيكتور مان يصبح هِرمان ليسر، ثم ماذا؟ مَن يصبح هرمان ليسر؟ هل ما زال يعرف مَن هو؟

– عاد ليصبح هيكتور. هذا هو الاسم الذي نادَتْه به فريدة. هذا هو الاسم الذي ناديناه به جميعًا. بعد أن تزوَّجا، صار هيكتور هيكتور مرةً أخرى.

– لكن ليس هيكتور مان. ما كان يمكن أن يكون ذلك المتهور، أليس كذلك؟

– هيكتور سبلينج. أخذ لقبَ عائلةِ فريدة.

– واو!

– ليس واو. عملي فقط. لم يكن يُريد أن يبقَى ليسر بعد ذلك. هذا الاسم يمثِّل كل ما كان خطأ في حياته، وإذا بدأ ينادي نفسه بشيءٍ آخر، لماذا لا يستخدم اسم المرأة التي أحبَّها. لا يبدو الأمر وكأنه تراجع عن ذلك. كان هيكتور سبلينج لأكثر من خمسين سنة.

كيف انتهَى بهما الأمر إلى نيو مكسيكو؟

– خرجا من الغرب في شهر العسل، وقرَّرا البقاء. كان هيكتور يُعاني من مشاكلَ كثيرةٍ في التنفُّس، وتبيَّن أن الهواء الجاف طيبٌ بالنسبة إليه.

– كان هناك عشراتٌ من الفنانين في ذلك الوقت. مجموعة مابل دودج في تاوس،١ د. ﻫ. لورانس، جورجيا أوكيفي. هل كان لهذا علاقة بالأمر؟

– لا علاقة له إطلاقًا. عاش هيكتور وفريدة في جزءٍ آخر من الولاية. ولم يُقابلا هؤلاء الناسَ قط.

– انتقلا إلى هناك في ١٩٣٢م. قُلْتِ أمس إن هيكتور بدأ صناعة الأفلام مرةً أخرى في ١٩٤٠م. إنها ثماني سنوات. ماذا حدث في هذه الفترة؟

– اشتريا أربعمائة فدانٍ من الأرض. كانت الأسعار منخفضةً بشكلٍ لا يُصدَّق في تلك الأيام، ولا أعتقد أنهما دفعا أكثر من بضعة آلافٍ من الدولارات مقابل المساحة كلها. تنحدر فريدة من عائلةٍ غنية، لكنها لم تكن تمتلك الكثير من الأموال بشكلٍ شخصي. ميراثٌ ضئيل من جدتها — عشرة آلاف دولار أو خمسة عشر ألفًا — شيءٌ من هذا القبيل. ظلَّت أم فريدة تعرضُ دفع المبلغ، لكن فريدة لم تكن لتقبلَ مساعدتها. مغرورة جدًّا، عنيدة جدًّا، مستقلة جدًّا. لم تكن تريد أن تعتبر نفسها عالة. وهكذا لم تكن هي وهيكتور في وضعٍ يسمح لهما باستخدام عددٍ كبير من العمال لبناء منزلهما. لم يكن هناك مهندسٌ معماري أو مقاول — لم يكن لديهما ما يدفعانه لهما. لحسن الحظ كان هيكتور يعرف ما يفعله. تعلَّم النجارة من أبيه، وكان قد بنى مواقعَ للأفلام، وسمحَت له هذه الخبرة بجعل التكلفة في أدنى حد. صمَّم المنزل بنفسه، وبناه هو وفريدة بشكلٍ أو آخر بأيديهما. كان مكانًا بالغ البساطة؛ منزلًا ريفيًّا من الطوب اللبِن من ستِّ غرف. من طابقٍ واحدٍ فقط، والمساعدة الوحيدة التي حصلا عليها جاءت من فريقٍ من ثلاثة أخوةٍ مكسيكيين، عمال باليومية يعيشون على أطراف البلدة. في السنوات القليلة الأولى لم يكن لديهما حتى كهرباء. كان لديهما ماء، بالطبع، ينبغي أن يكون لديهما ماء، لكن استغرق الأمر شهرَين قبل أن يتمكَّنا من العثور عليه ويبدآ حفر البئر. كانت الخطوة الأولى. وبعد ذلك، اختارا مكانَ المنزل. ثم رسما الخطط وبدآ البناء. استغرق هذا كلُّه وقتًا. لم ينتقلا فقط إلى هناك ليستقرَّا. كانت مساحةً خاليةً ووحشية، وكان عليهما أن يبنيا كل شيء من الألف إلى الياء.

وماذا بعد؟ بمجرد أن تم تجهيز المنزل، ماذا كانا يفعلان؟

– كانت فريدة رسامة، وعادت رسامة. وكان هيكتور يقرأ الكتب وظل يسجِّل مذكراته، ويزرع الأشجار غالبًا. صارت وظيفته الرئيسية، عمله في السنوات القليلة التالية. نظف عدة فدادين من الأرض حول المنزل، ثم، خطوةً خطوة، أسس نظامًا دقيقًا من أنابيب الري تحت الأرض. مما جعل أعمال البستنة ممكنة، وبمجرد أن كانت الحديقة قيدَ الإعداد، انشغل بالأشجار. لم يُعدَّها كلها، لكن لا بد أنه أعدَّ مائتَين أو ثلاثمائة؛ القطني والعرعر، والصفصاف والحور، والصنوبر والسنديان الأبيض. ولم يكن ينمو هناك عادةً إلا اليكة والميرمية. حوَّلها هيكتور إلى غابةٍ صغيرة. سوف تراها بنفسك في خلال بضع ساعات، لكنها بالنسبة إليَّ موضع من المواضع على الأرض.

– كان هذا آخر ما أتوقَّعه منه. هيكتور مان بستاني.

– كان سعيدًا. ربما أسعد من أي وقتٍ آخر في حياته، لكن مع هذه السعادة كان هناك الانعدام التام للطموح. كان الشيء الوحيد الذي يعنيه رعاية فريدة والميل إلى قطعة أرضه. بعد ما كان عليه لثلاث سنوات بدا هذا كافيًا، بدا أكثر من كافٍ. كان لا يزال يقدِّم كفارة، تفهم. لم يعُد يحاول تدمير نفسه. حتى الآن، لا يزال يتحدَّث عن تلك الأشجار باعتبارها أعظم إنجازاته. يقول إنها أفضل من أفلامه، أفضل من أي شيءٍ آخر فعله.

– ماذا فعلَا للحصول على المال؟ إذا كانت الأمور بهذا الضيق، فكيف نجحا في تدبير أمورهما؟

– كان لفريدة أصدقاءُ كثيرون في نيويورك. وكان لدى الكثير منهم عقود. عثَروا لها على وظائف. كتب توضيحية للأطفال، رسم لمجلات، عمل حر من نوعٍ أو آخر. لم يكن يعودُ بالكثير، لكنه ساعدَهما على تجنُّب الغرق.

– لا بد أنها كانت تتمتع ببعض الموهبة، إذن!

– نتحدث عن فريدة يا ديفيد لا عن مدَّعية سطحية. كانت تتمتع بمواهبَ عديدة، شغف حقيقي لصناعة الفن. قالت لي ذات يوم إنها لا تظن أن لديها القدرة على أن تصبح رسَّامةً عظيمة، لكنها أضافت أنها لو لم تقابل هيكتور حين قابلَته ربما أنفقَت كل حياتها وهي تحاول أن تصبح رسامةً عظيمة. لم ترسم لسنوات، لكنها ما زالت عفريتةً في الرسم. ترسم خطوطًا منسابةً متعرجة، تتمتَّع بحسٍّ رائع بالتشكيل. حين بدأ هيكتور يصنع أفلامًا مرةً أخرى، كانت ترسم القصص المصوَّرة، وتصمِّم المواقع والملابس، وتساعد في تحديد شكل الأفلام. كانت جزءًا لا يتجزأ من المشروع كله.

– ما زلْتُ لا أفهم. كانا يعيشان عيشةَ الكفاف في الصحراء. من أين لهما بالنقود للبدء في صناعة الأفلام؟

– ماتت أم فريدة. كانت الممتلكات تقدَّر بأكثر من ثلاثة ملايين دولار. ورثَت فريدة نصفها، وذهب النصف الآخر إلى أخيها فريدريك.

– وهذا يفسِّر التمويل، أليس كذلك؟

– كان مبلغًا ضخمًا حينذاك.

– ولا يزال مبلغًا ضخمًا اليوم، لكن القصة فيها أكثر من مجرد المال. قطع هيكتور وعدًا بألا يعمل أبدًا في الأفلام مرةً أخرى. قُلْتِ ذلك منذ بضع ساعات، والآن يعود فجأة لإخراج أفلام. ما الذي جعله يغيِّر رأيه؟

– كان لفريدة وهيكتور ابن، ثاديوس سبلينج الثاني، على اسم والد فريدة. تادي باختصار، أو تاد، أو تادبول — كانا يناديانه بكل أنواع الأسماء. وُلد في ١٩٣٥م ومات في ١٩٣٨م. قرصَتْه نحلةٌ ذاتَ صباحٍ في حديقة أبيه. وجداه راقدًا على الأرض، منتفخًا ومتورمًا، وحين وصلَا إلى الطبيب بالسيارة على بعد ثلاثين ميلًا، كان ميتًا. تخيَّلْ تأثير ذلك عليهما.

– أستطيع أن أتخيله. إن كان هناك شيءٌ واحد أستطيع أن أتخيَّله فهو ذلك الشيء.

– آسفة. غباءٌ مني أن أقول ذلك.

– لا تتأسفي. المسألة فقط تتمثل في أنني أعرف ما تتحدَّثين عنه. لا يتطلب الأمر رياضةً ذهنية لأفهم الموقف. تاد وتود. لا يمكن أن يكون هناك ما هو أقربُ من ذلك بالنسبة لي، أليس كذلك؟

– مع ذلك …

– ليس هناك مع ذلك. واصلي الحديث …

– انهار هيكتور. مرت الشهور وهو لا يفعل شيئًا. كان يجلس في المنزل؛ وينظر إلى السماء من شُباك غرفة النوم؛ ويتفحَّص خلفية يدَيه. هذا لا يعني أن فريدة، أيضًا، لم تمُر بأوقاتٍ صعبةٍ نتيجةً لذلك، لكنه كان أكثر هشاشةً منها بكثير، عديم المقاومة إلى حدٍّ كبير. كانت صارمة جدًّا لتعرف أن موت الولد حادثة، مات لأنه مصابٌ بحساسية للنحل، لكن هيكتور رأى أنه عقابٌ إلهي. كان سعيدًا جدًّا. كانت الحياة طيبة جدًّا بالنسبة إليه، وآنذاك لقَّنَتْه الأقدار درسًا.

– كانت الأفلام فكرة فريدة، أليس كذلك؟ بعد أن ورثَت النقود، تحدثَت إلى هيكتور عن العودة إلى العمل.

– تقريبًا، كان يسير باتجاه انهيارٍ عصبي، وكانت تعرفُ أن عليها أن تخطو خطوةً وتفعلَ شيئًا. ليس فقط لتُنقِذه، لكن لتُنقذَ زواجها، لتُنقذَ حياتها.

– وأطاعها هيكتور.

– ليس في البداية. لكنها بعد ذلك هدَّدَت بتركه، وفي النهاية استسلَم. وينبغي أن أقول ليس بممانعةٍ شديدة. كان يائسًا من العودة. لعشر سنوات، كان يحلُم بزوايا الكاميرا، وإعدادات الإضاءة، وأفكار القصص. كان الشيء الوحيد الذي يريد أن يفعله، الشيء الوحيد في العالم الذي له معنًى بالنسبة إليه.

– لكن ماذا عن وعده؟ كيف برَّر كسر كلمته؟ من كل ما أخبرتِني به عنه، لا أعرف كيف يمكن أن يفعل ذلك.

– فعله بوضع فروقٍ ضئيلة — ثم عقد معاهدة مع الشيطان. حين تسقط شجرة في غابة ولا يسمعها أحد تسقط، هل تُصدِر صوتًا أم لا؟ كان هيكتور قد قرأ الكثير من الكتب، وعرف كل حيل جدل الفلاسفة. حين يصنع شخصٌ فيلمًا ولا يراه أحد، هل يكون الفيلم موجودًا أم لا؟ هكذا برَّر ما فعل. يمكن أن يصنع أفلامًا لا تُعرض على جمهور أبدًا، يصنع أفلامًا للمتعة الخالصة لصناعة الأفلام. كان عملًا من الأعمال العدمية الفاتنة، لكنه ظلَّ متمسكًا بالعملية منذ ذلك الوقت. تخيَّل أنك بارع في شيءٍ ما، بارع جدًّا حتى إن العالم يُفتن بك إذا رأى عملك، ثم تحتفظ بعملك سرًّا عن العالم. يتطلب الأمر الكثير من التركيز والصرامة للقيام بما قام به هيكتور — وأيضًا لمسة من الجنون. أظن أن هيكتور وفريدة مجنونان إلى حدٍّ ما، لكنهما حقَّقا شيئًا رائعًا. كتبَتْ إملي ديكنسون بعيدًا عن الأضواء لكنها حاولَت نشر قصائدها. حاول فان جوخ أن يبيع لوحاته. بقَدْر ما أعرف هيكتور أول فنان يصنع أعماله بنيةٍ واعية ومتعمَّدة لتدميرها. هناك بالطبع كافكا الذي طلب من ماكس برود أن يحرقَ مخطوطاته، لكن حين أتت اللحظة الحاسمة، لم يُطاوِعه برود. لكن فريدة ستطاوعه. سوف تأخذ الأفلام إلى الحديقة وتحرقُها كلها. هذا مضمون. وأنت وأنا الشاهدان الوحيدان.

– كم عدد الأفلام التي نتحدث عنها؟

أربعة عشر فيلمًا. أحدَ عشرَ فيلمًا من تسعين دقيقة أو أكثر، وثلاثةٌ أخرى تستغرق أقل من ساعة.

– لا أتخيل أنه لا يزال في الأعمال الكوميدية، أليس كذلك؟

– «تقرير من العالم المضاد»، «أغنية ماري وايت»، «رحلات في غرفة الكتابة»، «كمين في صخرة ثابتة». هذه بعض العناوين. لا تبدو مرحةً جدًّا، أليس كذلك؟

– لا، ليس ما قد تسمِّينه أفلامًا مضحكة جدًّا. لكن أتمنَّى ألا تكون كئيبةً جدًّا.

– يعتمد الأمر على الطريقة التي تُعرِّف بها الكلمة. لا أرى أنها كئيبة. جادة، نعم، وغريبة تمامًا غالبًا، لكنها ليست كئيبة.

– كيف تُعرِّفين غريبة؟

– أفلام هيكتور حميمية بصورةٍ مفرطة، خافتة، ليست صارخة النبرة. هناك دائمًا عنصرٌ خيالي ينساب خلالها، نوعٌ عجيب من الشعر. كسر هيكتور الكثير من القواعد. فعل أشياء لا يفعلها مخرجو الأفلام.

– مثل ماذا؟

– الأصوات الخارجية،٢ على سبيل المثال. يُعتبَر السرد ضعفًا في الأفلام، علامة على أن الصور غير مؤثِّرة، لكن هيكتور اعتمد عليه بكثافة في عددٍ من أفلامه. أحدها، «تاريخ النور»، لا يحتوي على كلمة في الحوار. يغطي السرد كل شيء من البداية إلى النهاية.

ماذا فعل بأخطاءٍ أخرى؟ أقصد أخطاء على ما يفترض.

– كان خارج الحلقة التجارية، مما يعني أنه يمكن أن يعمل من دون قيود. استخدم هيكتور حريته ليستكشف أشياء لا يسمح لغيره من صناع الأفلام بلمسها، وخاصةً في الأربعينيات والخمسينيات. الأجساد العارية. الجنس الواقعي. ولادة الأطفال. التبول والتبرز. هذه المشاهدة صادمةٌ إلى حدٍّ ما في البداية، لكن الصدمة تتلاشى سريعًا. إنها جزءٌ طبيعي من الحياة، رغم كل شيء، لكننا غير معتادين على رؤيتها مقدمةً في فيلم، وهكذا نجلس لثانيتَين ونسجِّل ملاحظات. لم يجعل هيكتور منها قضيةً كبيرة. بمجرد أن تفهم الممكن في أعماله، تلك التي تُسمَّى تابوهات ولحظات الوضوح تمتزج في النسيج الكلي للقصص. بالمناسبة، كانت تلك المشاهد شكلًا من الحماية بالنسبة له — فقط في حالة إذا حاول شخصٌ ما أن يسرقَ إحدى المطبوعات. كان عليه أن يتأكد من أن أفلامه غير قابلة للعرض.

– وهل اتفق أبواك على هذا.

– كانت عملية تتم ببساطة. كتب هيكتور الأفلام وأخرجَها وحرَّرها. صمَّم أبي الإضاءة وصورها، وبعد التصوير، وقام هو وأمي بكل الأعمال المعملية. كانا يعالجان اللقطات ويقصَّان النيجاتيف ويمزجان الصوت، ويقومان بكل شيء حتى تكون الطبعات النهائية في العُلب.

– في المزرعة؟

– حوَّل هيكتور وفريدة أرضهما إلى استوديو سينمائي صغير. بدآ البناء في مايو ١٩٣٩م، وانتهيا منه في مارس ١٩٤٠م، وما كانا يسعيان إليه عالمٌ مكتفٍ بذاته، مجمعٌ خاصٌّ لصناعة الأفلام. كان هناك مسرحٌ مزدوج الصوت في مبنًى، مع مناطقَ إضافيةٍ لمحل النجارة، ومحل الخياطة، وغرف الملابس، ومساحات منفصلة لتخزين المعدَّات والملابس. وكان هناك مبنًى آخر لمرحلة ما بعد الإنتاج. لم يستطيعا المغامرة بإرسال أفلامهما لمعملٍ تجاري، وهكذا شيَّدا معملًا خاصًّا بهما؛ شغل جناحًا. في النصف الآخر كان مكان التحرير، وغرفة العرض، وقبو للتخزين تحت الأرض للنسخ المطبوعة والنيجاتيف.

– كل هذه المعدات لا يمكن أن تكون رخيصة.

– كلفهم تأسيس المكان أكثر من مائة وخمسين ألف دولار. لكن الثمن كان متوفرًا لديهما، ومعظم الأشياء تم شراؤها مرةً واحدةً فقط. عدة كاميرات، وآلة تحريرٍ واحدة فقط، وجهازَين للعرض، وطابعة ضوئية. بعد توفير ما يحتاجان إليه، عملَا بميزانيةٍ محدودةٍ جدًّا. كان ميراث فريدة يُدر عائدًا، واكتفَيا بالأساسي بقَدْر ما استطاعا. عملا على نطاقٍ ضيق. وكان عليهما أن يقتصدا في إنفاق المال إذا أرادا أن يُواصلا لفترةٍ طويلة.

– وكانت فريدة مسئولة عن المعدَّات والملابس.

– ضمنَ أشياء أخرى، كانت أيضًا مساعدة هيكتور في التحرير، وحين تكون الأفلام في مرحلة الإنتاج كانت تقوم بأية وظيفةٍ من عدة وظائفَ مختلفة؛ الإشراف على السيناريو، تشغيل الميكرفون، ضبط البؤرة — كل ما يتطلب العمل في ذلك اليوم، في تلك اللحظة.

– وأمك؟

– فاي. فاي حبيبتي الجميلة. كانت ممثلة. جاءت إلى المزرعة في ١٩٤٥م لتقوم بدورٍ في فيلمٍ فوقعَت في حب أبي. كانت في أوائل العشرينيات من العمر حينذاك. مثلَت في كل فيلمٍ قاما بإنتاجه بعد ذلك، غالبًا في دور بطولةٍ نسائية، لكنها ساعدَت أيضًا في جبهاتٍ أخرى. خياطة الملابس، رسم المشاهد، تقديم النصح لهيكتور بشأن سيناريوهاته، والعمل مع تشارلي في المعمل. كانت تلك هي المغامرة. لم يفعل أحدٌ شيئًا واحدًا هناك. انهمكوا جميعًا في العمل، عملوا لساعاتٍ طويلة بشكلٍ لا يصدَّق. شهور وشهور من أعمال الإعداد الشاق، وشهور وشهور فيما بعد الإنتاج. صناعة الأفلام عملٌ بطيءٌ معقَّد، ومع وجود عددٍ صغير والكثير من الأعمال المطلوبة، كانوا يواصلون ببطء. كان العمل يستغرق عامَين تقريبًا لإتمام مشروع.

– أفهم ما جعل هيكتور وفريدة يرغبان في البقاء هناك — أو أفهمه جزئيًّا، أو أكافح لأفهمه — لكن أمك وأباك لا يزالان يُحيِّرانني. كان تشارلي جروند مصورًا موهوبًا. درسْتُ أعماله. أعرفُ ما فعلَه مع هيكتور في ١٩٢٨م، ولا معنى لأن يبتعد عن مهنته.

– كان أبي قد طلَّق للتو. كان في الخامسة والثلاثين، ويسير في السادسة والثلاثين، ولم يكن قد وصل إلى قمة درجات عرض الصور في هوليوود. بعد خمسة عشر عامًا في العمل، كان يعمل في أفلامٍ من الدرجة الثانية — إن كان لديه عمل. أفلام الغرب، أفلام بوسطن بلاكي،٣ سلاسل الأطفال. كان تشارلي يتمتع بموهبةٍ عظيمة، لكنه كان شخصًا هادئًا، شخصًا لم يبدُ قط على وفاقٍ مع نفسه، وكثيرًا ما ظن الناسُ هذا الخجلَ غطرسة. ظل يخسر وظائفَ جيدة، وبمرور الوقت بدأ الأمر يُزعجه، بدأت ثقتُه بنفسه تتآكل. حين تركَتْه زوجته الأولى، ذهب إلى الجحيم بضعة أشهر. أسرفَ في الشرب، وشعر بالأسف على نفسه، ولم يلتزم بعمله. آنذاك اتصل به هيكتور — بالضبط وهو غارق في هذه الحفرة.

– لكن هذا لا يفسِّر سبب موافقته على ذلك. لا أحد يصنع أفلامًا لا يريد أن يراها الآخرون. إنها بالضبط لم تُصنع. ما الهدف إذن من وضع فيلم في كاميرا؟

– لم يكن يُبالي. أعرف، من الصعب أن تصدِّق، كان العمل كل ما يعنيه. كانت النتائج ثانوية، عديمة الأهمية تقريبًا. الكثير من العاملين في السينما على هذه الشاكلة — وخاصة من يقعون تحت الخط، الرجال من ذوي الياقات الزرقاء، ذوي المهام الصغيرة — يستمتعون بكشف الأمور. يحبون وضع أيديهم على المعدات واستيعابها لتعمل أشياء من أجلهم. لا يتعلق الأمر بالفن والأفكار. يتعلق الأمر بالعمل في شيءٍ ما وجعله يخرج بشكلٍ صحيح. كان لأبي نجاحاتُه وإخفاقاتُه في العمل السينمائي، لكنه كان بارعًا في صناعة الأفلام، وقد أعطاه هيكتور الفرصة لصناعة الأفلام من دون أن يقلق بشأن البيزنيس. لو كان أي شخص آخر أشك أنه كان سيذهب. لكن أبي كان يحب هيكتور. قال دائمًا إن العمل من أجله في كاليدوسكوب كان أسعدَ عامٍ في حياته.

– لا بد أنه ذهل حين اتصل به هيكتور. مرَّ أكثر من عشر سنوات، وفجأة ظهر شخصٌ ميت على الطرف الآخر من الخط.

– اعتقد أن شخصًا ما يمزح معه. وكان الاحتمال الآخر الوحيد أنه يتحدث إلى شبح، وحيث إن أبي لا يؤمن بالأشباح، لعن هيكتور وأغلق التليفون. اتصل به هيكتور ثلاثَ مراتٍ أخرى قبل أن يقبل الرد.

– متى كان ذلك.

– في أواخر تسع وثلاثين. نوفمبر أو ديسمبر، بعد غزو الألمان بولندا مباشرة. بحلول أوائل فبراير، كان أبي يعيش في المزرعة. كان منزل هيكتور وفريدة جاهزًا، وانتقل إلى المنزل القديم، البيت الريفي الصغير الذي شيَّداه عند وصولهما إلى هناك. وفيه عشْتُ مع أبويَّ في نشأتي، وفيه أعيش الآن — في ذلك المنزل بغرفه الست من الطوب اللبِن، تحت ظل أشجار هيكتور، أكتب كتابي المجنون الذي لا ينتهي.

– لكن ماذا عن الآخرين الذين أتَوْا إلى المزرعة؟ قلْتِ إنه تم جلب ممثلين إلى هناك، ولا بد أن أباكِ قدَّم بعض المساعدات التقنية. من غير الممكن صناعة فيلمٍ بأربعة أشخاص فقط. حتى أنا أعرف ذلك. ربما كانوا يستطيعون معالجة ما قبل الإنتاج وما بعد الإنتاج بأنفسهم، لكنهم لا يستطيعون معالجة الإنتاج نفسه. وبمجرد قدوم أناسٍ من الخارج، كيف كنتم تنجحون في إسكاتهم؟ كيف كنتم تمنعونهم من الكلام؟

– تقول لهم إنهم يعملون لشخصٍ آخر. تتظاهر بأنك تعمل لحساب مليونير أجنبي من مكسيكو سيتي، رجل يعشق السينما الأمريكية شيَّد الاستوديو الخاص به في البراري الأمريكية وكلفك بصناعة الأفلام له — أفلام لن يراها أحد إلا الرجل نفسه. هذا هو الترتيب. إذا أتيتَ إلى مزرعة بليو ستون للعمل في فيلم، تعمل وأنت تفهم أن عملك سوف يشاهده جمهور من شخصٍ واحد فقط.

– هذا أمر غير معقول.

– ربما يكون كذلك، لكنَّ أناسًا كثيرين صدَّقوا القصة.

– ينبغي أن تكون يائسًا تمامًا لتصدِّق شيئًا مثل ذلك.

– لم تقضِ وقتًا طويلًا مع الممثلين، أليس كذلك؟ إنهم أكثر الناس يأسًا في العالم. تسعون في المائة منهم لا يعملون وإذا عرضْتَ عليهم وظيفة بأجرٍ مناسب، فلن يطرحوا الكثير من الأسئلة. كل ما يريدونه فرصةٌ للعمل. لم يكن هيكتور يسعى وراء الأسماء الكبيرة. لم يهتم بالنجوم. كان يريد فقط محترفين أَكْفاء، وحيث إنه كان يكتب السيناريوهات لأطقم صغيرة — أحيانًا دورين أو ثلاثة أدوار — لم يكن من الصعب العثور عليهم. وحين ينتهي من فيلم ويستعد للبدء في التالي، تكون هناك مجموعةٌ جديدةٌ من الممثلين للاختيار من بينهم. باستثناء أمي لم يستخدم ممثلًا مرتَين قط.

– حسنًا، انسي ما يتعلق بأي شخصٍ آخر. ماذا عنكِ؟ متى سمعْتِ اسم هيكتور مان أول مرة؟ كنتِ تعرفينه باسم هيكتور سبلينج. كم كان عمرك حين أدركْتِ أن هيكتور سبلينج وهيكتور مان الشخص نفسه؟

– عرفْتُ ذلك دائمًا. كانت لدينا مجموعةٌ كاملة من أفلام كاليدوسكوب في المزرعة، ولا بد أنني شاهدْتُها خمسين مرة وأنا طفلة. وحين تعلمتُ القراءة، لاحظْتُ أن هيكتور كان مان وليس سبلينج. سألْتُ والدي عن الأمر، قال إن هيكتور كان يمثِّل باسمٍ مستعارٍ وهو شاب، لكنه لم يعُد يمثِّل، وتوقَّف عن استخدامه. بدا لي تفسيرًا مقبولًا تمامًا.

– ظننْتُ أن هذه الأفلام فُقِدتْ.

– فُقدَت تقريبًا. بكل التوقعات ينبغي أن تكونَ قد فُقدَت. لكن حين كان هانت على وشك إعلان الإفلاس، قبل يومٍ أو اثنَين من قدوم حُراس الحجز على بضائعه وإغلاق الباب، اقتحم هيكتور وأبي مكاتب كاليدوسكوب وسرقوا الأفلام. لم يكن النيجاتيف هناك، لكنهما خرجا بنسخ الكوميديات الاثنتَي عشرة. أعطاها هيكتور لأبي لحفظها، وبعد شهرَين اختفَى هيكتور. وحين انتقل أبي إلى المزرعة في ١٩٤٠م، أخذ الأفلام معه.

– كيف كان شعور هيكتور؟

– لا أفهم. كيف كان ينبغي أن يشعر؟

– هذا ما أسألكِ عنه. هل كان مسرورًا أم مُستاءً؟

– مسرورًا. بالطبع كان مسرورًا. كان فخورًا بهذه الأفلام البسيطة، وسعيدًا باستردادها.

– لماذا، إذن، انتظر طويلًا قبل أن يبعثَ بها إلى العالم مرةً أخرى؟

– ما الذي جعلك تعتقد أنه فعل ذلك؟

– لا أعرف، افترضْتُ …

– ظننْتُ أنك تفهم. أنا. أنا فعلْتُ ذلك.

– ظننْتُ ذلك إلى حدٍّ بعيد.

لماذا، إذن، لم تقل شيئًا؟

– لم أظن أن لي الحق في ذلك. في حالة إن كان يُفترض أنه سِر.

– ليستْ لديَّ أسرار أخفيها عنك يا ديفيد. ما أعرفه، أريد أن تعرفَه أنت أيضًا. ألا تفهم ذلك؟ أرسلْتُ تلك الأفلام خفية، وأنت من وجدَها كلها. وهذا يجعلنا صديقَين قديمَين، أليس كذلك؟ ربما لم نلتقِ إلا أمس، لكننا كنا نعمل معًا لسنوات.

– قمْتِ بحيلة لا تصدَّق. تحدثْتُ إلى أمناء المكتبات حيثما ذهبْتُ، ولم يكن لدى أيٍّ منهم فكرة عن حقيقتك. وحين كنْتُ في كاليفورنيا، تناولْتُ الغداء مع توم لودي، رئيس أرشيف أفلام الباسيفيك. كان آخر مكان تلقَّى صندوقًا من الصناديق الغامضة لهيكتور مان. حين وصلَت، كنْتِ تعملين عليها لبضع سنوات، وكانت الأخبار قد ذاعت. قال توم إنه لم يُبالِ حتى بفتح الطرد. أخذَها مباشرة إلى مكتب التحقيقات الفيدرالية لفحص البصمات، لكنهم لم يجدوا بصماتٍ في الصندوق — أية بصمة. لم تتركي أثرًا.

– لبسْتُ قفازًا. لو كنتُ أهتم بالحفاظ على سِر، من المؤكَّد أنني ما كنتُ أبوح بكل هذه التفاصيل.

– أنت فتاةٌ ماهرةٌ يا ألما.

– تُراهن على أنني فتاة ماهرة. أنا أمهر فتاة في هذا السيارة وأتحداك أن تُبرهن على العكس.

– لكن كيف يمكن أن تبرِّري تتبُّعك لهيكتور؟ هو الذي اتخذ القرار، وليس أنتِ.

– تحدثتُ إليه فيه أولًا. كانت فكرتي، لكنني لم أنفِّذها إلا بعد أن أعطاني الضوء الأخضر.

– ماذا قال؟

– هز كتفيه. ثم ابتسم ابتسامةً صغيرة. قال: لا يهم، افعلي ما تشائين يا ألما.

– وهكذا لم يُوقفْكِ، لكنه لم يساعدْكِ أيضًا. لم يفعل أي شيء.

– كان ذلك في نوفمبر ١٩٨١م، منذ سبع سنواتٍ تقريبًا. عدْتُ إلى المزرعة لحضور جنازة أمي، كان وقتًا سيئًا لنا جميعًا، بداية النهاية بشكلٍ ما. لم أقدِّر الأمر جيدًا. أعترِف بذلك. كانت في التاسعة والخمسين فقط حين وضعناها في الأرض، لم أكن مستعدةً للأمر. ساحق. تلك هي الكلمة الوحيدة التي أستطيع التفكير فيها: أسًى ساحق. وكأن كل ما بداخلي تحوَّل إلى تراب. كان الآخرون مسنِّين جدًّا. ألقيتُ نظرة وأدركْتُ فجأة أنهم انتهَوا، أن الخبرة العظيمة انتهت. كان أبي في الثمانين، وهيكتور في الحادية والثمانين، وحين أُلقي نظرة في المرة التالية سيكونان قد رحلَا. كان لذلك أثرٌ مروِّع عليَّ. كل صباحٍ أدخل غرفةَ العرضِ لأشاهد أمي في أفلامها القديمة، وحين أخرج مرةً أخرى يكون الظلام قد انتشر في الخارج وأمعائي تخرج من شدة الانتحاب. بعد أسبوعَين، قررْتُ العودة إلى البيت. كنْتُ أعيش في لوس أنجلوس. وكنتُ أعمل في شركة إنتاجٍ مستقلة، وكانوا في حاجة إلى عودتي للعمل. كنتُ مستعدةً تمامًا للذهاب. اتصلْتُ بشركة طيران وحجزْتُ تذكرتي، لكن في اللحظة الأخيرة — حرفيًّا، في ليلتي الأخيرة في المزرعة — طلب هيكتور أن أبقى.

– هل قدَّم سببًا؟

– قال إنه مستعدٌّ لأن يتحدث، ويحتاج إلى شخصٍ يساعده. لا يستطيع أن يفعلَ ذلك بنفسه.

– هل تقصدين أن الكتاب كان فكرته؟

– جاء كله منه. ما كان لي أن أفكِّر فيه قط بنفسي. وحتى لو فعلْتُ، ما كنتُ لأتحدثَ إليه عنه. ما كنتُ لأجرؤ.

– فقد شجاعته. هذا هو التفسير الوحيد. إما أنه فقد شجاعته وإما أصابته الشيخوخة.

– هذا ما اعتقدْتُه أيضًا. لكنني كنْتُ مخطئة، وأنت مخطئ الآن. غيَّر هيكتور رأيه بسببي. أخبرَني بأن لي الحق في أن أعرف الحقيقة، وإذا أردْتُ أن أبقَى وأستمعَ إليه، فإنه يَعِدني بأن يحكيَ لي القصة كلها.

– حسنًا. أقبل ذلك. أنت جزء من العائلة، وقد صرتِ راشدة، تستحقين أن تعرفي أسرار العائلة. لكن كيف تحوَّل اعترافٌ خاص إلى كتاب؟ أن يبوحَ بما في نفسه لك شيء، لكن الكتاب للعالم، وبمجرد أن يحكيَ قصته للعالم تُصبح حياته بلا معنًى.

– فقط إذا كان لا يزال حيًّا عند نشره. لكنه لن يكون. وعَدْتُ ألَّا أطلع عليه أحدًا إلا بعد موته. وعدَني بأن يحكيَ لي الحقيقة، ووعَدْتُه بذلك.

– ألم يخطر ببالكِ أنه ربما يستغلك؟ تكتبين كتابك، نعم، وإذا سارت كل الأمور على ما يُرام، يعترف بأنه كتابٌ مهم، لكن هيكتور في الوقت نفسه يواصل الحياة من خلالك. ليس بسبب أفلامه — التي لن تكون موجودة — لكن بسبب ما كتَبتِه عنه.

– محتمَل، أي شيءٍ محتمَل. لكن دوافعه لا تعنيني حقًّا. ربما يتصرَّف نتيجة الخوف أو الغرور أو موجة أسفِ الدقيقة الأخيرة، لكنه أخبرني بالحقيقة. هذا هو الشيء الوحيد المهم. قولُ الحقيقة صعب، يا ديفيد، وقد عشْتُ أنا وهيكتور معًا كثيرًا في السنوات السبع الماضية. وفَّر لي كل شيء — كل مفكراته، وكل خطاباته، وكل وثيقة استطاع وضع يدَيه عليها. والآن لا أفكِّر حتى في النشر. خرج الكتاب للنور أو لم يخرج، كتابة هذا الكتاب أكبر خبرة في حياتي.

– وأين كانت فريدة من هذا كله؟ هل كانت تساعدكما أم لا؟

– كان الأمر قاسيًا بالنسبة لها، لكنها فعلَتْ أقصى ما في وسعها لتسايرنا. لا أظن أنها تتفق مع هيكتور، لكنها لا تريد أن تقفَ في طريقه. الأمر معقَّد. كل شيء مع فريدة معقَّد.

– كم استغرق الأمر لتُقرِّروا إرسال الأفلام القديمة لهيكتور؟

– حدث ذلك في البداية مباشرة. كنتُ ما زلتُ لا أعرف إن كان يمكن أن أثق فيه، واقترحْتُ ذلك اختبارًا له، لأرى إن كان صادقًا معي. إذا رفض طلبي لا أظن أنني كنتُ سأبقى. أردْتُ منه أن يضحِّي بشيء، أن يقدِّم لي دليلًا على إيمانٍ صادق. فهم ذلك. لم يتحدث قط عن الأمر بكلماتٍ كثيرة، لكنه فهم. ذلك هو السبب في أنه لم يفعل شيئًا لإيقاف إرسالها.

– لكن هذا لا يبرهن على أنه كان صادقًا معكِ. أعدْتِ أفلامه القديمة للتداول. ما الضرر في ذلك؟ يتذكَّره الناس الآن. حتى إن بروفيسورًا مجنونًا من فيرمونت كتب كتابًا عنه. لكن لا شيء من هذا يغيِّر القصة.

كلما قال لي شيئًا، كنتُ أذهب وأتحقَّق منه. ذهبْتُ إلى بوينس أيرس، تتبعتُ مسار عظام بريجيد أوفالون، نقَّبتُ مقالات الصحف القديمة عن إطلاق النار في بنك ساندوسكي، تحدثْتُ إلى أكثر من دستة من الممثلين الذين عَمِلوا في المزرعة في الأربعينيات والخمسينيات. لم يكن هناك أي اختلاف. بالطبع لم أتمكَّن من الوصول إلى بعض الأشخاص، وتبيَّن أن آخرين ماتوا. جول بلوستاين، على سبيل المثال. وحتى الآن ليس عندي شيء عن سيلفيا ميرز. لكنني ذهبْتُ إلى سبوكين وتحدثْتُ إلى نورا.

– ألا تزال حية؟

– غالبًا. على الأقل منذ ثلاث سنوات.

و…؟

– تزوَّجَت رجلًا اسمه فرادي في ١٩٣٣م، وأنجبَت أربعة أبناء. وأنجب هؤلاء الأبناء أحد عشر حفيدًا، وحين كنتُ في زيارتها، كان أحد هؤلاء الأحفاد على وشك أن ينجب طفلًا.

– حسنًا. لا أعرف لماذا أقول ذلك، لكنني سعيد بسماعه.

– درَّسَت خمسة عشر عامًا للصف الرابع، ثم عيَّنوها مديرةً للمدرسة. واستمرت في هذا العمل حتى تقاعدَت في ١٩٧٦م.

– بكلمات أخرى، استمرَّت نورا نورا.

– كانت قد تجاوزَت السبعين ببضع سنواتٍ حين كنْتُ هناك، وكانت لا تزال تبدو الشخصية نفسها التي وصفها هيكتور لي.

– وماذا عن هرمان ليسر؟ هل تذكرَتْه؟

– بكتْ حين ذكرْتُ اسمه.

– ماذا تعنين بكلمة «بكت»؟

– أعني أن عينيها امتلأتا بالدموع، وانسابت الدموع على وجنتَيها. بكتْ. كما تبكي وكما أبكي. كما يبكي الجميع.

– يا إلهي!

– اندهشَت بشدة وارتبكَت، ثم نهضَتْ وغادرت الغرفة. وحين عادت، أمسكَتْ بيدي وقالت إنها آسفة. قالت إنها عرفَتْه منذ زمنٍ بعيد، لكنها لم تستطع قط التوقف عن التفكير فيه. كان يشغل تفكيرها كل يومٍ في السنوات الأربع والخمسين الماضية.

– هل تقتنعين بهذا؟

– لا أقتنع بشيء. إن لم أكن هناك، لا أصدِّق. لكن هذا ما حدث. حدث كل شيء كما حكاه هيكتور. كلما اعتقدْتُ أنه يكذب عليَّ، يتبيَّن أنه يقول الحقيقة. وهذا ما يجعل قصته مستحيلة جدًّا، يا ديفيد؛ لأنه حكى لي الحقيقة.

١  مابل دودج Dodge (١٨٧٩-١٩٦٢): راعية أمريكية ثرية للفنون. تاوس Taos: مدينة في شمال نيو مكسيكو.
٢  الأصوات الخارجية voice-overs: تقنية لإنتاج الصوت تُستخدم في الإنتاج الإذاعي والتليفزيوني، وفي الإنتاج السينمائي يمكن أن يصدُر الصوت عن شخصٍ يظهر في مكانٍ آخر في الإنتاج أو ممثل صوتٍ متخصِّص.
٣  بوسطن بلاكي Boston Blackie: شخصية خيالية من إبداع جاك بويل Boyle. المترجم

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦