٧
لم يكن في السماء قمر في تلك الليلة. حين خرجْتُ من السيارة
ووضعْتُ قدميَّ على الأرض، تذكرْتُ أن أقولَ لنفسي: ألما تضع أحمر
شفاه، والسيارة صفراء، وليس في السماء قمرٌ الليلة. في الظلام خلف
المنزل الرئيسي، استطعْتُ بشكلٍ غامض تحديد أبعاد أشجار هيكتور —
كتل هائلة من الظلال تتحرك في الريح.
يبدأ كتاب «مذكرات رجل ميت» بفِقْرة عن الأشجار. وجدْتُ نفسي أفكِّر
فيه ونحن نقترب من الباب الرئيسي، محاولًا تذكُّر ترجمتي للفِقْرة
الثالثة من كتاب شاتوبريان المكوَّن من ألفَي صفحة، الفِقْرة التي تبدأ
بالكلمات «أحب هذا المكان؛ حلَّ بالنسبة إليَّ محلَّ حقول أبويَّ
Ce lieu me plaît; il a remplacé pour moi les champs paternels١ وتنتهي بالجمل التالية: «أرتبط بأشجاري. كتبتُ لها
مراثي وسونيتات وقصائد. ليس من بينها شجرة لم أَمِلْ عليها
بيديَّ، لم أتخلَّص من الدودة التي اتصلَت بجذرها أو اليرقة التي
تشبثَتْ بأوراقها. أعرفُها جميعًا بأسمائها، كما لو كانت أطفالي.
إنها أسرتي. لا أملك سواها، وأتمنى أن أكون قريبًا منها وأنا
أموت.»
لم أتوقع أن أراه تلك الليلة. حين اتصلَت ألما من المطار،
أخبرَتْها فريدة أن هيكتور ربما يكون نائمًا حين يصلان إلى المزرعة.
قالت إنه لا يزال منتظرًا، لكنها تعتقدُ أنه لن يكون جاهزًا للحديث
إليَّ قبل صباح الغد — مفترضة أنه سيبقَى على قيد الحياة كل هذا
الوقت.
بعد أحد عشر عامًا ما زلْتُ أتساءل ماذا كان سيحدث لو أنني
توقفْتُ واستدرْتُ قبل أن نصل إلى الباب. ماذا إذا، بدلَ أن أضع
ذراعي حول كتف ألما وأتجه مباشرة إلى المنزل، توقفْتُ لحظة،
وتطلعْتُ إلى النصف الآخر من السماء، واكتشفْتُ قمرًا كبيرًا
مستديرًا يسطع علينا؟ هل يبقي صحيحًا أن نقول إنه لم يكن في
السماء قمر في تلك الليلة؟ إذا لم أُبالِ بأن أستدير وأنظر خلفي،
نعم إذن، لا يزال صحيحًا. لو لم أرَ القمر قط فإن القمر لم يُوجد
قط.
لا أوحي بأنني لم أُبالِ. أبقيْتُ عينيَّ مفتوحتَين. حاولْتُ أن
أستوعب كل ما كان يحدث حولي، لكن لا شك في أنني ضيعْتُ الكثير
أيضًا. أحببْتُ أو لم أحب، يمكنني فقط أن أكتب عما رأيْتُ
وسمعْتُ — وليس عما لم أرَه وأسمَعْه. ليس هذا اعترافًا بالفشل بقَدْر
ما هو إعلان عن المنهج، تقرير عن المبادئ. لو لم أرَ القمر قط فإن
القمر لم يُوجَد قَط.
بعد أقل من دقيقة من دخولنا إلى المنزل، كانت فريدة تأخذني إلى
غرفة هيكتور في الطابق الثاني. لم يكن هناك وقتٌ لأي شيءٍ سوى
لإلقاء نظرةٍ خاطفة، وانطباعات أولى موجزة — شعرها الأبيض القصير،
متانة قبضتها حين صافحَتْ يدي، والإرهاق في عينيها — وقبل أن أنطقَ
بأي شيء مما يُفترض أن أنطق به (شكرًا لك على دعوتي، أتمنَّى أن يكون
أفضل)، أخبرَتْني بأن هيكتور يقظ. قالت إنه يودُّ أن يراكِ الآن، وفجأة
كنتُ أنظُر إلى ظهرها وهي تقودني لصعود السلم. لا وقت لتقديم أية
ملاحظات بشأن المنزل، إذن — باستثناء أنه كبيرٌ جدًّا ومؤثَّث
ببساطة، مع وجود الكثير من الصور واللوحات معلَّقة على الحوائط (قد
تكون لفريدة، وقد لا تكون) — أو التفكير في الشخص البغيض الذي فتح
الباب، رجل ضئيل الجسم حتى إنني لم ألاحظه حتى انحنَت ألما وقبَّلَته
على وجنته. دخلَت فريدة الغرفة بعد ذلك بلحظة، ورغم أنني أتذكَّر أن
المرأتَين تعانقتا، لا أستطيع أن أتذكَّر إن كانت ألما بجانبي وأنا
أصعد السُّلم. يبدو لي دائمًا أنني فقدْتُ مسارها عند هذه النقطة.
أبحث عنها في ذهني، لكنني لم أنجح قط في تحديد مكانها. وحين
وصلْتُ أعلى السُّلم، اختفت فريدة بشكلٍ حتمي أيضًا. لا يمكن أن يكون
الأمر قد حدث بهذه الطريقة، لكن هكذا أتذكَّره. كلما أرى نفسي وأنا
أدخل غرفة هيكتور، أدخل وحدي دائمًا.
أظن أن أكثر ما أثار دهشتي، كان الحقيقة البسيطة بأن له جسدًا.
حتى رأيْتُه راقدًا هناك في السرير، لم أكن متأكدًا من أنني آمنتُ
به بشكلٍ كامل. ليس كشخصٍ حقيقي، بحال من الأحوال، ليس بالطريقة
التي آمنتُ بها بألما أو بنفسي، ليس بالطريقة التي آمنتُ بها بهيلين
أو حتى شاتوبريان. أذهلَني أن أعترف بأن هيكتور كانت له يدان
وعينان، وأظافر وكتفان، وعنق وأذن يسرى — أنه كان كائنًا محسوسًا،
وأنه ليس كائنًا خياليًّا. كان داخل رأسي بهذه الصورة لوقتٍ طويل،
وبدا من المشكوك فيه أن يوجد في أي موضعٍ آخر.
اليدان النحيلتان المبقَّعتان؛ الأصابع الكثيرة العقد والأوردة
السميكة النافرة؛ اللحم المتدلِّي تحت ذقنه؛ الفم نصف المفتوح. كان
يرقد على ظهره وذراعاه فوق الغطاء حين دخلْتُ الغرفة، يقظًا لكنه
لا يزال يتطلع إلى السقف في نوعٍ من الذهول. لكنني، حين التفتَ في
اتجاهي، رأيْتُ أن عينَيه كانتا عينَي هيكتور. جبهتان مجعَّدتان، جبهة
غائرة، حنجرة بلغد wattled، شعر
أبيض مخصَّل tufted لكنني عرفْتُ
أن الوجه وجه هيكتور. انقضى ستون عامًا على وضع الشارب وارتداء
البدلة البيضاء، لكنه لم يتلاشَ تمامًا. شاخ، شاخ بلا نهاية، لكنَّ
جزءًا منه لا يزال هناك.
قال: زيمر. اجلس بجانبي زيمر، وأطفأ النور.
كان صوته ضعيفًا ومحشرجًا
clogged بالبلغم، قرقرة
rumbling ضعيفة من التنهُّدات
ونصف إفصاح demi-articulations،
لكنه كان عاليًا بما يكفي بالنسبة إليَّ لأتبيَّن ما يقول. كان لحرف «ر
r» في نهاية اسمي لفة roll بسيطة
عليه، وأنا أصل إلى اللمبة على الطاولة المجاورة للسرير وأُطفئها،
تساءلْتُ إن كان أسهل بالنسبة إليه إذا واصلنا الحديث بالإسبانية.
لكن بعد إطفاء النور، رأيْتُ أن هناك لمبةً ثانية في الركن البعيد
من الغرفة — لمبة على قائم بكُمَّةٍ
shade عريضة من الورق
vellum — وامرأة تجلس في مقعدٍ
بجوار اللمبة. وقفَت في اللحظة التي لمحْتُها فيها، ولا بد أنني
قفزْتُ قليلًا حين فعلَتْ ذلك — ليس فقط لأنني فزعْتُ، لكن لأنها
كانت ضئيلة، في ضآلة الرجل الذي فتح الباب في الطابق الأرضي. لا
أحد منهما كان أطول من أربع أقدام. اعتقدْتُ أن هيكتور ضحك من
خلفي (أزيز خافت، أخفت ضحكة)، ثم أومأَت المرأة لي صامتة وخرجَتْ من
الغرفة.
قلتُ: من هذه؟
قال هيكتور: لا تقلق. اسمها كونشيتا. إنها جزء من
العائلة.
– لم أرها، هذا كل ما في الأمر. فاجأتني.
– يعيش هنا أيضًا أخوها جوان. إنهما بسيطان. بسيطان بشكلٍ غريب لا
يستطيعان الكلام. نعتمد عليهما.
– هل تريد أن أطفأ اللمبة الأخرى؟
– لا، هذا جيد. ليس مؤذيًا للعين. أنا راضٍ.
جلسْتُ على المقعد المجاور للسرير ومِلْتُ إلى الأمام، محاولًا
أن أكون أقربَ ما يكون لفَمه. ولم يكن الضوء المنبعث من الجانب
الآخر من الغرفة أقوى من ضوء شمعة، لكن الإضاءة كانت كافية لأرى
وجه فيكتور، وأنظر في عينَيه. حام وهجٌ باهت على السرير، هواء أصفر
ممتزج بظلالٍ وظلام.
قال هيكتور إنه قريبٌ جدًّا دائمًا، لكنني لسْتُ خائفًا. رجل
مثلي ينبغي أن يُسحَق. شكرًا لك لوجودك هنا، زيمر. لم أتوقع أن
تأتي.
– كانت ألما واثقة جدًّا. كان ينبغي أن ترسلها إليَّ منذ وقت
طويل.
– رججْتُ عظامي shook up my
bones، سيدي. في البداية، لم أستطع أن أقبل ما
فعلْتَه. والآن أظن أنني سعيد.
– لم أفعل شيئًا.
– كتبْتَ كتابًا. قرأْتُ الكتاب مرةً بعد أخرى، ومرةً بعد أخرى
سألْتُ نفسي: لماذا اخترْتَني؟ ماذا كان غرضك، زيمر؟
– أضحكْتَني. كان هذا كل ما في الأمر. شققْتَ شيئًا في داخلي،
وبعد ذلك أصبحْتَ عذري للاستمرار في الحياة.
– كتابك لا يقول ذلك. إنه يمجد أعمالي القديمة بالشارب، لكنك لا
تتحدث عن نفسك.
– لسْتُ معتادًا الحديث عن نفسي. يجعلني متوترًا.
– ذكرَتْ ألما أحزانًا جسيمة، ألمًا لا يُوصف. إذا كنْتُ قد
ساعدْتُك على تحمُّل هذا الألم، ربما كان ذلك أعظم ما قمْتُ
به.
– كنت أريد الموت. بعد سماع ما أخبرَتْني به ألما بعد ظهر اليوم،
عرفْتُ أنك مررْتَ بهذا الموقف I gather you’ve
been to that place yourself.
– كانت ألما مصيبة في أن تحكي لك عن هذه الأمور. أنا شخصٌ مضحك
ridiculous. نكَّت الرب عليَّ
نكتًا كثيرة God has played many jokes on
me، وكلما عرفْتَ عنها أكثر فهمْتَ أفلامي
أفضل. أتطلع إلى سماع ما تقولُه عنها، زيمر. رأيك مهمٌّ جدًّا
بالنسبة إليَّ.
– لا أعرف شيئًا عن الأفلام.
– لكنك تَدْرسُ أعمالَ الآخرين. قرأْتُ تلك الكتب، أيضًا. ترجماتك،
كتاباتك عن الشعراء. ليس من قبيل الصدفة أنك قضيتَ سنواتٍ عن مسألة
رامبو. تفهم ما يعني أن تُديرَ ظهرك لشيءٍ ما. أقدِّر الرجل الذي يمكن
أن يفكِّر بهذه الطريقة. هذا يجعل رأيك مهم بالنسبة إليَّ.
– نجحْتَ من دون رأي أي شخصٍ حتى الآن. لماذا هذه الحاجة المفاجئة
لمعرفة ما يفكِّر فيه الآخرون؟
– لأنني لسْتُ وحيدًا. يعيش آخرون هنا أيضًا، وينبغي ألا أفكِّر في
نفسي فقط.
– مما قيل لي، عملْتَ أنت وزوجتك معًا دائمًا.
– نعم، هذا صحيح. لكن ينبغي وضع ألما في الاعتبار أيضًا.
– السيرة؟
– نعم، الكتاب الذي تكتبه. بعد موت أمها، فهمْتُ أنني مدينٌ لها.
ألما لديها القليل جدًّا، وبدا من الجدير أن أتخلى عن بعض أفكاري
عن نفسي لأعطيها فرصةً في الحياة. بدأْتُ أقوم بدور الأب. وهذا ليس
أسوأ ما حدث لي.
– ظننْتُ أن تشارلي جروند كان أباها.
كان. لكنني أبوها أيضًا. ألما ابنة هذا المكان. إذا استطاعتْ أن
تحوِّل حياتي إلى كتاب، فربما تبدأ الأمور تسير بشكلٍ جيدٍ معها. ولو
لم يكن غير ذلك، فهي قصةٌ مشوِّقة. قصة غبية، ربما، لكنها لا تخلو من
لحظات مشوِّقة.
– تقول إنك لم تعُد تُبالي بنفسك، إنك استسلمْتَ.
– لم أُبالِ بنفسي قط. لماذا ينبغي أن أهتم بتحويل نفسي إلى نموذج
للآخرين؟ ربما يُضحكهم ذلك. ستكون نتيجة طيبة — أن تجعل الناس
يضحكون مرةً أخرى. ضحكْتَ يا زيمر. ربما يبدأ آخرون الضحك
معك.
– كان ذلك مجرد إحماء، مجرد بداية للتحول إلى المحادثة، لكن قبل
أن أستطيع التفكير في رد على التعليق الأخير لهيكتور، دخلَتْ فريدة
الغرفة ولمسَتْ كتفي.
قالت: أظن أنه ينبغي أن نتركه يستريح الآن. يمكن أن تُواصِلا
الحديث في الصباح.
كانت المقاطعة على هذا النحو محبطة، لكنني لم أكن في وضعٍ يسمح لي
بالرفض، منحتني فريدة أقلَّ من خمس دقائق معه، وقد بهرَني، جعلَني
بالفعل أحبه بأكثر مما ظننْتُ. قلتُ لنفسي: إذا كان رجلٌ يُحتضَر
يمارس تلك القوة، فتخيلْ ما كان عليه وهو بكامل قوَّته.
أعرفُ أنه قال لي شيئًا قبل أن أغادر الغرفة، لكنني لا أستطيع أن
أتذكره. شيئًا بسيطًا ومهذبًا، لكن الكلمات بالضبط تهرب مني الآن.
أظن أنه قال: «سنواصل»، أو بشكلٍ آخر «إلى الغد يا زيمر»، عبارة
عادية لا تحمل أي شيء عظيم الأهمية — ربما باستثناء أنه كان لا
يزال يؤمن بأن له مستقبلًا، مهما يكن قِصَر ذلك المستقبل. وأنا أنهض
من مقعدي مدَّ يده وأمسَك بذراعي. هذا ما أتذكَّره. أتذكَّر برودة يده
الشبيهة بالمِخلَب، وأتذكَّر التفكير في نفسي: هذا يحدث. هيكتور مان
حي، ويده تلمسُني الآن. ثم أتذكَّر قولي لنفسي أن أتذكَّر ما كانت عليه
تلك اليد. إذا لم يَعِشْ حتى الصباح فسيكون هذا هو البرهان الوحيد
على أنني رأيتُه حيًّا.
•••
بعد هذه الدقائق الأولى المحمومة، كانت هناك فسحة من الهدوء
امتدت لعدة ساعات. بقيَت فريدة في الطابق الثاني، جالسةً في المقعد
الذي كنتُ أحتلُّه في أثناء زيارتي لهيكتور، ونزلْتُ أنا وألما إلى
المطبخ في الطابق الأرضي، الذي تبيَّن أنه مكانٌ واسعٌ ساطع الإضاءة
بجدران من الحجارة، وموقد، وعدد من الأجهزة القديمة التي بدا أنها
شُيِّدَت في أوائل الستينيات. أحببْتُ وجودي هناك، وأحببْتُ الجلوس
إلى مائدةٍ خشبيةٍ طويلةٍ بجوار ألما والشعور بها وهي تلمسُ ذراعي في
النقطة نفسها التي لمسَني فيها هيكتور قبل لحظةٍ فقط. إيماءتان
مختلفتان، ذكريان مختلفتان — إحداهما فوق الأخرى. صار جلدي مخطوطة
بها كتابة على كتابة palimpsest
من الأحاسيس العابرة، وكل طبقة تحملُ بصمةَ ما كنْتُ عليه.
كان العشاء مجموعةً عشوائيةً من الأطباق الساخنة والباردة؛ شربة
عدس وسجق جامد hard وجبن وسلطة،
وقنينة من النبيذ الأحمر. قدَّم الطعام لنا جوان وكونشيتا،
الشخصان الضئيلان اللذان لا يستطيعان
الكلام، وبينما لا أُنكِر أنني كنْتُ متوترًا بعض
الشيء منهما، كنْتُ مشغولًا جدًّا بأمورٍ أخرى حتى إنني لم أنتبه
إليهما انتباهًا حقيقيًّا. قالت ألما إنهما توءمان وقد بدآ العمل
عند هيكتور وفريدة حين كانا في الثامنةَ عشرة، منذ أكثر من عشرين
سنة. لاحظْتُ جسدَيهما الضئيلَين المتسقَين تمامًا، ووجهَيهما
الريفيَّين البسيطَين، وابتساماتهما الفائرة
effervescent وطيبتهما
الظاهرة، لكنني كنتُ أكثر اهتمامًا بمشاهدة ألما وهي تتحدث إليهما
بيدَيها من اهتمامي بمشاهدتهما يتحدثان إليها. أذهلَني أن ألما
كانت طليقةً في لغة الإشارة، وأنها تستطيع أن تعبِّر عن جمل ببضع
دوراتٍ twirls وانقضاضاتٍ
swoops سريعة بأصابعها،
ولأنها كانت أصابع ألما، كانت الأصابع التي أريد مشاهدتها. كان
الوقت متأخرًا على أية حال، وسنكون بعد وقتٍ قصيرٍ في السرير. رغم
أي شيءٍ كان يحدث حينذاك، كان ذلك هو الموضوع الذي أفضِّل التفكير
فيه.
قالتْ ألما: هل تتذكر الإخوة المكسيكيين الثلاثة؟
– الذين ساعدوا في بناء المنزل الأصلي.
– الإخوة لوبيز. كانت هناك أربع فتياتٍ في الأسرة أيضًا، وجوان
وكونشيتا أصغر أبناء الأخت الثالثة. شيَّد الأخوة الثلاثة معظم
مواقع أفلام هيكتور. كان لهم أحدَ عشرَ ابنًا بينهم، وقد درَّب أبي
ستةً من الأولاد أو سبعةً على تقنيات السينما. كانوا الطاقم. شيَّد
الآباء المواقع، وعمل الأولاد حاملي كاميرات
camera loaders ومشغِّلي عَجلات
dolly operators ومسجِّلي صوت
وأمناء مخازن propmen وضابطي
أجهزة grips ورؤساء ورش
gaffers. استمر هذا لسنوات.
اعتدْتُ اللعب مع جوان وكونشيتا ونحن أطفال. كانا أول صديقَين لي
في العالم.
في النهاية، نزلَت فريدة إلى الطابق الأرضي وانضمَّت إلينا على
طاولة المطبخ. كانت كونشيتا تغسل طبقًا في الحوض (واقفة على كرسي
حمام، وتعمل بكفاءة فتاةٍ كبيرة بجسد فتاة في السابعة)، وحين وقعَت
عيناها على فريدة، نظرت إليها نظرةً طويلةً متفحصة، كما لو كانت في
انتظار توجيهات. أومأَت فريدة برأسها، فوضعَت كوتشينا الطبق من
يدها، وجفَّفَت يدَيها بفوطة أطباق، وغادرَت المكان. لم تُنطَقْ كلمة،
لكن كان من الواضح أنها ستصعد لتجلس مع هيكتور، أنهما تتبادلان
الإشراف عليه.
في تقديري كانت فريدة سبلينج في التاسعة والسبعين. بعد الاستماع
إلى وصف ألما لها، كنتُ مستعدًّا لمقابلة امرأة شرسة — امرأة فظة
مرعبة، شخصية مثيرة
larger-than-life — لكن
الشخصية التي كانت تجلس معنا في ذلك المساء مكبوحة
subdued، رقيقة الحديث،
متحفِّظة غالبًا في سلوكها. لا أحمر شفاه، لا مكياج، لا جهد لعمل أي
شيءٍ في شعرها، لكنها لا تزال تحتفظ بأنوثتها، لا تزال جميلة
بطريقةٍ معنويةٍ متناقصة
pared-down. وأنا أواصل النظر
إليها، بدأْتُ أشعر بأنها واحدةٌ من أولئك الناس النادرين الذين
يتفوَّق العقل فيهم على المادة في النهاية. العمر لا يقلِّص هؤلاء
الناس. يجعلهم مسنِّين، لكنه لا يبدِّل حقيقتهم، وكلما عاشوا أكثر
جسَّدوا أنفسهم بشكلٍ أكثر صلابة.
قالت: سامحني على المقاطعة بروفيسور زيمر. أتيْتَ في وقتٍ صعب.
قضى هيكتور صباحًا سيئًا، لكن حين أخبرتُه بأنك وألما في الطريق،
أصرَّ على أن يبقَى يقظًا. أتمنى ألا يكون ذلك كثيرًا جدًّا بالنسبة
إليه.
قلتُ: دار بيننا حديثٌ طيب. أظن أنه سعيدٌ بحضوري.
– ربما لا تكون سعيد الكلمة المناسبة، لكنه يشعر بشيءٍ ما، شيءٍ ما
قوي جدًّا. لقد أثرْتَ نشاطًا في هذا المنزل، بروفيسور. أنا على
يقينٍ من أنك تدرك ذلك.
قبل أن أتمكَّن من الرد عليها، تدخَّلَتْ ألما وغيرت الموضوع. سألَتْ:
هل اتصلتِ بهولير؟ لا يبدو تنفسه جيدًا، تعرفين. إنه أسوأ بكثيرٍ
مما كان عليه بالأمس.
تنهَّدت فريدة، ثم حكَّتْ يدَيها على وجهها — منهكةً من عدم النوم،
ومن التوتر الشديد جدًّا والقلق. قالت: لن أتصل بهولير (متحدثةً
إلى نفسها أكثر من أن تكون متحدثةً إلى ألما، كما لو كانت تكرِّر حجةً
فحصَتْها كثيرًا من قبلُ)؛ لأن الشيء الوحيد الذي سيقوله هولير هو
«أحضروه إلى المستشفَى»، وهيكتور لن يذهب إلى المستشفَى. يخشى
المستشفيات. جعلَني أَعِده، وقد أعطيتُه كلمتي. لن تكون هناك مستشفياتٌ
مرةً أخرى يا ألما؛ لذا ما الهدف من الاتصال بهولير؟
قالت ألما: هيكتور مصاب بالتهابٍ رئوي. لديه رئةٌ واحدة، ولم يعُد
يستطيع التنفس؛ لهذا ينبغي أن تتَّصلي بهولير.
قالت فريدة إنه يريد أن يموت في المنزل. كان يقول لي ذلك كل
ساعة في اليومَين الماضيَين، ولن أعمل ضد رغبته. أعطيتُه
كلمتي.
قالت ألما: سآخذه بالسيارة أنا نفسي إلى مستشفَى سانت جوزيف إذا
كنتِ مرهقةً جدًّا.
قالت فريدة: ليس من دون إذنه. ولا نستطيع أن نتحدث إليه الآن لأنه
نائم. سنحاول في الصباح، إذا أحببْتِ، لكنني لن أفعل ذلك من دون
إذنه.
والمرأتان تواصلان الحديث، تطلعْتُ ورأيتُ جوان قابعًا على كرسي
حمَّام أمام الموقد، يَقْلي بيضًا في مقلاة. وحين كان الطعام جاهزًا،
نقلَه إلى طبق وحملَه إلى حيث تجلس فريدة. كان البيض ساخنًا وأصفر،
تتصاعد من الطبق الصيني الأزرق دوامة من البخار — كما لو كانت
رائحة هذا البيض صارت مرئية. نظرَت فريدة إلى البيض للحظات، لكنها
لم تعرف ما في الطبق. يمكن أن يكون كومًا من الصخور، أو جبلة
خارجية ectoplasm سقطَت من الفضاء
الخارجي، لكنه ليس طعامًا، وحتى لو تعرفَت عليه باعتباره طعامًا،
لم يكن لديها نية لأن تضعه في فمها. صبَّتْ لنفسها كأسًا من النبيذ
بدلًا من ذلك، لكن بعد رشفةٍ صغيرة، تركَت الكأس مرةً أخرى. برقَّة
شديدة دفعَت الكأس بعيدًا عنها، ثم، مستخدمةً يدَها الأخرى، دفعَت
البيض بعيدًا.
قالت لي: توقيتٌ سيئ. كنتُ أتمنَّى أن أكون قادرةً على الحديث إليك،
أن أعرفَ قليلًا، لكن لا يبدو أن هذا سيكون ممكنًا.
قلتُ: هناك غدٌ دائمًا.
قالت: ربما، الآن، لا أفكِّر إلا في الآن.
قالت ألما: ينبغي أن ترقدي يا فريدة. متى نمْتِ آخر مرة؟
– لا أتذكَّر. أظن، قبل الأمس. قبل أن تغادري بلَيلة.
قالت ألما: حسنًا، لقد عدْتُ الآن، وديفيد هنا أيضًا. لا ينبغي
أن تقومي بكل شيءٍ بنفسك.
قالت فريدة: لا أفعل، ولم أفعل. قدَّم الناسُ البسطاء مساعدةً
هائلة، لكن ينبغي أن أكون هناك لأتحدث إليه. إنه أضعف من أن
يُوقِّع.
قالت ألما: خذي قسطًا من الراحة. سأبقَى معه بنفسي. أنا وديفيد
يمكن أن نفعل هذا معًا.
قالت فريدة: أتمنَّى ألا تقلقي، لكنني سأشعر بأنني أفضل بكثير إذا
بقيْتِ هنا في المنزل الليلة. يمكن أن ينام بروفيسور زيمر في
المنزل الريفي، لكنني أفضِّل أن تكوني معي في الطابق العلوي. فقط في
حالة إن حدث شيء. هل هذا جيد؟ جعلَت كوتشينا ترتب بالفعل السرير في
غرفة الضيوف الكبيرة.
قالت ألما: هذا حسن، لكن لا ينبغي أن ينام ديفيد في المنزل
الريفي. يمكن أن يبقَى معي.
أوه! قالت فريدة مندهشة تمامًا. وما رأي بروفيسور زيمر في
ذلك؟
قلْتُ: بروفيسور زيمر يوافق على الخطة.
أوه! قالت مرةً أخرى، ولأول مرة منذ دخلت المطبخ، ابتسمَت فريدة.
شعرْتُ بأنها ابتسامةٌ رائعة، مليئة بالدهشة والذهول، وهي تنقل
النظرة من وجه ألما إلى وجهي، استمرَّت الابتسامة في الكبر. قالت:
يا إلهي! تعملان سريعًا، أليس كذلك؟ من كان يتوقع ذلك؟
كنت على وشك أن أقول لا أحد، لكن قبل أن أستطيع إخراج الكلمتَين
من فمي، رن جرس التليفون. كان مقاطعةً غريبة، ولأنه رن بسرعةٍ شديدة
بعد أن قالت فريدة كلمة ذلك،
بدا أن هناك ارتباطًا بين الحدثَين، كما لو أن التليفون رنَّ استجابةً
مباشرةً للكلمة. حطَّم المزاج تمامًا، وتلاشى وميضُ المرح الذي كان
ينتشر على وجهها. نهضَتْ فريدة، وأنا أشاهدها تمشي إلى التليفون
(الذي كان معلَّقًا على الحائط بجانب المدخل المفتوح، على بُعد خمس
خطواتٍ أو ستٍّ إلى يمينها)، خطَر على بالي أن الهدف من المكالمة أن
تقول لها من غير المسموح لها أن تبتسم، غير مسموح بالابتسامة في
منزل الموت. كانت فكرةً مجنونة، لكن هذا لا يعني أن حدْسي كان
مخطئًا. كنتُ على وشك أن أقول لا
أحد، وحين رفعَت فريدة سماعة التليفون وسألَت عن
المتصل، تبيَّن أنه لم يكن هناك أحد. قالت: آلو، من معي؟ وحين لم
يرُد أحد على سؤالها، كرَّرتِ السؤال مرةً أخرى ثم أغلقَت الخط. التفتتُ
إليها بنظرة ألم على وجهها. قالت: لا أحد. ملعون لا أحد.
•••
مات هيكتور بعد بضع ساعات، في وقتٍ ما بين الثالثة والرابعة
صباحًا. كنْتُ وألما نائمَين حين حدث ذلك، عاريَين تحت الغطاء في
سرير غرفة الضيوف. مارسنا الحب، تحدَّثنا، ومارسنا الحب مرةً أخرى،
ولا يمكن أن أكون متأكدًا من الوقت الذي أُنهِك فيه جسدانا في
النهاية. سافرَت ألما عبْر البلاد مرتَين في يومَين، وقادت السيارة
مئات الأميال إلى المطار ومنه، وكانت لا تزال قادرةً على النهوض من
أعماق النوم حين طرق جوان على الباب. لم أستطع. نمْتُ في كل
الضجيج والهياج وانتهَى بي الأمر دون أن أدري بأي شيء. بعد سنواتٍ من
الأرق وليالي التوتر، نمتُ في النهاية بعمق، وكان هذا في الليلة
التي ينبغي أن أكونَ يقظًا فيها.
لم أفتح عينيَّ إلا في الساعة العاشرة. كانت ألما تجلسُ على حافة
السرير، تمسِّد وجنَتي بيدها، وتهمسُ باسمي بصوتٍ هادئٍ ومُلحٍّ، وحتى
بعد أن أزحتُ الوخم brushed out the
cobwebs ورفعْتُ نفسي إلى الوسادة، لم تُبلغْني
بالخبر إلا بعد عشرِ دقائقَ أخرى أو خمسَ عشرةَ دقيقة. كانت هناك
قبلاتٌ في البداية، وبعدها حديثٌ حميمي جدًّا عن مشاعرنا، ثم قدَّمَت لي
كوبًا من القهوة، الذي سمحَت لي أن أشربه طول الطريق إلى تحت قبل
أن تبدأ. أُعجبْتُ بها دائمًا لامتلاكها القدرة وضبط النفس للقيام
بذلك. بعدم الحديث مباشرة عن هيكتور، كانت تُخبرني بأنها لن تتركنا
نغرق في بقية القصة. كنا قد بدأنا قصتنا الخاصة حينذاك، وكانت
مهمةً لها بالضبط مثل الآخر — كانت حياتها، حياتها كلها حتى لحظة
التقائها بي.
قالتْ إنها كانت سعيدةً لأنني نمتُ في تلك الأثناء. منحَها ذلك
فرصة أن تكون وحدَها لبعض الوقت لتذرفَ بعضَ الدموع، لتتخلصَ من
الأسوأ قبل أن يبدأ اليوم. واصلَتْ: سيكون يومًا صعبًا، يومًا
صعبًا ومليئًا بالأحداث لكلٍّ منا. كانت فريدة على طريق الحرب —
مشحونة على كل الجبهات، مستعدة لحرق كل شيءٍ بأسرعِ ما
تستطيع.
قلتُ: أظن أن أمامنا أربعًا وعشرين ساعة.
– هذا ما أظنه أيضًا. لكن فريدة تقول ينبغي أن يكون ذلك في خلال أربعٍ وعشرين ساعة. نشبَت بيننا
معركةٌ كبيرةٌ بشأن ذلك قبل أن تغادر.
– تغادر؟ أتقصدين أنها ليست في المزرعة؟
كان مشهدًا لا يصدَّق. بعد موت هيكتور بعشر دقائق، كانت فريدة على
التليفون، تتحدث إلى شخصٍ في مستودع جثث فيستا فيرد
Vista Verde Mortuary في
ألبوكيرك. طلبَت منهم أن يرسلوا سيارةً بأسرعِ ما يمكن. وصلوا إلى
هنا في السابعة أو السابعة والنصف تقريبًا، مما يعني أنهم غالبًا
هناك الآن. تخطِّط لحرق جثة هيكتور اليوم.
– هل يمكن أن تفعل ذلك؟ ألا ينبغي أن تمُر بالكثير من الإجراءات
الرسمية أولًا؟
– كل ما تحتاج إليه شهادة وفاة. بمجرد أن يفحص الطبيب الجثة ويقول
إن هيكتور تُوفِّي لأسبابٍ طبيعية، تكون حرة في أن تفعل ما
تشاء.
– لا بد أنها كانت تضع ذلك في ذهنها طول الوقت. لم تُخبرك
فقط.
– غريب. سوف نخرج إلى غرفة العرض لمشاهدة أفلام هيكتور، وجثة
هيكتور ستكون في فُرن، تتحول إلى كومة من التراب.
– ثم تعود، لتتحول الأفلام إلى كومة من التراب أيضًا.
– أمامنا بضع ساعاتٍ فقط. لن يكون هناك وقتٌ كافٍ لمشاهدتها كلها،
لكن ربما نستطيع مشاهدة فيلمَيْن أو ثلاثة أفلام إذا بدأنا
الآن.
– كثير جدًّا، أليس كذلك؟
– كانت مستعدةً لحرقها هذا الصباح. نجحتُ على الأقل في منعها عن
القيام بذلك.
– تصوِّرين الأمر وكأنها فقدَتْ عقلَها.
– مات زوجها، وأول ما عليها أن تفعلَه أن تدمِّر أعماله، أن تدمِّر كل
ما صنعاه معًا. إذا توقفَتْ عن التفكير، فلن تكون قادرةً على
المُضي قدمًا في ذلك. إنها، بالطبع، فاقدةُ العقل. قطعت هذا الوعد
منذ خمسين سنةً تقريبًا، واليوم هو اليوم الذي تفي فيه به. لو كنتُ
مكانها، لرغبتُ في الانتهاء منه بأسرعِ ما يمكن. أنتهي منه — ثم
أنهار. وهذا هو السبب في أن هيكتور لم يُعطِها إلا أربعًا وعشرين
ساعة. لم يرغب في أن يكون هناك وقتٌ لإعادة التفكير.
نهضَت ألما حينذاك، وهي تمشي في الغرفة وتفتح الستائر المعدنية،
قمْتُ من السرير وارتديْتُ ملابسي. كانت هناك مئاتُ الأشياء ينبغي
الحديث فيها، لكن كان علينا تأجيلها إلى ما بعد مشاهدة الأفلام.
اندفع نور الشمس من النوافذ وألما ترفع الستائر، مالئًا الغرفة
ببريق الضحى. أتذكَّر أنها كانت ترتدي بنطلونًا من الجينز الأزرق،
وسويتر أبيض من القطن. لم تكن تنتعل حذاءً أو جوربًا، وكانت أطراف
أصابع قدمَيها الصغيرة الرائعة مصبوغةً بالأحمر. ما كان يفترضُ أن
تجريَ الأمور على هذه الشاكلة. كنت أعتمدُ على هيكتور ليبقَى حيًّا
من أجلي، وأن يمنحَني سلسلة من الأيام التأملية البطيئة في المزرعة
من دون أن أفعل شيئًا سوى مشاهدة أفلامه والجلوس معه في ظلام غرفة
الرجل العجوز. من الصعب أن تختار بين أمورٍ مخيِّبة للآمال، أن تقرِّر
أي إحباط أسوأ؛ لن أستطيع التحدث إليه مرةً أخرى — أو أن أعرف أن
تلك الأفلام ستُحرق قبل أن تُتاح لي الفرصةُ لرؤيتها كلها.
مرَرْنا بغرفة هيكتور في الطريق إلى الطابق الأرضي، وحين نظرتُ في
داخلها رأيت الشخصَين الضئيلَين يرفعان الملاءات من على السرير.
كانت الغرفة عاريةً تمامًا آنذاك. الأشياء التي كانت تتراكم على
سطح المكتب والطاولة المجاورة للسرير أُزيلَت (علب الأقراص، أكواب
الشرب، الكتب، الثيرموميترات، الفوط)، وباستثناء البطاطين
والوسائد المُلقاة على الأرض، لم يكن هناك شيءٌ يوحي بأن رجلًا مات
هناك منذ سبع ساعاتٍ فقط. شاهدتُهم وهم على وشك نزع الملاءة السفلية
bottom sheet. كانا يقفان على
جانبَي السرير، والأيدي في الهواء، على استعداد للشد من الركنَين
العلويَّين معًا. ينبغي أن يكون الجهد متسقًا لأنهما كانا ضئيلَين
جدًّا (كان رأساهما لا يرتفعان عن المرتبة)، والملاءة تُرفع بسرعة
عن السرير، رأيْتُها ملطخةً ببقعٍ متنوِّعة وتغيُّر في اللون، العلامات
الحميمية الأخيرة على وجود هيكتور في العالم. نموتُ جميعًا ونحن
نُسرِّب بولًا ودماء، ونتبرَّز على أنفسنا مثل الرُّضَّع، مختنقين
بمخاطنا. وبعد ثانيةٍ فُرِدت الملاءة مرةً أخرى، وبدأ الخادمان
الأصمَّان الأبكمان السير بطول السرير، منتقلين من أعلى إلى أسفل
والملاءة تُطوَى من المنتصف وتسقط على الأرض في صمت.
أعدَّت ألما سندوتشات ومشاريب لنا لنحملها إلى غرفة العرض. وهي
تدخل إلى المطبخ لتحمل سلة الرحلات load up the
picnic basket، تجوَّلْتُ في الطابق الأرضي،
متطلعًا إلى الفن على الحوائط. لا بد أنه كانت هناك ثلاثُ دستٍ من
اللوحات paintings والرسوم
drawings في غرفة المعيشة
وحدها، ودستةٌ أخرى في الصالة؛ تجريدات برَّاقة متموِّجة، ومشاهد
طبيعية، وبورتريهات، واسكتشات بالقلم الجاف والحبر. لا شيء منها
موقَّع، لكن يبدو أنها جميعًا من عمل شخصٍ واحد، مما يعني أنه لا بد
أن تكون فريدة هي الفنانة. توقفتُ أمام لوحةٍ صغيرة معلَّقة على خزانة
التسجيل record cabinet. لم يكن
هناك وقتٌ كافٍ للنظر إلى كل شيء؛ لذا قررْتُ أن أركِّز على واحدة
وأتجاهل البقية. كانت منظرًا عُلويًّا overhead
view لطفلٍ صغير؛ طفل في الثانية متمددًا على
ظهره وعيناه مغلقتان، من الواضح أنه نائم في مهده. كانت الورقة قد
تحولَت إلى اللون الأصفر ومجعَّدة قليلًا من الحواف، وحين عرفتُ عمره،
شعرْتُ بشكلٍ مؤكَّد أن الطفل في الصورة تاد، الابن المتوفَّى لهيكتور
وفريدة. عارٍ، تتحرك ذراعاه وساقاه بحرية؛ جذع عارٍ؛ حفَّاضة من
القطن مكوَّمة خلف قمة الرأس مباشرة. تتسم الخطوط بحركةٍ خاطفة
مندفعة the lines had a swift, spur-of-the-moment
feel to them. دوَّامة من النبض، ضربات واثقة
في دوَّامة ربما نُفِّذَتْ في أقلَّ من خمس دقائق. حاولْتُ أن أتخيل
المشهد، أن أشُق طريقي عائدًا إلى اللحظة الذي لمست فيها سنُّ القلم
الرصاص الورقة. أمٌّ تجلس بجوار طفلها وهو يغفو غفوة بعد الظهر.
تقرأ كتابًا، لكنها حين تنظر وتراه في وضعٍ غير آمن — رأس مندفع إلى
الخلف ومتدلٍّ إلى جانب — تخرج قلمًا رصاصًا من جيبها وتبدأ رسمه.
وحيث إنها ليس لديها ورق، تستخدم الصفحة الأخيرة من الكتاب، التي
يتصادف أنها بيضاء. وحين تنتهي اللوحة، تقطع الصفحة من الكتاب
وتضعها بعيدًا — أو بشكلٍ آخر تتركها في مكانها وتنسى كل ما يتعلق
بها. وإذا نسيَتْ، تمُر سنوات قبل أن تفتح الكتاب مرةً أخرى وتعيد
اكتشاف اللوحة المفقودة. حينذاك فقط تقُص الورقة الهشَّة من الملزمة،
وتضعُها في إطار وتعلِّقها على الحائط. لم يكن أمامي سبيلٌ لأعرف متى
حدث هذا. يمكن أن يكون منذ أربعين سنة، ويمكن أن يكون في الشهر
الماضي، لكن كلما كانت تمُر بهذه اللوحة لابنها، كان الولد ميتًا
بالفعل — ربما ميتًا منذ زمنٍ بعيد، ربما ميتًا لسنواتٍ أكثر من التي
قضيْتُها على قيد الحياة.
بعد عودة ألما من المطبخ، أخذَت يدي وقادَتْني خارج عرفة المعيشة
إلى رواقٍ مُجاورٍ بحوائطَ بالجص الأبيض وأرضية حمراء صخرية
slate. قالت: هناك شيءٌ أريد
أن تراه. أعرف أننا مضغوطان بالوقت، لكن الأمر لن يستغرق أكثر من
دقيقة.
سِرنا إلى نهاية الردهة، ومرَرنا في طريقنا ببابَين أو ثلاثة، ثم
توقفنا أمام الباب الأخير. وضعَت ألما سلة الغداء وأخرجَت جفنة من
المفاتيح من جيبها. لا بد أن هذه الحلقة كان بها خمسةَ عشرَ مفتاحًا
أو عشرون، لكنها سحبَت مباشرة المفتاح الذي تريده ووضعَتْه في القفل.
قالت: مكتب هيكتور. قضى في هذا المكان وقتًا أطول مما قضى في أي
مكانٍ آخر. كانت المزرعة عالمه، لكن المكتب كان مركز
العالم.
كان مليئًا بالكتب. كانت أول ما لاحظْتُ حين دخلْتُ — كانت هناك
كتبٌ كثيرة جدًّا. ثلاثة حوائط أو أربعة مرصوصة بالأرفف من الأرض
إلى السقف، وكل بوصة من هذه الأرفف مكدَّسة بالكتب. وكانت هناك
مجموعاتٌ وأكوامٌ أخرى منها على المقاعد والطاولات، على السجادة،
على المكتب. كتب بأغلفة مقوَّاة وأغلفة عادية، كتب جديدة وكتب
قديمة، كتب بالإنجليزية والإسبانية والفرنسية والإيطالية. كان
المكتب طاولةً خشبيةً طويلة في منتصف الغرفة — مماثلة تمامًا للطاولة
الموجودة في المطبخ — ومن بين العناوين أتذكَّر أنني رأيتُ هناك
«تنهيدتي الأخيرة
My Last Sigh»،
تأليف لويس بونويل.
٢ لأن الكتاب مقلوبًا
facedown ومفتوحًا أمام
المقعد مباشرة، تساءلْتُ إن كان هيكتور يقرأ فيه يومَ وقع وكُسِرتْ
ساقه — وكان آخر يوم قضاه في مكتبه. كنتُ على وشك أن ألتقطَه وأرى
أين توقَّف، لكن ألما أخذَت يدي مرةً أخرى وقادَتْني إلى الأرفف في
الركن الخلفي من الغرفة. قالت: أظن أنك ستجد هذا مشوِّقًا. أشارت إلى
صفٍّ من الكتب فوق رأسها بعدة بوصات (لكن بالضبط على مستوى عيني)،
ورأيت أنها كلها لمؤلِّفين فرنسيين؛ بودلير وبلزاك وبروست
ولافونتين. قالت ألما إلى اليسار قليلًا، وأنا أحرِّك عينيَّ إلى
اليسار، فاحصًا كعوب الكتب
spines
عما تريد أن تفرِّجني عليه، لمحْتُ فجأة كتابًا من مجلدَين بالأخضر
والذهبي، طبعة بلياد من «مذكِّرات من وراء القبر
Mémoires d’outre-tombe»
لشاتوبريان.
ما كان لهذا أن يمثِّل لي أي اختلاف، لكنه فعل، لم يكن شاتوبريان
كاتبًا مغمورًا obscure، لكنه
جعلَني أعرف أن هيكتور قرأ الكتاب، أنه دخل المتاهة نفسها، متاهة
المذكِّرات التي كنتُ أتجول بينها في الشهور الثمانية عشر الماضية.
كانت نقطة التقاءٍ أخرى، بشكلٍ ما، رابطة أخرى في سلسلة المواجهات
العارضة والتعاطف الغريب الذي شدَّني إليه منذ البداية. سحبْتُ
المجلد الأول من الرف وفتحْتُ الكتاب. كنتُ أعرف أن عليَّ أنا
وألما أن نكون في طريقنا، لكنني لم أستطع مقاومة الرغبة الملحَّة في
أن أمرِّر يديَّ على صفحتَين، أن ألمسَ بعض الكلمات التي قرأها هيكتور
في هدوء هذه الغرفة. فُتِح الكتاب على موضعٍ ما في المنتصف،
ورأيْتُ أن إحدى الجمل تحتها خطٌّ باهت بالقلم الرصاص.
Les moments de crise produisent un redoublement de vie chez les hommes. لحظات
الأزمة تُنتج حيويةً مضاعفةً في الرجال. أو، ربما بشكلٍ أكثر وضوحًا:
لا يبدأ الرجال حياتهم إلا حين تكونُ ظهورهم للحائط.
•••
خرجنا مسرعين في صباح صيفٍ حار بسندويتشاتنا والمشروبات الباردة.
قبل ذلك بيومٍ كنا نقود السيارة عبْر الدمار الذي خلَّفَته العاصفة
الممطرة في نيو إنجلند. وآنذاك كنا في الصحراء، نمشي تحت سماءٍ بلا
سُحُب، متنفِّسين هواءً خفيفًا تفوحُ فيه رائحة العرعر. رأيت أشجار
هيكتور إلى اليمين، ونحن نشُق طريقنا حول حافة الحديقة، كان زيز
الحصاد cicadas عالقًا في العشب
الطويل. بقع من اليارو yarrow
والبابونج fleabane
والقش bedstraw. شعرْتُ بأنني
يقظٌ جدًّا hyper-alert، مُفعَم بنوعٍ
من الراحة resolve المجنونة، حالة
مشوَّشة من الخوف والتوقع والسعادة — كما لو كان لي ثلاثة عقول،
يعملون جميعًا في وقتٍ واحد. كان حائطٌ هائل من الجبال يقف عن بُعد؛
وصقر يلفُّ عاليًا؛ وفراشة زرقاء تهبط على حجر. على بُعد أقل من
مائة ياردة من حدود المنزل، يمكن أن أشعر بالفعل بالعَرق يتجمع على
جبهتي. أشارت ألما إلى دارٍ طويلة من طابقٍ واحد مشيَّد بسلالم مشقَّقة
من الأسمنت والأعشاب الضارة تنمو أمامه. قالت إن الممثلين
والفنيين كانوا ينامون فيه في أثناء إنتاج الأفلام، لكن النوافذ
مغلقة الآن وقُطعَت المياه والكهرباء. وكان مجمع ما بعد الإنتاج
أمامه على بعد خمسين ياردةً أخرى، لكن كان المبنى الذي وراءه هو
الذي شدَّ انتباهي. كان مسرح الصوت بناءً هائلًا، مكعبًا مترامي
الأطراف من البياض المتألق في الشمس، وبدا غريبًا بالنسبة إليَّ في
هذه المناطق المحيطة، أكثر شبهًا بمطار airplane
hangar أو محطة شاحنات truck
depot من مكان لتصوير الأفلام. فجأة، ضغطْتُ
على يد ألما، ثم مررتُ بأصابعي بين أصابعها shoved
my fingers in with hers وتشابكَت
laced معًا. سألْتُ: ماذا
نشاهد أولًا؟
– «الحياة الباطنية لمارتين فروست».
– لماذا هذا الفيلم وليس غيره؟
– لأنه الأقصر. سوف نستطيع أن نراه كله إلى النهاية، وإذا لم تكن
فريدة قد عادت قبل أن ننتهي منه، فسوف ننتقل إلى ثاني أقصر فيلم. لا
أستطيع التفكير في طريقةٍ أخرى للبدء في ذلك.
– غلطتي. كان ينبغي أن آتي إلى هنا منذ شهر. لا يمكن أن تصدِّقي مدى
شعوري بأنني غبي.
– خطابات فريدة لم تكن تأتي سريعًا very
forthcoming. لو كنتُ مكانك لترددتُ أنا
أيضًا.
– لم أستطع قبول فكرة أن هيكتور حي. ثم بمجرد أن قبلتُها، لم أستطع
قبول أنه كان يُحتضَر. هذه الأفلام بقيَت sitting
around لسنوات. لو أنني تصرفتُ بشكلٍ مناسب
لتمكنتُ من رؤيتها كلها. كان يمكنني أن أشاهدها مرتَين أو ثلاث
مرات، أحفظها عن ظهر قلب، أهضمها. والآن نتعجل لمشاهدة واحدٍ فقط.
إنه لأمرٌ عبثي.
– لا تؤنِّب نفسك، ديفيد. لقد استغرق الأمر مني شهورًا لأقنعهما
بضرورة أن تأتي إلى المزرعة. إذا كانت غلطة أحد فهي غلطتي. أنا من
كانت بطيئة. أنا من تبدو غبية.
– فتحَت ألما الباب بمفتاحٍ آخر من مفاتيحها، وفي اللحظة التي عبَرنا
فيها العتبة ودخلنا المبنى، انخفضَت درجة الحرارة عشر درجات. كان
المكيف شغالًا، وإذا لم يكن يُبقونه يعمل طول الوقت (وهو ما أشك
فيه)، فإن هذا يعني أن ألما جاءت إلى هنا بالفعل في وقتٍ مبكر من
الصباح. بدت وكأنها حقيقةٌ غير مهمة، لكن بمجرد تفكيري فيها
لحظتَين، شعرتُ بموجة من الشفقة من أجلها. شاهدَتْ فريدة تبتعد مع
جثة هيكتور في السابعة أو السابعة والنصف، ثم بدل أن تصعد إلى
الطابق العلوي وتوقظني، ذهبَت إلى مبنَى ما بعد الإنتاج وشغَّلَت
المكيف. وعلى مدى ساعتَين ونصف بعد ذلك جلسَت هنا وحيدة، تنعَى هيكتور
والمبنى يبرد تدريجيًّا، عاجزةً عن مواجهتي قبل أن تنتهي من
البكاء. كان يمكن أن نقضيَ تلك الساعات ونحن نشاهد فيلمًا، لكنها
لم تكن مستعدة للبدء، وهكذا تسرَّب جزء من اليوم من بين أصابعنا. لم تكن
ألما فظَّة. كانت أشجع مما ظننْتُ، لكنها لم تكن فظَّة، وأنا أتبعها في
المدخل البارد إلى غرفة العرض، فهمْتُ في النهاية كم سيكون هذا
اليوم مفزعًا بالنسبة إليها، وكم كان مفزعًا بالنسبة إليها
بالفعل.
أبواب إلى اليسار، أبواب إلى اليمين، لكن لا وقت لفتح أيٍّ منها،
لا وقت للدخول للفرجة على غرفة المونتاج editing
suite أو استوديو، لا وقت حتى للسؤال عما إذا
كانت المُعدَّات لا تزال موجودة. في نهاية الرواق، استدرنا يسارًا،
وسرنا في رواقٍ آخر بحوائطَ عاريةٍ من الطوب (زرقاء باهتة، على ما
أتذكَّر)، ثم مرَرْنا بمجموعة من الأبواب المزدوجة إلى المسرح الصغير.
كانت هناك ثلاثة صفوف من كراسي بمساند ومقاعد وثيرة
cushioned chairs with fold-up
seats — ثمانية أو عشرة تقريبًا في كل صف —
وميل ضئيل باتجاه الأرض. كانت الشاشة مغلَقة على الحائط، ولا يُوجد
أمامها خشبة مسرح أو ستارة، مستطيل من البلاستيك الأبيض غير
الشفاف opaque بثقوبٍ صغيرة وسطحٍ
أكسيدي لامع. وكان خلفنا حجرة العرض projection
booth، بارزة من الحائط الخلفي. كانت الأضواء
مشتعلة هناك، وحين استدرْتُ ونظرتُ، كان أول ما لاحظْتُه أن هناك
جهازَيْ عرض projectors — وكلٌّ منهما
محمَّل ببكرة فيلم.
باستثناء بضعة تواريخ وأرقام، لم تُخبرني ألما بشيء عن الفيلم.
قالت إن «الحياة الباطنية لمارتين فروست» رابع فيلمٍ أخرجه هيكتور
في المزرعة، وبعد إتمام التصوير في مارس ١٩٤٦م، عمل عليه لخمسة
شهورٍ أخرى قبل أن يزيح الستار عن النسخة النهائية على شاشةٍ خاصةٍ
في الثاني عشر من أغسطس. يستغرق العرض إحدى وأربعين دقيقة. كما هي
الحال بالنسبة إلى كل أفلام هيكتور، كان مصورًا بالأبيض والأسود، لكن
«مارتين فروست» كان مختلفًا إلى حدٍّ ما عن الأفلام الأخرى من حيث
إنه يمكن أن يُوصف بأنه كوميدي (أو بأنه فيلم به عناصرُ كوميدية)
وبالتالي كان العمل الوحيد من أعماله الأخيرة الذي يرتبط بالأفلام
الهزْلية ذات البكرتَين slapstick
two-reelers في العشرينيات. قالت إنها
اختارته بسبب قصره، لكن هذا لا يعني أنه ليس فيلمًا غير جيد للبدء
به. لعبَت أمها أول دور مع هيكتور في هذا الفيلم، وإن لم يكن العمل
الأكثر طموحًا الذي عملاه معًا، فربما كان الأكثر فتنة. تطلعَت
ألما بعيدًا للحظة. ثم، بعد سحب نفسٍ عميق، استدارت إليَّ وأضافت:
كانت فاي Faye لا تزال حيَّةً
آنذاك، ممتلئةً بالحيوية. لا أملُّ قط من مشاهدتها.
انتظرْتُ أن تواصل، لكنه كان التعليق الوحيد الذي أدلَتْ به،
الملاحظة الوحيدة التي اقتربَتْ من تقديم رأيٍ ذاتي. بعد صمتٍ قصير
آخر، فتحَتْ سلة الرحلات وأخرجَت مفكرة وقلمًا — وكان مزودًا بفلاش
flashlight للكتابة في
الظلام. قالت: فقط في حالة إن أردتَ أن تدوِّن شيئًا. وأنا آخذهما
منها، مالت إلى الأمام وقبَّلَتني على خدي — نقرة
peck صغيرة، قبلة تلميذة — ثم
استدارت واتجهَتْ إلى الباب. وبعد عشرين ثانية، سمعْتُ صوت نقر
tapping sound. تطلعْتُ، كانت
هناك مرةً أخرى، تلوِّح لي من غرفة العرض المغطاة بالزجاج. لوَّحْتُ
لها بدوري — وربما حتى بعثتُ إليها بقبلة — ثم، بالضبط وأنا أجلس في
المقعد الأوسط في الصف الأمامي، أطفأَت ألما الأنوار. ولم تأتِ
مرةً أخرى حتى انتهَى الفيلم.
•••
استغرق الأمر مني بعضَ الوقتِ لأندمج معه settle
into it، لأتبيَّن ما كان يحدث. تم تصوير العمل
بواقعيةٍ شديدة deadpan realism،
بتركيزٍ هائل على خصائص الحياة اليومية، حتى إنني فشلْتُ في إدراك
السحر المتضمَّن في قلب القصة. بدأ الفيلم مثل أي فيلمٍ غرامي آخر،
وفي أول اثنتَي عشرة دقيقة أو خمسَ عشرة دقيقة التزم هيكتور
بالتقاليد العتيقة لهذا الجنس الفني؛ اللقاء صُدفة بين الرجل
والمرأة، سوء الفهم الذي يُباعِد بينهما، الانقلاب المفاجئ وانفجار
الرغبة، الانهماك في الهذيان، ظهور المشاكل، الصراع مع الشك
والتغلب على الشك — كل هذا يؤدي إلى (أو هكذا ظننْتُ) إلى حلٍّ مبهج.
لكن بعد ذلك، في الطريق إلى ثلث القصة، فهمْتُ أنني فهمْتُ خطأ.
رغم المظاهر، موقع الفيلم ليس تيرا دل سوينو أو خلفيات مزرعة بلو
ستون Blue Stone Ranch. إنه داخل
رأس رجل — والمرأة التي دخلتْ هذا الرأس ليست امرأة حقيقية. إنها
روح، شخصية وُلِدتْ من خيال الرجل، كائن عابر، أُرسلَتْ لتصبح ملهمته
his muse.
لو صُوِّر الفيلم في أي مكانٍ آخر. فربما لم يكن بطيئًا جدًّا
بدرجة تسمح باستيعابه. أربكَتْني فورية
immediacy المشهد، ولأول
دقيقتَين كان عليَّ أن أقاوم الانطباع أنني أشاهد نوعًا ما من
الأفلام المنزلية التفصيلية ذات المهارة العالية. المنزل في
الفيلم منزل هيكتور وفريدة؛ الحديقة حديقتهما؛ الطريق طريقهما.
حتى أشجار هيكتور هناك — تبدو أصغر وأهزل مما هي عليه الآن، ربما،
لكن تبقَى هي الأشجار نفسها التي مررْتُ بها في طريقي إلى مبنَى ما
بعد الإنتاج قبل أقلَّ من عشر دقائق. هناك غرفة النوم التي نمتُ فيها
الليلة السابقة، الصخرة التي رأيتُ عليها فراشة الأرض
butterfly land، الطاولة التي
نهضَت فريدة من عندها لترد على التليفون. إلى أن بدأ الفيلم يُعرض
على الشاشة التي أمامي، كانت كل هذه الأشياء حقيقية. الآن، في
الصور بالأبيض والأسود لكاميرا تشارلي جروند، تحوَّلَت إلى عناصر من
عالم خيالي. يُفترَض أن أقرأها باعتبارها ظلالًا، لكن ذهني كان
بطيئًا في إجراء التعديل. مرةً بعد أخرى، رأيتُها كما كانت، لا كما
قُصِد أن تكون.
جاءت الاعتمادات credits في
صمت، من دون موسيقا تُعزف في الخلفية، من دون إشارات
signals سمعية لإعداد المُشاهد
لما يأتي. تعاقبَت بطاقات بالأبيض والأسود تعلن حقائق بارزة.
الحياة الباطنية لمارتين
فروست. القصة والإخراج:
هيكتور سبلينج. طاقم
الممثلين: نوربرت ستاينهوس وفاي موريسون.
كاميرا: س. ب. جروند.
المواقع والملابس: فريدة
سبلينج. لم يكن اسم ستاينهوس يعني شيئًا بالنسبة
إليَّ، وحين ظهر الممثل على الشاشة بعد بضع لحظات، شعرْتُ يقينًا
بأنني لم أرَه من قبلُ. كان رجلًا طويلًا ضامرًا في منتصف
الثلاثينيات من العمر بعينَين حادتَين يقظتَين وشعرٍ خفيف
thinning قليلًا. ليس وسيمًا
أو يحمل سمات البطل heroic بشكلٍ
خاص، لكنه حساس sympathetic،
إنساني، بوجهٍ معبِّر going on جدًّا
يوحي بنشاطٍ معين في العقل. شعرْتُ بالراحة وأنا أشاهده ولم أقاوم
الإيمان بأدائه، لكن كان أصعب بالنسبة إليَّ أن أفعل هذا مع أم ألما.
ليس لأنها لم تكن ممثلةً جيدة، وليس لأنني شعرْتُ بالإحباط (كان
النظر إليها ممتعًا، وكانت رائعة في دورها)، لكن ببساطة لأنها
كانت أم ألما. لا شك أن هذا أضاف إلى ما شعرتُ به من تشوُّش وارتباك
في بداية الفيلم. كانت هناك أم ألما — لكن أم ألما صغيرة، أصغر من
ألما آنذاك بخمسة عشر عامًا — ولم أنجح في البحث عن سمات ابنتها
فيها، عن بقايا التشابه بينهما. كانت فاي موريسون أغمقَ وأطولَ من
ألما، ومن دون شك أجمل من ألما، لكنَّ جسدَيهما متماثلان في الشكل،
والنظرة في عيونهما، والميل في رأسَيهما، والنبرة في صوتَيهما تحمل
أوجه شبه أيضًا. لا أقصد أن أعني أنهما متماثلتان
same، لكن كانت هناك أوجه
تطابقٍ كافية، أصداء جينية كافية بالنسبة إليَّ لأتخيَّل أنني كنت أشاهد
ألما بدون الوحمة، ألما قبل أن أقابلها، ألما فتاة في الثانية
والعشرين أو الثالثة والعشرين — تعيش من خلال أمها في نسخةٍ بديلة
لحياتها.
يبدأ الفيلم بلقطة تتبُّع بطيئة متسقة لداخل المنزل. تمُر الكاميرا
حول الحوائط، وتطفو في الأثاث في غرفة المعيشة، وفي النهاية تتوقف
أمام الباب. كان المنزل خاويًا،
يخبرنا صوتٌ بعيد عن الشاشة، وبعد لحظة يُفتح الباب ويدخل مارتين
فروست، حاملًا حقيبة سفر في يد وشنطة بقالة في الأخرى. وهو يركل
الباب ويغلقه خلفه، يستمر صوتٌ عبْر السرد
voice-over narration.
قضيتُ للتو ثلاث سنوات أكتب رواية، وكنتُ
أشعر بالتعب، والحاجة إلى راحة. حين قرَّر آل سبلينج الذهاب إلى
المكسيك لقضاء الشتاء، عرضوا عليَّ استخدام مكانهم. كان
هيكتور وفريدة صديقَين حميمَين، وكانا يعرفان كم أخذ الكتاب
مني. تصورْتُ أن أسبوعَين في الصحراء قد يجعلانني أفضل، وهكذا
ركبتُ سيارتي ذات صباح وانطلقْتُ من سان فرانسيسكو إلى تيرا دل
سوينو. لم تكن لديَّ خطَط. كل ما كنتُ أريده أن أكونَ هناك ولا
أفعل شيئًا، أن أحيا حياة حجر.
ونحن نسمع سرد مارتين، نراه يتجول في مختلف أجزاء المنزل. حمل
البقالة إلى المطبخ، لكن في اللحظة التي تلمس فيها الشنطة
الطاولة، يُقطع المشهد ويتحول إلى غرفة المعيشة؛ حيث نراه يفحص
الكتب على الأرفف. ويده تصل إلى أحد الكتب، نقفز إلى الطابق
العلوي إلى غرفة النوم؛ حيث يفتح مارتين أدراج المكتب ويغلقها،
واضعًا أشياءه. يُغلَق درج، وبعد لحظة يجلس على السرير، يختبر
ارتداد bounce المرتبة. إنه
مونتاجٌ متحرك jagged معد بكفاءة،
يجمع لقطاتٍ قريبة ومتوسطة في تتابع زوايا غريبة إلى حدٍّ ما،
وإيقاعاتٍ متنوعة، ومفاجآتٍ بصرية صغيرة. عادة، يتوقع المرء موسيقا
تُعزف في مثل هذا التتابع، لكن هيكتور يستغني عن الآلات لصالح
الصوت الطبيعي؛ صرير سوست السرير، خطوات مارتين على الأرضية
القرميد tile، حفيف الشنطة الورق.
يتم تثبيت الكاميرا على عقارب الساعة، ونحن نسمع آخر كلماتِ
المونولوج الاستهلالي (كل ما كنتُ أريده أن
أكون هناك ولا أفعل شيئًا، أن أحيا حياة حجر)،
تبدأ الصورة تهتز blur. ويلي ذلك
صمتٌ. لدقة أو اثنتَين، يبدو وكأن كل شيء قد توقف — صوت مارتين،
الأصوات الأخرى، الصور — ثم بشكلٍ مفاجئ جدًّا، يتحول المشهد إلى
خارج المنزل. مارتين يمشي في الحديقة. لقطة طويلة تليها لقطة
قريبة؛ وجه مارتين، ثم قراءة فاترة للأشياء من حوله؛ أشجار
وشجيرات scrub، سماء، غراب يستقر
على غصن قطنية cottonwood. وحين
تعثر الكاميرا على مارتين مرةً أخرى يكون قابعًا يلاحظ موكبًا من
النمل. نسمع الريح تندفع بين الأشجار — صفير طويل، يدوي مثل صوت
الأمواج المتكسِّرة surf. يتطلع
مارتين إلى أعلى، يحجُب عينَيه عن الشمس، ومرةً أخرى نبتعد عنه إلى
جزءٍ آخرَ من المشهد الطبيعي؛ صخرة تزحف عليها سحلية. تميل الكاميرا
إلى أعلى بوصةً أو اثنتَين، وعلى قمة الإطار نرى سحابة تطفو بجانب
الصخرة. يقول مارتين: لكن ماذا عرفْتُ؟ بضع
ساعاتٍ من الصمتِ، بضع جرعاتٍ من هواء الصحراء، وفجأة تمامًا
كانت فكرة قصة تدور في رأسي. تبدو الحال على هذا النحو دائمًا
مع القصص. في دقيقة لا يكون هناك شيء. وفي الدقيقة التالية
تكون هناك، تجلس داخلك بالفعل.
تنتقل الكاميرا من كلوز أب على وجه مارتين إلى لقطةٍ واسعة
للأشجار. الريح تهب مرةً أخرى، والأوراق والغصون تهتزُّ تحت الهجوم،
يتم تكبير الصوت إلى موجة نابضة تشبه النفَس من القرع
percussiveness، وجلبة من
التنهُّدات محمولة جوًّا. تستمر اللقطة ثلاثَ ثوانٍ أو أربعًا أطول
مما نظن. لها تأثيرٌ أثيريٌّ غريب، لكن ونحن على وشك أن نسأل أنفسنا
عن الدلالة التي يمكن أن تكون لهذا التأكيد المثير للفضول، عُدنا
فجأة إلى المنزل. إنها نقلةٌ فظة
harsh مفاجئة. مارتين يجلس
إلى المكتب في إحدى غرف الطابق العلوي، يضرب على آلةٍ كاتبة. نُنصت
لقعقعة clatter المفاتيح، ونراه
يعمل في قصته من زوايا وأبعادٍ متنوعة. يقول: لن تكون طويلة؛ خمسًا وعشرين صفحة أو ثلاثين،
أربعين على الأكثر. لم أكن أعرفُ كم من الوقت أحتاج لأكتبها،
لكنني قررْتُ أن أبقَى في المنزل حتى تنتهي. كانت الخطة
الجديدة. أنا أكتب القصة، ولا أغادر حتى
تنتهي.
تشحب الصورة وتتحول إلى الأسود. حين يستأنف التمثيل، يكون
الصباح. لقطة ضيقة tight لوجه
مارتين توضِّح أنه نائم، رأسه يستريح على وسادة. وضوء الشمس يتدفق
من خلال المصاريع المغلَقة slatted
shutters، ونحن نشاهده يفتح عينَيه ويكافح
ليستيقظ، تنسحب الكاميرا إلى الخلف لتكشف شيئًا لا يمكن أن يكون
حقيقيًّا، شيئًا يتحدى قوانين الحس السليم. لم يقضِ مارتين الليل
وحيدًا. في السرير امرأة معه، والكاميرا تواصل التراجع في الغرفة،
نرى أنها نائمة تحت الغطاء، متكورة curled
up على جانبها ومستديرة باتجاه مارتين —
ذراعها اليسرى ملقاة كيفما كان على صدره، وشعرها الأسود الطويل
متفرق على الوسادة المجاورة. ومارتين ينهض تدريجيًّا من سُباته،
يلاحظ الذراع العارية مستلقيةً على صدره، ثم يدرك أن الذراع متصلة
بجسد، ثم يجلس في السرير، ويبدو مثل شخصٍ تلقَّى صدمةً كهربيةً
للتو.
مصطدمة jostled بهذه الحركات
المفاجئة، تتأوه المرأة الشابة، وتدسُّ رأسها في الوسادة، ثم تفتح
عينَيها. في البداية، يبدو أنها لا تلاحظ وجود مارتين. لا تزال
مترنحة، لا تزال تكافح لتستعيد وعيها، تستدير على ظهرها وتتثاءب.
وذراعاها تنفردان، تحتك يدها اليمنى في جسد مارتين. لا يحدث شيء
لثانية أو اثنتَين، ثم، ببطءٍ شديد، تنهض، وتنظر إلى وجه مارتين
الذي يبدو عليه الارتباك والهلع، وتصرخ. بعد لحظة، تُزيح الأغطية
وتنهض من السرير، مندفعة عبْر الغرفة في نوبة من الخوف والارتباك.
ليس عليها أي شيء. لا غرزة
stitch، لا خرقة
shred، أو حتى أثر لظل
hint of an obscuring shadow.
مذهلة في عُريها، بثديَيها العاريين وبطنها العاري في مشهدٍ كامل
للكاميرا، تندفع باتجاه العدسات، وتشُد روب الحمام من على ظهر
مقعد، وبسرعة تدفع ذراعَيها في الكمين.
يستغرق الأمر بُرهة لتوضيح سوء الفهم. مارتين، ليس أقل ارتباكًا
وتوترًا من رفيقة سريره الغامضة، ينهض من السرير ويرتدي بنطلونه
ويسألها من هي وماذا تفعل هنا. يبدو أن السؤال أهانها. تقول، لا،
من هو، وماذا يفعل هنا؟ مارتين
غير مصدِّق. يقول: عم تتحدَّثين؟ أنا مارتين فروست — وهو شأن لا يهمك —
وإن لم تقولي لي من أنت الآن مباشرة، فسأستدعي البوليس. بشكلٍ غير
مفهوم، يُدهشها إعلانه. تقول: أنت مارتين فروست؟ مارتين فروست
الحقيقي؟ يقول مارتين: هذا ما قلتُ للتو، ويصبح أكثر عنادًا في
الثانية، هل عليَّ أن أقولها مرةً أخرى؟ ترُد المرأة الشابة، أعرفك
للتو. لا أعرفك حقًّا، لكن أعرفُ من أنت. أنت صديقُ هيكتور
وفريدة.
ما علاقتها بهيكتور وفريدة؟ يريد مارتين أن يعرف، وحين تُخبره
بأنها بنتُ أخت niece فريدة،
يسألها للمرة الثالثة عن اسمها. تقول أخيرًا: كلير. كلير ماذا؟
تتردَّد لحظة ثم تقول: كلير … كلير مارتين. يشخر مارتين مشمئزًّا.
يقول: ما هذا، نكتة؟ تقول كلير: لا حيلة لي في ذلك. هذا
اسمي.
– وماذا تفعلين هنا يا كلير مارتين؟
– دعَتني فريدة.
حين يرُد مارتين بنظرة عدم تصديق، تلتقط محفظتَها من على الكرسي.
بعد البحث في محتوياتها لعدة ثوانٍ، تُخرج مفتاحًا وتقدمه لمارتين.
تقول: ترى؟ أرسلَتْه فريدة إليَّ. إنه مفتاح الباب الرئيسي.
بتوترٍ متزايد، يدسُّ مارتين يده في جيبه ويُخرج مفتاحًا مماثلًا،
يقدمه لكلير في غضب — وهو يدفعه تحت أنفها مباشرة. ثم يقول: ولماذا
أرسل هيكتور هذا إليَّ؟
ترُد كلير لأن … تتراجع بعيدًا عنه؛ لأنه … هيكتور. وأرسلَت
فريدة إليَّ هذا المفتاح لأنها فريدة. يفعلان دائمًا أشياء من هذا
القبيل.
في كلام كلير منطقٌ لا يقبل الجدل. يعرف مارتين صديقَيه معرفةً
جيدة تجعله يفهم أنهما قادران بشكلٍ كامل على جعل إشاراتهما
متقاطعة. دعوة شخصين إلى المنزل في الوقت ذاته بالضبط من نوع
الأشياء التي يميل آل سبلينج لفعلها.
بنظرةٍ مهزومة، يبدأ مارتين السير في الغرفة. يقول: لا أحب هذا.
أتيْتُ هنا لأكون وحدي. لديَّ عمل أقوم به، وأن تكوني هنا … حسنًا،
لسْتُ وحدي، أليس كذلك؟
تقول كلير: لا تقلق. لن أقف في طريقك. أنا هنا لأعمل
أيضًا.
يتضح أن كلير طالبة. تقول إنها تستعد لامتحان الفلسفة، وعليها
أن تقرأ كتبًا كثيرة، تستحق فصلًا دراسيًّا محشورة
semester’s worth of assignments to
cram في أسبوعَين. يتشكَّك مارتين. يبدو أن
نظرته تقول: ماذا تفعل الفتياتُ الجميلاتُ بالفلسفة؟ ثم يستجوبها عن
دراساتها، ويسألها عن كُليَّتها، واسم البروفيسور الذي يعطيها
المنهج، وعناوين الكتب التي عليها أن تقرأها … إلخ. تتظاهر كلير
بأنها لم تلاحظ الإهانة المدسوسة في هذه الأسئلة. تقول إنها تذهب
إلى جامعة كاليفورنيا في بركلي
Berkeley. واسم البروفيسور
نوربرت ستاينهوس، والمنهج بعنوان «من ديكارت إلى كانظ: أسس البحث
الفلسفي الحديث».
تقول كلير: أَعِدُك بأن أكون هادئةً جدًّا. سأنقل أشيائي إلى غرفة
نومٍ أخرى، ولن تعرفَ حتى أنني هنا.
نفدَت حُجج مارتين. يقول مستسلمًا لها بتردُّد: حسنًا، سأبقَى بعيدًا
عن طريقك، وستبقين بعيدًا عن طريقي. اتفقنا؟
يتفقان. ويتصافحان بالأيدي توثيقًا لهذا الاتفاق، ومارتين ينسحب
من الغرفة ليبدأ العمل في قصته، تميل الكاميرا وتتجه ببطءٍ إلى وجه
كلير. إنها لقطةٌ بسيطة لكنها قاهرة
compelling، أول نظرةٍ جادةٍ
عليها في استرخاء، ولأنها تكتمل بهذا الصبر والانسيابية، نشعر أن
الكاميرا لا تحاول أن تكشف لنا الكثير لتقتحمها وتقرأ أفكارها،
لتلاطفها. تتبع مارتين بعينَيها، تشاهده وهو يغادر الغرفة، وبعد
لحظة تستقر الكاميرا أمامها، نسمع مزلاج الباب يغلَق. لا يتغير
التعبير على وجه كلير. تقول: وداعًا مارتين. صوتُها منخفض لا
يتجاوز الهمس.
بقية النهار، يعمل مارتين وكلير في غرفتَين منفصلتَين. يجلس
مارتين إلى المكتب في الاستوديو، يكتب على الآلة الكاتبة، وينظر
من النافذة، يكتب مرةً أخرى، يغمغم مع نفسه وهو يُعيد قراءة الكلمات
التي كتبها. كلير، تبدو مثل طالبةٍ جامعية في بنطلونها الجينز
والسويت شيرت، ممدَّدة على السرير مع كتاب «مبادئ المعرفة
الإنسانية» لجورج بركلي.
٣ عند نقطةٍ ما، نلاحظ أن اسم الفيلسوف مكتوبٌ بحروفٍ
كبيرة على السويت شيرت:
BERKELEY ويتصادف أيضًا أنه اسم
جامعتها. هل يفترض أن يعني هذا شيئًا، أم إنها مجرد نوع من
التورية البصرية؟ والكاميرا تتنقل من غرفة إلى أخرى ذهابًا
وإيابًا، نسمع كلير تقرأ بصوتٍ عالٍ لنفسها:
ولا يبدو أقل وضوحًا أن الأحاسيس أو الأفكار المتنوعة مطبوعة
في الحس، مهما تمتزج أو تتحد معًا، لا يمكن أن تُوجد إلا في
ذهن يدركها. ومرةً أخرى:
ثانيًا، سوف يُعترَض بأن هناك اختلافًا هائلًا بين النار
وفكرة النار، بين الحُلم بأن المرء يحترق أو تخيُّل أنه يحترق،
وهو كذلك في الحقيقة
actually being so.
في وقتٍ متأخر بعد الظهر، تُسمَع طرقة على الباب. تواصل كلير
القراءة، لكن حين تتلو الأولى طرقةٌ ثانية أعلى، تترك كتابها وتطلب
من مارتين أن يدخل. يُفتَح الباب بضع بوصات، ويحشر مارتين رأسه في
الغرفة. يقول: آسف. لم أكن لطيفًا معك هذا الصباح. ما كان ينبغي
أن أتصرَّف بهذه الطريقة. إنه اعتذارٌ جامدٌ متلعثم، لكنه صادر
بارتباك وتردُّد حتى إن كلير لم يكن أمامها إلا أن تبتسم في دهشة،
ربما حتى ببعضِ الشفقة. تقول: أمامها فصلٌ آخر. لماذا لا يلتقيان
بعد نصف ساعة في غرفة المعيشة ويتناولان مشروبًا معًا؟ يقول
مارتين: فكرةٌ طيبة. بقَدْر ما كانا مصطدمَين معًا
stuck with ربما يتصرَّفان
أيضًا مثل أناسٍ متحضِّرين.
ينتقل المشهد إلى غرفة المعيشة. فتح مارتين وكلير قنينةً من
النبيذ، لكن مارتين لا يزال يبدو عصبيًّا، غير متأكِّد مما عليه أن
يفعلَه مع قارئة الفلسفة الغريبة الجذابة. في دعابةٍ خرقاء
clumsy stab at humor، يشير
إلى السويت شيرت ويقرأ، هل المكتوب بركلي لأنك تقرئين بركلي؟ أحين
تبدئين قراءة هيوم، سوف ترتدين سويت شيرت مكتوبًا عليه هيوم؟
تضحك كلير. تقول: لا، لا، تنطق الكلمتان بشكلٍ مختلف. «بِرْكلي»
و«بَرْكلي». الأولى كلية، والثانية رجل. تعرف ذلك. الجميع يعرفون
ذلك.
يقول مارتين: الهجاء نفسه؛ لذا فهي كلمةٌ واحدة.
تقول كلير: الهجاء نفسه، لكنهما كلمتان مختلفتان.
كلير على وشك أن تواصل، لكنها تتوقف، مدركة فجأة أن مارتين يجذب
ساقها. تنفجر في ابتسامٍة عريضة. ممسكةً بكأسها، تطلب من مارتين أن
يصبَّ لها كأسًا أخرى. تقول: كتبْتَ قصةً قصيرةً عن شخصيتَين بالاسم
نفسه، وهنا ألقي عليك محاضرةً عن مبادئ التسمية. لا بد أنها الخمر.
لم أعُد أفكِّر بوضوح.
يقول مارتين: قرأْتِ تلك القصة إذن. لا بد أنك واحدةٌ من ستة
أشخاصٍ يعلمون بها.
ترُد كلير: قرأْتُ كل أعمالك. الروايات ومجموعات القصص.
– لكنني نشرْتُ روايةً واحدةً فقط.
– وقد انتهيْتَ للتو من الثانية، أليس كذلك؟ وقد أعطيْتَ نسخة من
المخطوطة لهيكتور وفريدة. أعارتها لي فريدة، وقرأْتُها الأسبوع
الماضي. «رحلات في غرفة الكتابة Travels in the Scriptorium». أعتقد أنها أفضل
أعمالك.
مهما يكن التحفظ الذي شعر به تجاهها فقد تلاشى كله الآن. كلير
ليست فقط شخصيةً مفعمةً بالحيوية وذكية، ليست فقط من الممتع النظر
إليها، لكنها تعرفُ أعمالها وتفهمها. يصبُّ لنفسه كأسًا أخرى من
النبيذ. تتحدَّث كلير عن بنية روايته الأخيرة، ومارتين يستمع إلى
تعليقاتها القاطعة والمداهنة، يميل إلى الخلف في مقعده ويبتسم.
إنها المرة الوحيدة منذ بداية الفيلم التي يتخلَّى فيها مارتين
فروست المكتئب والجاد دائمًا عن حذره. يقول: بكلماتٍ أخرى، مس
مارتين تُطرِي approves. تقول
كلير: أوه نعم، بالتأكيد. مس مارتين تُطري مارتين. يعود بهما هذا
اللعب باسمَيهما إلى لغز بِرْكلي/بَرْكلي، ومرةً أخرى يطلب مارتين
من كلير أن تفسِّر له الكلمة المكتوبة على السويت شيرت. يقول: اسم
مَن؟ الرجل أم الكلية؟ ترُد كلير: اسم الاثنَين. تعني ما تُريد أن
تعني.
في تلك اللحظة، تتلألأ ومضةٌ صغيرة من الأذى في عينَيها. حدث شيء
لها — فكرة، نبضة، إلهامٌ مفاجئ. تقول كلير وهي تضع كأسها على
الطاولة وتقف: أو لا تعني أي شيء على الإطلاق.
بطريقة التظاهر by the way of
demonstration، تخلع السويت شيرت وتُلقيه على
الأرض. لم تكن ترتدي تحته سوى سونتيان أسود رقيق
lacy — من الصعب أن يكون من
نوع الملابس التي يتوقع المرء أن يكتشفها على مثل هذه الدارسة
الجادة للأفكار. لكنها فكرة، أيضًا، بالطبع، وقد وضعَتْها موضع
التنفيذ بمثل هذه الإيماءة الجريئة القاطعة، ولم يكُن أمام مارتين
إلا أن يفتح فمه دهشة. لم يتخيَّل في أكثر أحلامه وحشيةً أن الأمور
قد تحدث بهذه السرعة.
يقول في النهاية: حسنًا، هذه طريقةٌ للتخلص من الارتباك.
ترد كلير: منطقٌ بسيط. برهانٌ فلسفي.
يواصل مارتين، متحدثًا بعد وقفةٍ طويلة: لكن، بالتخلص من نوعٍ
واحد من الارتباك، تخلقين نوعًا آخر.
تقول كلير: أوه مارتين. لا ترتبك. أحاول أن أكون واضحةً بقَدْر ما
أستطيع.
هناك خطٌّ رفيع بين الفتنة والعدوانية، بين أن تُلقي نفسك لشخصٍ
وتترك الطبيعة تأخذ مسارها. في هذا المشهد، الذي ينتهي بالكلمات
التي قيلَت للتو (أحاول أن أكون واضحةً بقَدْر
ما أستطيع)، تنجح كلير في السيطرة على جانبَي
المناقشة على الفور. تُغوي مارتين، لكنها تفعل ذلك بطريقةٍ ماهرة
مرحة بحيث لا يمكن لأحد أن يشُك في دوافعها. تريده لأنها تريده. هذا
ما تكرِّره tautology الرغبة،
وبدلًا من مواصلة مناقشة أمورٍ تافهة لا تنتهي بشأن هذه الفرضية،
تنتقل مباشرة إلى المطاردة chase.
خلع السويت شيرت ليس إعلانًا سوقيًّا عن نواياها. إنها لحظة
ذكاء wit منجَز ببراعة، ومن تلك
اللحظة، يعرف مارتين أنه التقَى بقرينته
match.
ينتهي بهما الأمر في السرير. إنه السرير نفسه الذي تمَّت فيه
المواجهة بينهما في الصباح، لكنهما هذه المرة ليسا في عَجلةٍ من
أمرهما لينفصلا، ليبتعدا عن الاتصال ويتعثرا في ملابسهما. إنهما
يأتيان من خلال الباب، يسيران ويتعانقان في الوقت ذاته، وهما
يسقطان على السرير في تشابكٍ غريب للأذرع والسيقان والفمَين، لا
يكون لدينا أي شك فيما سوف يأخذهما كل هذا التلامس والتنفس
الثقيل. في ١٩٤٦م، كانت تقاليد الإخراج السينمائي تتطلب أن ينتهي
المشهد هناك. بمجرد أن يبدأ الرجل والمرأة في تبادل القبلات،
يفترض أن يقطع المخرج المشهدَ عن غرفة النوم إلى لقطة لعصافير
تحلِّق، إلى موجة تندفع إلى الشاطئ، إلى قطارٍ يسرع في نفق — أية صورة
من صورٍ عديدة تحل محل العاطفة الشهوانية، إشباع الشهوة — لكن نيو
مكسيكو لم تكن هوليوود، وكان هيكتور يستطيع أن يترك الكاميرا
تواصل العمل كما يُحب. ملابس تُخلَع، لحمٌ عارٍ يُرَى، ويبدأ مارتين
وكلير ممارسة الحب. كانت ألما محقة في تحذيري من اللحظات
الشهوانية في أفلام هيكتور، لكنها كانت مخطئةً في اعتقادها أنها
ستُحدِث لي صدمة. وجدْتُ المشهد خافتًا
subdued إلى حدٍّ ما، يكاد يكون
مثيرًا في تفاهة نواياه. الإضاءة خافتة، الجسدان مرقطان
flecked بالظلال، ولم يستغرق
الأمر كله أكثر من تسعين ثانيةً أو مائة ثانية. لا يريد هيكتور
الإثارة أو دغدغة المشاعر بقَدْر ما يريد أن يجعلنا ننسى أننا نشاهد
فيلمًا، وحين يبدأ مارتين الركض
running بفمه على جسد كلير
(على ثديَيها وبطول منحنى وركها الأيمن، عبْر شعر عانتها وإلى الجزء
الداخلي الناعم من ساقها)، نرغب في تصديق ما لدينا. مرةً أخرى لا
تُعزَف نغمة من الموسيقا. الأصوات الوحيدة التي نسمعها أصوات
التنفس، وحفيف الملاءات والبطاطين، وصوت سوست السرير، وصوت ريح
تهب بين غصون الأشجار في الخارج المظلم غير المرئي.
في الصباح التالي، يبدأ مارتين الحديث إلينا مرةً أخرى. بمونتاج
over a montage يدل على مرور
خمسة أيام أو ستة، يحكي لنا عن تطوُّر قصته وحبه المتنامي لكلير.
نراه وحده على آلته الكاتبة، ونرى كلير وحدها مع كتبها، ونراهما
معًا في عدة أمكنةٍ مختلفةٍ في المنزل. يطبخان العشاء في المطبخ،
يتبادلان القبلات على أريكة غرفة المعيشة، يسيران في الحديقة. في
لحظةٍ معيَّنة يقبع مارتين على الأرض بجوار مكتبه، يغرس فرشاة في
جردل طلاء ويكتب ببطء الحروف ﻫ-ي-و-م
H-U-M-E على تيشيرت أبيض.
وبعد ذلك نرى كلير ترتدي هذا التيشيرت، وتجلس بطريقةٍ هنديةٍ على
السرير وتقرأ كتابًا من تأليف الفيلسوف الثاني في قائمتها، ديفيد
هيوم. هذه اللقطات الصغيرة تتخلَّلها لقطاتٌ قريبةٌ عشوائية لبعض
الأشياء، وتفاصيل مجردة ليس لها ارتباطٌ ظاهري بما يقوله مارتين:
برَّاد به ماء يغلي، نفثة من دخان سيجارة، ستارتان بيضاوان ترفرفان
في فتحة نافذةٍ نصفِ مفتوحة. بخار، ودخان، ورياح — كتلوج من أشياء
تافهة عديمة الشكل. يصف مارتين أنشودةً رعوية، لحظةً من السَّعادة
الدائمة الكاملة، لكن وهذا الموكب لصور تشبه الأحلام يستمر في
التدفق على الشاشة، تطلب من الكاميرا ألا نثق في أسطح الأشياء، أن
نشُك في الدليل الذي تقدِّمه لنا عيوننا.
بعد ظهر أحد الأيام، يتناول مارتين وكلير الغداء في المطبخ.
ومارتين في منتصف قصةٍ يحكيها لها (
ثم قلتُ
له إن لم تصدِّقني فسأريك. ثم مددْتُ يدي في جيبي و…)
يرن جرس التليفون. ينهض مارتين ليرُد عليه، وبمجرد أن يخرج من
الإطار، تعكس الكاميرا الزاوية وتركِّز على كلير. نرى تعبير وجهها
يتغير من تعبير عن صداقة حميمة مرحة إلى قلَق، وربما حتى حذَر. إنه
هيكتور، يتصل من مكانٍ بعيد من كويرنافاكا،
٤ ورغم أننا لا نستطيع أن نسمعَ ما يقوله على الطرف
الآخر من المحادثة، فإن تعليقات مارتين واضحةٌ بما يكفي لنفهم ما
يقوله هيكتور. يبدو أن موجةً باردةً في اتجاهها إلى الصحراء. كانت
المِدفأة
furnace عطلانة، وإذا
هبطَت الحرارة بالدرجة المتوقَّعة، فسوف يحتاج مارتين إلى فحصها
checked out. وإذا حدثَت
مشكلة، فعليه أن يتصل بجيم، جيم فورتوناتو من فورتوناتو للسباكة
والتدفئة.
ليست إلا مسألةً تافهة، لكن كلير تصبح أكثر قلقًا وهي تستمع إلى
الحديث. وحين يذكُر مارتين اسمها لهيكتور في النهاية (كنتُ أحكي للتو لكلير عن الرهان الذي تراهنَّا عليه
في المرة الأخيرة التي كنتُ فيها هنا)، تقف كلير
وتندفع خارج الغرفة. يندهش مارتين لرحيلها المفاجئ، لكن هذه
الدهشة لم تكن شيئًا مقارنة بالدهشة التي تتلوها بعد لحظة. يقول
لهيكتور: ماذا تعني، مَن كلير؟كلير مارتين، ابنة أخت فريدة.
لا نسمع ردَّ هيكتور لنعرفَ ما يقوله. نظرةٌ واحدة إلى وجه مارتين
ونفهم أن هيكتور أخبره للتو بأنه لم يسمع عنها، وأنه ليست لديه
أية فكرة عن حقيقة كلير.
عندئذٍ تكون كلير في الخارج بالفعل، تجري بعيدًا عن المنزل. في
سلسلة من اللقطات السريعة الدقيقة
pinpoint نرى مارتين يندفع من
الباب ويطاردها. يُنادي على كلير، لكن كلير تظل تجري، وتمُر عشر
ثوانٍ أخرى قبل أن ينجح في الإمساك بها. يمُد يده ويُمسِك بكوعها من
الخلف، يلفُّها حولها ويُرغمها على التوقف. الاثنان يلهثان. الصدران
يرتفعان والرئات تلهث، ولا أحد منهما يستطيع الكلام.
في النهاية يقول مارتين: ماذا يحدث يا كلير؟ أخبريني، ماذا
يحدث؟ حين لا ترُد كلير عليه، يميل إلى الأمام ويصيح في وجهها:
ينبغي أن تُخبريني!
تقول كلير: أستطيع أن أسمعك، تحدَّث بصوتٍ هادئ. لا ينبغي أن تصيح
يا مارتين.
يقول مارتين: قيل لي للتو إن لفريدة أخًا واحدًا. له طفلان،
والاثنان ولدان. هذا يعني أن لها ابنَي أخ يا كلير، وليس لها ابنة
أخت أو أخ.
تقول كلير: لم أعرف شيئًا آخر لأفعله. كان عليَّ أن أجد طريقةً
لأجعلك تثق بي. بعد يومٍ أو اثنَين، اعتقدْتُ أنك سوف تتبيَّن ذلك
بنفسك — ثم لا يعني ذلك أي شيء بعد ذلك.
– أتبيَّن ماذا؟
حتى الآن بدت كلير مرتبكة، نادمة إلى حدٍّ ما، ليست خجلى كثيرًا
من خدْعتها بقَدْر إحباطها نتيجة اكتشافها. لكن بمجرد أن يعترف
مارتين بجهله، تتغيَّر النظرة. تبدو في حالة ذهولٍ حقيقي. تقول: ألا
تفهم يا مارتين. نحن معًا منذ أسبوع، ولا تزال تُخبرني بأنك لا
تفهم؟
يستمر من دون القول بأنه لا يفهم — ونحن أيضًا. تحوَّلَت كلير
المتألقة الجميلة إلى لغز، وكلما تتكلم أكثر تقلُّ قدرتُنا على
تتبُّعها.
يسأل مارتين: من أنت؟ ماذا تفعلين هنا؟
تقول كلير، وهي فجأة على وشك البكاء: أوه مارتين. لا يهم من
أنا.
– بالطبع يهم. يهم كثيرًا جدًّا.
– لا يا حبيبي، لا يهم.
– كيف يمكن أن تقولي ذلك؟
– لا يهم لأنك تُحبني. لأنك تُريدني. ذلك ما يهم. كل ما عدا ذلك عدم.
تشحب الصورة على كلوز أب لكلير، وقبل أن تتبعها صورة أخرى، نسمع
الأصوات الخافتة لآلة مارتين تدقُّ عن بُعد. يبدأ خفوتٌ بطيء، والشاشة
تسطع تدريجيًّا، يبدو أن أصوات الآلة الكاتبة تقتربُ منا، كما لو
كنا ننتقل من خارج المنزل إلى داخله، صاعدين السلالم، ومقتربين من
باب غرفة مارتين. حين تستقر صورةٌ جديدة في البؤرة، تمتلئ الشاشة
كلها بلقطةٍ مؤطَّرة بدقَّة لعينَي مارتين. تبقَى الكاميرا في هذا الوضع
لطرقتَين، ثم، وصوت راوي القصة voice-over
narration يستمر، تبدأ التراجع، كاشفة وجه
مارتين، كتفَي مارتين، يدَي مارتين على مفاتيح الآلة الكاتبة، وفي
النهاية مارتين يجلس إلى مكتبه. بدون توقُّف عن التراجع، تترك
الكاميرا الغرفة وتبدأ التنقل في الرواق. يقول مارتين: لسوء الحظ، كانت كلير محقة. أحببْتُها، وكنتُ
أريدها. لكن كيف تُحب شخصًا لا تثق فيه؟ تقف
الكاميرا أمام باب كلير. كما لو بأمر تلباثي
telepathic command، يُفتح
الباب — ونكون في الداخل، نتحرك على كلير وهي تجلس أمام مرآة
التسريحة تضع مكياجًا على وجهها. جسدها مغلَّف بقصاصةٍ مصبوغة
بالأسود، شعرها معقودٌ إلى أعلى بعقدةٍ غيرِ مُحكَمة
swept up in a loosely knotted
chignon، قفاه مكشوف. يقول مارتين: لم تكن كلير مثل أية امرأةٍ أخرى. كانت أقوى من
أية امرأة، أرحَب
wider من أية امرأة، أذكى من أية امرأة. كنتُ أنتظرها
طولَ حياتي، لكن ونحن معًا الآن، كنتُ خائفًا. ماذا تخبِّئ عني؟
أي سرٍّ مرعبٍ ترفض أن تبوحَ به؟ اعتقد جزءٌ مني أن عليَّ أن أخرج
من هناك — أحزم أشيائي وأغادر قبل فوات الأوان. واعتقد جزءٌ آخر
مني أنها تَختبرني. وإذا فشلْتُ في الاختبار، فسوف
أفقدها.
قلم حواجب، مسكرة، روج خدود، بودرة، أحمر شفاه. ومارتين يقدِّم
مونولوجه المشوَّش المعبِّر عن أعماقه، تواصل كلير العمل أمام المرآة،
محولةً نفسها من نوعٍ من النساء إلى آخر. تختفي الفتاة المسترجلة
المندفعة، وتظهر بدلًا منها نجمةُ إغواءٍ سينمائيةٌ فاتنة وأنيقة.
تنهض كلير من أمام التسريحة وتشُق طريقها إلى فستانٍ أسودَ ضيق، تضع
قدمَيها في حذاء بكعب ثلاث بوصات، ومن الصعب أن نتعرفَ عليها. تصبح
cuts شخصية ساحرة؛ هادئة،
واثقة، الصورة الحقيقية للقوة الأنثوية. بابتسامةٍ شاحبةٍ على
شفتَيها، تنظر إلى نفسها في المرآة مرةً أخيرة ثم تخرج من
الغرفة.
انتقال إلى المدخل. كلير تطرق باب مارتين وتقول: العشاء جاهز يا
مارتين. أنتظرك في الطابق الأرضي.
انتقال إلى غرفة الطعام. تجلس كلير إلى المائدة، تنتظر مارتين.
وضعَت المشهيات بالفعل؛ زجاجة النبيذ مفتوحة؛ الشموع مضاءة. يدخل
مارتين الغرفة في صمت. ترحِّب به كلير بابتسامةٍ دافئةٍ ودودة، لكن
مارتين لا ينتبه إليها. يبدو قلقًا، منحرف المزاج، لا يعرف كيف
ينبغي أن يتصرَّف.
مُحدِّقًا في كلير بريبة، يسير إلى المكان المُعَد له، يسحَب المقعد،
ويبدأ الجلوس. يبدو أن المقعد صلب، لكن بمجرد أن يضع وزنه عليه
يتحطم إلى عشرات القطع. يسقط مارتين على الأرض.
تحوُّل مرِحٌ للأحداث غير متوقع تمامًا. تنفجر كلير ضاحكة، لكن
مارتين ليس مستمتعًا على الإطلاق. ممدَّدًا على مؤخِّرته، يستكين في
ذعر مَن جُرحَت كبرياؤه مستاء، وكلما تستمر كلير في الضحك عليه (لا
تستطيع التوقف؛ المشهد ببساطةٍ مضحك جدًّا)، يصبح شكله مضحكًا
أكثر. من دون أن ينطق بكلمة، ينهض مارتين على قدمَيه ببطء، ويركل قِطع
المقعد المحطم، ويضع مقعدًا آخر مكانه. يجلس بحذَرٍ هذه المرة، وحين
يتأكد في النهاية من أن المقعد قويٌّ بما يكفي ليحمله، يوجِّه انتباهه
إلى الطعام. يقول: يبدو طيبًا. إنها محاولةٌ يائسةٌ للحفاظ على
كرامته، لابتلاع ارتباكه.
تبدو كلير مستمتعةً جدًّا بتعليقه. بابتسامةٍ أخرى تنير وجهها،
تميل عليه وتسأل: كيف تسير قصتك يا مارتين؟
الآن يمسك مارتين بشريحة ليمون في يده اليسرى، على وشك أن
يعصرها على الهليون asparagus.
بدل أن يرُد على سؤال كلير مباشرة، يضغط الليمونة بين الإبهام
والوسطى — وتناثر العصير في عينه. يصرخ مارتين من الألم. مرةً أخرى
تنفجر كلير ضاحكة، ومرة ًأخرى بطلنا الغاضب ليس مستمتعًا على
الإطلاق not the least bit
amused. يغمس منديله في كوب الماء ويبدأ مسح
عينه، محاولًا التخلص من اللسع. يبدو مهزومًا، يشعُر بالخزي بكل
معنى الكلمة بهذا العرض الجديد للحماقة. حين يترك المنديل في
النهاية، تكرِّر كلير السؤال.
تقول: وهكذا، كيف تسير قصتك؟
لم يعُد مارتين يحتمل. رافضًا الرد على سؤال كلير، ينظُر إليها في
عينَيها مباشرة ويقول: مَن أنت يا كلير؟ ماذا تفعلين هنا؟
بهدوء، تبتسم له، وتقول: لا، تردُّ على سؤالي أولًا. كيف تسير
قصتك؟
يبدو مارتين كما لو كان على وشك أن يغفو. وقد جُنَّ من
مراوغاتها، يكتفي بالتحديق فيها ولا ينطق بكلمة.
تقول كلير: من فضلك مارتين. الأمر بالغ الأهمية.
مكافحًا للتحكُّم في أعصابه، يتمتم جانبًا بسخرية — لا يخاطب كلير
بقَدْر ما يفكِّر بصوتٍ عالٍ، متحدثًا إلى نفسه: تريدين أن تعرفي
حقًّا؟
– نعم، أريد أن أعرف حقًّا.
– حسنًا … حسنًا، سأخبرك كيف تسير. إنها … (يفكِّر لحظة) … إنها
(يواصل التفكير) … في الحقيقة، إنها تسير بشكلٍ جيد
تمامًا.
– جيد تمامًا … أم جيد جدًّا؟
– أُمْ um … (يفكر) … جيد جدًّا. أقول إنها تسير بشكلٍ جيد
جدًّا.
– ترى؟
– أرى ماذا؟
– أوه، مارتين. بالطبع ترى.
– لا يا كلير، لا أرى. لا أرى أي شيء. إذا كنتِ تريدين أن تعرفي
الحقيقة، أنا ضائع تمامًا.
– مسكين مارتين. لا ينبغي أن تكون قاسيًا بهذا الشكل مع
نفسك.
يبتسم مارتين لها ابتسامةً واهية. وصلا إلى نوعٍ من التعادل
standoff، وللحظة لم يكن هناك
ما يُقال. تفحص digs into كلير
طعامها. تأكل باستمتاعٍ واضح، متذوقةً طعم طهوها بقضماتٍ صغيرة
متردِّدة tentative. تقول: مم. ليس
سيئًا. ما رأيك يا مارتين؟
يرفع مارتين شوكته ليأخذ قضمة، لكن وهو على وشك أن يضع الطعام
في فمه، يُلقي نظرة على كلير، مشتَّتًا بالتنهُّد الرقيق للذة
المنبعثة من حنجرتها، وانتباهه منصرفٌ لفترةٍ وجيزة عما في يده،
يميل رسغه إلى أسفل ببضع درجات. والشوكة تواصل رحلتها باتجاه فمه،
يقطر أثرٌ بسيط من حشو dressing
السلطة من الشوكة وينساب على صدر قميصه. في البداية، لا يلاحظ
مارتين، لكن فمه يُفتح وتعود عيناه إلى اللقمة البادية
looming morsel من الهليون،
ويرى فجأة ما يحدث. يقفز إلى الخلف ويترك الشوكة. ويقول: يا إلهي!
فعلْتُها مرةً أخرى!
تنتقل الكاميرا إلى كلير (التي تنفجر ضاحكةً للمرة الثالثة) في
كلوز أب. اللقطة مماثلة للقطة التي أنهَت المشهد الذي تم في غرفة
النوم في بداية الفيلم، لكن بينما كان وجه كلير جادًّا وهي تشاهد
مارتين يخرج، إلا أنه الآن ممتلئ بالحيوية، مفعَم بالبهجة، معبِّر
عما يبدو بهجةً متساميةً تقريبًا. قالت ألما: كانت مفعمةً بالحيوية حينذاك، مفعمةً بالنشاط. لا
تُوجَد في الفيلم لحظة تأسر الإحساس بالامتلاء والحياة أفضل من هذه
اللحظة. لبضع ثوانٍ، تتحول كلير إلى شيءٍ أبدي، إلى تجسيدٍ للإشعاع
الإنساني الخالص. ثم تبدأ الصورة تتلاشى، تتحلَّل على خلفية من
السواد الشديد، ورغم أن ضحكة كلير تستمر لعدة ضرباتٍ أخرى، إلا
أنها تبدأ التحلل أيضًا — تشحب في سلسلة من الأصداء، والأنفاس
المتقطِّعة، أصداء أبعد لا تنتهي.
يلي ذلك سكونٌ طويل، وخلال الثواني العشرين التالية تسيطر على
الشاشة صورةٌ ليلية واحدة؛ القمر في السماء. السحب تتراجع، الرياح
تعصف بين الأشجار، لكن أساسًا لا شيء أمامنا إلا القمر. إنه
انتقالٌ تام وهادف، وفي لحظاتٍ نكون قد نسينا التحول الكوميدي
المفاجئ في المشهد السابق. يقول مارتين:
تلك الليلة، اتخذْتُ أحد أهم القرارات في حياتي، قررْتُ ألا
اطرح أية أسئلةٍ أخرى. كانت كلير تسألني لتقفز قفزة إيمان،
وبدل أن أواصلَ الضغط عليها، قررْتُ أن أغلق عينيَّ وأقفز، لم
يكن لديَّ فكرة عما ينتظرني في القاع، لكن هذا لا يعني أنه
ليس جديرًا بالمخاطرة. وهكذا واصلْتُ السقوط … وبعد أسبوع،
بالضبط وأنا أبدأ التفكير بأنْ لا شيء يمكن أن يكون خطأً للأبد.
خرجَت كلير تتمشَّى.
يجلس مارتين إلى المكتب في الاستوديو في الطابق الثاني. يتحول
عن الآلة الكاتبة لينظر من النافذة، والزاوية تنعكس لتسجِّل مجال
رؤيته، نرى لقطةً طويلةً من أعلى
over-head لكلير تتمشَّى وحدها
في الحديقة. يبدو أن العاصفة
front الباردة وصلَت. إنها
ترتدي وشاحًا وبالطو، ويداها في جيوبها، وجليدٌ خفيفٌ متناثر على
الأرض. وحين تعود الكاميرا إلى مارتين، لا يزال ينظر من النافذة،
غير قادر على رفع عينَيه عنها. انعكاسٌ آخر، ثم لقطةٌ أخرى لكلير،
وحدها في الحديقة. تخطو بضع خطواتٍ أخرى، ثم دون سابق إنذار، تنهار
على الأرض. إنها سقطةٌ مؤثِّرة بشكل ٍمخيف. لا ترنُّح أو دوخة، أو
التواء تدريجي للركبتَين. بين خطوة والتالية. تسقط كلير في فقدانٍ
كامل للوعي، ومن الطريقة المفاجئة القاسية التي تخذلها بها قوَّتها،
تبدو وكأنها ميتة.
تنتقل الكاميرا بسرعة من zooms in
from النافذة، جالبةً الجسد الهامد لكلير إلى
المقدمة. يدخل مارتين الإطار: يجري لاهثًا في هلع. يسقط على
ركبتَيه ويضع رأسها في يدَيه، باحثًا عن علامة من علامات الحياة. لم
نعُد نعرف ماذا نتوقع. تحولَت القصة إلى سجلٍّ آخر، وبعد دقيقة من
الضحك الشديد، نجد أنفسنا في وسط مشهدٍ ميلودرامي متوتر. في
النهاية تفتح كلير عينَيها، لكن مرَّ وقتٌ كافٍ بالنسبة إلينا لنعرف أنه
ليس استعادةً للوعي بقَدْر ما هو وقفٌ للتنفيذ، تبشير بما سيأتي.
تتطلع إلى مارتين وتبتسم. ابتسامة روحانية، إلى حدٍّ ما، ابتسامة
باطنية، ابتسامة شخصٍ لم يعُد يؤمن بالمستقبل. يقبِّلها مارتين،
ينحني، ويضُم كلير في ذراعَيه، ويبدأ حملها باتجاه المنزل.
يقول: بدت على ما يرام. اعتقدنا أنها
مجرد دوخةٍ خفيفة. لكن في الصباح التالي استيقظَت كلير مصابة
بحُمَّى شديدة.
ننتقل إلى لقطة لكلير في السرير. مارتين محلقًا حولها مثل
ممرِّضة، يقيس حرارتها، يعطيها أسبرين، يمسح جبهتَها بفوطةٍ مبلَّلة،
يُطعمها حساء بالمِلعقة. يواصل: لم تشكُ.
كانت بشرتُها ساخنة باللمس، لكنها بدت في روحٍ معنويةٍ طيبة. بعد
بُرهة، دفعَتني خارج الغرفة. قالت عُدْ إلى قصتك. قلْتُ لها
سأجلسُ معك هنا، لكنها ضحكَت، وبتعبير عبوس مضحك على وجهها
قالت إذا لم تعُد إلى عملك في هذه اللحظة، فسوف تقفز من السرير
وتخلع ملابسها وتجري إلى الخارج عارية. وهذا لن يجعلها في
حالة جيدة، أليس كذلك؟
بعد لحظة، مارتين يجلس إلى مكتبه، يكتب صفحةً أخرى من قصته.
الصوت هنا قوي جدًّا — تصلصل المفاتيح بإيقاعٍ جنوني، اندفاعات
متقطعة هائلة من النشاط — ثم ينخفض الصوت، يهبط إلى ما يشبه الصمت،
ويعود صوت مارتين. نعود غلى غرفة النوم. تدريجيًّا، نرى تتابع
لقطاتٍ قريبة close-ups مفصَّلة
جدًّا، لوحات still-life renderings
of للعالم الضئيل حول سرير مرض كلير؛ كوب
ماء، حافة كتابٍ مغلق، مقياس حرارة، مقبض الباب
knob على درج طاولة الليل
night-table. يقول مارتين:
لكن في الصباح التالي، كانت الحمَّى
أسوأ. اخبرْتُها بأنني لن أعمل اليوم شاءتْ أو لم تشأْ.
جلسْتُ بجوارها لعدة ساعات، وفي العصر، بدا أنها تتجه
للتحسُّن.
تقفز الكاميرا عائدة إلى لقطةٍ واسعةٍ للغرفة، وهناك تُوجد جالسةً
في السرير، تبدو مثل كلير المرِحة القديمة. بصوتٍ جادٍّ ساخر، تقرأ
على مارتين فِقرةً من كانط بصوتٍ مرتفع: …
الأشياء التي نراها ليست في ذاتها ما نراه … وهكذا، إذا
أسقطنا موضوعنا
subject أو الشكل الذاتي
subjective لحواسِّنا، فإن كل خصائص الموضوعات وكل علاقاتها
في الفضاء والزمن، لا
nay الفضاء والزمن ذاتهما،
تتلاشى.
يبدو أن الأمور تعود إلى الطبيعي. مع تحسُّن كلير، يعود مارتين
إلى قصته في اليوم التالي. يعمل بدأَب لساعتَين أو ثلاث، ثم يتوقف
ليُلقيَ نظرة على كلير. حين يدخل غرفة النوم، يجدها نائمةً بعمق،
متكورة تحت كومة من الألحفة والبطاطين. الغرفة باردة — باردة بدرجة
تكفي أن يرى مارتين زفيره أمامه حين يُخرجه. حذَّره هيكتور من
المدفأة furnace، لكن مارتين نسي
بوضوحٍ أن ينتبه لها. حدثَت أشياء كثيرة مجنونة بعد تلك المكالمة
التليفونية، ولا بد أن اسم فورتوناتو قد سقط من ذهنه.
لكن في الغرفة مدفأة fireplace،
وبعض أكوام الخشب على الموقد
hearth. يبدأ مارتين إعداد
النار، يعمل بهدوء بقَدْر ما يستطيع حتى لا يُقلق كلير. بمجرد أن
تشتعل النيران flames catch hold،
يعدل قطع الخشب logs ببوكر
poker، وتفلِت قطعة منها من دون
قصد من تحت القِطع الأخرى. يُزعج breaks in
on الضجيج كلير في نومها. تتحرك، تتأوه بضعف
وهي تتألم thrashes about تحت
الأغطية، ثم تفتح عينَيها. يتحرك swivels
around مارتين من موضعه أمام النار. يقول: لا
أقصد أن أوقظكِ. آسف.
تبتسم كلير. تبدو ضعيفة، نفِدَت ذخيرتُها البدنية، تعي بالكاد.
تهمس: هالُّو مارتين. كيف حال رجلي الجميل؟
يمشي مارتين إلى السرير، يجلس، ويضع يده على جبهة كلير. يقول:
أنت مولَّعة burning up.
ترُد: أنا بخير. أشعر أنني في حالةٍ جيدة.
هذا هو اليوم الثالث يا كلير. أظن أنه ينبغي أن نتصل
بطبيب.
لا حاجة إلى ذلك. أعطِني فقط بعض الأسبرين. في خلال نصف ساعة
سأكون في حالةٍ طيبةٍ جدًّا good as
new.
يُخرج مارتين ثلاثة أقراص من الأسبرين من القنينة ويقدِّمها لها مع
كوب ماء. وكلير تبلع الأقراص، يقول مارتين: هذا ليس جيدًا. أفكِّر
حقًّا في أنه ينبغي أن يُلقيَ طبيبٌ نظرةً عليكِ.
تقدِّم كلير لمارتين الكوب الفارغ ويعيده إلى الطاولة. تقول:
أخبِرني بما يحدث في القصة. سوف يجعلُني هذا أشعر بأنني
أفضل.
– ينبغي أن تستريحي.
– من فضلك يا مارتين. جزءٌ صغير فقط.
لا يريد أن يخيِّب أملها، ولا يريد أن يستنفدَ قوَّتها، يقتصر ملخَّصه
على بضع جُملٍ فقط. يقول: يحل الظلام الآن. غادر نوردستروم المنزل.
أنَّا في طريقها، لكنه لا يعرف ذلك. إذا لم تصل إلى هناك بسرعة،
فسوف يقع في فخ.
– هل سوف تحيكه؟
– لا يهم. المهم أنها ذاهبةٌ إليه.
– وقعَتْ في حبه، أليس كذلك؟
– بطريقتها نعم. تخاطر بحياتها من أجله. هذا شكلٌ من أشكال الحب،
أليس كذلك؟
كلير لا ترد. غمرها overwhelmed
سؤال مارتين، وقد أثَّر فيها بقوة تجعلها لا تقدِّم ردًّا. عيناها
ممتلئتان بالدموع؛ فمُها يرتجف؛ تسطع من وجهها نظرةُ نشوةٍ قوية. كما
لو أنها وصلَتْ إلى فهمٍ جديد لنفسها، كما لو أن جسدَها كله يسطع
نورًا فجأة. تسأل: كم يتبقَّى أمامك؟
يقول مارتين: صفحتان أو ثلاث. أنا في النهاية تقريبًا.
– اكتبها الآن.
– يمكن أن تنتظر. سأكتبها غدًا.
– لا يا مارتين، اكتبها الآن. ينبغي أن تكتبها الآن.
تتباطأ الكاميرا على وجه كلير لحظة أو اثنتَين — ثم، وكأنه مدفوع
بقوة أمرها، مارتين عند مكتبه مرةً أخرى، يكتب على الآلة الكاتبة.
وتبدأ سلسلة من اللقطات المتقاطعة
cross-cuts بين الشخصيتَين.
نمضي من مارتين ونعود إلى كلير، ومن كلير نعود إلى مارتين، وفي
عشر لقطاتٍ بسيطة، ندرك في النهاية، نفهم في النهاية ما كان يحدث.
ثم يعود مارتين إلى غرفة النوم، وفي عشر لقطاتٍ أخرى يفهم في
النهاية أيضًا.
-
(١)
كلير تتلوَّى في السرير، تعاني من ألمٍ حاد، وتجاهد في
ألا تطلب مساعدة.
-
(٢)
يصل مارتين إلى نهاية صفحة، ويسحبها من الآلة
الكاتبة، ويضع ورقةً أخرى. ويبدأ الكتابة مرةً
أخرى.
-
(٣)
نرى المدفأة
fireplace.
انطفأَت النار تقريبًا.
-
(٤)
كلوز أب على أصابع مارتين، يكتب.
-
(٥)
كلوز أب على وجه كلير. أضعف مما كانت، لم تعُد
تجاهد.
-
(٦)
كلوز أب على وجه مارتين. عند المكتب، يكتب.
-
(٧)
كلوز أب على المدفأة. بضع جمراتٍ متوهجة فقط.
-
(٨)
لقطة متوسطة لمارتين. يكتب الكلمة الأخيرة في قصته.
وقفة قصيرة. ثم يسحب الصفحة من الآلة.
-
(٩)
لقطة متوسطة لكلير. ترتجف قليلًا — ويبدو أنها
تموت.
-
(١٠)
مارتين واقف بجوار مكتبه، يجمع صفحات المخطوطة.
يخرج من الاستوديو، يُمسِك بالقصة المنتهية في
يده.
-
(١١)
مارتين يدخل الغرفة مبتسمًا. يُلقي نظرة على السرير،
وبعد لحظة تنتهي الابتسامة.
-
(١٢)
لقطة متوسطة لكلير. مارتين يجلس بجوارها، يضع يده
على جبهَتها، ولا يجد أية استجابة. يضغط أذنه على
صدرها — ولا استجابة. في هلعٍ شديد، يترك المخطوطة
ويبدأ تدليك rubbing
جسدها بيدَيه، محاولًا بيأسٍ أن يُدفئها
warm her up.
إنها مرتخية؛ بشرتُها باردة؛ توقفَتْ عن التنفس.
-
(١٣)
لقطة للمِدفأة. نرى الجمرات المحتضَرة. وليست هناك
أخشابٌ أخرى في الموقد.
-
(١٤)
يقفز مارتين من السرير. منتزعًا المخطوطة وهو يمضي،
يلفُّ ويندفع باتجاه المدفأة. يبدو ممسوسًا، فاقد العقل
من الخوف. لم يبقَ إلا شيء واحد يُعمَل — وينبغي أن
يعمل الآن. من دون تردُّد، يمزِّق مارتين الصفحة الأولى من
القصة ويُلقي بها في النار.
-
(١٥)
كلوز أب على النار. تسقط كرة الورق في الرماد
وتنفجر متحولةً إلى لهب. نسمع مارتين يمزِّق ورقةً أخرى.
وبعد لحظة، تسقط الكرة الثانية في الرماد
وتشتعل.
-
(١٦)
قطع إلى كلوز أب لوجه كلير. يبدأ حاجباها
يرتجفان.
-
(١٧)
لقطة متوسطة لمارتين، قابعًا أمام النار. يُمسِك
الورقة التالية، يمزِّقها، ويُلقيها أيضًا. انفجارٌ مفاجئ
آخر للهيب.
-
(١٨)
تفتح كلير عينَيها.
-
(١٩)
يعمل بأسرعِ ما يستطيع الآن، يجمع الصفحات ويُلقيها
في النار. تدريجيًّا، تبدأ كلها في الاحتراق، كل
واحدة تُشعل الأخرى واللهب يشتد.
-
(٢٠)
تجلس كلير. ترمش مشوَّشة؛ تتثاءب؛ تفرد ذراعَيها؛ لا
يظهر عليها أي أثرٍ للمرض. بُعثَت من الموت.
تدريجيًّا تستعيد حواسَّها. تبدأ كلير التحديقَ في الغرفة، وحين ترى
مارتين أمام المِدفأة، يمزِّق المخطوطة بجنون ويلقيها في النار، تبدو
مستاءة جدًّا. تقول: ماذا تفعل؟ يا إلهي، مارتين ماذا
تفعل؟
يقول: أستردُّك. سبع وثلاثون صفحة مقابل حياتك يا كلير. إنها أفضل
صفقة عقدْتُها على الإطلاق.
– لكن لا يمكن أن تفعل ذلك. غير مسموحٍ بذلك.
– ربما غير مسموح. لكنني أفعلها، أليس كذلك؟ غيرْتُ
القواعد.
كلير مهتاجة، على وشك أن تنفجر في البكاء. تقول: أوه مارتين. لا
تعرف ماذا فعلْتَ.
غير عابئ باعتراضاتِ كلير، يواصل مارتين إطعام قصته للنار. وحين
يصل إلى الصفحة الأخيرة، يستدير إليها ونظرة انتصار في عينَيه.
ويقول: ترينَ يا كلير؟ إنها كلماتٌ فقط. سبع وثلاثون صفحة — ليست إلا
كلمات.
يجلس على السرير، وتُلقي كلير ذراعَيها حوله. إنها إيماءةٌ قوية
وعاطفية بشكلٍ مدهش، ولأول مرة منذ بداية الفيلم تبدو كلير خائفة.
تريده ولا تريده. إنها منتشية؛ إنها مروَّعة. كانت دائمًا الشخصية
القوية، الشخصية التي تتمتع بكل الجرأة والثقة، لكن وقد حل مارتين
الآن لغز فتنته، تبدو ضائعة. تقول: ماذا سنفعل؟ أخبِرني يا مارتين،
ماذا سنفعل؟
قبل أن يتمكن مارتين من الردِّ عليها، يتحول المشهد إلى الخارج.
نرى المنزل من مسافة خمسين قدمًا تقريبًا، قائمًا في وسط مكانٍ غير
محدَّد nowhere. تميل الكاميرا إلى
أعلى، تتجه إلى اليمين، وتستقر على أغصانٍ قطنية كبيرة. كل شيء
ساكن. لا رياح تهبُّ؛ لا هواء يندفع بين الأغصان؛ لا ورقة تتحرك.
تمُر عشرُ ثوانٍ، تمُر خمسَ عشرةَ ثانية، ثم، بشكلٍ مفاجئٍ جدًّا، تُظلم
الشاشة وينتهي الفيلم.