٨
بعد ذلك في اليوم نفسه، تم تدمير نسخة «مارتين فروست». ينبغي أن
أعتبر نفسي محظوظًا لأنني رأيْتُه، أنني كنتُ هناك في العرض الأخير
لفيلمٍ في مزرعة بلو ستون، لكنَّ جزءًا مني يتمنَّى لو لم تشغِّل ألما
البروجيكتور ذلك الصباح، لو لم أتعرَّض قط لإطار ذلك الفيلم القصير
الرائع والمذهل. ما كان يهمُّ لو لم أُحبه، لو كنتُ قادرًا على رفضه
باعتباره قصةً piece of
storytelling سيئة أو تافهة، لكن كان من
الواضح أنه ليس سيئًا، من الواضح أنه ليس تافهًا، وآنذاك كنتُ أعرف
ما كان على وشك أن يُفقَد، أدركْتُ أنني قطعْتُ أكثر من ألفَي ميل
لأشارك في جريمة. حين وضع «الحياة الباطنية» في النار مع بقية
أعمال هيكتور بعد ظهر ذلك اليوم من يوليو، بدا الأمر مثل مأساة
بالنسبة إليَّ، مثل نهاية العالم الملعون.
كان هذا هو الفيلم الوحيد الذي رأيتُه. لم يكن هناك وقتٌ كافٍ
لمشاهدة فيلمٍ آخر، ونظرًا لأنني رأيتُ «مارتين فروست» مرةً واحدة،
كان أمرًا جيدًا أنَّ ألما فكَّرت في أن تزوِّدني بمفكرة وقلم. ليس هناك
تناقضٌ في هذا التصريح. ربما أتمنى لو لم أرَ الفيلم قط، لكن
الحقيقة أنني رأيتُه، والآن قد تسلَّلَت الكلمات والصور بداخلي، كنتُ
ممتنًّا لأنه كانت هناك طريقةٌ للحفاظ عليها. ساعدَتْني الملاحظات
التي أخذتها في ذلك الصباح على أن أتذكر تفاصيل كانت ستضيع مني
لولا ذلك، على أن أحتفظ بالفيلم حيًّا في رأسي بعد كل تلك
السنوات. لم أنظر إلى الصفحة وأنا أكتب- خربشة بالاختصارات
التلغرافية المجنونة التي طوَّرتُها وأنا طالب — وكما لو أن قَدْرًا
كبيرًا من كتابتي بدا غير مقروء، نجحْتُ في النهاية في حل شفرة
حوالَي تسعين أو خمسة وتسعين في المائة منها. استغرق النسخُ أسابيع
من الجهد الشاق، لكن بمجرد أن أصبح عندي نسخةٌ مقبولة للحوار
وتقسيم القصة إلى مشاهدَ مرقَّمة، صار من الممكن إعادة التواصل مع
الفيلم. ينبغي أن أدخلَ في نوعٍ من النشوة لأفعل ذلك (مما يعني أنني
لا أنجح في ذلك دائمًا)، لكن إذا ركَّزتُ بقوة ودخلْتُ في المزاج
المناسب، يمكن حقًّا أن تستدعي الكلماتُ الصورَ أمامي، كما لو
أنني أشاهد «الحياة الباطنية لمارتين فروست» مرةً أخرى — أو ومضات
قليلة منه، على أية حال، مغلق عليها في غرفة العرض في جمجمتي. في
السنة الماضية، حين بدأْتُ أُداعبُ فكرة كتابة هذا الكتاب، قمتُ بعدة
استشاراتٍ مع منومٍ مغناطيسي. لم يحدُث الكثير في المرة الأولى، لكن
الزيارات الثلاث التالية أدت إلى نتائجَ مذهلة. بالاستماع إلى شرائط
تسجيل هذه الجلسات، استطعْتُ أن أملأ بعض الفجوات، أن أستعيد
عددًا من الأشياء التي بدأَت تتلاشى. سواء كانت النتائج طيبة أو
سيئة، يبدو أن الفلاسفة كانوا على حق. لا شيء مما يحدث لنا يضيع
أبدًا.
انتهَى العرض بعد الظهر ببضع دقائق. كنْتُ وألما جائعَين آنذاك،
نحتاج كلانا إلى راحةٍ قصيرة، وهكذا بدلَ أن ننخرطَ مباشرةً في فيلمٍ
آخر، خرجنا إلى الردهة ومعنا سلة الغداء. كانت بقعةً غريبة للنزهة —
قابعين على مشمع أرضية مغبر، نستخرج سندويتشات الجبن تحت صفٍّ من
المصابيح الفلورسنت — لكننا لم نكن نريد أن نضيع أي وقت في البحث
عن مكانٍ أفضلَ في الخارج. تحدَّثنا عن أم ألما، عن الأعمال الأخرى
لهيكتور، عن المزيج الغريب المقنع من الغرابة والجدية في الفيلم
الذي انتهَى للتو. قلتُ: يمكن أن تخدعنا الأفلام، أنصدِّق أي نوعٍ من
الهُراء؟ لكنني هذه المرة وقعتُ في حُب الفيلم fallen
for it. حين رجعَت كلير إلى الحياة في المشهد
الأخير، ارتجفْتُ، شعرْتُ بأنني أشاهد معجزةً حقيقية. حرق مارتين
قصته لينقذ كلير من الموت، لكن كان أيضًا هيكتور الذي يُنقذ بريجيد
أوفالون، وأيضًا هيكتور الذي يحرق أفلامه، وكلما تضاعفَت
doubled back أشياء أكثر على
نفسها بهذا الشكل، دخلْتُ الفيلم بشكلٍ أكثر عمقًا. قلْتُ: سيِّئ
جدًّا أننا لن نستطيع مشاهدته مرةً أخرى. لسْتُ متأكدًا من أنني
شاهدْتُ الرياح عن كثبٍ بما يكفي، مما إن كنتُ قد انتبهتُ إلى
الأشجار بما يكفي.
كان ينبغي أن أتحدث أطول مما تحدَّثت؛ لأنه بمجرد أن أعلنَت ألما
عن عنوان الفيلم التالي الذي سنراه (تقرير من العالم المضاد) أُغلق
بعنف بابٌ في مكانٍ ما من المبنى. كنا ننهض على أقدامنا في تلك
اللحظة — وننفض الفتات عن ملابسنا، ونتناول آخر رشفة من الشاي
المثلَّج من التُّرمس، ونستعد للعودة إلى الداخل. سمعنا صوت حذاء تنس
يضرب على المشمع. وبعد لحظتَين، يظهر جوان في طرف الرَّدهة، وحين بدأ
يُقبل نحونا بما يشبه الهرولة — جري أكثر مما هو مشي — عرفنا كلانا
أن فريدة عادت.
لبرهةٍ قصيرةٍ تالية، بدا وكأنني لم أعُد هناك. تحدَّث جوان وألما
معًا في صمت، متواصلَين بانفعال من إشارات الأيدي، وحركات الأذرع
الجارفة، ومصافحات تأكيد وإيماءات بالرأس. لم أستطع فهم ما
يقولان، لكن والإشارات تنساب ذهابًا وإيابًا بينهما، استطعْتُ ان
أرى أن ألما تصبح أكثر انزعاجًا. صارت تلميحاتها فظة ومشاكسة،
عدوانية تقريبًا في إنكارها لما يقوله لها جوان. نفَض جوان يدَيه في
وضع استسلام (بدا أنه يقول، لا تلوميني، لسْتُ إلا رسولًا)، لكن
ألما انتقدَته مرةً أخرى، وغامت عيناه بالعدوانية. ضرب قبضَتَه في
كفه، ثم استدار ووجَّه إصبعًا إلى وجهي. لم تعُد محادثة. كانت جدلًا،
وكان الجدل فجأة بشأني.
ظلِلْتُ أشاهد، ظلِلْتُ أحاول أن أفهم ما يتحدثان عنه، لكنني لم
أستطع اختراق الشفرة، لم أستطع أن أفهم ما أراه. ثم غادر جوان
المكان، وهو يسير في الردهة على ساقَيه القصيرتَين الممتلئتَين،
شرحَتْ ألما ما حدث. قالت إن فريدة عادت منذ عشر دقائق وتريد أن
تبدأ فورًا.
قلْتُ: هذا سريعٌ بشكلٍ بشع.
لن يُحرَق جسد هيكتور إلا في الخامسة بعد الظهر. ولم ترغب في أن
تتأخر في ألبوكيرك كل هذا الوقت، لذا قررت العودة إلى البيت.
تخطط لأخذ الرماد في صباح الغد.
عَمَّ كنتِ وجوان تتجادلان إذن؟ ليست لديَّ فكرةٌ عما كان يدور،
لكنه وجَّه إصبعه إليَّ. لا أحب أن يوجِّه الناس أصابعهم
إليَّ.
– كنا نتحدث عنك.
– هذا ما استنبطتُه. لكن ما علاقتي بخطَط فريدة؟ لسْتُ إلا
زائرًا.
– ظننْتُ أنك فهمْتَ.
– لا أفهم لغة الإشارة يا ألما.
– لكنك رأيْتَ أنني كنْتُ غاضبة.
– رأيْتُ بالطبع. لكنني ما زلْتُ لا أعرف السبب.
– فريدة لا تريدك هنا. تقول إن هذا خاصٌّ جدًّا، والوقت غير مناسب
للغرباء.
أتقصدين أنها تطردني من المزرعة؟
– ليس بكل هذه الكلمات. لكن هذا جوهر الأمر. تريد منك أن تغادر في
الصباح. الخطة أن نُوصلَك إلى المطار في طريقنا إلى ألبوكيرك في
الصباح.
– لكنها هي التي دعتني. ألا تتذكَّر ذلك؟
– كان هيكتور حيًّا حينذاك. وهو الآن ليس حيًّا. تغيَّرت
الظروف.
– حسنًا، ربما لها هدف. جئْتُ إلى هنا لأشاهد الأفلام، أليس كذلك؟
إذا لم تكن هناك أي أفلام لأشاهدها، ربما لا يُوجد سبب لبقائي.
رأيْتُ أحدها. الآن أستطيع أن أرى الأخرى تحترق في النار، ثم آخذ
طريقي.
– بالضبط. لا تريدك أن ترى هذا أيضًا. طبقًا لما قاله جوان لي،
ليس من شأنك.
– أوه. الآن أفهم لماذا فقدْتِ أعصابك.
– لا علاقة لك بالأمر يا ديفيد. إنه يخصُّني. إنها تعرف أنني أريدك
هنا. تحدَّثنا عن ذلك في الصباح، والآن كسرَت وعدها. إنني مستاءة
جدًّا، يمكن أن أضربَها في وجهها.
– وأين يفترض ان أختبئ والجميع في حفلة الشواء
barbecue؟
– في منزلي. قالت يمكنك أن تبقَى في منزلي. لكنني سأتحدث معها.
سأجعلها تغيِّر رأيها.
– لا تبالي. إذا كانت لا تريدني هنا، لا أستطيع أن أعتمد
stand على حقوقي وأثير ضجة،
أليس كذلك؟ إنها أرضُ فريدة، وينبغي أن أفعلَ ما تريد.
– إذن لن أذهب أنا أيضًا. يمكنها أن تحرق الأفلام الملعونة مع
جوان وكونشيتا.
– بالطبع سوف تذهبين. إنه الفصل الأخير في كتابك يا ألما، وينبغي
أن تكوني هناك لتري ما يحدث. ينبغي أن تلتزمي به حتى
النهاية.
– أريد أن تكون هناك أيضًا. لن يكون الأمر كما كان لو لم تكن
معي.
– أربع عشرة نسخة ونيجاتيف سوف تصنع جحيمًا من النيران. الكثير من
الدخان، الكثير من اللهب. بأي حظٍّ سوف أستطيع أن أراها من نافذة
منزلك؟
•••
كما تبيَّن، رأيت النار، لكنني رأيتُ دخانًا أكثر مما رأيتُ لهبًا،
ولأن النوافذ كانت مفتوحةً في منزل ألما الصغير، شممْتُ أكثر مما
رأيتُ. كان للسليوليد المحترق رائحةٌ حادةٌ لاذعة، وقد حلَّقَت المواد
الكيميائية المحمولة جوًّا في الجو لوقتٍ طويلٍ بعد ابتعاد الدخان.
طبقًا لما أخبرَتْني به ألما في ذلك المساء، استغرق الأمر من
الأربعة أكثر من ساعةٍ لإخراج الأفلام من غرفة التخزين تحت الأرض.
ثم ربطوا العلب على عربات يد ودفعوها على الأرض الصخرية إلى
منطقةٍ خلف مسرح الصوت. بمساعدة الصحف والكيروسين، أشعلوا النيران
في أسطوانتَي زيت — أسطوانة للأفلام والأخرى للنيجاتيف. قالت ألما:
احترق مخزون stock النترات القديم
بسهولة، لكن الأفلام التي ترجع إلى فترة ما بعد ١٩٥١م، التي طُبعَت
على مخزونٍ يعتمد على ثلاثي الأسيتات
triacetate-based stocks
الأكثر متانة والأقل قابلية للاشتعال، كانت هناك مشكلةٌ في اشتعالها.
كان عليهم أن يحلُّوا الأفلام من على بكراتها ويضعوها في النار
واحدًا واحدًا، وقد استغرق هذا وقتًا، أطول بكثيرٍ مما توقَّع أي
شخص. ظنوا أنهم سوف ينتهون من الأمر في الساعة الثالثة تقريبًا،
لكن الحقيقة أنهم استمروا في العمل حتى السادسة.
قضيْتُ تلك الساعات وحدي في منزلها، محاولًا ألا أفسد منفاي
resent my exile. حاولْتُ أن
أبدوَ على ما يُرام أمام ألما، لكنني في الحقيقة كنتُ غاضبًا بقَدْر ما
كانت غاضبة. كان سلوك فريدة لا يُغتفر. لا تطلبي من شخصٍ أن يأتي
إلى منزلك ثم تُلغي دعْوتَه بمجرد أن يأتي. وإذا فعلْتِ ذلك، أن
تقدِّمي تفسيرًا، وليس من خلال خادمٍ أصمَّ أبكم، ينقل الرسالة إلى شخصٍ
آخر وهو يوجِّه إصبعَه إلى وجهك. كنتُ أعرف أن فريدة في حالة ذهول،
وأنها تعيشُ يومًا من العواصف والأحزان الكارثية، لكن بقَدْر ما كنتُ
أريد أن ألتمسَ الأعذار لها، لم أستطِع إلا أن أشعُر بالإساءة. ماذا
كنتُ أفعل هناك؟ لماذا ذهبَت ألما إلى فيرمونت لتعود بي تحت تهديد
السلاح إذا كانوا لا يريدون أن يرَوني؟ كانت فريدة هي التي كتبَت
الرسائل، رغم كل شيء. كانت هي التي طلبَت منه أن يأتي إلى نيو
مكسيكو ويشاهد أفلام هيكتور. وطبقًا لما قالت ألما، استغرق الأمر
شهورًا لتُقنعَهما بدعوتي. افترضْتُ أن هيكتور كان يقاوم الفكرة وأن
ألما وفريدة أقنعتاه بها في النهاية. الآن، بعد ثمانيَ عشرةَ ساعةً
في المزرعة، كنتُ أبدأ الشك في أنني كنتُ مخطئًا.
لو لم تكن الطريقة المهينة التي عُوملتُ بها، ربما لم أكن أفكِّر في
هذه المسائل مرةً أخرى. بعد أن أنهيتُ أنا وألما من حديثنا في مبنى
ما بعد الإنتاج، حزَمْنا بقايا غدائنا وسرنا إلى دارها الريفية
adobe cottage، المشيَّدة على
ارتفاعٍ صغيرٍ عن الأرض على بعد ثلاثمائة ياردةٍ تقريبًا عن المنزل
الرئيسي. فتحَتْ ألما الباب، وكانت حقيبةُ سفري تحت أقدامنا، بالضبط
خلف حافة العتبة. كنتُ قد تركتُها في غرفة الضيوف في المنزل الآخر
في ذلك الصباح، وقد حملَها شخصٌ ما (ربما كونشيتا) بناءً على أوامر
فريدة ووضعَها على الأرض في مكان ألما. أذهلَني ذلك باعتباره إيماءةً
متغطرسةً ومستبدَّة. مرةً أخرى تظاهرْتُ بالضحك (قلْتُ: حسنًا، إن ذلك
يوفِّر لي على الأقل مشكلةَ أن أقومَ به بنفسي)، لكن تحت إشارتي
الوقحة كنتُ أغلي من الغيظ. غادرَت ألما لتنضم إلى الآخرين، وفي
الدقائق الخمسَ عشرةَ أو العشرين التالية تجوَّلتُ في المنزل، أدخل
الغُرف وأخرج منها، محاولًا التحكُّم في أعصابي. آنذاك سمعتُ صوت
عربات اليد تُقعقِع عن بُعد، رنين المعدن يحتك في الحجر، ضجَّة متقطِّعة
لعُلب الأفلام المكدَّسة تهتز وتخبط بعضها في بعض. كان على وشك أن
يبدأ. دخلْتُ الحمام، نزعْتُ ملابسي، وفتحْتُ صنابير البانيو بكل
قوَّتها.
منقوعًا في المياه الدافئة، أترك ذهني يندفع
drift بُرهة، أكرِّر الحقائق
ببطء كما فهمْتُها. ثم أقلبها وأنظر إليها من زاويةٍ مختلفة،
وحاولْتُ أن أوفِّق بين هذه الحقائق والأحداث التي حدثَت في الساعة
الماضية؛ حوار جوان العنيف مع ألما، استجابة ألما المسيئة لرسالة
فريدة (كسرتْ وعدها … يمكن أن أضربها في
وجهها)، طردي من المزرعة. كان خطًّا تأمليًّا
خالصًا من التفكير reasoning،
لكنني حين عدْتُ بتفكيري إلى ما حدث في الليلة السابقة (كرم ترحيب
هيكتور، توْقه لأن يعرض عليَّ الأفلام) وقارنتُه بما حدث من وقتها،
بدأتُ أتساءل عما إن كانت فريدة معارضة لزيارتي على طول الخط. لم
أنسَ أنها هي التي دعَتْني إلى تيرا دل سوينو، لكن ربما كتبَت تلك
الرسائل ضد إرادتها better
judgment، مستجيبة buckling
in لطلبات هيكتور بعد شهور من المشاجرات
والخلافات. إذا كانت الأمور على هذا النحو فإن أمرها لي بمغادرة
أرضها لا يمثِّل تغيرًا مفاجئًا في موقفها. كان مجرد شيءٍ يمكنها أن
تنفِّذه الآن وقد مات هيكتور.
حتى ذلك الوقت كنت أفكِّر فيهما باعتبارهما رفيقَين متساويَين.
تحدَّثَت ألما عن زواجهما ببعض الإسهاب، ولم يخطر ببالي مرةً أن
دوافعهما ربما كانت مختلفة، وأن تفكيرهما لم يكن منسجمًا تمامًا.
عقَدا اتفاقية في ١٩٣٩م لإنتاج أفلامٍ لا تُعرض أبدًا على الجمهور،
وتبنَّى الاثنان فكرة أن الأعمال التي يعملانها معًا ينبغي تدميرها
في النهاية. كانت هذه شروط هيكتور للعودة إلى صناعة السينما. كان
ذلك منعًا وحشيًّا brutal
interdiction، لكن فقط بالتضحية بالشيء
الوحيد الذي يعطي لأعماله معنًى — متعة مشاركة الآخرين فيه — يمكن أن
يبرِّر قراره بالقيام بهذه الأعمال في المقام الأول. كانت الأفلام،
إذن، شكلًا من أشكال التوبة، اعترافًا بأن دوره في القتل العارض
لبريجيد أوفالون كان إثمًا لا يمكن أن يُغتفر أبدًا. أنا رجلٌ مضحك، لعب الرب معي نكاتًا
كثيرة. حلَّ شكلٌ من أشكال العقاب محلَّ الآخر، وفي
المنطق المتشابك المعذب للذات لقراره، ظل هيكتور يسدِّد ديونًا لربٍّ
يرفضُ أن يؤمنَ به. الرصاصة التي مزَّقَت صدره في بنك ساندوسكي جعلَت من
الممكن بالنسبة إليه أن يتزوج فريدة. موتُ ابنه جعل من الممكن
بالنسبة إليه أن يعود إلى صناعة السينما. لكنه لم يبرأ في أيٍّ من
الحالتَين من مسئوليته عما حدث في ليلة ١٤ يناير ١٩٢٩م. لا المعاناة
البدنية الناتجة عن مسدَّس نوكس أو المعاناة النفسية الناتجة عن موت
تدي كانت رهيبةً بما يكفي ليتحرَّر من الذنب. صناعة الأفلام، نعم. صُبَّ
كل رطل من مواهبك وطاقاتك في صناعتها. اصنَعْها كما لو كانت حياتك
تعتمد عليها، وبمجرد أن تنتهيَ حياتك، تأكَّد من أنها تُدمَّر. محرَّم
عليك أن تخلِّف أيَّ أثرٍ وراءك.
وافقتْ فريدة على هذا كله، لكنه لا يمكن أن يكون الشيء نفسه
بالنسبة إليها. لم تقترف جريمة؛ لم تنحدر تحت ثقل ضميرٍ آثم؛ لم
تطاردها ذكرى وضعِ فتاةٍ ميتةٍ في صندوق سيارة ودفنِ جسدها في جبال
كاليفورنيا. كانت فريدة بريئة، لكنها قبلَت شروط هيكتور، منحِّية
جانبًا طموحها الخاص بأن تكرِّس نفسها لخلق عملٍ هدفه الأساسي عدم
nothingness. ينبغي أن يكون
مفهومًا بالنسبة إليَّ إن كانت قد شاهدَتْه عن بُعد — مشاركة هيكتور في
هواجسه، ربما، الشفقة عليه نتيجة هوسه، لكن رفض الاشتراك في آليات
المشروع نفسه. لكن فريدة متواطئة معه، أقوى حلفائه، وكانت غارقةً
في المسألة حتى النخاع منذ البداية. ليس فقط أنها دعَت هيكتور إلى
صناعة الأفلام مرةً أخرى (مهدِّدة بتركه إذا لم يفعل)، لكنها نقودها
هي التي موَّلُت العملية. خاطت الثياب، ورسمَت لوحات القصص
storyboards، وقصَّت الأفلام
cut film، وصمَّمَت المواقع. لا
يمكن أن تعمل بهذه الجدية في شيءٍ ما إلا إذا كنتَ مستمتعًا به، إلا
إذا كنتَ تشعر بأن جهودك لها بعض القيمة — لكن أية متعةٍ ممكنة
وجدَتْها في إنفاق كل تلك السنوات في خدمة العدم؟ على الأقل كان
يمكن لهيكتور، واقعًا في فخ معركته النفسية الدينية بين الرغبة
ونكران الذات، أن يُريح نفسَه بفكرة أن هناك هدفًا لما كان يفعله.
لم يكن يصنع الأفلام ليدمرها — لكن كان يصنعها على الرغم من أنه
سيدمِّرها. كانا عملَين منفصلَين، وكان أفضل ما في الأمر أنه لن يكون
موجودًا ليرى الثاني يحدث. سيكون ميتًا بالفعل حين تُلقَى أفلامه في
النار، ولن يمثل الأمر أيَّ فرقٍ بالنسبة إليه. لكن بالنسبة إلى فريدة،
لا بد أن العملَين كانا متماثلَين تمامًا، خطوتَين في عمليةٍ واحدةٍ
متحدة، عملية خلق وتدمير. طولَ الوقت، كانت هي المقدَّر لها أن تُشعل
الكبريت وتُنهي على العمل، ولا بد أن هذه الفكرة قد كبرَت بداخلها
والسنوات تمُر حتى تغلَّبَت على كل ما عداها. تدريجيًّا، صار مبدأً
جماليًّا في ذاته. حتى وهي تُواصِل العمل في الأفلام مع هيكتور،
لا بد أنها شعرَت بأن العمل لم يعُد يتعلق بصناعة الأفلام. إنه يتعلق
بصناعة شيءٍ ما لتدميره. ذلك هو العمل، وحتى يتم تدمير كل دليل على
العمل، لن يكون العمل موجودًا. لن يأتي إلى الوجود إلا في لحظة
إبادته — ثم والدخان يتصاعد ذات يومٍ حارٍّ في نيو مكسيكو، سوف
ينتهي.
كان في هذه الفكرة شيءٌ مثير وجميل، فهمْتُ كم كانت مُغرِية
بالنسبة إليها، وبمجرد أن سمحْتُ لنفسي بالنظر إليها من خلال عينَي
فريدة، أن أشعر بالقوة الكاملة لذلك الإنكار الصوفي
ecstatic negation، فهمْتُ
لماذا كانت تريد التخلصَ مني. كان وجودي يلوِّث نقاء اللحظة. يُفترض
أن تموت الأفلام ميتة عذراء، لا يراها أي شخصٍ من العالم الخارجي.
كان سيئًا جدًّا أن يُتاح لي رؤية أحدها، لكن الآن كانت شروط
هيكتور على وشك أن تُوضَع موضع التنفيذ، تستطيع أن تُصِرَّ على أن تتمَّ
المراسم بالطريقة التي تخيلَتها دائمًا. وُلدَت الأفلام في السر،
ويُفترض أن تموتَ في السر أيضًا. غير مسموحٍ للغرباء بالمشاهدة، ورغم
أن ألما وهيكتور بذلا جهودًا لآخر لحظة لإحضاري إلى الدائرة
الداخلية، لم تَرني فريدة قط إلا باعتباري غريبًا. ألما جزءٌ من
العائلة؛ وبالتالي اعتُبرت شاهدةً رسمية. كانت مؤرِّخة المحكمة، إذا
جاز التعبير، وبعد موتِ آخر عضوٍ من جيل أبوَيها، فإن الذكريات
الوحيدة التي تبقَى عنهم ستكون الذكريات المسجَّلة في كتابها. كان
يُفترض أن أكون شاهد الشاهدة، المشاهد المستقل الذي جُلب ليؤكد صحة
تصريحات الشاهدة. كان دورًا صغيرًا ألعبُه في هذه الدراما الكبيرة،
وقد استبعدَتْني فريدة من السيناريو. بقَدْر ما كان يهمُّها، كنتُ غير
ضروري منذ البداية.
جلستُ في البانيو حتى بردَت المياه، ثم لففتُ نفسي بفوطتَين وتباطأتُ
لعشرين دقيقة أخرى أو ثلاثين — حلاقة، ارتداء الملابس، تسريح
الشعر. وجدْتُ أن من الممتع أن أكون في حمام ألما، أقف بين
الأنابيب والبرطمانات التي تملأ أرفف الأجزخانة، التي تزحم قمة
الصندوق الخشبي بجوار النافذة. فرشاة الأسنان الحمراء في فتحتها
فوق الحوض، أحمر الشفاه في حاوياتها الذهبية والبلاستيك، فُرشاة
المسكرة وقلم الحواجب، عُلبة السدادات القطنية، الأسبرين، خيط
تنظيف الأسنان dental floss،
كولونيا تشانيل رقم ٥، زجاجة مطهِّر مضاد للميكروبات. كان كل شيء
دليلًا على الألفة، علامة على العزلة وتأمل الذات. كانت تضع
الأقراص في فمها، وتدلِّك بشرتها بالكريم، وتمرِّر الأمشاطَ والفُرشَ في
شعرها، وكل صباحٍ تدخُل هذه الغرفة وتقف أمام المرآة نفسها التي كنتُ
أنظر فيها آنذاك. ماذا كنتُ أعرف عنها؟ لا شيء تقريبًا، لكن كان من
المؤكَّد أنني لا أريد أن أفقدَها، وأنا مستعدٌّ لخوض معركة لأراها مرةً
أخرى بعد أن أغادر المزرعة في الصباح. كانت مشكلتي الجهل. لم يكن
لديَّ شك بأن هناك مشكلةً في أهل البيت، لكنني لم أكن أعرفُ ألما
بما يكفي لأستطيعَ تقديرَ المدى الحقيقي لغضبها من فريدة، ولأنني لا
أستطيع ذلك، لا أعرف الدرجة التي ينبغي أن أقلقَ بها بشأنِ ما كان
يحدث. الليلة السابقة، رأيتُهما معًا على مائدة المطبخ، ولم يكن
هناك أي أثرٍ للصراع. تذكَّرْتُ القلقَ في صوت ألما، الطلب الرقيق من
فريدة لألما بقضاء الليل في المنزل الرئيسي، إحساس الرابطة
العائلية. لم يكن غريبًا أن يتشاجر الأقارب معًا، أن يقولوا أشياء
في حرارة اللحظة ويعتذروا عنها بعد ذلك — لكن انفجار ألما كان
قويًّا جدًّا، يجيش بتهديداتٍ عنيفةٍ نادرة (في خبرتي) بين النساء.
إنني مستاءة جدًّا، يمكن أن أضربها في
وجهها. كم قالت هذا النوع من الكلام؟ هل كانت عُرضةً
للنطق بهذه التصريحات القطعية المتهورة، أم إن هذا كان يمثِّل
تحولًا جديدًا في علاقاتها بفريدة، انكسارًا مفاجئًا بعد عداءٍ
صامت؟ لو كنتُ أعرفُ أكثر ما كنتُ لأطرح السؤال. فهمتُ أن كلمات ألما
كانت على محمل الجد، وأن تهوُّرهما الشديد أثبت أن الأشياء كانت
تبدأ الخروج عن السيطرة.
انتهيتُ من الحمام، ثم واصلْتُ تجوالي في المنزل بلا هدف. كان
مكانًا صغيرًا محكمًا، مشيدًا بمتانة، تصميمه غير متقَن إلى حدٍّ ما،
لكن على الرغم من الأبعاد الضيقة، بدا أن ألما تعيشُ في جزء منه
فقط. غرفة في الخلف مخصَّصة بالكامل للتخزين. كراتين مكدَّسة بطول
حائط ونصف آخر، ودستة أو نحو ذلك من الأشياء المهمَلة ملقاة على
الأرض؛ مقعد برجلٍ مكسورة، درَّاجة صدِئة بثلاثِ عَجلات، آلة كاتبة
يدوية عمرها خمسون عامًا، تليفزيون محمول أبيض وأسود بهوائي ثنائي
القطب مقطوع snapped-off rabbit
ears، كومة من الحيوانات المحشوَّة، ديكتافون
Dictaphone، وعدة عُلب طلاء
مستخدمة جزئيًّا. وغرفة أخرى لا يوجد بها أي شيء على الإطلاق. ليس
بها أثاثٌ أو مراتبُ أو حتى مصباح. بيت عنكبوتٍ كبير معقَّد يتدلى من
ركن في السقف. بداخله ثلاث ذباباتٍ أو أربع، لكن أجسادها جافة
جدًّا، أو متقلِّصة تقريبًا إلى بُقع الرماد العديمة الوزن، حتى إنني
تخيَّلتُ العنكبوت هجر بيته وأنشأ محلًّا
shop في موضعٍ آخر.
وتبقَّى المطبخ وغرفة المعيشة وغرفة النوم والاستوديو. كنتُ أريد
ان أجلس وأقرأ كتاب ألما، لكنني لم أشعر بأن لي الحقَّ في ذلك من دون
إذنها. كانت قد كتبَت آنذاك أكثر من ستمائة صفحة، لكن تلك الصفحات
كانت لا تزال في صورة مسوَّدة، وإن لم يطلب منك الكاتب بشكلٍ خاص أن
تعلق على عملٍ قيد الإعداد، فمن غير المسموح لك بأن تختلسَ النظر
إليه. كانت ألما قد أشارت إلى المخطوطة من قبلُ (قالت:
هناك الوحش
monster)، لكنها لم تكن قد ذكرَتْ
أي شيءٍ عن قراءته، ولم أكن أريد أن أبدأ حياتي معها بخيانة ثقة.
بدلًا من ذلك، قتلْتُ الوقت بالنظر إلى كل شيءٍ آخر في الغرف
الأربع المأهولة، فاحصًا الطعام في الثلاجة، والملابس في دولاب
غرفة النوم، ومجموعات الكتب، والتسجيلات، والفيديوهات في غرفة
المعيشة. عرفْتُ أنها تشرب حليبًا منزوع الدسم وتدهن
buttered خبزها بزبدة من دون
ملح، وتفضِّل اللون الأزرق (غالبًا في الظلال القاتمة)، وتتذوق
مجالًا واسعًا من الأدب والموسيقا — فتاة هواها على هواي
after my own heart. داشيل
هاميت وأندريه بريتون؛ بيرجوليزي ومينجوس؛ فيردي وفيتجنشتاين وفيلون.
١ في أحد الأركان، وجدْتُ كل الكتب التي نشرْتُها
وهيلين لا تزال على قيد الحياة — مجلدَين في النقد وأربعة كتب من
القصائد المترجمة — وأدركْتُ أنني لم أرَ الستة كلها معًا قط خارج
منزلي. وعلى رفٍّ آخر، كانت هناك كتبٌ لكلٍّ من هوثورن
Hawthorne وميلفيل
Melville وإيمرسون
Emerson وثورو
Thoreau. سحبتُ مختارات بغِلافٍ
عادي من قصص هوثورن ووجدتُ قصة «الوحمة»، التي قرأتُها أمام المكتبة
على الأرض القرميد الباردة، محاولًا تخيُّل ما لا بد أن ألما شعرَت به
حين قرأَتها وهي فتاةٌ صغيرة. بالضبط وأنا أصل إلى النهاية
(
كانت الظروف الخاطفة قويةً جدًّا
بالنسبة إليه؛ فشل في النظر إلى ما وراء المجال الغامض
للزمن …) شممت أول هبَّة من الكيروسين تهبُّ من خلال
نافذة في ظهر المنزل.
جعلَتني الرائحة مجنونًا بعض الشيء، ونهضْتُ على قدمي فورًا
وبدأْتُ السير مرةً أخرى. دخلْتُ المطبخ، وشربْتُ كوبًا من الماء،
ثم واصلْتُ إلى استوديو ألما؛ حيث سرْتُ في دوائر لعشرِ دقائقَ أو
خمسَ عشرةَ دقيقة، مقاومًا الرغبة الشديدة في قراءة مخطوطتها. إذا
لم أكن أستطيع أن أفعل أي شيء للحيلولة دون تدمير أفلام هيكتور،
يمكنني على الأقل أن أحاول فهم لماذا كان التدمير يحدث. لا شيء من
الإجابات التي قُدمَت لي حتى ذلك الوقت اقتربَت من تفسيره. بذلْتُ
أقصى ما في وسعي لأتتبَّع الحُجة، لأخترقَ التفكير الذي قادهم إلى هذا
الوضع القاسي المحبِط، لكن وقد اشتعلَت النيران، فقد أذهلَني الأمر
باعتباره عبثيًّا وفظيعًا وبلا هدف. كانت الإجابات في الكتاب،
الأسباب في الكتاب، أصول الفكرة التي أدَّت إلى هذه اللحظة في
الكتاب. جلسْتُ إلى مكتب ألما. كانت المخطوطة إلى يسار الكمبيوتر
بالضبط — كومة هائلة من الصفحات مع حجَر على قمتها ليحولَ دون تطاير
الصفحات. رفعْتُ الحجر، وكانت الكلمات التي تحته: «الحياة الآخرة
لهيكتور مان»، تأليف ألما جروند. قلبْتُ الصفحة، وكان الشيء
التالي الذي صادفتُه عبارةً مقتبَسةً للويس بونويل. كانت الفِقرة من
«تنهيدتي الأخيرة»، الكتاب نفسه الذي تعثَّرتُ فيه في استوديو هيكتور
في ذلك الصباح. بدأ الاقتباس: بعد برهة،
اقترحْتُ أن نحرقَ النيجاتيف في المكان في دو تيرا في
مونتمرتر، شيءٌ ينبغي أن أفعلَه من دون تردُّد اتفقَت عليه الجماعة.
في الحقيقة، كنتُ سأفعله اليوم؛ يمكن أن أتخيَّل محرقةً هائلة في
حديقتي الصغيرة حيث كل نُسخ النيجاتيف الخاصة بي وكل نُسخ
أفلامي تضيع في اللهب. ما كان الأمر ليمثِّل أي اختلاف (لكن،
بشكلٍ غريب، اعترض السرياليون على اقتراحي.)
كسر هذا اللغزَ broke the spell
إلى حدٍّ ما. كنتُ قد رأيت بعضَ أفلام برونويل في الستينيات
والسبعينيات، لكنني لم أكن على علمٍ بسيرته الذاتية، وقد استغرق
الأمر بضع لحظات للتفكير فيما قرأتُه للتو. نظرتُ إلى أعلى وبتحويل
انتباهي عن مخطوطة ألما — وإن يكن لفترةٍ وجيزة — مُنِحْتُ وقتًا
للتماسك، للتوقف قبل أن أذهبَ أبعدَ من ذلك. أعدْتُ الصفحة الأولى
إلى حيث كانت، ثم غطيْتُ العنوان بالحجَر. وأنا أفعل هذا، مِلْتُ
إلى الأمام في مقعدي، مغيرًا موضعي بما يكفي لأستطيع رؤية شيءٍ لم
ألاحظه من قبل؛ مفكِّرة خضراء صغيرة على المكتب، في منتصف المسافة
بين المخطوطة والحائط. كانت في حجم كتاب التعبير في المدرسة، ومن
الحالة الرثَّة للغِلاف والتشقُّق
nicks والتمزُّق
tears بطول الحافة
cloth spine، فهمْتُ أنها
قديمةٌ جدًّا. قلتُ لنفسي: قديمة جدًّا بشكلٍ يجعلها إحدى مفكِّرات
هيكتور — وهو ما تبين أنه صحيح.
قضيتُ الساعاتِ الأربعَ التالية في غرفة المعيشة، جالسًا في مقعدٍ
قديم من مقاعد النوادي والمفكِّرة في حجْري، وقد قرأتُها مرتَين من
البداية إلى النهاية. كانت ستًّا وتسعين صفحة، تغطِّي سنةً ونصفَ سنة
تقريبًا — من خريف ١٩٣٠م إلى ربيع ١٩٣٢م — بادئة بمدخلٍ يصف درسًا من
دروس الإنجليزية لهيكتور مع نورا، وتنتهي بفِقرة عن تمشيةٍ ليليةٍ في
ساندوسكي بعد عدة أيامٍ من اعترافه بذنبه لفريدة. لو كانت لديَّ أي
شكوك بشأن القصة التي أخبرَتْني بها ألما، فقد تبدَّدَتْ بما قرأتُه في
تلك المفكِّرة. هيكتور بكلماته هو نفسه هيكتور الذي تحدثَتْ عنه في
الطائرة، الروح المعذبة نفسها، الذي هرب من الشمال الغربي
Northwest، واقترب من قتل
نفسه في مونتانا بولاية شيكاجو، وفي كليفلاند، وقد استسلم
للانحطاط في ارتباطٍ لستة أشهر بسيلفيا ميرز، وتلقَّى طلقة في بنك
ساندوسكي وعاش. كان يكتب بيدٍ صغيرةٍ عنكبوتية
spidery، وكثيرًا ما يُوجد شطبٌ
لجُمل وكتابة فوقها بالقلم الرصاص، كلمات بهجاء خطأ، بُقع حبر،
ولأنه كان يكتب على وجهَي الورقة، لم يكن من السهل دائمًا تبيُّن ما
كتب. لكنني نجحْتُ. أعتقد أنني تبيَّنتُ معظمه تدريجيًّا، وكلما حلَلتُ
شفرة فِقرة، كانت الحقائقُ تتفقُ مع رواية ألما، وتتفقُ التفاصيل.
باستخدام المفكِّرة التي أعطتها لي، نسخْتُ بعض المداخل المهمة،
ناقلًا إياها
؟ بالكامل ليكون عندي سجلٌّ بكلمات هيكتور بالضبط. وكان
من بينها محادثته الأخيرة مع رِد أوفالون في حانة بلو بل،
والمواجهة الكئيبة مع ميرز في المقعد الخلفي للسيارة الشفريليه،
وفِقرة ترجع إلى الفترة التي قضاها في ساندوسكي (حيث كان يعيش في
منزل آل سبلينج بعد خروجه من المستشفَى)، ويُنهي بها
المفكرة:
٣ / ٣ / ٣٢م. مشيت كلب ف. الليلة. شيء أسود ملتف يُسمَّى أرب
Arp، على اسم الفنان.
رجل دادا Dada. كان
الشارع مهجورًا. الضباب في كل مكان، من المستحيل تقريبًا
أن أرى أين كنْتُ. ربما مطر أيضًا، لكن القطرات رقيقة
جدًّا بحيث تبدو مثل بخار. إحساس بأنني لم أعُد على الأرض،
بالسير خلال السُّحب. اقتربنا من لمبة شارع، وفجأة بدأ كل
شيء يُومض، يتألق في الظلام. عالم من النُّقط، مائة مليون
نقطة من الضوء المنعكس. غريبة جدًّا، جميلة جدًّا؛ تماثيل
من الضباب المضيء. كان أرب يندفع على المقود، يستنشق.
واصلنا السير، وصلنا إلى نهاية المبنى، ودرنا حول الركن.
لمبة أخرى في الشارع، ثم متوقفين لحظة وأرب يرفع ساقه،
شيءٌ ما يلفِت نظري. ومضة على الرصيف، انفجارٌ ساطع يخرج من
الظلال. كان فيه صبغة مزرقة — أزرق غني، أزرق عيني ف.
قبعْتُ لأُلقي نظرةً أفضل فرأيتُ أنه حجَر، ربما جوهرة من نوعٍ
ما. اعتقدتُ أنه حجَر القمر، أو ياقوت أزرق، أو ربما مجرد
قطعة من زجاجٍ مقطوع. صغير في حجم خاتم، أو بشكلٍ آخر خرزة
سقطَت من عقد أو سوار، حلَق ضائع. فكَّرتُ في البداية أن
أعطيه لابنة أخ ف، دوروثيا، ابنة فريدة، وهي في الرابعة من
العمر. دوتي الصغيرة. كثيرًا ما تأتي إلى المنزل. تُحب
جدَّتها، تُحب اللعب مع أرب، تُحب ف. شبح فاتن، مجنونة بالحلي
والزخارف، وترتدي دائمًا ملابسَ برية
wild. قلتُ لنفسي: سوف
أُعطي الحجر لدوتي. هكذا بدأْتُ ألتقطه، لكن في اللحظة
التي لمسَت فيها أصابعي الحجر، اكتشفْتُ أنه لم يكن كما
ظننتُ. كان طريًّا، وقد تهشَّم حين لمسْتُه، متفككًا إلى طينٍ
رطبٍ زلق. الشيء الذي ظننتُه حجرًا كان كتلةً من بصقة إنسان.
شخصٌ مرَّ من هنا أفرغَ فمه على الرصيف، وتجمَّع اللعاب على شكل
كرة، كرة من الفُقاعات ناعمة متعددة الأوجه. والضوء يسطع
من خلالها، ومع انعكاسات الضوء محوِّلة هذا الظل اللامع من
الأزرق، بدت مثل شيءٍ جامد وصلب. في اللحظة التي أدركْتُ
فيها غلطتي، اندفعَتْ يدي إلى الخلف كما لو أنني احترقْتُ.
شعرتُ بغثيان، وطغى عليَّ شعور بالاشمئزاز. كانت أصابعي
مغطَّاة باللعاب. ربما لا يكون الأمر بهذا السوء حين يكون
لعابك، لكنه مقزِّز حين يأتي من فمِ غريبٍ. أخرجْتُ منديلي
وجفَّفتُ أصابعي بقَدْر ما أستطيع. وحين انتهيت، لم أجرؤ أن
أضع المنديل في جيبي مرةً أخرى. حملتُه في طرف أصابعي وسرتُ
إلى نهاية الشارع ووضعتُه في أول سلة مهملاتٍ
رأيتُها.
بعد ثلاثة شهور من كتابة هذه الكلمات. تزوَّج هيكتور وفريدة في
غرفة المعيشة في منزل مسز سبلينج. ذهبا إلى نيو مكسيكو في شهر
العسل، واشتريا الأرض، وقرَّرا البقاء هناك. الآن فهمتُ لماذا أطلقا
على مكانهما اسم مزرعة الحجر الأزرق. كان هيكتور قد رأى الحجر
بالفعل، وعرف أنه ليس موجودًا، أن الحياة التي كانت على وشك أن
يبنياها كانت مؤسَّسةً على وهم.
•••
انتهَى الحريق في الساعة السادسة تقريبًا، لكن ألما لم تعُد إلى
الدار الريفية قبل السابعة تقريبًا. كان لا يزال هناك نورٌ في
الخارج، لكن الشمس بدأَت تغرب، وأتذكَّر كم امتلأ المنزل بسطوعٍ قبل
أن تمُر من الباب؛ أشعة هائلة من الضوء تخترق النوافذ، سيل من
الوميض الذهبي والبنفسجي ينتشر في كل ركنٍ من الغرفة. كان غروبي
الصحراوي الثاني فقط، ولم أكن مستعدًّا لهجوم مثل هذا الإشعاع.
انتقلتُ إلى الأريكة، واستدرتُ في الاتجاه المعاكس لأُبعِد البريقَ عن
عينيَّ، لكن بعد استقراري في البقعة الجديدة ببضع دقائق، سمعْتُ
المزلاج يلفُّ في الباب من خلفي. تدفَّق مزيدٌ من الضوء في الغرفة؛
تياراتٌ من الشمس الحمراء المُسالة، موجةٌ عارمة من الإشراق.
استدرْتُ، حاجبًا عينيَّ للوقاية، وكانت ألما في المدخل المفتوح،
غير مرئية تقريبًا، مخطط طيفي والضوء ينبعث من خلال أطراف شعرها،
كائن يشتعل.
ثم أغلقتُ الباب، واستطعْتُ أن أرى وجهَها، وأن أنظر في عينَيها
وهي تقطع غرفة المعيشة وتُقبل باتجاه الأريكة. لا أعرفُ ما كنتُ
أتوقَّعه منها حينذاك. ربما دموعًا أو غضبًا أو عرضًا مُفْرِطًا
للمشاعر، لكن ألما بدت هادئة بشكلٍ لافت، لم تعُد مضطربة بقَدْر ما
كانت منهَكة، مستنفَدَة الطاقة. سارت حول الأريكة من اليمين، غير
مهتمة على ما يبدو بأن تُريَني الوحمة على الجانب الأيسر من وجهها،
وأدركْتُ أنها كانت أول مرة تفعل ذلك. لكنني لم أكن متأكدًا مما
إن كان ينبغي أن أعتبر ذلك تقدمًا في العلاقة أو أنه يرجع إلى عدم
الانتباه، أو عرَض من أعراض التعب. جلسَت بجواري من دون أن تنطق
بكلمة، ثم مالت برأسها على كتفي. كانت يداها قذرتَين، وكان قميصُها
ملوثًا بالهباب. وضعْتُ ذراعيَّ حولها وضممتُها برهة، غير راغب في
أن أضغطَ عليها بالأسئلة، أن أضغطَ عليها لتتحدث حين لا ترغبُ في
ذلك. في النهاية، سألْتُها إن كانت على ما يُرام، وحين ردَّت بنعم،
أنا على ما يرام، فهمْتُ أنها ليست لديها رغبة في مواصلة الحديث.
قالت إنها آسفة لأن الأمر استغرقَ منها كل هذا الوقت، لكن باستثناء
تقديم بعض التفسيرات للتأخير (وكانت ما سمعته بشأن أسطوانات
الجاز، وعربات اليد … إلخ)، لم نتطرق إلى الموضوع بقية الليل.
قالت: بعد الانتهاء من الأمر، عادت بفريدة إلى المنزل الرئيسي.
ناقشتا ترتيبات الغد، ثم وضعَت فريدة في السرير بقرصٍ منوم. كانت
ستعود مباشرة عند هذه النقطة، لكن التليفون في الدار الريفية كان
على الحافة blink (كان يعمل
أحيانًا، وأحيانًا لا يعمل)، وبدل أن تجرِّبه، اتصلَت من تليفون
المنزل الرئيسي وحجزَت تذكرةً لي على رحلة الصباح إلى بوسطن. كانت
الطائرة ستغادر ألبوكيرك في الثامنة وسبعٍ وأربعين دقيقة. كانت
الرحلة إلى المطار تستغرق ساعتَين ونصفَ ساعة في السيارة، ولأنه من
غير الممكِن أن تستيقظ فريدة مبكرًا بما يكفي لتُوصلَنا في الوقت
المناسب، كان الحل الوحيد طلب سيارة
van لتأتي إليَّ بدلًا من
ذلك. كانت ترغبُ في أن تأخذَني إلى هناك بنفسها، أن تراني أُقلع في
الطائرة بنفسها، لكنها هي وفريدة من المقرَّر أن يكونا في الجبَّانة
في الحاديةَ عشرة، وكيف تستطيع القيام بجولتَين إلى ألبوكيرك قبل
الساعة الحادية عشرة. لا يُمكِن بالحساب math didn’t
compute. حتى إذا غادرَت معي مبكرًا في
الخامسة، فلن تستطيع العودة ثم السفر والعودة مرةً أخرى في أقلَّ من
سبعِ ساعاتٍ ونصف. قالت: كيف أفعل ما لا أستطيع أن أفعلَه؟ لم تكن
مسألةً بلاغية. كان تصريحًا عن نفسها، إعلانًا عن البؤس. كيف بحقِّ
الجحيم أن أفعلَ ما لا أستطيع أن أفعلَه؟ ثم، محوِّلة نظرها إلى صدري،
انهارت فجأة وبكت.
أخذْتُها إلى الحمام، وفي نصف الساعة التالية جلسْتُ بجوارها
على الأرض، غاسلًا ظهرَها وذراعَيها وساقَيها وثديَيها ووجهَها ويدَيها،
وشعرَها. استغرق الأمر بعضَ الوقت قبل أن تكُف عن البكاء، لكن بدا
تدريجيًّا أن العلاج جاء بالتأثير المرغوب. قلْتُ لها: أغلقي
عينَيك، لا تتحركي، لا تنطقي بكلمة، ذوبي فقط في الماء واتركي
نفسك. كنتُ متأثرًا بمدى استسلامها عن طيب خاطرٍ لأوامري، بمدى عدم
ارتباكها نتيجة عُرْيها. كانت أول مرة أرى جسدَها في النور، لكن ألما
تصرَّفَت كما لو كانت تنتمي إليَّ بالفعل، كما لو كنا قد تجاوزنا
المرحلة التي نحتاج غلى التساؤل فيها بشأن هذه الأمور. استرخت في
ذراعيَّ، واستسلمَت لدفء المياه، واستسلمَت من دون قيد أو شرط لفكرة
أنني الشخص الذي يرعاها. لم يكن هناك أحدٌ آخر. كانت تعيش وحيدة في
هذه الدار في السنوات السبع الأخيرة، وكنتُ أنا وهي نعرف أنه قد
حان الوقت لتنتقل منه. قلْتُ: سوف تأتين إلى فيرمونت. سوف تعيشين
معي هناك حتى تنتهي من كتابك، وكل يوم أعطيك حمَّامًا. سوف أعمل
في كتاب شاتوبريان، وتعملين في سيرتك، وحين لا نعمل، نمارس الجنس.
سوف نمارس الجنس في كل ركنٍ من المنزل. سوف نقيم مهرجاناتٍ لممارسة
الجنس ثلاثة أيام في الفناء الخلفي والغابة. سوف نمارس الجنس حتى
لا نستطيع الوقوف مرةً أخرى، ثم نعود إلى العمل، وحين ينتهي عملنا،
نغادر فيرمونت ونذهب إلى مكانٍ آخر. أي مكانٍ تقولين عليه يا ألما.
أريد أن أستمتع بكل الفرص. لا شيء مستحيل.
كان تهورًا أن أقول ذلك في هذه الظروف، عرضًا سوقيًّا وفظيعًا
جدًّا، لكن الوقت كان قصيرًا، ولم أكن أريد أن أغادر نيو مكسيكو
من دون أن أعرف أين نقف؛ لذا خاطرْتُ وقرَّرتُ أن أثير المسألة، مقدمًا
قضيَّتي بأغلظ الكلمات التي يمكن أن أفكِّر فيها وأكثرها وضوحًا. ومما
يُحسب لألما أنها لم تجفل. كانت عيناها مغلقتَين حين بدأْتُ،
وأبقتهما مغلقتَين حتى نهاية الخطبة، لكنني لاحظْتُ عند نقطةٍ معيَّنة
أن ابتسامةً ترتسم في زاويتَي فمها (أعتقد أنها بدأَت حين استخدمتُ
كلمة الجنس
fuck للمرة الأولى)، وكلما
واصلْتُ الحديث إليها أكثر كبرَتْ هذه الابتسامة. لكن حين انتهيْتُ
لم تقُل أي شيء، وبقيَت عيناها مغلقتَين. قلْتُ: حسنًا؟ ماذا تظنين
think؟ ردَّت ببطء: أظن أنني لو
فتحتُ عينيَّ الآن فقد لا تكون هنا.
قلْتُ: أفهم ما تقصدين. من الناحية الأخرى، إذا لم تفتحي عينَيك،
فلن تعرفي أبدًا ما إن كنتُ أنا أم لا، أليس كذلك؟
– لا أظن، أنا شجاعة بما يكفي.
– بالطبع أنتِ شجاعة. وبالإضافة إلى ذلك تنسين أن يديَّ في
البانيو. إنني ألمسُ فِقراتك ومؤخرتك small of your
back. لو لم أكن هنا ما استطعْتُ أن أفعل
ذلك، أليس كذلك؟
– كل شيءٍ ممكن. يمكن أن تكونَ أي شخصٍ آخر، شخص يتظاهر بأنه ديفيد.
دجال.
– وماذا يفعل دجَّال معكِ هنا في هذا الحمام؟
– يملأ رأسي بأوهامٍ شريرة، يجعلني أصدِّق أنني يمكن أن أمتلك ما
أريد. لا يوجد غالبًا شخصٌ يقول بالضبط ما تريد أن يقول. ربما
قلْتُ هذه الكلمات أنا نفسي.
– ربما. أو ربما قالها شخصٌ ما لأن الشيء الذي يريده هو الشيء نفسه
الذي تريدينه.
– لكن ليس بالضبط. لا يكون أبدًا بالضبط، أليس كذلك؟ كيف يمكن أن يقول بالضبط الكلمات التي في عقلي؟
– بفمه. منه تأتي الكلمات. من فم شخصٍ ما.
– أين ذلك الفم إذن؟ دعني أشعر به. اضغط هذا الفم على فمي يا
سيدي. إذا بدا بالطريقة التي يُفترض أن يبدو بها، فسأعرف أنه فمك لا
فمي؛ ومن ثَم ربما أبدأ أصدِّقك.
وعيناها لا تزالان مغلقتَين، رفعَت ألما ذراعيها في الهواء،
ومدَّتها بطريقة الأطفال الصغار — طالبة أن تُحضَن، طالبة أن تُحمَل —
فمِلْتُ وقبَّلْتُها، طاحنًا
crushing فمي على فمها
ومفرقًا parting شفتَيها بلساني.
كنتُ على ركبتيَّ — ذراعاي في الماء، ويداي مستريحتان على ظهرها،
وكوعاي مغروسان pinned في جانب
البانيو- وألما تمسك بقفاي وتجذبني إليها، فقدْتُ توازني وسقطتُ
فوقها. نزل رأسانا تحت الماء لحظة، وحين رفعناهما مرةً أخرى، كانت
عينا ألما مفتوحتَين. كان الماء ينسكب على حافة البانيو، وكنا
نلهث، لكن بدون توقُّف لنأخذ أكثر من رشفة من الهواء، عدلنا وضعَنا
وبدأنا القُبل في شوق. كانت أول عدة قُبلات، أو الكثير من القُبلات.
لا يمكن أن أكون مسئولًا عن المداعبات التي تلَتْ ذلك، المناورات
المعقَّدة التي مكَّنتْني من جذب ألما خارج الحمام وشفتاي مغروستان
في شفتَيها، ناجحًا في ألا أفقد التماسَّ مع لسانها، لكن أتتْ لحظة
كانت فيها خارج الماء وكنت أجفِّف جسدَها بفوطة. أتذكَّر ذلك، أتذكَّر
أيضًا ما بعد تجفيف جسدها، نزعَت قميصي المبلول وفكَّت حزام بنطلوني.
يمكن أن أراها تفعل ذلك، ويمكن أيضًا أن أراني أقبِّلها، يمكن أن
أرانا كلينا ننزل على كومة من الفوط ونمارس الحب على
الأرض.
كان المنزل مظلمًا حين تركنا الحمام. بضع ومضاتٍ من النور في
النوافذ الأمامية، سحابة رقيقة لامعة تتمدَّد في الأفق، بقايا غسق.
ارتدينا ملابسنا، شربنا جرعتَين من التكيلا
٢ في غرفة المعيشة، ثم دخلنا إلى المطبخ لنجهِّز بعض
العشاء. تاكو مجمدة،
٣ بازلاء مجمَّدة، وبطاطس مهروسة — تجمع آخر مخصَّص، تصنعه
بالمتوفر. لم يكن مهمًّا. اختفَى الطعام في تسع دقائق، ثم عدنا إلى
غرفة المعيشة وصبَبْنا لأنفسنا دورًا آخر من الشراب. من تلك اللحظة
لم نتحدث أنا وألما إلا عن المستقبل، وحين زحفنا إلى السرير في
الساعة العاشرة، كنا لا نزال نضَع الخطط، نُناقش ما ستكون عليه
حياتُنا بعد أن تنضم إليَّ في الرابية الصغيرة في فيرمونت. لم نكن
نعرف متى ستكون قادرةً على الذهاب إلى هناك، لكننا تصوَّرنا أن ذلك
أكثر من أسبوع أو اثنَين لتلف الأشياء في المزرعة، ثلاثة أسابيع
على أقصى تقدير. وفي أثناء ذلك، سنتحدث في التليفون، وحين يكون
الوقت متأخرًا جدًّا أو مبكرًا جدًّا بالنسبة للمكالمات، يمكن أن
نرسل فاكسات. قلنا: مهما يكن، فسنكون على اتصال يوميًّا.
غادرْتُ نيو مكسيكو من دون أن أرى فريدة مرةً أخرى. كانت ألما تأمل
أن تأتيَ إلى الدار وتودِّعني، لكنني لم أتوقَّع ذلك. كانت قد شطبَتْني
بالفعل من قائمتها، ونظرًا للساعة المبكرة لرحيلي (كان مقررًا أن
تأتي السيارة في الخامسة والنصف)، بدا من غير المحتمل أنها ستتكبَّد
مشقة أن تخسر أي نومٍ من أجلي. وحين لم تظهر، ألقَت ألما باللوم على
القرص الذي تناولَته قبل النوم. بدا ذلك لي تفاؤلًا إلى حدٍّ ما.
طبقًا لقراءتي للموقف، ما كانت فريدة لتأتي تحت أي ظروف — حتى إذا
كانت السيارة ستغادر في الظهيرة.
في ذلك الوقت، لم يبدُ أيُّ شيءٍ من هذا بالغ الأهمية. رنَّ المنبه في
الخامسة، ومع نصف ساعةٍ فقط لتجهيز نفسي والخروج من المنزل، لم أكن
لأفكِّر في فريدة على الإطلاق لو لم يُذكر اسمها. ما كان يهمُّني ذلك
الصباح أن أستيقظَ مع ألما، وأتناولَ القهوة معها على الدرجات
الأمامية للمنزل، وأستطيع لمسها مرةً أخرى. مترنحًا وأشعث تمامًا،
غبيًّا تمامًا بالسعادة، مشوشًا
bleary تمامًا بالجنس والبشرة
والأفكار بشأن حياتي الجديدة. لو كنتُ أكثر يقظةً لفهمتُ أنني كنتُ
أبتعد، لكنني كنتُ مرهقًا جدًّا ومتسرعًا جدًّا في كل شيء إلا
الإيماءات البسيطة؛ حضْن أخير، قُبلة أخيرة، ثم تتوقف السيارة أمام
الدار، ويحين موعد الرحيل. عُدنا إلى المنزل لإحضار حقيبتي، ونحن
نخرج مرةً أخرى، سحبَت ألما كتابًا من طاولةٍ قرب الباب وأعطته لي
(قالت: لتُلقيَ عليه نظرة في الطائرة)، ثم كان هناك آخر آخر حضْن،
وآخر آخر قُبلة، ثم انطلقتُ إلى المطار. لم أدرك إلا في منتصف
الطريق أن ألما نسيَت أن تُعطيَني الزنكس.
في أي يومٍ آخر، كنتُ سأطلب من السائق أن يلفَّ ويرجعَ إلى المزرعة.
وقد كِدتُ أفعل هذا حينذاك، لكن بعد التفكير في الخزي الذي سينجم عن
ذلك القرار — عدم اللحاق بالطائرة، إظهار أنني جبان، وتأكيد حالتي
بأنها وهنٌ عصابي — نجحتُ في كبح هلَعي. لقد قمتُ بالفعل برحلة من دون
دواء مع ألما. وكانت الحيلة الآن أن أرى إن كنتُ أستطيع أن أفعلَ
ذلك وحدي. بقَدْر ما كان التشتيت ضروريًّا، تبيَّن أن الكتاب الذي
أعطته لي ساعدني كثيرًا. كان أكثر من ستمائة صفحة، وكان يزن ثلاثة
أرطال تقريبًا، وقد بقي في صحبتي كلَّ الوقت الذي قضيتُه في الهواء.
خلاصة وافية عن الزهور البرية بعنوانٍ فظٍّ مباشر «أعشاب الغرب
Weeds of the West»، من تأليف
فريق من سبعة مؤلفين (وُصِف ستة منهم بأنهم اختصاصيون في تنمية
الأعشاب Extension Weed
Specialists؛ وكان السابع مدير أعشاب أيومنج
Wyoming-based Herbarium
Manager)، نشرَتْه، بشكلٍ مناسب، جمعيةٌ ما اسمها
الجمعية الغربية لعلم الأعشاب، بالتعاون مع خدمات الإرشاد
التعاوني في جامعات منح أراضي غرب الولايات المتحدة
Western United State Land Grant Universities
Cooperative Extension Services. عمومًا، لم
أكن مهتمًّا كثيرًا بعلم النبات. لم أكن أعرفُ إلا أسماء بضعِ عشراتٍ
من النباتات والأشجار، لكن هذا المرجع، الذي يحتوي على تسعمائة
صورةٍ فوتوغرافيةٍ ملوَّنة وأوصافٍ دقيقةٍ لمواطن أكثر من أربعمائة نوع
وخصائصها، جذب انتباهي لعدة ساعات. لا أعرف لماذا وجدتُه جذابًا
جدًّا، لكن ربما كان ذلك يرجع إلى أنني كنتُ قادمًا للتو من أرض
النباتات الشائكة المتعطِّشة للمياه وأريد أن أرى المزيد منها، ولم
يكن لديَّ كفايتي. التُقطَت معظم الصور عن قرب، من دون شيء في الخلفية
إلا سماء خاوية. أحيانًا قد تحتوي الصورة على بعض الأعشاب المحيطة
بها، بقعة من الوحل، أو حتى بشكلٍ أقل، صخرة بعيدة أو جبل. ومن
اللافت غياب البشر، أية إشارة إلى نشاطٍ بشري. كانت نيو مكسيكو
مأهولة لآلاف السنين، لكن بالنظر إلى الصور في الكتاب لا تشعر أن
شيئًا حدث هناك، أن تاريخها كله مسح. ليس هناك سكان منحدرات
cliff dwellers، ليس هناك
بقايا أثرية، ليس هناك فاتحون إسبان، ليس هناك قساوسةٌ يسوعيون،
ليس هناك بات جاريت وبيلي الصغير Pat Garrett and
Billy the Kid، ليس هناك هنودٌ حمر، ليس هناك
بُناة القنبلة الذرية. لم يكن هناك إلا الأرض وما يغطِّي الأرض،
النمو الهزيل للجذوع والسيقان والزهور الصغيرة الشوكية التي نبتَت
في التربة الجافة؛ تقلَّصَت حضارة إلى معرفةٍ سطحية بالأعشاب.
النباتات، في ذاتها، لم تكن شيئًا يستحق النظر إليه، لكنَّ أسماءها
كانت لها موسيقا مؤثِّرة، وبعد أن تفحَّصتُ الصور وقرأتُ الكلمات التي
تصاحبها (شفرة الورقة بيضاوية إلى مسنَّنة
Leaf blade ovate to lanceolate in
outline … أكين
مفرطَح، مضلَّع ومجعَّد، مع بابوس بشعيراتٍ دقيقة Achenes are flattened, ribbed and rugose, with
pappus of capillary bristles)، توقفتُ قليلًا
لأدوِّن بعض هذه الأسماء في مفكِّرتي. بدأتُ في صفحةٍ جديدةٍ مباشرة بعد
الصفحات التي استخدمتُها لتسجيل فِقراتٍ من مفكِّرة هيكتور، وكانت
بدورها تلي وصف «الحياة الباطنية لمارتين فروست». كان للكلمات
سُمْك سكسوني مطاط، وقد استمتعتُ بنطقها لنفسي، بالإحساس بأصدائها
الهادئة الرنانة على لساني. وأنا أنظر إلى القائمة الآن، تُذهلني
بوصفها تجمعًا عشوائيًّا للمقاطع، يكاد يكون بربريًّا، من لغةٍ
ميتة — ربما من لغة كان يتم بها الحديثُ ذات يومٍ على المريخ.
بور شيرفيل. سبريدينج دوجبان. لبريفورم ميلكويد. سكيلتونليف
بورساج. كومن ساجورت. نودنج بيجار ستيكز. بلمليس ثيستل. سكواروز
نابويد. هاري فلي بان. بريستلي هوكسبيرد. كورليكب جنويد. سبوتد
كاتسير. تانسي راجورت. ريدل جراوندسيل. بليسد ميلكثيستل. بافرتي
سمبويد. سباينلس هورسبارش. سبايني كوكليبور. ويسترن ستيكلايت.
سمولسيد فلسفاكس. فليكسوود تانسيموستارد. دايرز واد. كلاسبنج
بيبرويد. بلادر كامبيون. نيتليف جوزفوت. دودر. بروستيت سبورج.
توجروفد ميلكفيتش. إيرفلاستنج بيفاين. سيلكي كريزيويد. تود رش.
هينبيت. بربل ديدنيتل. سبورد أنودا. بانيسل ويلوويد. فلفتي جورا.
ريبجت بروم. مكسيكيان سبرانجليتوب. فُلْ بانيكوم. رات تيل فيسكو.
شارب بوينت فلوفيلين. دالماتيان تودفلاكس. بيلوبد سبيدويل. ساكرد
داتورا.
•••
بدَت لي فيرمونت مختلفةً بعد عودتي. غبتُ ثلاثة أيام وليلتَين فقط،
لكن كل شيء صغُر في غيابي؛ مغلَق على نفسه، مظلم، ودبق
clammy. خضرة الغابة حول
منزلي بدت غير طبيعية، من المستحيل أن تكون خِصبةً مقارنةً بالبني
المصفر والبني في الصحراء. الهواء مثقل بالرطوبة، الأرض طرية تحت
القدمَين، وحيثما التفتُّ رأيت النمو البري لحياة النبات، حالات
مرعبة من التحلل؛ الأغصان twigs
المشبعة وبقايا القشور تَبلى على المسارات، وخيوط الفطريات على
الأشجار، وبُقع العفن الفطري على جدران المنزل. بعد بُرهة، فهمْتُ
أنني أنظر إلى هذه الأشياء بعينَي ألما، محاولًا رؤيتها بوضوحٍ جديد
لأُعِد نفسي ليوم انتقالها إلى هنا معي. مرَّت الرحلة إلى بوسطن بشكلٍ
جيد، أفضل مما تمنَّيت، وقد خرجْتُ من الطائرة وأنا أشعر بأنني
أنجزْتُ شيئًا مهمًّا. في المخطط الكبير للأمور، ربما لم يكن
كبيرًا، لكن في المخطط الصغير للأمور، في المكان الميكروسكوبي
الذي تُكسَب فيه المعارك الخاصة أو تُخسَر، يُعتبر انتصارًا
فريدًا. شعرْتُ بأنني أقوى مما كنتُ في أي وقتٍ في السنوات الثلاث
الماضية. قلتُ لنفسي: كامل تقريبًا، مستعد تقريبًا لأصبح حقيقيًّا
مرةً أخرى.
لعدة أيام تالية، ظلِلتُ مشغولًا بقَدْر ما أستطيع، معالجًا المهام
على عدة جبهات في الوقت ذاته. واصلتُ العمل في ترجمة شاتوبريان،
أخذتُ شاحنتي المخبَّطة إلى الورشة لإصلاحها، ونظَّفتُ المنزل تمامًا —
حككتُ الأرضية، ولمعتُ الأثاث، ونفضتُ الغبار من على الكتب. كنتُ أعرف
أنه لا يمكن لأي شيء أن يُخفيَ البشاعة الأساسية في المعمار، لكن
كان يمكنني على الأقل جعل الغرف منسَّقة، وأُضفي عليها بريقًا لم
تعرفه من قبلُ. وكانت المشكلة الوحيدة اتخاذ قرارٍ بشأن ما أفعله
بالصناديق في غرفة النوم الاحتياطية — التي نويتُ أن أحوِّلها إلى
غرفة مكتب لألما. ستحتاج إلى مكانٍ تُنهي فيه كتابها، مكان تذهب
إليه حين تحتاج لأن تكون وحدها، وهذه هي الغرفة الوحيدة المتوفرة.
لكن كان مكان التخزين في بقية المنزل محدودًا، ومن دون علِّية
attic ومن دون جراج تحت تصرُّفي،
كان القبو المنطقة الوحيدة التي يمكن أن أفكِّر فيها. وكانت مشكلة
هذا الحل الأرضية القذرة. كلما هطل المطر، يمتلئ القبو بالمياه،
وأية كرتونة تُترك فيه من المؤكد أن تتعرَّض للبلَل. ولتجنُّب هذه
الكارثة، اشتريتُ ستًّا وتسعين طوبة وثمانية مستطيلاتٍ كبيرة من
الخشب الرقائقي plywood. برصِّ
الطوب بارتفاع ثلاث طوبات، نجحْتُ في بناء منصة ترتفع عن مستوى
المياه في أسوأ فيضانٍ زارني. ولمزيدٍ من التأمين ضد تأثيرات
الرطوبة، غطيتُ كل كرتونة في شنطة قمامة من البلاستيك وسددتُ الفتحة
بشريط. ينبغي أن يكون هذا كافيًا، لكن الأمر استغرق يومَين آخرَين
لأجمعَ شجاعتي وأحملَها إلى القبو. كل ما بقي من أُسرتي كان في هذه
الكراتين. فساتين هيلين وجيباتها. فرشاة شعرها وجواربها. معطف
المطر الكبير بغطاء رأسٍ من الفرو. قفاز البيسبول الخاص بتود وكتبه
المصوَّرة. مكعَّبات ماركو والرجال البلاستيك. السيارة الذهبية
بالمرآة المشروخة. هوتي توتي Hooty
Tooty الدب المحشو. زِر حملة والتر مونديل
Walter Mondale campaign
button. لم يكن لديَّ استخدام لهذه الأشياء،
لكنني لم أستطع قط أن أتخلصَ منها، ولم أفكِّر حتى في تقديمها صدقة.
لم أكن أريد أن ترتدي ملابسَ هيلين أية امرأةٍ أخرى، ولا أريد أن
يضع أولادٌ آخرون كابات الولدَيْن ماركة رِد سوكس على رءوسهم. كان أخذ
هذه الأشياء إلى القبو يُشبه دفنها في الأرض. لم تكن النهاية،
لكنها كانت بداية النهاية، أول خطوة
milestone في طريق النسيان.
من الصعب أن أفعلَها، لكنها ليست بنصف صعوبة التحليق بالطائرة إلى
بوسطن. بعد أن انتهيْتُ من إخلاء الغرفة، ذهبتُ إلى بلاتلبورو
واشتريْتُ أثاثًا لألما. اشتريتُ لها مكتبًا من خشب الماهوجني،
ومقعدًا جلديًّا يتحرك إلى الخلف والأمام بالضغط على زِر تحت
القاعدة، وخزانة ملفَّات من شجر البلوط، وسجَّادة أنيقة متعددة
الألوان. أتت الفاتورة بأكثر من ثلاثة آلاف دولار دفعْتُها
نقدًا.
افتقدْتُها. مهما تكن خطَّتنا طائشة، لم تكن لديَّ أي شكوك بشأنها
أو إعادة التفكير فيها. اندفعْتُ في حالة من السعادة العمياء،
منتظرًا اللحظة التي تكون فيها قادرةً في النهاية على القدوم إلى
الشرق، وعندما بدأتُ أفتقدُها كثيرًا جدًّا، أفتح باب الفريزر وأُلقي
نظرة على المسدس. كان المسدَّس دليلًا على أن ألما كانت هنا بالفعل —
وإذا كانت قد حضرَت إلى هنا ذات يوم، فليس هناك سببٌ للاعتقاد في
أنها لن تعود. في البداية، لم أفكِّر كثيرًا في حقيقة أن المسدس كان
لا يزال مشحونًا، لكن بعد يومَين أو ثلاثة أيام بدأَت الفكرة
تزعجني. لم ألمسْه طوالَ ذلك الوقت، لكن بعد ظهيرة أحد الأيام، فقط
لأكون آمنًا، أخرجْتُه من الثلاجة وحملتُه إلى الغابة، حيث أفرغتُ
الطلقات الست كلها في الأرض. صدر عنها ضجيجٌ يشبه سلسلة من الألعاب
النارية الصينية، مثل انفجار شنطٍ ورقية. وحين عدْتُ إلى المنزل،
وضعْتُ المسدَّس في الدرج العلوي في الطاولة المجاورة للسرير. لم
يعُد قادرًا على القتل، لكن ذلك لا يعني أنه كان أقلَّ قوة، أقلَّ
خطورة. إنه يجسد قوَّة فكرة، وكلما نظرتُ إليه، أتذكَّر كم اقتربَت هذه
الفكرة من تدميري.
كان التليفون في دار ألما بحالات، ولم أكن أصل إليها دائمًا حين
أتصل به. قالت: خطأ في التوصيلات، ارتباطٌ واهٍ في موضعٍ ما من
النظام، مما يعني أنني حتى بعد أن أطلبَ رقمها وأسمع النقرات
والصفارات clicks and beeps
السريعة الواهية التي توحي بأن الاتصال تم، لا يرنُّ الجرس عندها.
لكن كثيرًا ما يعوَّل على هذا التليفون في المكالمات الصادرة. في
اليوم الذي عدتُ فيه إلى فيرمونت، قمتُ بعدة محاولاتٍ غير ناجحة
للاتصال بها، وحين اتصلَت ألما في النهاية في الساعة الحاديةَ عشرةَ
(الساعة التاسعة بتوقيت الجبال)، قرَّرْنا أن نلتزم بهذا الترتيب في
المستقبل. تتصل بي بدلًا من العكس. كلما تكلمنا بعد ذلك، نُنهي
المكالمة بتحديد وقت المكالمة التالية، ولثلاث ليالٍ جرى الروتين
بيسر من حيلة في عرضٍ سحري. نقول الساعة السابعة على سبيل المثال،
وفي السابعة إلا عشر دقائق أمكثُ في المطبخ أصبُّ لنفسي كأسًا من
التكيلا (واصلنا شرب التكيلا معًا، حتى عن بُعد)، وفي السابعة
بالضبط، بالضبط وعقرب الثواني يتحرك ليحدِّد الساعة، يرنُّ التليفون.
وبدأتُ أعتمد على دقة هذه المكالمات. كانت دقة ألما دليلًا على
الإيمان، التزامًا بمبدأ أن شخصَين في جزأَين مختلفَين من العالم
يمكن رغم ذلك أن يفكِّرا بالطريقة نفسها في كل شيءٍ تقريبًا.
ثم في الليلة الرابعة (الليلة الخامسة بعد مغادرتي تيرا دل
سوينو)، لم تتصل ألما؟ ظننتُ أن هناك مشكلة في تليفونها؛ وبالتالي
لم أتصرَّف مباشرة. ظلِلتُ قابعًا في موضعي، أنتظر بصبرٍ أن يرن
التليفون، لكن حين امتد الصمتُ عشرين دقيقةً أخرى، ثم ثلاثين دقيقة،
بدأتُ أقلق. إذا كان التليفون معطلًا، ينبغي أن ترسل فاكسًا لتفسِّر
عدم اتصالها بي. كانت آلة فاكس ألما متصلة بخطٍّ آخر، ولم يكن هناك
قط خللٌ مع الرقم. كنتُ أعرف أنه من دون جدوى، لكنني رفعتُ السماعة
واتصلتُ بها على أية حال — بتوقع نتيجةٍ سلبية. ثم فكرتُ في أنها ربما
تكون قد انشغلَت في أمرٍ ما مع فريدة، اتصلتُ برقم المنزل الرئيسي،
لكن كانت النتيجة نفسها. اتصلتُ مرٍةً أخرى، فقط لأتأكد من أنني طلبتُ
الرقم بشكلٍ صحيح، لكن مرةً أخرى لم يكن هناك رد. في ملاذٍ أخير،
بعثتُ كلمة قصيرة بالفاكس: أين أنتِ ألما؟ هل
كل شيءٍ على ما يُرام؟ محتار. من فضلكِ اكتبي (فاكس) إذا كان
التليفون معطلًا. أُحبكِ، ديفيد.
كان في منزلي تليفونٌ واحد فقط، وكان في المطبخ. إذا صعدتُ إلى
غرفة النوم، أخشى ألا أسمعه يرنُّ إذا اتصلَت ألما في وقتٍ متأخرٍ من
الليل — أو إذا سمعتُ لا أستطيع أن أصل في الوقت المناسب إلى الطابق
الأرضي لأردَّ عليه. لم أكن أعرفُ ماذا أفعل مع نفسي. انتظرْتُ في
المطبخ لعدة ساعات، آملًا في أن يحدث شيءٌ ما، وفي النهاية حين
تجاوزَت الساعة الواحدة صباحًا، ذهبتُ إلى غرفة المعيشة وتمدَّدتُ على
الأريكة. كانت مجموعة السوست والوسائد المليئة بالنتوءات نفسها التي
حوَّلتُها إلى سريرٍ مؤقَّت لألما في أول ليلة كنا فيها معًا — مكان
مناسب للتفكير في أفكار مرَضية. ظلِلتُ فيها حتى الفجر، معذبًا نفسي
بتصادم سياراتٍ متخيلة، حرائق، طوارئ طبية، تعثُّر قاتل على السلالم.
في لحظةٍ ما استيقظَت الطيور وبدأَت تشدُو على الأغصان في الخارج.
وبعد ذلك بوقتٍ قصيرٍ غلبني النوم بشكلٍ غير متوقع.
لم أظنَّ قط أن تفعل فريدة بألما ما فعلَته بي. كان هيكتور يريد أن
أبقَى في المزرعة وأشاهد أفلامه، ثم مات، وحالت فريدة دون حدوث
ذلك. وكان هيكتور يريد أن تكتب ألما سيرته. وقد مات هيكتور، لماذا
لم يخطر على بالي أن فريدة يمكن أن تعمل على منع الكتاب من النشر؟
كان الموقفان متماثلَين تقريبًا، لكنني لم أرَ التماثل، فشلتُ تمامًا
في ملاحظة أوجه التشابه بينهما. ربما لأن الأعداد كانت متباعدة.
كانت مشاهدة الأفلام ستستغرق مني أربعة أيام أو خمسة، وكانت ألما
تعمل في كتابها لما يقرب من سبع سنوات. لم يمُرَّ بعقلي قط أن يكون
هناك شخصٌ بشع بما يكفي ليأخذ سبع سنواتٍ من عمل شخصٍ ويمزِّقها. كنتُ
أفتقر ببساطةٍ للشجاعة على التفكير في هذه الفكرة.
لو كنتُ أعرف ما يأتي ما كنتُ تركتُ ألما وحدها في المزرعة. كنتُ
أرغمتها على أن تجمع مخطوطتها وأدفعها إلى السيارة وآخذها معي إلى
المطار في ذلك الصباح الأخير. حتى لو لم أتصرَّف على هذا النحو حينذاك،
ربما كان من الممكن أن أفعل شيئًا قبل فوات الأوان. كان بيننا
أربعُ مكالماتٍ تليفونية منذ عودتي إلى فيرمونت، وقد ذُكر اسم فريدة
فيها كلها. لكنني لم أكن أريد الحديث عن فريدة. كان ذلك الجزء من
القصة قد انتهَى بالنسبة لي آنذاك، ولم أكن مهتمًّا إلا بالحديث عن
المستقبل. ثرثرتُ لألما عن المنزل، عن الغرفة التي كنتُ أُعِدُّها لها،
عن الأثاث الذي طلبته. كان ينبغي أن أطرحَ عليها بعض الأسئلة،
ضاغطًا عليها لمعرفة الحالة المزاجية لفريدة، لكن بدا أن ألما
كانت تستمتع بالاستماع إليَّ وأنا أتحدث عن هذه الأمور المنزلية.
كانت في المراحل الأولى من الاستعداد للانتقال — تملأ كراتين
بملابسها، مقرِّرة ما تأخذه وما تتركه خلفها، سائلة إياي عن الكتب
المكرَّرة في مكتبي من الكتب التي لديها — وكانت المشكلة آخر ما
تتوقعه.
بعد مغادرتي إلى المطار بثلاث ساعات، انطلقَت ألما وفريدة
بالسيارة إلى الجبانة funeral
parlor في ألبوكيرك لإحضار جرَّة رماد هيكتور.
وفي وقتٍ متأخر من ذلك اليوم، في ركنٍ هادئ من الحديقة نثرتا رماد
هيكتور بين شجيرات الورد وأحواض الخزامى. كانت البقعة نفسها التي
لدغَت النحلة فيه تادي، وكانت فريدة مرتجفةً تمامًا خلال المراسيم،
متماسكةً دقيقة أو اثنتَين ثم استسلمَت لنوباتٍ طويلة من البكاء
الصامت. حين تحدثتُ أنا وألما في التليفون في تلك الليلة، أخبرَتْني
بأن فريدة لم تبدُ قط هشةً إلى هذه الدرجة في نظرها، قريبة بهذه
الدرجة إلى الانهيار. في وقتٍ مبكرٍ من صباح اليوم التالي، سارت إلى
المنزل الرئيسي واكتشفَت أن فريدة كانت مستيقظةً بالفعل — تجلس على
الأرض في غرفة مكتب هيكتور، تنقِّب في جبالٍ من الأوراق والصور
الفوتوغرافية واللوحات المفرودة في دائرة حولها. قالت لألما:
السيناريوهات بعد ذلك، وبعد ذلك أخذَت تواصل البحث المنظم في كل
وثيقةٍ ترتبط بإنتاج الأفلام؛ صفحات القصص المصورة
storyboard folios، مخططات
الملابس، مسودات تخطيط المشاهد، رسوم الإضاءة، ملاحظات للممثلين.
قالت لا بد من حرق هذا كله، لن تُبقي على أي شيء.
بالفعل، بعد أن غادرْتُ المزرعة بيوم، كان نطاق التدمير قد
تغيَّر، مدفوعة لاستيعاب تفسيرٍ أوسع لإرادة هيكتور. لم تعُد الأفلام
فقط. كان كل جزء من دليلٍ يمكن أن يثبت أن الأفلام وُجدَت في يومٍ من
الأيام.
كانت هناك حرائقُ في كلٍّ من اليومَين التاليَين، لكن ألما لم تشارك
فيها، تاركة جوان وكونشيتا يعملان مساعدَين وهي تُواصل عملها. في
اليوم الثالث، تم سحب الديكور
scenery من الغُرف الخلفية
لمسرح الصوت وأُحرق. أُحرقَت الركائز
props، أُحرقَت الملابس، أُحرقَت
مفكرات هيكتور. حتى المفكرة التي قرأتُها في منزل ألما أُحرقَت، وكنا
لا نزال عاجزين عن معرفة إلى أين تتجه الأمور. كانت تلك المفكرة
مكتوبة في أوائل الثلاثينيات، قبل أن يعود هيكتور إلى صناعة
الأفلام بوقتٍ طويل. كانت قيمتها الوحيدة مصدرًا للمعلومات في سيرة
ألما. تدمير هذا المصدر، وحتى إذا نُشر الكتاب في النهاية، فإن
القصة التي ترويها لم تعُد قابلة للتصديق. ينبغي أن نفهم ذلك، لكن
حين واصلنا الحديث في التليفون تلك الليلة، ذكرَتْ ألما ذلك بصورةٍ
عابرة. كان الخبر الكبير في ذلك اليوم يتعلق بالأفلام الصامتة
لهيكتور. كانت نسخٌ من هذه الأفلام متداولة بالفعل، بالطبع، لكن
كانت فريدة قلقةً من أنها لو اكتُشِفتْ في المزرعة، قد يربط شخصٌ ما
بين هيكتور سبلينج وهيكتور مان؛ ومن ثَم قررَتْ أن تحرقَها أيضًا.
وجدَتْها ألما تقول: مهمة بشعة، لكن ينبغي أن تتم بالكامل. إذا
تُرِك جزءٌ من المهمة من دون أن يتم، فإن كل الأجزاء الأخرى ستصبح
بلا معنًى.
رتَّبنا أن نتحدث مرة أخرى في الساعة التاسعة من مساء اليوم
التالي (السابعة بتوقيتها). ستكون ألما في سوروكو
Sorocco معظم وقت بعد الظهر —
تتسوق في سوبر ماركت، وتتابع بعض الأمور الشخصية — لكن حتى رغم أن
رحلة العودة إلى تيرا دل سورينو تستغرق ساعةً ونصفًا بالسيارة،
تصوَّرنا أنها ستعود إلى الدار بحلول السادسة. حين لم تكلِّمني، بدأ
خيالي على الفور يملأ الفراغات، وحين تمدَّدتُ على الأريكة في الساعة
الواحدة، كنت مقتنعًا بأن ألما لم تعُد إلى الدار، بأن شيئًا
رهيبًا حدث لها.
اتضح أنني كنتُ محقًّا ومخطئًا. مخطئًا في أنها لم تعُد إلى
البيت، لكنني محقٌّ في كل ما عدا ذلك — وإن لم يكن بالطريقة التي
تخيلتُها. وصلَت ألما أمام منزلها بعد السادسة ببضع دقائق. لم تكن
تُغلق الباب بالقفل قَط؛ ومن ثَم لم تقلق كثيرًا حين اكتشفَت أن باب
الدار مفتوح، لكن الدخان كان يتصاعد من المدخنة، وقد أذهلَها ذلك
باعتباره أمرًا غريبًا، غير مفهوم تمامًا. كان يومًا حارًّا من
أيام يوليو، وحتى لو جاء جوان وكونشيتا لتوصيل غسيلٍ جديد أو كانا
يأخذان الزبالة، فلماذا يُشعلان نارًا؟ تركَت ألما البقالة في مؤخِّرة
سيارتها وذهبَت مباشرة إلى المنزل. قابعةً أمام الموقد في غرفة
المعيشة كانت فريدة تمزِّق الورق وتُلقي به في النار. إيماءة
لإيماءة، كانت إعادة تمثيل دقيقة للمشهد الأخير في «مارتين
فروست»: نوربرت ستاينهوس يحرق مخطوطةَ قصته في محاولةٍ مستميتةٍ
لإعادة أم ألما إلى الحياة. كان بعضُ رماد الورق يتطاير في الغرفة،
يحلِّق حول فريدة مثل فراشاتٍ سوداء جريحة. حواف الأجنحة تُومض لحظةً
بالبرتقالي، ثم تتحول إلى رماديٍّ فاتح. كانت أرملة هيكتور غارقةً
تمامًا في عملها، عازمة بقوة على أن تُنهيَ المهمة التي بدأَتها، حتى
إنها لم ترفع عينَيها قط حين دخلَت ألما من الباب. كانت الأوراق غير
المحترقة موزَّعة على ركبتَيها، كومة صغيرة من صفحات ثماني بوصاتٍ
ونصف في إحدى عشرة بوصةً ونصف، ربما عشرون ورقة أو ثلاثون، ربما
أربعون. إذا كان هذا كل ما بقي، فإن الصفحات الستمائة الأخرى قد
انتهت بالفعل.
بكلماتها، دخلَت ألما في نوبة جنون، خطبة وحشية، انفجار مجنون من
الصِّياح والصُّراخ. اندفعَت عبْر
charged across غرفة المعيشة،
وحين وقفَت فريدة لتحميَ نفسها، دفعَتْها ألما جانبًا. قالت إن هذا كل
ما تستطيع أن تتذكَّره. دفعة عنيفة، وتخطَّت فريدة بالفعل، تعدو
باتجاه غرفة مكتبها والكمبيوتر في ظهر المنزل. المخطوطة المحترقة
ليست إلا نسخة مطبوعة. كان الكتاب على الكمبيوتر، وإن لم تكن
فريدة قد عبثَت بالقرص الصلب أو عثرَت على أيٍّ من الأقراص
الاحتياطية، فلن يكون قد ضاع شيء.
أملٌ للحظة، موجةٌ سريعة من التفاؤل وهي تعبُر عتبة الغرفة، ثم لا
أمل. دخلَت ألما غرفة المكتب، وكان أول ما رأت مكانًا خاليًا حيث
كان الكمبيوتر. كان المكتب عاريًا؛ ليست هناك شاشة، ليست هناك
لوحة مفاتيح، ليست هناك طابعة، وليس هناك الصندوق البلاستيك
الأزرق الذي يضُم واحدًا وعشرين قرصًا مرنًا معَنْوَنًا وثلاثة
وخمسين ملفًّا بحثيًّا مختلفًا. استولَت فريدة عليها كلها. لا شك
أن جوان كان معها، وإذا فهمَت ألما الموقف بشكل صحيح، فإنه قد فات
الأوان لعمل أي شيء. سيكون الكمبيوتر مهشمًا؛ وتكون الأقراص ممزقة
إلى قِطعٍ صغيرة. وإن لم يكن ذلك قد حدث بعدُ، فأين تبدأ البحث عنها؟
كانت المزرعة تمتد على مساحة أربعمائة فدان. كل ما يمكن أن تفعلَه،
أن تحدِّد بقعةً في مكانٍ ما، وتحفر حفرة، ويختفي الكتاب إلى
الأبد.
لم تكن متأكدةً من المدة التي قضتها في غرفة المكتب. اعتقدَتْ
أنها عدة دقائق، لكن ربما كانت أطولَ من ذلك، ربما تصل إلى ربع
ساعة. تتذكَّر الجلوس إلى المكتب ووضع يدَيها على وجهها. قالت إنها
ودَّتْ أن تصرخ، أن تستسلم لنوبة من الصُّراخ والنحيب المتصل، لكنها
كانت لا تزال مذهولةً جدًّا بشكل لا يجعلها تبكي، ولذا لم تفعل أي
شيء إلا الجلوس هناك والاستماع إلى نفَسها في يدَيها. عند نقطةٍ
معيَّنة، بدأَت تلاحظ كم صار المنزل هادئًا. افترضَتْ أن ذلك يعني أن
فريدة غادرَت المكان بالفعل — أنها خرجَت ببساطة وعادت إلى المنزل
الآخر. ظنَّت ألما أن هذا ما كان بالضبط. لا يمكن أن تُلغي أية حجة
أو تفسير ما حدث، وكانت الحقيقة أنها لا تريد أن تتحدث أبدًا مع
فريدة مرةً أخرى. هل كان ذلك صحيحًا؟ قرَّرَت: نعم، كان صحيحًا. إذا
كانت الحال هكذا، فإن الوقت قد حان لتنصرفَ من هناك. يمكن أن تحزمَ
حقيبتها، وتركبَ سيارتها، وتقودها إلى نُزلٍ قريب من المطار. وأول ما
تفعله في الصباح أن تكون على طائرة في طريقها إلى بوسطن.
كان ذلك حين نهضَت ألما من المكتب وتركَت الغرفة. لم تكن الساعة
السابعة بعدُ، لكنها كانت تعرفُني بما يكفي لأن تكون متأكدةً من أنني
في منزلي — أحوم حول التليفون في المطبخ أصبُّ لنفسي كأسًا من
التكيلا متوقعًا مكالمتها. ما كانت لتنتظرَ حتى الموعد المحدَّد.
سُرِقَتْ للتو سنواتٌ من عمرها، ضربها العالَم في رأسها، وكان عليها
أن تتحدث معي آنذاك، أن تبدأ الحديثَ إلى شخصٍ ما قبل أن تنهمر
الدموع ولا تستطيع إخراجَ الكلمات من فمها. كان التليفون في غرفة
النوم، الغرفة التالية لغرفة المكتب. كل ما كان عليها أن تفعلَه أن
تستديرَ إلى اليمين حين تخرج من الباب، وبعد عشرِ ثوانٍ تجلس على
السرير وتطلب رقمي. لكن حين وصلَت إلى عتبة غرفة المكتب تردَّدَتْ
لحظة واستدارت إلى اليسار بدلًا من ذلك. كان الشرر يتطاير في كل
أرجاء غرفة المعيشة، وقبل أن تستقر في محادثةٍ طويلة معي، عليها أن
تتأكَّد من أن النار خمدَت. كان قرارًا معقولًا، شيءٌ صحيح ينبغي
القيام به في ظل هذه الظروف. وهكذا انعطفَت هذه الانعطافة إلى
الجانب الآخر من المنزل، وبعد لحظة تحوَّلَت قصةُ تلك الليلة إلى قصةٍ
مختلفة، وصارت الليلة ليلةً مختلفة. ذلك مرعبٌ لي؛ ليس فقط لعجزي عن
منعِ ما حدث، لكن بمعرفتي بأن ألما لو اتصلَت بي أولًا، ربما ما كان
ليحدث على الإطلاق. كانت فريدة لا تزال ترقد ميتةً على أرضية غرفة
المعيشة، لكن لم تكن أية استجابة لألما مماثلة، لا شيء مما حدث
بعد أن اكتشفَت الجسد جرى كما كان. ربما جعلها الحديث معي تشعر
بأنها أقوى بعض الشيء، أقل جنونًا بعض الشيء، مستعدة بشكلٍ أفضل
بعضَ الشيء لامتصاص الصدمة. لو كانت قد أخبرَتْني بشأن الدَّفْعة، على
سبيل المثال، ووصفَت لي كيف دفعَت فريدة ببطن يدها قبل أن تجري إلى
غرفة المكتب، ربما استطعتُ أن أحذِّرها من العواقب المحتمَلة. كان
يمكن أن أقولَ لها إن الناس يفقدون توازنهم، ويتعثَّرون إلى الخلف،
ويسقطون، وتصطدم رءوسهم بأشياء صلبة. اذهبي إلى غرفة المعيشة
وتبيَّني حقيقة الأمر. تبيَّني إن كانت فريدة لا تزال هناك، وتذهب
ألما إلى غرفة المعيشة من دون أن تغلق التليفون. ربما استطعتُ أن
أتحدث إليها مباشرةً بعد اكتشاف الجسد، فتهدأ، ويعطيها فرصةً
للتفكير بشكلٍ أكثر نقاءً، تتوقف وتفكِّر قبل ان تندفع للشيء الصعب
الذي يُفترض أن تفعله. لكن ألما تردَّدَت في المدخل، واستدارت إلى
اليمين بدلًا من اليسار، وحين وجدَت جسد فريدة يرقد مكومًا على
الأرض، نسيَت الاتصال بي. لا، لا أعتقد أنها نسيَت، لا أقصد أن أوحي
بأنها نسيت — لكن الفكرة كانت تتشكل بالفعل في رأسها، ولم تكن
تستطيع أن تُمسِك بالتليفون. بدلًا من ذلك، ذهبَت إلى المطبخ، جلسَت
مع قنِّينة من التكيلا وقلم، وقضت بقية الليلة تكتُب خطابًا
لي.
كنتُ نائمًا على الأريكة حين وصل الفاكس. كانت السادسة صباحًا في
فيرمونت، لكن كان الليل لم ينتهِ في نيو مكسيكو، وايقظَتني الآلة في
الرنة الثالثة أو الرابعة. كنتُ قد نمتُ قبل أقلَّ من ساعة، غارقًا في
غيبوبة الإنهاك، ولم أُدرِك الرنَّات الأولى إلا بتغيير الحُلم الذي
كنت أحلُمه في تلك اللحظة — كابوس بشأن المنبِّهات
alarm clocks والمواعيد
النهائية وضرورة اليقظة لألقي محاضرة بعنوان «استعارات الحب». لا
أتذكر غالبًا أي أحلام، لكنني أتذكَّر ذلك الحلم، بالضبط كما أتذكَّر
كل ما حدث لي بعد أن فتحتُ عينيَّ. نهضتُ، مدركًا الآن أن الصخب لا
يأتي من المنبه في غرفة نومي. كان التليفون يرن في المطبخ، لكن
حين وقفتُ على قدمي وترنحتُ عبر غرفة المعيشة، كان الرنين قد توقَّف.
سمعتُ طقطقةً واهيةً في الآلة، علامةً على أن انتقال فاكس على وشك أن
يبدأ، وفي النهاية حين وصلْتُ إلى المطبخ، كانت القِطع الأولى من
الخطاب تخرج من خلال الفتحة. لم تكن هناك آلاتُ فاكس بورقٍ عادي في
١٩٨٨م. تخرج الورقة في لفائف — ورقة مهلهلة بغطاءٍ إلكتروني خاص —
وحين تتلقَّى خطابًا، يبدو مثل شيءٍ أُرسل من الماضي البعيد؛ جزء من
توراة half of a Torah، أو رسالة
منقولة من ساحة معركة إترورية
Etruscan. قضت ألما أكثر من
ثماني ساعات تؤلِّف خطابها، تتوقف وتبدأ بشكلٍ متقطع، تُمسِك بالقلم
وتضعه مرةً أخرى، تزداد سُكْرًا باستمرار والليل يمضي، وكانت
الحصيلة النهائية أكثر من عشرين صفحة. قرأْتُها كلها وأنا أقفُ على
قدميَّ، ساحبًا كل لفة وهي تشقُّ طريقها خارج الآلة. كان الجزء
الأول يروي الأشياء التي لخصتُها للتو؛ احتراق كتاب ألما، واختفاء
الكمبيوتر، واكتشاف جسد فريدة في غرفة المعيشة. وانتهَى الجزء
الأخير بهذه الفِقرات:
ليس لي في الأمر حيلة. لسْتُ قوية بما يكفي لأن أحملَ
شيئًا مثل هذا. ظلِلْتُ أحاول أن أضع ذراعي حوله، لكنه
كبيرٌ جدًّا بالنسبة إليَّ، يا ديفيد، إنه ثقيل جدًّا، ولا
أستطيع حتى أن أرفعه عن الأرض.
هذا هو السبب في أنني لن أتصل بك الليلة. ستقول لي إنها
حادثة، وليست غلطتي، وأبدأ أصدِّقك. أريد أن أصدِّقك، لكن
الحقيقة أنني دفعْتُها بقوة، بأقوى مما يمكن أن تدفع
امرأة في الثمانين، وقتلْتُها. لا يهم ماذا فعلَتْ بي.
قتلْتُها، وإذا تركْتُكَ تحدِّثني عن الأمر الآن، فقد
يدمِّرنا بعد ذلك. لا سبيل للالتفاف حول ذلك. لكي أتوقف
ينبغي أن أُقرَّ بالحقيقة، وبمجرد أن فعلْتُ ذلك، يبدأ يموت
كل شيءٍ طيبٍ فيَّ. عليَّ أن أفعل الآن، تعرف، وأنا ما زلتُ
أمتلك الشجاعة. حمدًا لله على الكحول. بيرة جينيس تمنحك
القوة، كما اعتادت لوحات لندن أن تقول. التكيلا تمنحك
القوة.
تبدأ من موضعٍ ما، ومهما ذهب تفكيرك بعيدًا وأنك رحلْتَ
عن هذا المكان، ينتهي بك الأمر هناك دائمًا في النهاية.
ظننْتُ أنك تستطيع أن تنقذني، وأنني أستطيع أن أنتميَ
إليك، لكنني لم أنتمِ قط لأي أحدٍ سواهم. شكرًا لك على
الحُلم يا ديفيد. ألما البشِعة وجدَتْ رجلًا، وجعلَها تشعر
بأنها جميلة. إذا كنتَ قد استطعْتَ أن تفعل ذلك لي، ففكِّرْ
فقط فيما يمكن أن تفعلَه لفتاة بوجهٍ واحدٍ فقط.
أشعر بأنني محظوظة. من الجيد أن ينتهي الأمر قبل أن
تكتشفَ حقيقتي، أتيْتُ إلى منزلك تلك الليلة ومعي مسدَّس،
أليس كذلك؟ لا تنسَ أبدًا ما يعنيه ذلك. لا يمكن أن يفعل
أشياء من هذا القبيل إلا مجنون، ولا يمكن الثقة
بالمجانين. يتطفلون على حيوات الآخرين، يكتبون كتبًا عن
أشياء لا تهمُّهم، يشترون أقراصًا. حمدًا لله على الأقراص.
هل كانت صدفةً حقًّا أنك نسيتَها خلفك أول أمس؟ كانت في
محفظتي طوالَ الوقت الذي كنْتَ فيه هنا. ظلِلْتُ أنوي
إعطاءها لك وظلِلْتُ أنسى — حتى اللحظة التي ركبت فيها
السيارة. لا تلُمني. اتضح أن احتياجي إليها أكثر من
احتياجك. أصدقائي الخمسة والعشرون البنفسجيون الصغار.
الزنكس في قمة القوة، يضمن أن يقدِّم لك ليلة من النوم
المتواصل.
سامحني. سامحني. سامحني. سامحني. سامحني.
حاولْتُ الاتصال بها بعد ذلك، لكنها لم ترُد على التليفون.
نجحْتُ هذه المرة — كنت أستطيع أن أسمع التليفون يرنُّ على الطرف
الآخر — لكن ألما لم ترفع السماعة قط. واصلْتُ لأربعين رنة أو
خمسين، آملًا بإصرارٍ أن يجعلَها الصخب تنتبه، أن يجعلَها تفكِّر في
شيءٍ غير الأقراص. هل كان يمكن لخمس رناتٍ أخرى أن تجعل الأمر
يختلف؟ هل كان يمكن لعشر رناتٍ أخرى أن تُوقفَها عن السير قُدمًا في
طريقها؟ في النهاية، قررْتُ أن أضع السماعة، عثرتُ على قطعة من
الورق، وأرسلْتُ لها فاكسًا بدوري، كتبْتُ: كلميني يا ألما، ارفعي السماعة وكلميني. اتصلْتُ
بها مرةً أخرى بعد ثانية، لكن الخط صمَت هذه المرة بعد ست رنات أو
سبع. لم أفهم في البداية، لكنني بعد ذلك فهمتُ أنها نزعَت الكابل من
الحائط.