٩

في وقتٍ لاحقٍ من ذلك الأسبوع. دفنْتُها بجوار أبوَيها في جبانةٍ كاثوليكيةٍ إلى الشمال من تيرا دل سوينو بخمسة وعشرين ميلًا. لم تذكُر ألما قط لي أيَّ أقارب، وحيثُ إنه لم يطالب أحدٌ من آل جروند أو موريسون بجسدها، غطَّيتُ نفقات الجنازة بنفسي. كانت هناك قراراتٌ كئيبة ينبغي اتخاذها، اختياراتٌ غريبة تدور حول مزايا نسبية للتحنيط والحرق، قدرة الأخشاب المختلفة على التحمل، وأسعار التوابيت. ثم، وقد اخترْتُ الدفن، كانت هناك أسئلةٌ أخرى بشأن الكفن clothing، وظلال أحمر الشفاه، وتلميع الأظافر، وتسريحة الشعر. لا أعرفُ كيف نجحْتُ في القيام بهذه الأمور، لكن أظن أنني قمتُ بها مثل أي شخصٍ آخر. نصف هناك ونصف لا half there and half not، نصف في عقلي ونصف لا half in my mind and half out. كل ما يمكن أن أتذكَّره أنني قلتُ لا لفكرة الحرق. قلتُ: لا حاجة لمزيدٍ من الحرائق، لا حاجة لمزيدٍ من الرماد. كانوا قد شرَّحوها بالفعل لكنني ما كنتُ لأتركهم يحرقونها.
في ليلة انتحار ألما، اتصلْتُ بمكتب العمدة sheriff من منزلي في فيرمونت. أُرسِل مندوبٌ اسمه فيكتور جوزمان إلى المزرعة للتحقيق، وحتى رغم وصوله على هناك قبل السادسة صباحًا، كان جوان وكونشيتا قد اختفيا بالفعل. كانت ألما وفريدة ميتتَين، وكان الخطاب المرسل إليَّ لا يزال في الآلة، لكنَّ القزمَين اختفَيا. وحين غادرْتُ نيو مكسيكو بعد خمسة أيام كان المندوبون لا يزالون يبحثون عنهما.
تصرَّف محامي فريدة في بقاياها remains، طبقًا لوصيتها. تمَّت الخدمة service في تعريشة مزرعة الحجر الأزرق — خلف المنزل الرئيسي بالضبط، في الغابة الصغيرة لهيكتور، غابة الصفصاف والحور — لكنني حرصتُ على ألا أكون هناك. كنتُ أشعر بكراهيةٍ شديدةٍ لفريدة آنذاك، وقد قلبَت معدتي فكرة الذهاب إلى هذه المراسيم. لم أقابل المحامي قط، لكن جوزمان حدَّثه عني، وحين اتصل بالنُّزل الذي أقيم فيه ليدعوَني لجنازة فريدة، أخبرتُه ببساطة بأنني مشغول. ثرثَر بضع دقائق بعد ذلك متحدثًا عن مسز سبلينج المسكينة وألما المسكينة وكيف كان الأمر كله مروِّعًا، ثم، وبثقٍة متناهية، من دون توقف بين الجمل، أخبرني بأن العزبة تساوي تسعة ملايين دولار. وقال إن المزرعة سوف تُعرض للبيع بمجرد التأكد من صحة الوصية، وأن هذا المبلغ، بالإضافة إلى الأموال المكتسَبة من تصفية أسهم مسز سبلينج وسنداتها، سوف تُقدَّم لهيئة لا تسعى إلى الربح في مدينة نيويورك. سألْتُ: أية هيئة؟ قال: متحف الفن الحديث. الملايين التسعة كلها سوف تُوضع في صندوقٍ غير محدَّد الاسم للمحافظة على الأفلام القديمة. قال: غريبٌ جدًّا، ألا تعتقد ذلك. قلتُ: لا، ليس غريبًا. بشعٌ ومثيرٌ للغثيان، ربما، لكنه ليس غريبًا. إذا كنتَ تحب النِّكات السخيفة، فإن هذه النكتة يمكن أن تضحكك سنوات.
كنتُ أريد أن أعود إلى المزرعة مرةً أخيرة، لكنني حين توقفتُ أمام البوابة، لم تكن لديَّ الشجاعة للمرور منها. كنتُ آمل أن أعثر على بعض الصور الفوتوغرافية لألما، أن أبحثَ في الدار عن بعض الأشياء التي خلَّفَتْها ويمكن أن أعودَ بها إلى فيرمونت، لكن البوليس كان قد وضع حاجزًا من حواجز مسرح الجريمة بالشريط الأصفر، وفجأة فقدتُ أعصابي. لم يكن هناك شرطي ليُعيق تقدُّمي، ولم تكن هناك أية مشكلة في أن أتسلَّل من السياج وأدخل المزرعة — لكنني لم أستطع، لم أستطع — ثم استدرْتُ بالسيارة وانطلقتُ. قضيتُ ساعاتي الأخيرة في ألبوكيرك في طلبِ شاهدٍ لقبر ألما. في البداية، فكرتُ في أن أسجِّل النقش بأدنى صورة. ألما جروند ١٩٥٠–١٩٨٨م. لكن حينذاك، بعد أن وقعتُ العقد ودفعتُ للرجل مقابل العمل، دخلْتُ المكتب وأخبرتُه بأنني غيرتُ رأيي. قلتُ: أريد أن أُضيفَ كلمةً أخرى. ينبغي أن يكون النقش: ألما جروند ١٩٥٠–١٩٨٨م كاتبة. باستثناء الصفحات العشرين عن انتحارها، التي أرسلَتها إليَّ في الليلة الأخيرة من حياتها، لم أقرأ كلمةً مما كتبَت. لكن ألما ماتت بسبب كتاب، والعدالة تتطلب أن تُذْكرَ باعتبارها مؤلفةَ ذلك الكتاب.
عدتُ إلى البيت. لم يحدث شيءٌ في رحلة العودة إلى بوسطن. مررنا بحركةٍ شديدة للهواء turbulence فوق ميدويست، تناولتُ بعض الدجاج وشربتُ كأسًا من النبيذ، ونظرتُ من النافذة — ولم يحدث شيء. سُحبٌ بيضاء، جناحٌ فضي، سماءٌ زرقاء. لا شيء.
كانت خزانة الخمور خاوية حين عدتُ إلى منزلي، وكان الوقت متأخرًا جدًّا بشكلٍ لا يسمح بالخروج وشراء قنينةٍ جديدة. لا أعرف ما إن كان هذا هو الذي أنقذني، لكنني نسيتُ أنني أنهيتُ التكيلا في ليلتي الأخيرة هنا، ومن دون أمل في محو ما حدث خلال ثلاثين ميلًا على متن ويست تي obliteration within thirty miles of boarded-up West T— كان عليَّ أن أذهب إلى السرير دون أن أشرب. في الصباح، شربْتُ كوبَين من القهوة وعدتُ إلى العمل. كنتُ أخطِّط للانهيار، للانزلاق في روتيني القديم، روتين الأسى البائس والتدمير الكحولي، لكن في ضوء صباح ذلك اليوم الصيفي في فيرمونت، ثمَّة شيء فيَّ قاوم الرغبة في أن أدمِّر نفسي. كان شاتوبريان يأتي بالضبط إلى نهاية تأمُّله الطويل في حياة نابليون، وقد عدْتُ إليه في الكتاب الرابع والعشرين من المذكِّرات، على جزيرة سانت هيلانا مع الإمبراطور المعزول. كان في المنفَى بالفعل منذ ستِّ سنوات؛ وكان قد احتاج وقتًا أقلَّ لفتح أوروبا. لم يعُد يغادر المنزل وكان يقضي أيامه يقرأ أوسيان Ossian في الترجمة الإيطالية لكاساروتي Casarotti … حين خرج بونابرت سار في مساراتٍ وعرةٍ محاطة بالصبار وتفوح منها رائحة الوزال broom … أو يختبئ في سحبٍ كثيفةٍ تدور حول الأرض … في هذه اللحظة من التاريخ ذبل كل شيء في يوم؛ من يَعِشْ عمرًا طويلًا جدًّا يمُت حيًّا. ونحن نتحرك في الحياة، نترك وراءنا ثلاث صورٍ لأنفسنا أو أربعًا، كلٌّ منها مختلفة عن الأخرى؛ نراها خلال ضباب الماضي، مثل صور لأعمارٍ مختلفة.
لم أكن متأكدًا من أنني قوي بما يكفي لمواصلة العمل — أو أن مشاعري تبلَّدَت ببساطة. لبقية الصيف شعرْتُ كما لو كنتُ أعيش في بُعدٍ مختلف، يقظ للأشياء من حولي لكنني بعيدٌ عنها في الوقت ذاته، كما لو أن جسدي كان ملفوفًا في شاشٍ شفَّاف. قضيتُ ساعاتٍ طويلةً مع كتاب شاتوبريان، مستيقظًا مبكرًا وذاهبًا إلى السرير متأخرًا، وحقَّقتُ تقدمًا مستمرًّا والأسابيع تمُر، رافعًا بالتدريج الحصة quota اليومية من ثلاث صفحاتٍ كاملة من طبعة بلياد إلى أربع صفحات. ظهر وكأنه تقدُّم، بدا وكأنه تقدُّم، لكن كانت هذه هي الفترة التي أصبحتُ فيها عُرضةً لهفواتٍ غريبة في الانتباه، نوبات من الشرود بدا أنها تنتابُني كلما ابتعدْتُ عن مكتبي. نسيتُ دفع فاتورة التليفون ثلاثة أشهرٍ متتابعة، متجاهلًا كل مذكِّرة تهديدٍ تصل بالبريد، ولم أسدِّد الحساب حتى ظهر رجلٌ ذات يوم في فنائي ليقطع الخدمة. وبعد أسبوعَين، في جولة تسوُّق إلى براتلبورو تضمنَت زيارةً لمكتب البريد وزيارةً إلى البنك، حاولتُ إلقاء محفظتي في صندوق البريد، معتقدًا أنها كومةٌ من الرسائل. أربكَتْني هذه الحوادث، لكنني لم أتوقف مرةً لأفكِّر في سبب حدوثها. ربما كان طرح هذا السؤال يعني أن أجثوَ على ركبتيَّ وأفتحَ الباب السحري تحت السجادة، لكنني لم أكن أستطيع النظر إلى ظلمة هذا المكان. معظم الليالي، بعد أن انتهيتُ من العمل وتناول العشاء، جلسْتُ في وقتٍ متأخر في المطبخ أنسخ الملاحظات التي دوَّنتُها في أثناء عرض «الحياة الباطنية لمارتين فروست».
عرفْتُ ألما ثمانية أيامٍ فقط. وكنا متباعدَين في خمسةٍ من تلك الأيام، وحين حسبْتُ الوقتَ الذي قضيناه معًا في الثلاثة الأخرى، كانت كلها أربعًا وخمسين ساعة. ضاعت ثمانيَ عشرةَ من تلك الساعات في النوم. وتم تبديد سبعٍ أخرى في انفصال من نوعٍ ما؛ الساعات الست التي قضيْتُها وحدي في الدار، الدقائق الخمس أو العشر التي قضيتُها مع هيكتور، الدقائق الإحدى والأربعين التي قضيتُها في مشاهدة الفيلم. ويتبقَّى بالتالي تسع وعشرون ساعةً كنتُ فيها قادرًا بالفعل على أن أراها وأن ألمسَها، أن أحبسَ enclose نفسي في دائرة حضورها. مارسنا الحب خمسَ مرات. تناولنا ستَّ وجباتٍ معًا. أعطيْتُها حمَّامًا. دخلَت ألما حياتي وخرجَت بسرعةٍ شديدة، أشعر أحيانًا أنني تخيلتُها فقط. كان ذلك أسوأ جزءٍ في مواجهة موتها. لم تكن هناك أشياء كثيرة لأتذكَّرها، وهكذا ظلِلْتُ أسير على الأرض نفسها مرةً ومرة، وظلِلْتُ أضيفُ الصور نفسها وأصل إلى الحصيلة التافهة نفسها. سيارتان، طائرة نفَّاثة واحدة، ست كئوس من التكيلا. ثلاثة أسرَّة في ثلاثة منازل في ثلاث ليالٍ مختلفة. أربع محادثاتٍ تليفونية. كنتُ مرتبكًا جدًّا، لم أعرف كيف أَرثيها إلا بأن أُبقيَ على نفسي حيًّا. بعد شهور، حين انتهيتُ من الترجمة وانتقلتُ من فيرمونت. فهمتُ أن ألما فعلَت ذلك من أجْلي. في ثمانية أيامٍ قصيرة، أعادَتْني من الموت.
لا يهم ما حدث لي بعد ذلك. هذا كتاب نُتَف fragments، مصنَّف للأحزان، والأحلام نصف المتذكَّرة، ولكي يرويَ قصة، عليَّ أن أقتصرَ على أحداث القصة نفسها. سوف أقولُ ببساطة إنني أعيشُ في مدينةٍ كبيرةٍ الآن، في مدينةٍ ما بين بوسطن ومدينة واشنطون، وهذه أول قِطعة من الكتابة أحاول كتابتها منذ «العالم الصامت لهيكتور مان». عدتُ للتدريس لبعض الوقت، وعثرتُ على عملٍ آخر أكثر إرضاءً لي، ثم أقلعتُ عن التدريس إلى الأبد. وينبغي أيضًا أن أقول (لمن يهتمون بمثل هذه الأشياء) إنني لم أعُد أعيش وحيدًا.
انقضَى أحدَ عشرَ عامًا منذ عدْتُ من نيو مكسيكو، وطوالَ كل ذلك الوقت لم أتحدَّث إلى أحدٍ قَط عما حدث معي هناك. لم أنطق بكلمةٍ عن ألما، ولم أنطق بكلمةٍ عن هيكتور وفريدة، ولم أنطق بكلمةٍ عن مزرعة الحجَر الأزرق. من يصدِّق هذه القصة إذا حاولْتُ أن أحكيَها؟ لم يكن لديَّ برهان أو دليل يدعم قضيتي. دُمِّرتْ أفلام هيكتور، ودمِّر كتاب ألما، وكان الشيء الوحيد الذي يمكن أن أُطلِعَ عليه أحدًا مجموعتي الصغيرة البائسة من الملاحظات، ثلاثيَّتي من الملاحظات الصحراوية الموجزة؛ انهيار «مارتين فروست»، ونُتَف من مفكِّرة هيكتور، وقائمة النباتات الغريبة extraterrestrial التي لا علاقة لها بأي شيء. قررتُ أن من الأفضل أن أُبقيَ فمي مغلقًا، وأترك لغز هيكتور مان يبقَى من دون حل. كان آخرون يكتبون عن أعماله آنذاك، وحين وضعت الكوميديات الصامتة على فيديو في ١٩٩٢م (مجموعة معلبة من ثلاثة شرائط)، ببطء بدأ الرجل ذو البدلة البيضاء يكتسب متابعين. كانت عودةً صغيرة، بالطبع، حدثًا ضئيلًا في أرض المتع الصناعية وميزانيات تسويق بمليارات الدولارات، لكنها مرْضية رغم ذلك، وكنتُ أستمتع بالعثور على مقالاتٍ تشير إلى هيكتور باعتباره أستاذًا صغيرًا لجنسٍ فني أو (مستشهدًا بمقالة من ستانلي فوبل في «المشهد والصوت») آخر ممارسٍ عظيمٍ لفن الكوميديا الصامتة. ربما كان هذا كافيًا. حين تأسَّس نادٍ للهواة في ١٩٩٤م، دُعيتُ لأكون ضيفَ شرف. باعتباري الشخصَ المسئول عن الدراسة الطويلة الأولى والوحيدة عن أعمال هيكتور، نُظِر إليَّ باعتباري مؤسِّس روح الحركة، وكانوا يأملون في أن أمنحَهم بركتي blessing. في آخر إحصاء، كان هناك أكثر من ثلاثمائة عضو يسدِّدون اشتراكات في جمعية الإخوان الدولية لمحبي هيكتور مان، يعيش بعضهم في أماكنَ بعيدة مثل السويد واليابان. كلَّ سنة يدعوني الرئيس لحضور اجتماعهم السنوي في شيكاجو، وحين وافقْتُ أخيرًا في ١٩٩٧م، حظيتُ بحفاوةٍ بالغةٍ في نهاية كلمتي. في فترة الأسئلة والأجوبة التي تلت الكلمة، سألَني شخصٌ عما إذا كنتُ قد اكتشفتُ أي معلوماتٍ تتعلق باختفاء هيكتور وأنا أقوم بالبحث من أجل الكتاب. قلتُ: لا، لسوء الحظ لا. بحثتُ شهورًا، لكنني لم أستطع اكتشاف أي شيء.

وصلتُ الخمسين في مارس ١٩٩٨م. وبعد ستة أشهر، في أول يومٍ من الخريف، بالضبط بعد أسبوعٍ من مشاركتي في مناقشة عن الأفلام الصامتة في المعهد الأمريكي للسينما في واشنطون، داهمَتْني أول نوبةٍ قلبية. وجاءت الثانية في السادس والعشرين من نوفمبر في منتصف عشاء عيد الشكر في منزل أختي في بلتيمور. كانت الأولى خفيفةً تمامًا، ما يُعرف باحتشاء خفيف، تعادل عزفًا منفردًا قصيرًا لا يصاحبه صوت. ومزَّقَت الثانية جسدي مثل سيمفونية كورال لمائتَي مُغنٍّ وأركسترا نحاسي كامل، وكادت تقتلني. حتى ذلك الوقت، كنتُ أرفض اعتبار الحادية والخمسين شيخوخة. ربما لم أكن صغيرًا جدًّا، لكنه أيضًا لم يكن العمر الذي يُفترض أن يستعد فيه المرء للنهاية ويعقد سلامًا مع العالم. بقيتُ في المستشفَى عدة أسابيع، وكانت الأخبار من الأطباء محبطةً بما يكفي لأن أراجع هذا الرأي. وباستخدام تعبيرٍ كنتُ معجبًا به دائمًا، اكتشفتُ أنني كنتُ أعيش في زمنٍ مستعار.

لا أظن أنني كنتُ مخطئًا في الحفاظ على أسراري كل تلك السنوات، ولا أظن أنني كنتُ مخطئًا وأنا أحكيها آنذاك. تغيَّرت الظروف، وبمجرد تغيُّرها، غيرْتُ رأيي أيضًا. خرجتُ من المستشفَى إلى البيت في منتصف ديسمبر، وبحلول أوائل يناير كنتُ أكتب الصفحات الأولى من هذا الكتاب. نحن الآن في أواخر أكتوبر، وأنا أصل إلى نهاية مشروعي، ألاحظ برضًا كئيب أننا أيضًا نُنهي الأسابيع الأخيرة من القرن — قرن هيكتور، القرن الذي بدأ قبل أن يُولد بثمانية عشر يومًا ولا أحد بعقلٍ سليم سوف يأسف وهو يراه ينتهي. متبعًا نموذج شاتوبريان، لن أبذل أية محاولة لنشر ما كتبتُه الآن. تركتُ خطاب تعليماتٍ لمحاميَّ، وسوف يعرف أين يجد المخطوطة وما يفعلُه بها بعد رحيلي. أنوي تمامًا أن أعيشَ حتى المائة، لكن من المستبعد أن أعيشَ كل هذه الفترة، تم إجراء كل الترتيبات الضرورية. إذا نُشر هذا الكتاب، عندما يُنشر، عزيزي القارئ، يمكن أن تكون على يقينٍ من أن الرجلَ الذي كتبه قد مات منذ زمنٍ بعيد.

هناك أفكار تحطِّم العقل، أفكار قوية وبشعة corrupt تفسدك بمجرد أن تبدأ التفكير فيها. كنتُ خائفًا مما عرفْتُ، خائفًا من أن أسقط في الرعب مما عرفْتُ؛ ولذا لم أضع الأفكار في كلماتٍ حتى فوات أوان أن تُحسنَ الكلمات وضعي. ليست لديَّ حقائق أقدمها، ليس هناك دليلٌ ملموس يمكن الدفاع عنه في محكمةٍ قانونية، لكن بعد استعراض أحداث تلك الليلة مرةً بعد الأخرى في السنوات الإحدى عشرة الماضية، أنا متأكد تقريبًا من أن هيكتور لم يمُت ميتةً طبيعية. نعم، كان ضعيفًا حين رأيْتُه، ضعيفًا ولا شك في موته خلال أيام لكن أفكاره كانت واضحة، وحين قبض على ذراعي في نهاية المحادثة، ضغط أصابعه في جلدي. كانت قبضة رجلٍ ينوي أن يواصل الحياة. سيبقَى حيًّا حتى ننتهيَ من مهمتنا، وحين نزلتُ إلى الطابق الأرضي بعد أن طلبَت مني فريدة مغادرة الغرفة، كنت متوقعًا تمامًا أن أراه مرةً أخرى في الصباح. فكِّر في التوقيت — فكِّر في كيف تراكمت الكوارث بعد ذلك. ذهبتُ أنا وألما إلى السرير، وبمجرد أن نمنا، قطعَت فريدة الردهة على أطراف أصابعها، ودخلَتْ غرفة هيكتور وخنقَتْه بوسادة. إنني مقتنعٌ بأنها فعلَتْ هذا بدافع الحب. لم تكن غاضبةً أو تحمل شعورًا بالخيانة أو الانتقام — ببساطة إخلاصٍ أصولي لسببٍ عادل ومقدَّس. لم يكن لهيكتور أن يقاوم كثيرًا. كانت أقوى منه، وباختصار حياته بضعة أيام، يمكنها أن تحميَه من حماقة دعوتي إلى المزرعة. بعد سنواتٍ من الشجاعة الثابتة، انحنى هيكتور للشكوك والتردُّد، وانتهَى إلى الشك في كل ما فعلَه بحياته في نيو مكسيكو، وفي اللحظة التي وصلْتُ فيها إلى تيرا دل سوينو، كان الشيء الجميل الذي فعلَه مع فريدة سيتمزق. لم يبدأ الجنونُ حتى وضعْتُ قدمي في المزرعة. كانت زيارتي المحفِّز لكل ما حدث وأنا هناك، العنصر النهائي الذي أدَّى إلى الانفجار القاتل. كان على فريدة أن تتخلَّص مني، وكانت الطريقة الوحيدة التي تمكِّنها من ذلك التخلُّص من هيكتور.

كثيرًا ما أفكِّر فيما حدث في اليوم التالي. يتحول الكثير منه إلى ما لم يُقَلْ قط، الفجوات الضئيلة والصمت، والسلبية الغريبة التي بدا أن تشع من ألما في بعض المراحل الحاسمة. حين استيقظْتُ في الصباح، كانت تجلس بجواري على السرير، تمسِّد وجهي بيدها. كانت الساعة العاشرة — بعد وقتٍ طويل من الموعد الذي ينبغي أن نكونَ فيه في غرفة العرض نشاهد أفلام هيكتور — لكنها لم تستعجلني. شربْتُ كوب القهوة التي وضعَتها لي على الطاولة المجاورة للسرير، تحدثنا لبعض الوقت، وضعنا أذرعنا حول بعضنا وتبادلنا القبلات. وبعد ذلك، حين عادت إلى الدار بعد تدمير الأفلام، بدت نسبيًّا غير منزعجة من المشهد الذي شاهدَتْه. لا أنسى أنها انهارت وبكت، لكن رد فعلها كان أقلَّ شدة بكثير مما توقعْتُ. لم تنطق بكلمات غضب، لم تفقد مزاجها، لم تلعن فريدة لأنها أشعلَت النار قبل أن تُضطَر لإشعالها طبقًا لوصية هيكتور. كنا قد تحدثنا في اليومَين السابقَين بما يكفي بالنسبة إليَّ لأعرفَ أن ألما كانت ضد حرق الأفلام. أظن أنها كانت مندهشةً من حجم تنازل هيكتور، لكنها كانت تعتقد أيضًا أنه مخطئ، وقد أخبرَتْني بأنها تناقشَت معه بشأن ذلك مراتٍ كثيرة عبْر السنوات. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم تكن أكثر انزعاجًا حين تم تدمير هذه الأفلام في النهاية؟ كانت أمها في هذه الأفلام، وقد صوَّر أبوها هذه الأفلام، ومع ذلك لم تنطق بكلمةٍ عنهما بعد انتهاء الحرائق. فكرْتُ في صمتها سنواتٍ طويلة، وكانت النظرية الوحيدة التي لها معنًى بالنسبة لي، الوحيدة التي تفسِّر بشكلٍ كامل اللامبالاة التي ظهرَت عليها في تلك الأمسية، أنها كانت تعرفُ أن الأفلام لم يتم تدميرها. كانت ألما شخصيةً ماهرةً وبارعةً جدًّا. كانت قد نسخَت بالفعل الأفلام الأولى لهيكتور وأرسلَتها بالفعل إلى نصف دستة من الأرشيفات عبْر العالم. لماذا لم تتمكَّن من نسخ هذه الأفلام الأخيرة أيضًا؟ كانت قد قامت بالكثير جدًّا من الرحلات وهي تعمل في كتابها. ما الذي منعَها من تهريب نيجاتيف فيلمَين كلما تركَت المزرعة وتأخذها إلى معمل في مكانٍ ما وتصنع نُسخًا جديدة؟ كان القبو من دون حراسة، وكانت معها مفاتيح لكل الأبواب، ولم تكن لتجد أية مشكلة في الدخول والخروج بالمواد دون أن يلاحظها أحد. إذا كان ذلك ما فعلَتْ، فإنها ستكون قد خبَّأَت النسخ في مكانٍ ما وتنتظر موت فريدة لتعرضَها على الملأ. ربما استغرق ذلك سنوات، لكن ألما كانت صبورة، وكيف كان يمكن أن تعرفَ أن حياتها ستنتهي في الليلة نفسها التي انتهت فيها حياة فريدة؟ يمكن للمرء أن يجادل بأنها كانت ستبوح لي بالسر، وأنها ما كانت لتحتفظ به لنفسها، لكن ربما كانت تخطِّط لأن تُخبرني به حين تأتي إلى فيرمونت. لم تُشِر إلى الأفلام في رسالة انتحارها، الطويلة المفكَّكة، لكن ألما كانت تعاني من ألمٍ مبرِّح في تلك الليلة، ترتجف في هذيان الرعب والأحكام الذاتية الرهيبة، ولا أعتقد أنها كانت حقًّا لا تزال في هذا العالم حين جلسَتْ لتكتب لي الرسالة. نسيَتْ أن تُخبرني. كانت تنوي أن تُخبرني، لكنها نسيَتْ حينذاك. وإذا كان الحال هكذا فإن أفلام هيكتور لم تَضِع. إنها مفقودةٌ فقط، وعاجلًا أو آجلًا سيأتي شخصٌ بالصدفة ويفتح باب الغرفة التي خبَّأَتها ألما فيها، وتبدأ القصة من جديد مرةً أخرى.

أعيشُ بهذا الأمل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦