الحادثة

بعد ظهر أحد الأيام في بداية شهر ديسمبر، تسكعت فرانسيس بالقرب من إحدى النوافذ في الطابق الثاني بالمدرسة الثانوية في هانراتي. كان ذلك في عام ١٩٤٣، وكان زي فرانسيس متماشيًا مع موضة ذلك العام؛ إذ كانت ترتدي تنورة داكنة اللون مربعة النقش، وشالًا ذا أهداب على شكل مثلث من نفس القماش؛ وضعت الشال على كتفيها وضمت طرفيه عند خصرها. كما كانت ترتدي بلوزة بيضاء اللون تميل إلى الصفرة من الساتان — الساتان الأصلي الذي اختفى من الأسواق بعد هذه الفترة مباشرةً — واشتملت البلوزة على العديد من الأزرار اللؤلُئِية الصغيرة من الأمام وعلى الكُمَّين. لم تكن فرانسيس معتادة على ارتداء مثل هذه الثياب لدى قدومها لتعليم الموسيقى في المدرسة الثانوية؛ فأي سترة وتنورة قديمتين كانتا ستؤديان الغرض؛ ولهذا كان هذا التغيير ملحوظًا.

لم يكن لديها عمل في الطابق الثاني؛ ففرقتها الموسيقية تغني في الطابق السفلي. وخلال هذه الفترة كانت تدرب الطالبات بجد لإعدادهن لحفل الكريسماس. كانت أغنيتهن الصعبة هي «سوف يطعم قطيعه»، ثم «ترنيمة هورون» (وقد شكا أحد أولياء الأمور أنه ظن أن مَن ألَّف الترنيمة قسيس)، و«قلوب البلوط» لأنه كان لا بد من وجود أغنية وطنية بسبب الأحوال السائدة، وأغنية «الصحراء»، التي كانت من اختيار الطالبات. ووقتئذٍ كن يصدحن بأغنية «المدينة المقدسة». وكانت هذه الأغنية من الأغاني المفضلة بشدة، لا سيما لدى الفتيات الحالمات ممتلئات الصدر وكذلك سيدات الكورال. وكان بوسع فتيات المدرسة الثانوية إثارة غضب فرانسيس؛ فمرة يُردن إغلاق النوافذ، ومرة يُردن فتحها؛ مرة يقُلن إن تيارات الهواء باردة، ومرة يقُلن إن قواهن تخور من الحر. كن يعتنين بأجسادهن، ويتحركن غارقات في حب ذواتهن بغير رِضًى، وينصتن إلى رفرفات القلب، ويتحدثن عن تباريح الحب. إنها بداية انتقالهن إلى الأنوثة المكتملة. ثم ماذا يحدث لهن؟ نهود ومؤخرات ممتلئة، شعور طفيف بالأهمية، خجل، شرود ذهني، عناد، رائحة مشدات الجسم، وإفشاء أسرار مقززة. كن يحظين بنظرات تبجيلية في الكورال. أما عن العلاقات الغرامية، فما يمارسنه فعليًّا ليس سوى نوع رتيب من الجنس، على شاكلة قول: «يسير معي ويحدثني ويخبرني أني حبيبته.»

تركتهن فرانسيس وحدهن، وتظاهرت أنها ذاهبة إلى مرحاض المعلمين. كل ما تفعله هناك هو إضاءة الأنوار والنظر بارتياح إلى وجهها غير فائق الجمال؛ وجهها الطويل ذي الإشراقة الحزينة، بأنفه الكبير قليلًا، والعينين البُنِّيتين الصافيتين، وشعرها الكثيف المجعد الذي يتراوح لون خصلاته بين الأحمر والأسود. تحب فرانسيس مظهرها، وعادةً ما تبتهج برؤية وجهها في المرآة. يبدو أن معظم النساء — على الأقل حسبما يرد في الكتب — يواجهن صعوبة في تقبل مظهرهن، وذلك باعتقاد أنهن أقل جمالًا مما يبدون بالفعل. ولكن تعترف فرانسيس أن مشكلتها هي النقيض؛ فليس الأمر أنها تظن نفسها جميلة، بل أنها محظوظة بوجهها المغري. فهي تتذكر أحيانًا فتاة في معهد الموسيقى اسمها ناتالي، ولا تتذكر اسم أبيها، كانت تعزف على الكمان. اندهشت فرانسيس عندما عرفت أن الناس أحيانًا ما تخلط بينها وبين ناتالي التي اتسمت بوجه شاحب ناتئ العظام وشعر مجعد. بل كانت أكثر اندهاشًا عندما علمت — عبر شبكة من الأصدقاء والأخلاء المقربين — أن الأمر كان يزعج ناتالي بقدر ما كان يزعجها. وعندما فسخت فرانسيس خطبتها على بول — وكان زميلًا أيضًا بمعهد الموسيقى — قال لها بنبرة فظة واقعية وخالية من أي تودد أو عواطف كان يشعر من قبلُ باضطراره إلى استخدامها معها: «حسنًا، هل تعتقدين حقًّا أنك تستطيعين أن تقدمي لي أفضل من هذا؟ أنتِ لست أجمل الفتيات، وأنتِ تعلمين هذا.»

بعد أن نظرت إلى وجهها في المرآة أغلقت مصابيح الإضاءة، وبدلًا من العودة إلى الفرقة الموسيقية صعدت إلى الطابق العلوي. خلال الفترة الصباحية في الشتاء تخيم الكآبة على المدرسة؛ حيث تكون درجة الحرارة منخفضة لأن الشمس لم تشرق بعد، والجميع يتثاءب ويرتجف، وأطفال الريف الذين تركوا منازلهم في ظلمة الليل يفركون أعينهم من النعاس. ولكن بحلول هذا الوقت من اليوم، بحلول وقت العصاري، شعرت فرانسيس بهمهمة في أرجاء المكان تبعث على الشعور بالارتياح، وساد بين الطالبات قدر مسموح به من النعاس، بينما ينعكس ضوء النهار على الألواح الخشبية داكنة اللون المبطنة للأجزاء التحتية من الجدران، وتتكدس المعاطف الصوفية غير المزخرفة والأوشحة والأحذية ذات الرقبة العالية وأدوات التزلج وعِصِيُّ الهوكي في غرفة إيداع الثياب. وعبر النوافذ الفوقية المفتوحة بأبواب الفصول، تُسمع تعليمات متعلقة بالمناهج الدراسية من إملاءات فرنسية وحقائق ثابتة. وإلى جانب كل هذا النظام والإذعان له، يسود شعور مُلحٌّ معتاد — شعور بالتوق أو التحذير — أن مجموعة غريبة من الأشياء التي يمكنك استشعارها أحيانًا في الموسيقى أو في منظر طبيعي مكبوتة بالكاد وتنذر بالانفجار والكشف عن ذاتها، ولكنها لا تفعل، بل تذوب وتتلاشى.

وقفت فرانسيس في مواجهة باب فصل العلوم مباشرةً، وكانت النافذة الفوقية من الباب مفتوحة، فأمسى بوسعها سماع أصوات المعدات الزجاجية، وهمسات الطالبات، وتحرُّك الكراسي. لا بد أنه طلب منهم إجراء تجربة. وعلى نحوٍ سخيف ومخزٍ، شعرت بالتعرق في كفيها، وزيادة ضربات قلبها، تمامًا مثلما كانت تشعر قبل اختبار بيانو أو حفل موسيقي. إن هذا الجو المتأزم، والاحتمالات المفترضة بالفوز أو الفشل التي يمكنها تحويلها إلى حقيقة لنفسها وللآخرين؛ كل ذلك يبدو الآن ملفقًا وسخيفًا وزائفًا. ولكن ماذا عن هذا الأمر؛ عن علاقتها بتيد ماكافالا؟ حتى الآن، لم تبتعد فرانسيس عن هذه العلاقة، حتى إنها لا تستطيع تمييز مدى السخافة التي يمكن أن تبدوَ عليها لأي فرد يراها. لا بأس، لو كانت السخافة تعني المخاطرة والطيش، فهذا لا يهمها؛ فربما جُلُّ ما تريده هو فرصة للمغامرة. لكن ثَمَّةَ فكرة تراودها أحيانًا بأن قصة الحب يمكن ألا تكون زائفة، ولكنها بطريقةٍ ما مصطنعة ومتعمَّدة، أو فرصة متاحة، تمامًا شأنها شأن ذلك الأداء التعليمي السخيف؛ فهي اختراع آيل للسقوط. ولكن هذه الفكرة لا يمكن لفرانسيس المغامرة بها، ولهذا تنحيها جانبًا.

من خلال النافذة، سمعت فرانسيس صوت طالبة مرتبكة وتشكو شيئًا (وهذه سمة أخرى من سمات طالبات المدرسة الثانوية؛ فهن يتذمرن عندما لا يفهمن؛ ولهذا فعدم احترام الصبية للمدرس وتذمرهم أفضل من شكوى الفتيات). ثم تحدث تيد بصوت خفيض مجيبًا عن الأسئلة ومفسرًا. لم تستطع فرانسيس أن تسمع كلماته، ولكنها تخيلت أنه يميل بلطف لمساعدتهن، ويؤدي إحدى المهام العادية مثل خفض شعلة موقد بنزن. وقد كانت تحب أن تتخيله إنسانًا مجدًّا في عمله، صبورًا، غير معتمد على الآخرين. ولكنها كانت تعلم — أو بالأحرى بلغها — أن سلوكياته في الفصل تختلف عما رسمه في مخيلتها أو مخيلة الآخرين. فمن عادته التحدث عن عمله وعن طلابه بقدر من الازدراء والسخرية، وإذا سُئل عن نوع التأديب الذي يفضله لضبط السلوك في الفصل، فسيقول: أوه، ليس الكثير، ربما لكمة في الفم، أو ركلة سريعة في المؤخرة. والحقيقة أنه ينال اهتمام طلابه بجميع أنواع الحيل والمداهنات، ويستعين بأدوات مثل الطراطير لعقاب الكسالى، وصفارات عيد الميلاد، ويواصل تحدِّيَ غبائهم بطريقة ميلودرامية للغاية، وذات مرة أحرق أوراق الاختبار خاصتهم ورقة ورقة في الحوض. وكانت فرانسيس تسمع الطالبات دومًا تصفنه على هذا النحو: «شخصية غريبة!» لكنها لا تحب أن تسمعهن يقلن هذا، بَيْدَ أنها متأكدة أنهن يقُلن هذا عنها أيضًا؛ فهي نفسها تستخدم أساليب مبالغًا فيها؛ فكانت تحرك أصابعها خلال شعرها الكثيف وتنتحب قائلة: «لا، لا، لا، لا» عندما يتدنى مستوى الغناء. ولكنها كانت تفضل ألا يُضطَر إلى القيام بمثل هذه الأمور؛ إذ كانت تخجل أحيانًا من ذكر اسمه، ومن سماعها ما يقوله الناس عنه. ومع أنهم يصفونه بأنه ودود، يجول بخاطرها أن نبرة صوتهم تشي ببعض الحيرة وبعض الازدراء؛ ولذا كانت تتساءل: لماذا يُضطَر إلى تحمُّل هذا؟ فهي تعرف رأيه عن هذه المدينة ومن يعيشون فيها، أو ما يدعي أنه رأيه.

فُتح الباب وتحرجت فرانسيس في صدمة؛ فآخر ما تريده هو أن يجدها تيد هنا تتنصت وتتجسس عليه. ولكنه لم يكن تيد، حمدًا لله، إنها سكرتيرة المدرسة، امرأة جادة ممتلئة الجسم شغلت منصب السكرتيرة منذ أمد بعيد، منذ أن كانت فرانسيس نفسها طالبة بالمدرسة، بل وقبلها أيضًا. إنها مخلصة للمدرسة وللدروس الدينية التي تعطيها في الكنيسة المتحدة.

«أهلًا بكِ يا عزيزتي، هل تستنشقين الهواء؟»

لم تكن النافذة التي تقف فرانسيس بجوارها مفتوحة بالطبع، بل وحتى شقوقها كانت مغطاة بشريط لاصق. ولكن فرانسيس لدى طرح هذا السؤال عليها رسمت على وجهها تعبيرًا مازحًا يؤيد كلام السكرتيرة قائلة: «متغيبة عن الفصل.» مقرة بعدم وجودها في فصلها. فذهبت السكرتيرة في هدوء إلى الدَّرَج للنزول إلى الطابق السفلي وهي تخاطب فرانسيس بصوت حنون.

«أداء فرقتك الموسيقية رائع اليوم؛ لطالما أحببت موسيقى الكريسماس.»

عادت فرانسيس إلى فصلها وجلست وراء مكتبها، مبتسمة للوجوه التي تصدح بالغناء. غنين «المدينة المقدسة» ثم من تلقاء أنفسهن بدأن غناء «ترنيمة ويستمنستر» كانت تبدو عليهن السخافة، ولكن ما بيدهن حيلة؛ فالغناء شيء سخيف بكل ما في الكلمة من معنًى. لم تعتقد أبدًا أنهن سيلاحظن ابتسامتها ويذكرن الأمر لاحقًا قائلات إنها خرجت بالضرورة لتقابل تيد في الردهة. إن اعتقاد فرانسيس بأن علاقتها الغرامية سرية يبين بوضوح شديد افتقارها إلى الطبيعة الفطرية التي يتسم بها أهل المدن الصغيرة، ويبين كذلك ثقةً وطيشًا لا تدرك هي وجودهما في شخصيتها، وهذا ما يقصده الناس عندما يقولون عنها إن هذا الأمر يوضح بالطبع أنها غريبة عن المدينة، لكنها في الواقع لم تَغِبْ عن المدينة سوى أربع سنوات فقط قضتهم في معهد الموسيقى للدراسة. لكن الحقيقة هي أنها لطالما افتقرت إلى الحيطة. فبقامتها الطويلة وجسدها المتناسق ومنكبيها الضيقين، كانت تشبه الغرباء في حركتها السريعة، ونظراتها الشاردة، ونبرتها العالية، وما يحمله صوتها من توتر، وكذلك كانت تشبههم في براءة افتراضها أنها ليست محطًّا للأنظار وهي تتنقل على عجل من مكان إلى آخر في أرجاء المدينة وذراعاها محملتان بكتب الموسيقى، وتنادي على أناس على الجانب الآخر من الطريق وتوجه لهم رسائل تشي بالترتيبات المتذبذبة — بل والتي تبدو أحيانًا مستحيلة — في حياتها.

«أخبري بوني بألا تحضر حتى الساعة الثالثة والنصف!»

«هل وجدتِ المفاتيح؟ لقد تركتها في المكتب.»

كانت على نفس هذه الحال في طفولتها؛ إذ أصرت أيَّما إصرار على أن تتعلم عزف البيانو، مع أن عائلتها لم يكن لديها بيانو في الشقة التي تعلو متجر الإلكترونيات حيث كانت تعيش مع والدتها وشقيقها (وكانت والدتها أرملة تقبض راتبًا هزيلًا من عملها في هذا المتجر). وبطريقةٍ ما، تدبرت فرانسيس أمر الخمسة والثلاثين سنتًا كل أسبوع اللازمة لتعلُّم البيانو، ولكن البيانو الوحيد الذي رأته كان بيانو معلمتها، أما في البيت، فكانت تتمرن على لوحة مفاتيح مرسومة بالقلم الرصاص على عتبة النافذة. وكان ثَمَّةَ مؤلف موسيقي — يُدعى هاندل، أكان هذا اسمه؟ — اعتاد التمرن على البيانو القيثاري في علية المنزل وهو يُحكم إغلاق الباب كي لا يعرف أبوه مدى ولعه بالموسيقى. (والسؤال الشائق هنا هو كيف نجح هذا المؤلف الموسيقي في إدخال البيانو إلى ذلك المكان خلسة؟) لو كانت فرانسيس أصبحت عازفة بيانو مشهورة، لتحولت لوحة المفاتيح على عتبة نافذتها — التي تطل على الزقاق وسقف حلبة الكيرلنج — إلى أسطورة أخرى مثل أسطورة البيانو القيثاري.

مما قاله بول — الذي كان خطيبها وزميلها في المعهد — أيضًا: «لا تحسبي أنكِ عبقرية، لأنكِ لستِ كذلك.» هل فكرت في هذا؟ كانت تعتقد أن المستقبل يخبئ لها شيئًا مميزًا. لم تفكر حتى في الأمر بوضوح، ولكنها تصرفت وكأنها فكرت فيه؛ فعادت إلى موطنها، وبدأت تُدرِّس الموسيقى، أيام الإثنين في المدرسة الثانوية، وأيام الأربعاء في المدرسة الخاصة، وأيام الثلاثاء والخميس في المدارس الصغيرة بالريف، أما أيام السبت فمخصصة للتمرن على الأرجن وإعطاء الدروس الخصوصية، وأيام الأحد كانت تعزف في الكنيسة المتحدة.

وفي الكريسماس، كانت فرانسيس تكتب على بطاقات المعايدة التي ترسلها إلى أصدقائها القدامى في معهد الموسيقى: «ما زلت أتخبط في هذه العاصمة الثقافية العظيمة.» فما إن ماتت والدتها، وبمجرد أن شعرت بالحرية والانطلاق، شرعت فرانسيس في بدء حياة مستقلة غير واضحة الملامح، حياة ترضيها على نحوٍ أفضل بلا حدود، حياة لم تزل بانتظارها. وكانت صديقاتها يرسلن رسائل توحي غالبًا بنبرة التشتت والريبة نفسها. «أنجبتُ طفلًا آخر، وكم أنا مشغولة، فيداي دومًا في حوض الغسيل أنظف الحفَّاظات أكثر مما أمرنهما على لوحة المفاتيح.» كنَّ جميعًا في بداية الثلاثين من العمر. وهو عمر من الصعب أحيانًا أن تعترف فيه الواحدة منا بأن ما تعيشه هو حياتها بالفعل.

كانت الرياح تحني الأشجار بالخارج حيث تغطيها الثلوج. عاصفة ثلجية بسيطة. أمر لا يثير الانتباه في هذه البقعة من الريف. وعلى عتبة النافذة توجد قنينة حبر من النحاس البالي بها ريشة طويلة، وهو شيء مألوف يجعل فرانسيس تفكر في ألف ليلة وليلة، أو شيء من هذا القبيل، شيء يبشر أو يوحي بوقوع أحداث غريبة وغامضة ومبهجة.

•••

قال تيد عندما قابلته في الردهة بعد الساعة الرابعة: «مرحبًا، كيف حالكِ؟» ثم قال في نبرة صوت خفيضة: «غرفة الإمدادات، سأكون هناك.»

قالت فرانسيس: «حسنًا، حسنًا.» ذهبت لتغلق الغرفة على بعض كتب الموسيقى وتغلق البيانو. أخذت تعبث وتتلكأ في الأرجاء إلى أن رحلت جميع الطالبات، ثم هرولت إلى الطابق العلوي، إلى فصل العلوم، ومنه إلى حجرة كبيرة بلا نوافذ، كانت الغرفة التي يحصل منها تيد على إمداداته. ولكنه لم يكن قد وصل بعد.

كانت هذه الحجرة تُستخدم كخزانة تتراص فيها الأرفف التي تحمل زجاجاتٍ محتويةً على موادَّ كيميائيةٍ متنوعة — وكانت كبريتات النحاس هي المادة الوحيدة التي استطاعت فرانسيس معرفتها دون وجود ملصق على الزجاجة؛ فهي تتذكر لونها الجميل — ومواقد بنزن، ودوارق، وأنابيب اختبار، وهيكلًا عظميًّا بشريًّا وآخر لهرة، وبعض الأعضاء المعبأة في زجاجات، أو ربما كائنات حية، فهي لم تتأملها عن قرب، وكانت الغرفة مظلمة على أية حال.

كانت فرانسيس تخشى أن يدخل عامل النظافة، أو حتى بعض الطالبات اللاتي يعملن تحت إشراف تيد في مشروعٍ ما يتمحور حول العفن أو بيض الضفادع (مع أنه ليس التوقيت المناسب من العام لذلك بالطبع). ماذا لو عادت الطالبات بحثًا عن شيء؟ عندما سمعت وقع خطوات، بدأ قلبها يخفق بقوة، وبعدما أدركت أنها خطوات تيد لم يهدأ خفقان قلبها ولكن تغير سبب خفقانه، فأصبح يدق ليس فزعًا، وإنما من قوة التوقعات المسيطرة عليها، التي — رغم متعتها — كانت ثقيلة الوطأة جسديًّا عليها كالشعور بالخوف؛ وكانت التوقعات كفيلة ببث الشعور بالضيق في صدرها.

سمعته يغلق الباب.

نظرت فرانسيس إلى تيد بطريقتين، وكلاهما خلال نفس اللحظة التي ظهر أمامها عند مدخل باب غرفة الإمدادات، ثم سحب الباب ليواربه فكادا يكونان في ظلام دامس. أولًا، رأته كما كان الوضع منذ عام مضى، قبل أن يرتبط بها؛ رأته تيد ماكافالا مدرس العلوم الذي لم يشارك في الحرب، مع أنه لم يبلغ الأربعين. وكان لديه بالفعل زوجة وثلاثة أبناء، وربما كان قلبه يصدر صوتًا غريبًا ينم عن مشكلة به، أو شيئًا من هذا القبيل، وكان يبدو مجهدًا بالفعل. رأته رجلًا طويل القامة، منحنيَ الظهر قليلًا، أسود الشعر، ذا بشرة سمراء وتعبيرات ساخرة ومضطربة، وعينين منهكتين ولامعتين. ويمكن افتراض أنه رآها بنفس النظرة، وهي واقفة هناك، تبدو مترددة وخائفة، ومعطفها على ذراعها وحذاؤها في يدها، إذ جال بخاطرها أنه لن يكون من الحكمة تركهما في غرفة إيداع ثياب المعلمين. كان ثَمَّةَ احتمال لمدة لحظة ألا يمكنهما تغيير شعور أحدهما تجاه الآخر، ألا يرى كلٌّ منهما الآخر بصورة مختلفة، ألا يتذكَّرا كيف تغيرت نظرة كلٍّ منهما للآخر، ألا يُمنحا هذه المشاعر. وإذا كان الأمر كذلك، فماذا كانا يفعلان في ذلك المكان؟

نظرت إليه تارة أخرى وهو يغلق الباب، رأت جانب وجهه وانحدار عظم وجنتيه، وكم كان انحدارًا بديعًا وحادًّا على بشرة ملساء. لاحظت أنه أغلق الباب خلسة وبطريقة تنم عن شيء من قسوة الطباع. وحينها عرفت أنه ما من فرصة ستَحُول دون وقوع التغير في مشاعر كلٍّ منهما تجاه الآخر. فقد حدث بالفعل.

ثم حدث المعتاد؛ لعقات وضغطات، ألسنة وأجساد، مداعبة وألم وطمأنينة، دعوات وتنبيهات. اعتادت أن تتساءل خلال الفترة التي قضتها مع بول عما إذا كانت العلاقة الحميمية كلها خدعة، محض وهم، وعما إذا كان أحد يشعر حقًّا بما يتظاهران بالشعور به، لأنها بالطبع هي وبول لم يشعرا بما كانا يتظاهران بالشعور به. كان بينهما شعور قابض أثناء العلاقة مليء بالاعتذارات والقيود والإحراج، وأسوأ ما في الأمر التأوهات والمغازلات ومحاولات بث الطمأنينة التي يجدان نفسيهما مضطرَّين لتقديمها. ولكن لا، لم تكن خدعة، بل كان كل شيء حقيقيًّا، وقد تخطى الحدود؛ كما أن دلالات حدوثه — العينين المغلقتين، والرعشة الشديدة وكل المشاعر الحمقاء البدائية — كلها كانت أيضًا حقيقية.

قالت لتيد: «كم شخصًا آخر يعرف بهذا الأمر؟»

«ليسوا كثيرين، ربما عشرة أو أكثر.»

«لا أعتقد أن الأمر سينتشر.»

«حسنًا، لن يكون مقبولًا للناس.»

كانت المسافة بين الأرفف ضيقة، وكانت هناك معدات كثيرة قابلة للكسر. فلماذا لم تفكر قليلًا في ترك حذائها ومعطفها ووضعهما في مكانٍ ما على الأرض؟ الحقيقة أنها لم تتوقع أنهما سيتعانقان كثيرًا، أو بالأحرى أنه ينوي عناقها بهذه الطريقة، لقد اعتقدت أنه أراد إخبارها بشيء فحسب.

فتح الباب قليلًا ليُدخل بعض الضوء إلى الغرفة، ثم أخذ حذاءها من يدها ووضعه خارج الغرفة. ثم أخذ معطفها، ولكن بدلًا من وضعه بالخارج فرشه على ألواح الأرضية التي لم تُغطِّها سجادة. المرة الأولى التي رأته يفعل شيئًا كهذا كان في الربيع الماضي، في البستان البارد الذي كانت أشجاره حينها عارية من الأوراق، خلع سترته الجلدية وفرشها على نحوٍ لا يسعهما على الأرض. تأثرت كثيرًا بتصرفه التمهيدي البسيط، وبالطريقة التي فرش بها السترة وضبط فرشها، دون أية أسئلة أو شكوك أو استعجال. لم تكن متأكدة ماذا سيحدث حتى فرش السترة، كم كان وجهه لطيفًا وهادئًا وعاقد العزم! استرجعت هذه الذكرى لدى رؤيته وهو ينزل على ركبتيه في هذه المساحة الضيقة ويفرش معطفها. وكانت تفكر في الوقت نفسه: لو أراد مضاجعتي الآن، فهل يعني هذا أنه لن يستطيع المجيء يوم الأربعاء؟ الأربعاء ليلًا هو الموعد الذي يتقابلان فيه بانتظام في الكنيسة بعد انتهاء فرانسيس من تمرين الكورال، فكانت تظل في الكنيسة، تعزف على الأرجن، إلى أن يرحل الجميع، وقرابة الساعة الحادية عشرة كانت تنزل وتطفئ الأنوار وتنتظر عند الباب الخلفي، باب مدرسة الأحد الدينية، لكي تُدخِله، وقد فكرا في هذا عندما أصبح الجو باردًا. ولم تعرف فرانسيس ما الحجة التي كان يقولها لزوجته.

«اخلعي ملابسك كلها.»

قالت فرانسيس: «لا يمكننا أن نفعل ذلك هنا.» مع أنها كانت تعلم أنهما سيفعلانها. كانا دائمًا يخلعان ثيابهما كلها، حتى خلال المرة الأولى التي ضاجعها في البستان؛ لم تكن تظن أبدًا أنها لن تشعر بالبرد القارص.

لم يمارسا الجنس هنا في المدرسة إلا مرة واحدة فقط، وفي الغرفة نفسها، وقد كان ذلك خلال إجازة الصيف، بعد حلول المساء. كانت جميع الأجزاء الخشبية في فصل العلوم حديثة الطلاء، ولم تكن هناك علامات تحذيرية — فلماذا يضعونها ما داموا لا يتوقعون دخول أحد الغرفة؟ — كانت رائحة الطلاء قوية جدًّا، ولكنهما لم يلحظا ذلك إلا بعد حين. وقد كانا في وضع ملتوٍ بطريقة ما حتى إن سيقانهما كانت في مدخل هذا الباب، وتلطخ كلاهما بالطلاء الذي دُهن به إطار الباب. ولحسن حظ تيد أنه كان يرتدي سروالًا قصيرًا في هذا المساء — وهو مظهر غريب في المدينة وقتذاك — واستطاع إخبار جريتا بالحقيقة؛ بأن الطلاء لطخ ساقه عندما ذهب لفعل شيء في فصل العلوم، دون أن يُضطَر إلى أن يشرح لها كيف كانت ساقاه عاريتين. أما فرانسيس فلم تُضطَر إلى شرح شيء؛ إذ إن والدتها لم تكن لتلاحظ مثل هذه الأشياء. كما أنها لم تنظف الطلاء هلالي الشكل (الذي كان موجودًا فوق كاحلها مباشرةً). تركته حتى يزول من تلقاء نفسه، وكانت تستمتع بالنظر إليه ومعرفة أنه ما زال موجودًا، مثلما كانت تستمتع بالكدمات داكنة اللون وعلامات العض فوق ذراعيها وكتفيها، والتي كان بوسعها تغطيتها بسهولة بأكمام طويلة، ولكنها لم تفعل ذلك. ثم كان الناس يسألونها: «كيف أُصبتِ بهذه الكدمة البشعة؟» وكانت ترد: «لا أعلم! أُصاب بالكدمات بسهولة. كلما أتفقد جسدي، أجد كدمة جديدة!» كانت أديليد، زوجة أخيها، هي الوحيدة التي تعرف سبب هذه الكدمات، وكانت تختلق الموقف لتقول شيئًا عنها.

«أوه، لقد خرجتِ مع ذلك القط مجددًا. أليس كذلك؟ أليس كذلك؟» كانت تضحك، بل وتضع إصبعها على مكان الكدمة.

كانت أديليد هي الشخص الوحيد الذي حكت له فرانسيس عن هذه العلاقة، وقال تيد إنه لم يخبر أحدًا بها، وقد صدقته فرانسيس، لكنه لم يعلم أنها قد أخبرت أديليد. وكم تمنت لو لم تفعل؛ فلم تكن تحبها بما يكفي لتجعلها كاتمة أسرارها. كان تصرفًا سوقيًّا ومخزيًا أن تحكيَ لها، ولكنها سلكته فقط تباهيًا أمامها. وعندما قالت أديليد «القط» بهذه الطريقة الفظة والساخرة والمستفزة التي تعكس غيرتها، شعرت فرانسيس بالسعادة والابتهاج، ولكنها شعرت كذلك بالخجل. كان سيجن جنونها لو عرفت أن تيد يتحدث عن تفاصيلهما الحميمية بمثل هذا الشكل.

كانت الليلة التي لطخا فيها نفسيهما بالطلاء حارة، والمدينة بأكملها كانت قلقة وقانطة وتنتظر هطول المطر الذي لم يهطل إلا قرب الصباح مع عاصفة رعدية. كلما استرجعت فرانسيس هذا الوقت، فإنها دائمًا ما كانت تفكر في البرق، كشكل من أشكال الشهوة المؤلمة المهلكة والمجنونة. اعتادت أن تفكر في كل مرة ضاجعها فيها على حدة وتسترجعها في عقلها؛ إذ كان ثَمَّةَ رسالة غامضة خاصة، أو إحساس مختلف، في كل مرة: المرة التي كانا فيها في فصل العلوم كان البرق والطلاء الرطب. والمرة التي كانا فيها في السيارة خلال هطول الأمطار في منتصف العصاري، والتي مارسا فيها الجنس بإيقاع ناعس — وكان كلاهما سعيدًا وناعسًا وقتها حتى إنهما لم يعبآ فيما يبدو بما سيفعلانه بعد ذلك — تلك المرة غمرها إحساس بالتموج الهادئ استقر في ذاكرتها. كان إحساس التموج نابعًا من تدفق ماء المطر على زجاج السيارة الأمامي، وكأنها ستائر معقودة على الجانبين.

ولكن منذ أن صارا يتقابلان بانتظام في الكنيسة، لم يتغير النمط كثيرًا، وصارت كل مرة مثل غيرها تقريبًا.

قال تيد بثقة: «اخلعي كل ملابسك، لا تخافي.»

«وماذا لو حضر عامل النظافة؟»

«لا تخافي، لقد أنهى عمله في هذه الغرفة.»

«كيف عرفت؟»

«طلبت منه أن ينهيَ عمله هنا كي أستطيع أن أعمل.»

قالت فرانسيس وهي تقهقه وتخلع بلوزتها وصدريتها بصعوبة: «تعمل؟» كان قد فك الأزرار الأمامية، ولكن لم يزل هناك ستة أزرار في كل كُم. أحبت فكرة أنه خطط للأمر، وأحبت أيضًا التفكير في شهوانيته التي عزمت على أن تتقد فيه بعد ظهيرة هذا اليوم في غمرة انشغاله بتوجيه فصله، ولكن من ناحية أخرى لم تحب الأمر مطلقًا؛ فضحكت بقوة لتحجب التوتر أو الإحباط اللذين لم تشأ سماع صوتهما في داخلها. قبَّلت خط الشعْر المستقيم الذي يمتد فوق بطنه كسيقان النباتات، نابعًا من شعر العانة ويمتد إلى الشعر الدقيق المتناسق الذي يغطي صدره. مهما يكن، كان جسده صديقًا محببًا إلى جسدها، وكان يزين تلك المنطقة الشامة المسطحة داكنة اللون التي تشبه الدمعة، والتي ربما كانت مألوفة لها (وربما لجريتا) أكثر مما كانت مألوفة له هو، ثم تلك السُرَّة الصغيرة؛ وندبة قرحة المعدة الطويلة، وندبة استئصال الزائدة الدودية، ثم شعر العانة الذي يشبه الأسلاك؛ ثم عضوه الذكري المتورد المنتصب الرائع، وكانت لا تزال تشعر بالشعيرات الخشنة في فمها.

ثم طرق أحدهم الباب.

«هش، لا بأس، سيرحل.»

«مستر ماكافالا!»

كانت السكرتيرة.

«هش، سترحل.»

كانت السكرتيرة واقفة بالخارج في الردهة تتساءل ماذا تفعل. كانت شبه متأكدة أن تيد بالغرفة وأن فرانسيس معه. ومثل كل شخص آخر في المدينة، كانت تعرف قصتهما منذ فترة. (من بين القلائل الذين كان من الواضح جهلهم بالأمر زوجة تيد، جريتا، ووالدة فرانسيس. لم تكن جريتا امرأة اجتماعية؛ فكان من الصعب على أحد إيجاد طريقة لإخبارها. وحاول الناس بطرق مختلفة إخبار السيدة رايت العجوز، والدة فرانسيس، ولكنها لم تستوعب فيما يبدو.)

«مستر ماكافالا!»

أمام أعين فرانسيس مباشرةً كان تيد يزداد شحوبًا وضعفًا، ويبدو رقيقًا ومثيرًا للشفقة.

«مستر ماكافالا! آسفة لإخبارك بالأمر. لقد قُتل ابنك!»

•••

لم يُقتل ابن تيد، بوبي، الذي كان في الثانية عشرة من عمره، ولكن السكرتيرة لم تكن تعرف ذلك. لقد أخبروها بوقوع حادث، حادث مريع أمام مكتب البريد، حيث قُتل ابنا أوهير وماكافالا. كانت إصابة بوبي بالغة ونُقل إلى لندن بسيارة الإسعاف فورًا. لقد استغرق وصولهم إلى هناك أربع ساعات بسبب العاصفة الثلجية، وقد تبعهم تيد وجريتا بالسيارة.

جلس الوالدان في غرفة الانتظار بمستشفى فيكتوريا. ولاحظ تيد نقشًا للملكة العجوز — تلك الأرملة الغاضبة — على نافذة ذات زجاج ملون، بدت في الرسم كقديسة، ويا لها من قديسة مثيرة للسخط. كما تخيل أن هذا النقش ينافس صورة القديس جوزيف المرسومة بالجص على جدار المستشفى التابع لمدينتهم، وهو يمد ذراعيه وكأنه سيسقط عليك؛ فكلاهما سيئ. ما جال بخاطره حينئذٍ أن يخبر فرانسيس بذلك؛ فعندما كان يبهجه أو يغضبه شيء — وكثيرة هي الأشياء التي كانت تجعله يشعر بالإحساسين في نفس الوقت — كان يفكر في إخبار فرانسيس. وبدا أن هذا يرضيه، مثلما قد يشعر أحدهم بالرِّضَى لمراسلة محرر.

فكر في الاتصال بها، لا ليخبرها بشأن الملكة فيكتوريا، ليس الآن، ولكن ليخبرها بما حدث، وأنه في لندن. لم يكن قد أخبرها أيضًا أنه لن يستطيع مقابلتها مساء الأربعاء. كان ينوي إخبارها بذلك لاحقًا. ولكن الأمر ليس مهمًّا الآن؛ فكل شيء تغير. لم يستطع تيد الاتصال بها من الغرفة التي يجلس فيها هو وزوجته؛ فالهواتف كانت مرئية بوضوح في غرفة الانتظار.

قالت جريتا إنها لاحظت كافيتيريا أو لافتة ذات أسهم تشير إلى اتجاه الكافيتيريا في المستشفى؛ كانت الساعة حينها قد تخطت التاسعة، ولم يتناولا عشاءهما بعد.

«يجب أن تتناول بعض الطعام.» قالتها جريتا دون أن تخاطب تيد بالتحديد، ولكنها كانت تتحدث وفقًا لما جرى العرف عليه. من المحتمل أنها في هذه اللحظة كانت تفضل التحدث باللغة الفنلندية، ولكنها لم تكن تتحدث الفنلندية مع تيد؛ فهو لا يعرف كلمات كثيرة؛ إذ إنه نشأ في بيت كان يصر على استخدام الإنجليزية، على النقيض من منزل جريتا. لم يكن هناك أحد في هانراتي تستطيع جريتا التحدث بالفنلندية معه، وهذه كانت إحدى مشكلاتها. كانت فاتورة الهاتف هي المصدر الأساسي الذي يلتهم معظم مالهما؛ لأن تيد لم يكن بمقدوره الاعتراض على محادثاتها الطويلة والحزينة، وإن كانت مبتهجة فيما يبدو، مع والدتها وشقيقاتها.

طلبا شطائر جبن ولحم وقهوة، واشترت جريتا قطعة من فطيرة الزبيب، ترددت يدها فوقها للحظة قبل أن تلتقطها، ربما كانت في حيرة من أمرها حيال نوع الفطيرة الذي تريده، أو ربما كانت متحرجة من تناول فطيرة في هذا الوقت العصيب، وأمام زوجها. وفي أثناء جلوسهما خطر لتيد أن الوقت مناسب ليستأذن بالانصراف، ويعود إلى القاعة حيث توجد الهواتف ويتصل بفرانسيس.

راقب وجه جريتا ناصع البياض، وعينيها الفاتحتين، وهي تنكب على الطعام بنهم، وربما بأمل. كانت تأكل لتخفف من حدة فزعها، بالضبط مثلما فكر هو في الملكة فيكتوريا والقديس جوزيف ليخفف من حدة فزعه. كان على وشك الاستئذان والنهوض في اللحظة التي واتته فيها فجأة فكرة أنه إذا ذهب للاتصال بفرانسيس، فقد يموت ولده. وإذا لم يتصل بها، أو حتى يفكر فيها، واعتزم طردها من حياته، فسيضاعف من فرص نجاة بوبي ويَحُول دون موته. ما هذا الكم من الهراء؟ يا لها من خزعبلات تلك التي راودته على حين غرة، لكن كان من المستحيل أن يوقفها، من المستحيل أن يتغاضى عنها. ماذا لو كان الأسوأ قادمًا؟ ماذا لو تجسدت الفكرة التي ستراوده بعد ذلك في إحدى تلك المقايضات السخيفة؟ وراودته الفكرة: الإيمان بالرب وفقًا للعقيدة اللوثرية، وقطع العهد على نفسه بالذهاب إلى الكنيسة بعد هذه الفترة من الانقطاع، والتنفيذ فورًا، الآن، ولن يموت بوبي؛ والتخلي عن فرانسيس، التخلي عنها للأبد، ولن يموت بوبي.

التخلي عن فرانسيس!

كم كان هذا سخيفًا ومجحفًا، وكم كان من السهل وضع فرانسيس في جانب، وكأنها دنسة، وعلى الجانب الآخر ابنه المصاب، ابنه المسكين المحطم، الذي كانت نظرته — في المرة الوحيدة التي فتح فيها عينيه — تطالب بشيءٍ ما من سبيل لتلبيته، تطالب بحياته ذات الاثنتي عشرة سنة. البراءة والفساد؛ بوبي وفرانسيس. يا له من اختزال! يا له من هراء! هراء تام!

تُوفِّي بوبي، فقد تحطمت ضلوعه، وثُقبت إحدى رئتيه. وكان اللغز الرئيسي الذي حيَّر الأطباء هو لماذا لم يمت فور الحادث، فقد مات قبل حلول منتصف الليل.

بعد ذلك بفترة طويلة، حكى تيد لفرانسيس ما حدث، ليس فقط عن صورة الملكة السخيفة، ولكن أيضًا عن الوجبة التي تناولاها في الكافيتيريا، وعن أفكاره حول الاتصال بها، ولماذا لم يتصل، وكذلك أفكاره عن المقايضات. أخبرها بكل شيء، ولكنه لم يخبرها من باب الاعتراف، وإنما من باب التشويق، لتوضيح الطريقة التي يمكن أن ينتكس بها أكثر الأذهان عقلانية بل وينهار. ولكنه لم يتخيل أن ما أخبرها به قد يكون مثيرًا للغضب عندما اتخذ هو — في نهاية المطاف — قرارًا في صالحها.

•••

في تلك الليلة، ليلة الحادث، انتظرت فرانسيس بضع لحظات وحدها في غرفة الإمدادات، في كامل ثيابها ومعطفها، أزرارها مغلقة، ومنتعلة حذاءها، ولم تفكر في أي شيء. أخذت تحدق في الهيكلين العظميين، حيث بدا الهيكل البشري أصغر من الحجم الطبيعي للإنسان، في حين بدا هيكل القط أكبر وأطول من الحجم الطبيعي للقط.

ثم خرجت من المدرسة دون أن تقابل أحدًا، واستقلت سيارتها. ولكن لماذا أخذت معطفها وحذاءها من غرفة الثياب لكي تبدوَ كأنها عائدة إلى بيتها، في حين أن أي أحد بوسعه رؤية سيارتها وهي لم تزل موجودة هناك؟

كانت فرانسيس تملك سيارة قديمة، بلايموث موديل عام ١٩٣٦. وبعدما رحلت من المدينة، علقت صورة في أذهان العديد من الأشخاص لفرانسيس وهي جالسة خلف مقود سيارتها المتوقفة، تجرب شيئًا وراء الآخر لجعلها تتحرك (وهي متأخرة بالفعل عن الذهاب إلى مكانٍ ما) بينما تصدر السيارة صوتًا مزعجًا متقطعًا رافضةً السير. أو — كحالها الآن — وهي تفتح نافذة السيارة، وتخرِج رأسها المكشوفة تحت الثلج المتساقط، وتحاول إخراج إطارات السيارة المغروسة في الثلج المتراكم وهي تدور، وتحمل على وجهها تعبيرًا يوحي بأنها لم تتوقع من هذه السيارة أن تفعل أي شيء سوى أن يتوقف محركها وتربكها، ولكنها ستقاوم تعطلها حتى آخر نفس لديها.

أخرجت السيارة بالفعل أخيرًا من الثلوج، وقادتها أسفل التل نحو الشارع الرئيسي. لم تعرف ما حدث لبوبي، وما نوع الحادث الذي تعرض له، ولم تسمع ما قيل بعد أن تركها تيد. وفي الشارع الرئيسي كانت المتاجر مضاءة بشكل يبعث على الدفء، وكان هناك خيول وسيارات بطول الشارع (ففي هذا الوقت لم تكن طرقات المنطقة ممهدة)، وكلاهما حجب الهواء النقي بالأنفاس والعادم اللذين ينفسان عمَّا يعتمل في داخلهما. بدا لها في تلك اللحظات أنه كان هناك أناس أكثر من المعتاد متجمهرين يتحدثون، أو لا يتحدثون، ليس لديهم استعداد للتفرق، خرج بعض أصحاب المتاجر ووقفوا هناك أيضًا، دون معاطفهم، في الثلج، وبدت ناصية مكتب البريد مغلقة، وكان هذا هو الاتجاه الذي ينظر نحوه الناس.

صفَّت السيارة خلف متجر الإلكترونيات، وصعدت مسرعةً السلالم الخارجية الطويلة التي جرفت عنها الثلج والجليد هذا الصباح، والتي ستكرر جرفها لاحقًا تارة أخرى لتجمُّع المزيد من الجليد عليها. حينها شعرت كأنها تفر إلى مخبأ، ولكنها لم تفعل؛ إذ كانت أديليد موجودة.

«فرانسيس؟ أهذه أنتِ؟»

خلعت فرانسيس معطفها في الردهة الخلفية للمنزل، وتأكدت أن أزرار بلوزتها مغلقة، ووضعت حذاءها على الدواسة المطاطية.

«كنت أخبر الجدة لتوي، فإنها لم تعرف أي شيء عن الأمر، ولم تسمع سيارة الإسعاف.»

كانت هناك سلة بها ملابس نظيفة على منضدة المطبخ، وفوقها كيس وسادة قديم لمنع تسرب الثلج إلى الملابس. دخلت فرانسيس المطبخ مستعدة لقطع حديث أديليد، ولكنها عرفت أنها لن تستطيع عندما رأت سلة الملابس. ففي الأوقات التي تكون خلالها فرانسيس أكثر انشغالًا، قرب الكريسماس أو حفل الربيع، كانت أديليد تأتي وتأخذ ملابسها هي وأمها لتغسلها في بيتها، وتعود بجميع الملابس بعد كَيِّها بالطريقة العادية أو برذاذ النشا؛ وكانت تستخدم أيضًا مساحيق التبييض لجعل الملابس البيضاء أكثر بياضًا. وكانت أديليد أمًّا لأربعة أبناء، ولكنها دائمًا ما كانت تساعد الآخرين، فتخبز وتتسوق من أجلهم، وتعتني بأبنائهم، وتعرف أسرار البيوت المقفلة على مشكلاتها. كرم محض. ابتزاز محض.

قالت أديليد وهي تلتفت إلى فرانسيس: «كانت سيارة فريد بيتشر ملطخة بالدماء. كان صندوق سيارته مفتوحًا، وكان يحمل فيه عربة الأطفال لينقلها إلى منزل أخت زوجته، وصندوق سيارته كان ملطخًا بالكثير من الدماء. كان ملطخًا بالكثير من الدماء.»

سألت فرانسيس بعد أن أدركت أنه لا مفر من سؤالها الآن، وأن زوجة أخيها ستخبرها بما حدث على أية حال: «هل كان فريد بيتشر؟ هل صدم فريد بيتشر ابن ماكافالا؟» كانت تعرف اسم بوبي، بالطبع، كانت تعرف أسماء ووجوه جميع أبناء تيد، ولكنها استخدمت غموضًا مصطنعًا في حديثها عن أيٍّ منهم — وعن تيد أيضًا — ولهذا حتى الآن كان عليها أن تقول «ابن ماكافالا».

سألتها أديليد: «ألا تعرفين بالأمر أنتِ أيضًا؟ أين كنتِ؟ ألم تكوني في المدرسة الثانوية؟ ألم يأتوا ليخبروه بالحادث؟»

ردت فرانسيس: «سمعت أنهم جاءوا ليخبروه.» رأت أن أديليد قد أعدت الشاي، وكانت في حاجة ماسة إلى كوب شاي، ولكنها كانت تخشى أن تلمس الأكواب أو إبريق الشاي، لأن يديها كانتا ترتجفان. «سمعتُ أن ابنه قُتل.»

«لم يكن هو من قُتل، وإنما الصبي الآخر، ابن أوهير، كانا صبيين. قُتل ابن أوهير فورًا، كان الأمر بشعًا. وابن ماكافالا لن يعيش، لقد ذهبوا به إلى لندن في سيارة إسعاف، لكنه لن يعيش.»

قالت والدة فرانسيس الجالسة أمام المنضدة، وكتابها مفتوح أمامها: «يا إلهي، تلك الأم المسكينة.» ولكنها قد سمعت القصة كاملة من قبل.

قالت أديليد لفرانسيس بنبرة موبخة بعض الشيء: «لم يكن فريد بيتشر هو من صدمهما، لم يكن هذا ما حدث على الإطلاق. لقد ربط الصبيان مزلجتهما بالجزء الخلفي من سيارته، ولم يكن يعلم حتى أنهما فعلا هذا، لا بد أنهما ربطاها عندما أبطأ أمام المدرسة بسبب خروج جميع الطلاب، ثم جاءت سيارة من خلفه على التل، فانزلقت بسبب المزلجة، وصدمتهما. فدفعت المزلجة تحت سيارة فريد مباشرة.»

أصدرت السيدة رايت العجوز صوتًا متأوهًا في نفس الوقت.

قالت أديليد وهي تحدق إلى فرانسيس كما لو أنها أرادت استثارة رد فعل أكبر لديها: «لا بد أن أحدًا قد حذرهما. لقد تم تحذير جميع الأطفال وهم يفعلون هذا منذ سنوات وكان حدوث هذا محتومًا. كان الأمر مريعًا. جميع من شهد الحادث يقول إنه لن ينساه؛ لقد خرج فريد بيتشر من سيارته وتقيأ في الثلج أمام مكتب البريد مباشرةً. يا إلهي، الدماء!»

قالت والدة فرانسيس: «أمر بشع.» ولكن كان اهتمامها قد تلاشى إلى حدٍّ بعيد. من المحتمل أنها كانت تفكر في العشاء. فمنذ الساعة الثالثة عصرًا تقريبًا، واهتمامها بالعشاء يتزايد. عندما كانت تتأخر فرانسيس، مثلما تأخرت ذاك اليوم، أو عندما يمر بها أحد لزيارتها في وقت متأخر بعد الظهيرة، معتقدًا بلا شك أنها ستسعد بالزيارة، كانت تزداد عصبية، معتقدة أن العشاء سيتم تأجيله. كانت تحاول التحكم في نفسها، فتصبح ودودة ومتلهفة للحديث والتعامل مع ضيفها، تركز في مجموعة العبارات الاجتماعية الدمثة، وتتلفظ بها واحدة تلو الأخرى، على أمل أن يرضى الضيف سريعًا ويرحل.

قالت لفرانسيس: «هل اشتريتِ شرائح اللحم؟»

بالطبع نسيت فرانسيس إحضار هذا الطلب. كانت قد وعدتها بإعداد شرائح اللحم برقائق الخبز، ولكنها لم تذهب إلى الجزار، فقد نسيت.

«سأذهب الآن لإحضاره.»

«كلا، لا تزعجي نفسك.»

قالت أديليد: «ثَمَّةَ الكثير يدور بعقلها بسبب الحادث. لقد تناولنا طبقًا من شرائح اللحم ليلة أمس. طهوته في الفرن مع الذرة الكريمية، وكم كان شهيًّا.»

«حسنًا. فرانسيس تعده مع الخبز.»

«نعم أنا أعده هكذا أيضًا. هذه الطريقة لذيذة أيضًا، فأنا أحب التغيير أحيانًا. لقد رأيت والد ذلك الصبي الذي قُتل في الحادث، ابن أوهير، وهو خارج من محل الحانوتي. كم كان مريعًا أن أراه، يبدو في الستين من عمره.»

قالت والدة فرانسيس: «لا بد أنه كان يرى الجثة.» ثم قالت لفرانسيس: «إعداد الأومليت سيكون كافيًا.»

«حقًّا؟» قالتها فرانسيس التي لم تكن تطيق فكرة العودة إلى الشارع من جديد.

«أجَل، ووفري كوبونات التموين.»

«أليست غير ذات نفعٍ كوبونات التموين هذه؟ لن يُسمح له برؤية الجثة بعد، ليس قبل العمل على تجهيزه، لا بد وأنه كان يختار التابوت.»

«نعم، على الأرجح.»

«كلا، لن يكون قد جرى تجهيزه بعد، سيكون لا يزال راقدًا على خشبة الموتى.»

كانت الطريقة التي قالت بها أديليد «خشبة الموتى» لافتة للنظر، قالتها بقوة ملحوظة، لفظتها وكأنها تقذف سمكة رطبة ضخمة على المنضدة أمامهما. كان لها عم يعمل حانوتيًّا في بلدة أخرى، وكانت فخورة بقرابتها له وبمعرفتها بأسرار المهنة. وكما هو متوقع، بدأت تتحدث عن عمل هذا العم مع ضحايا الحوادث، وعن فتًى سُلخت فروة رأسه من جراء حادث، وكيف أعاد عمها شكل رأسه الطبيعي، بذهابِه إلى الحلاق وجمعِ قصاصات الشعر من سلة المهملات، ثم خلطِ الصبغات ليحصل على اللون المناسب تمامًا وصبغِ قصاصات الشعر بها، وعملِه على ذلك طوال الليل. لم يصدق والدا الصبي أنه من الجائز أن يبدوَ طبيعيًّا هكذا. وقالت أديليد إنه لفن أن يعرف سائر الحانوتيين عملهم مثلما يعرفه عمها.

كل ما جال بخاطر فرانسيس حينها أنها يجب أن تخبر تيد بهذا، فغالبًا ما كانت تحكي لتيد أمورًا قالتها أديليد.

قالت أديليد بعد أن أوضحت مجددًا كم هو متدنٍّ أداء هذا الحانوتي مقارنةً بعمها: «بالطبع يمكنهم إغلاق التابوت لو أرادوا ذلك.» ثم سألت فرانسيس: «هل كان هذا هو الصبي الوحيد لدى ماكافالا؟»

«أعتقد هذا.»

«أشعر بالأسى تجاههما، كما أن ليس لهما أي عائلة هنا. إنها حتى لا تتحدث الإنجليزية بطلاقة، أليس كذلك؟ طبعًا بما أن الزوجين أوهير كاثوليكيان، فلديهما أربعة أو خمسة أبناء آخرين، أتعلمين، لقد جاء القس ومارس عليه تلك الطقوس التي يمارسونها، حتى لو كان الصبي قد مات وانتهى أمره.»

قالت والدة فرانسيس باستنكار: «يا إلهي، يا إلهي.» ولكن هذا الاستنكار لم يكن يحمل عداءً حقيقيًّا تجاه الكاثوليكيين، وإنما هو شيء من كياسة البروتستانتيين بعضهم تجاه بعض.

«لست مضطرة للذهاب إلى الجنازة، أليس كذلك؟» استقرت نظرة قلقة على وجه والدة فرانسيس كانت تظهر كلما كانت هناك مناسبة تجبرها على الاقتراب من مرضى أو أموات. «ما اسمهما؟»

«أوهير …»

«نعم، إنهما من الكاثوليك.»

«وماكافالا.»

«لا أعرفهما، أليس كذلك؟ هل هما غرباء؟»

«فنلنديون. من أونتاريو الشمالية.»

«هذا ما ظننت؛ فالاسم يبدو أجنبيًّا. لست مضطرة إذنْ إلى الذهاب.»

•••

اضطُرت فرانسيس للخروج من المنزل مجددًا؛ إذ كان عليها الذهاب إلى المكتبة في المساء لتجلب الكتب لوالدتها، فكل أسبوع كانت تجلب لوالدتها ثلاثة كتب جديدة من المكتبة. وكانت أمها تحب شكل الكتاب الضخم المشوق، فتقول إنها تقرأ فيه طويلًا وكأنها تتحدث عن ارتداء معطف أو التدثر ببطانية لفترة طويلة. وفي الحقيقة، كان الكتاب بالنسبة لها مثل اللحاف الكثيف الباعث على الدفء، تلقيه عليها وتتدثر به. وعندما توشك على الانتهاء من قراءته — ويقل سمك طبقات اللحاف التي تحتمي به شيئًا فشيئًا — كانت تحصي الصفحات المتبقية وتقول: «هل أحضرتِ لي كتابًا آخر؟ أجل. ها هو ذا، تذكرت. ما زال أمامي ذاك الكتاب الآخر عندما أفرغ من هذا.»

ولكن دائمًا يأتي الوقت الذي تفرغ فيه من آخر كتاب ويكون عليها الانتظار ريثما تذهب فرانسيس إلى المكتبة وتجلب ثلاثة كتب أخرى. (لحسن الحظ، كانت فرانسيس تكرر إحضار نفس الكتاب بعد فترة قصيرة، مثلًا بعد ثلاثة أو أربعة أشهر. وكانت والدتها تنهمك في قراءته مجددًا، وتقدم حتى بعض المعلومات عن السياق والشخصيات، وكأنها لم تقابلهم قط من قبل.) وكانت فرانسيس تقترح على والدتها أن تستمع إلى الراديو خلال انتظارها الكتب، ولكن مع أن والدتها لم ترفض قط عمل شيء يُطلب منها، فإن الراديو لم يكن يسليها فيما يبدو. وفي الوقت الذي لا يكون بحوزتها أي كتاب تقرؤه، ربما تذهب إلى غرفة المعيشة وتسحب كتابًا قديمًا من مكتبة المنزل — وقد يقع اختيارها على «جيكوب المخلص» أو «لورنا دون» — وتجلس بانحناءة على الكرسي القصير، ممسكة به وتقرؤه. وفي أوقات أخرى، قد تنتقل من غرفة إلى أخرى، دون أن ترفع قدميها عن الأرض، إلا إذا صادفت عتبة، فتتشبث بالأثاث، وتتخبط بالجدران، ولا ترى شيئًا لأنها لا تضيء الأنوار، وتتحرك بضعف لأنها لم تعد تسير الآن، يباغتها قلق مرعب أو نوع من نوبات الاهتياج بطيء الإيقاع لو لم يكن لديها كتب تقرؤها أو طعام تتناوله أو حبوب منومة تصرفه عنها.

أحست فرانسيس بالمقت تجاه والدتها الليلة لأنها سألتها: «ماذا عن كتب المكتبة؟» شعرت بالاشمئزاز منها بسبب قسوة قلبها، وأنانيتها، وضعفها، وعمرها الطويل، وساقيها وذراعيها الصغيرتين الضعيفتين المترهلتين. لكن لم تكن والدتها أكثر قسوة منها. مرت فرانسيس من أمام مكتب البريد الذي خلا الآن من أي أثر للحادث، مجرد ثلج حديث متراكم، ثلج يهب على الشارع من ناحية الجنوب، من ناحية لندن (سيعود مضطرًا، مهما حدث، سيعود). شعرت بالغضب الشديد من هذا الطفل، من غبائه، ومجازفته الحمقاء، من تباهيه، من اقتحامه حياة الآخرين، حياتها. لم تكن في حالة تسمح لها بالاستماع إلى وجهة نظر أي أحد الآن، وجهة نظر أديليد مثلًا. كانت أديليد — قبل رحيلها — قد لحقت بفرانسيس إلى غرفة نومها حيث كانت فرانسيس تخلع بلوزتها الستان، لأنها لم تكن لتعد العشاء بها، فكانت قد فتحتها من الأمام، وتفك أزرار الكمين. فوقفت فرانسيس أمام أديليد مثلما كانت تقف أمام تيد قبل فترة وجيزة.

سألتها أديليد في صوت هامس متوتر: «فرانسيس، هل أنتِ بخير؟»

«أجل.»

«ألا تحسبين أن هذا انتقام منك ومنه؟»

«ماذا؟»

قالت أديليد: «الرب ينتقم منه.» وفضحت مشاعر الإثارة والارتياح والرِّضَى نفسها على ملامحها. فقبل زواجها من شقيق فرانسيس الأصغر سنًّا — الذي كان يتسم بعناده وبراءته — كانت أديليد معروفة بعلاقاتها الجنسية وكانت لها سمعة سيئة بخصوص هذا الأمر امتدت عامًا أو اثنين، (وكثيرًا ما كانت التوريات الجنسية تُختلق على اسمها)، وكانت ممتلئة الجسم، يبدو عليها أنها متزوجة وأم لأبناء، وكانت حولاء قليلًا. لم تفهم فرانسيس ما دفعها إلى مثل هذه الصداقة، أو المصاهرة، أو أيٍّ ما كان يصلح لتسميتها. كانتا تتحدثان عن الجنس والرجال وهما تجلسان في مطبخ أديليد خلال الليالي التي يخرج فيها كلارك لتدريب فريق الهوكي للشباب، وتضيفان إلى قهوتهما ويسكي كلارك الغالي (ثم تضيفان الماء إلى ما تبقى منه)، بينما تجف الحفَّاظات إلى جوار الموقد، وعلى الطاولة أمامهما قضبان معدنية رخيصة للعبة القطار، ودمية شنيعة بلا عينين أو ذراعين. ارتياح مخزٍ، وانغماس آثم، وغلطة فادحة. لم يكن الرب يُذكر في محادثات أديليد في تلك الأوقات، ولم تكن أديليد — في حديثها عن الجنس والرجال — قد سمعت قط مصطلح «العضو الذكري» وحاولت أن تستخدمه لكنها لم تستطع أن تتعوده، فكانت تستخدم مصطلح «قضيب»، فكانت تقول: «أخرج قضيبه.» باللذة المزعجة نفسها التي قالت بها «على خشبة الموتى.»

قالت لفرانسيس: «لا تبدين بخير، أنا متأكدة، يبدو أن الأمر قد أصابك بصدمة، تبدين مريضة.»

قالت فرانسيس: «عودي إلى البيت.»

كيف سيكون عليها أن تدفع ثمن فعلتها؟

كان هناك رجلان يعلقان مصابيح الكريسماس على أشجار البيسية الزرقاء أمام مكتب البريد. لماذا يفعلان هذا في هذه الساعة؟ لا بد أنهما قد بدآ قبل الحادث، ثم اضطُرَّا إلى تركها. لا بد أنهما قضيا الوقت في احتساء الخمر، على الأقل هذا ما حدث مع أحدهما. كان أحدهما، كال كالاهان، عالقًا وسط شبكة من المصابيح يحاول الخروج منها. أما الرجل الآخر، الزعيم كرير — وهو الاسم الذي أطلق عليه من باب السخرية لأنه لم يكن يومًا زعيمًا لأي شيء — فوقف على مقربة منتظرًا أن يخلص كال نفسه من شبكة المصابيح في الوقت الذي يلزمه. لم يتعلم الزعيم كرير القراءة أو الكتابة، ولكنه كان يعرف أين سبل السعادة ويسلكها. كانت مؤخرة شاحنتهما مليئة بأكاليل من نبات الإيلكس الصناعي وحبال مصابيح حمراء وخضراء سيتم تعليقها. لا بد أن فرانسيس — بسبب انخراطها في الحفلات الموسيقية وتقريبًا كل شيء متعلق بطريقة الاحتفالات العامة التي يمكن أن يفكر فيها البلد — تعلم مكان تخزين الزينة والزخارف، وتعلم أيضًا أنها تُخزن عامًا وراء عام في علية مبنى البلدية منسية، ثم وقت الحاجة إليها يتذكرها أحدهم في مجلس البلدية ويخرجها قائلًا: «حسنًا، علينا أن نفكر فيما سنفعل احتفالًا بالكريسماس.» احتقرت فرانسيس هذين الأحمقين وتجاهلت تعليقهما الحبال والأنوار والأكاليل فوق الشجر. عدم الكفاءة، والأكاليل والحبال رثة المظهر، وجو الكدح العادي، كل هذا يحدث بسبب إدراك لاعقلاني لحدث ملزم يقع بصفة موسمية. وفي وقت آخر، ربما كانت ستعتبر هذه الأشياء مؤثرة، أو مثيرة للإعجاب بعض الشيء. ربما حاولت أن تشرح لتيد، الذي لم يستطع قط أن يفهم مشاعر الولاء التي تكنها لهانراتي. قال إنه يستطيع أن يعيش في مدينة، أو في البرِّيَّة، أو مستعمرة على الحدود كالتي جاء منها، ولكن ليس في مكان كهذا، مثل هذا المكان الضيق، الذي به من البساطة ما يفتقر إلى امتيازات بساطة البرِّيَّة، ومن القيود ما يَحُول دون أي تنوع حضري أو حياة.

ولكنه عاش فيه.

تذكرت فرانسيس أنها شعرت بهذا الاشمئزاز تجاه كل شيء في الصيف الماضي. كان تيد وجريتا وأبناؤهما قد سافروا لمدة ثلاثة أسابيع، متجهين إلى أونتاريو الشمالية لزيارة أقاربهم. وخلال الأسبوعين الأولين من الثلاثة، ذهبت فرانسيس إلى كوخ يطل على بحيرة هورون؛ وكان نفس الكوخ الذي تستأجره دائمًا. اصطحبت معها والدتها التي جلست تقرأ تحت شجرة بلسان جلعاد، وكانت فرانسيس سعيدة هناك. وفي الكوخ، كانت هناك طبعة قديمة من الموسوعة البريطانية وكانت تقرأ فيها مرارًا وتكرارًا المقالة غير المُحدَثة عن فنلندا. فتجلس في شرفة الكوخ ليلًا وتسمع صوت تلاطم مياه البحيرة على الشاطئ وتفكر في أونتاريو الشمالية، حيث لم تذهب قط، وتفكر في البرِّيَّة. ولكنها عندما تُضطَر للعودة إلى المدينة ولا تجد تيد هناك، تمر بوقت عصيب. كل صباح كانت تذهب إلى مكتب البريد ولا تجد أي رسالة منه، فتقف وتطل من نافذة مكتب البريد على مبنى البلدية، حيث كان يوجد مقياس ضخم بالأحمر والأبيض يسجل تقدم حملة بيع سندات النصر. لم تكن تستطيع تصديق أنه في أونتاريو الشمالية، في منازل أقاربه، يسكر ويأكل الولائم. لقد رحل. يمكن أن يكون في أي مكان، خارج هذا البلد؛ لم يعد موجودًا بالنسبة إليها، باستثناء وجوده في الشعور الأحمق بالألم الذي تستحثه ذاكرتها. وقتها كانت تكره الجميع بالفعل، وكانت بالكاد تحدثهم بطريقة متحضرة. كرهت الناس، ودرجة الحرارة المرتفعة، ومبنى البلدية، ومقياس بيع سندات النصر، والأرصفة، والمبانيَ، والأصوات. كانت خائفة من التفكير في هذا لاحقًا، لم تُرِدْ أن تفكر كيف يعتمد شكل المنازل الجميل الباعث على الطمأنينة أو نبرة الصوت الحانية في التحيات على وجود شخص واحد في حياتها لم تكن تعرفه منذ عام مضى. كيف أدى وجوده في نفس البلدة، حتى عندما لم تستطع أن تراه أو تعرف أخباره، إلى تحقيق التوازن المطلوب لها.

كانت الليلة الأولى التي عاد فيها إلى المدينة هي ذاتها التي ذهبا فيها إلى المدرسة ولطخا نفسيهما بالطلاء الحديث. فكرت وقتذاك أن الحياة من دونه كانت تستحق التجربة، كانت مجرد الثمن الذي يجب أن تدفعه. لكنها نسيت الآن كيف كانت الحياة حينئذٍ، تمامًا مثلما يقولون إن المرأة تنسى ألم المخاض بين ولادة وأخرى.

ولكن الآن استطاعت أن تتذكر. كان ما سبق مجرد تمرين؛ شيئًا اخترعته لتعذب نفسها به، الآن سيكون حقيقيًّا. سيعود إلى هانراتي ولكنه لن يعود إليها، ولأنه كان معها لحظة معرفته بأمر ابنه، فسيكرهها. أو على الأقل سيكره التفكير فيها لأنها ستجعله يفكر دائمًا في الحادث. وإذا افترضنا أن الطفل بطريقةٍ ما ظل على قيد الحياة، قعيدًا، فلن يكون هذا أفضل حالًا، ليس بالنسبة إلى فرانسيس. سيفضل الزوجان الرحيل عن هنا. لقد أخبرها أن جريتا لم تحب المكان، كان هذا أحد الأمور القليلة التي قالها عن جريتا، وكانت تشعر بالوحدة، ولا تُحس بالانتماء إلى هانراتي. وكم سيزداد كرهها لها الآن؟ ما تخيلته فرانسيس خلال الصيف الماضي سيصبح واقعًا الصيف الحالي. سيكون في مكانٍ ما خارج البلاد، سيجتمع شملهما هو وزوجته التي ربما تكون في أحضانه في هذه اللحظة، يواسيها ويتحدث معها بلغتهما، لكنه قال إنه لا يتحدث معها بالفنلندية، كان هذا رده على سؤال فرانسيس — وكانت فرانسيس ترى بوضوح أنه لا يحب أن تطرح عليه أسئلة — وقال إنه بالكاد يتحدث الفنلندية، ولكنها لم تصدقه.

•••

قرأت فرانسيس أن أصول القبائل الفنلندية الأوغرية محاطة بالغموض، وقد أعجبها هذا التعبير؛ فلم تظن أن أي موسوعة بوسعها الاعتراف بشيء كهذا. كان يُطلق على الفنلنديين الهاميون والكاريليون، وقد ظلوا وثنيين حتى القرن الثالث عشر، وكانوا يؤمنون بوجود إله للهواء، وإله للغابات، وإله للماء. حفظت فرانسيس أسماء هؤلاء الآلهة وفاجأت تيد بها: «أوكو، تابيو، أهتي.» لكن كانت هذه الأسماء غير مألوفة بالنسبة إليه؛ فالأسلاف الذين عرفهم ليسوا هم هؤلاء الوثنيين المسالمين، قاطني الغابات المجرية الذين في بعض الأماكن — طبقًا للموسوعة — لا يزالون يقدمون قرابين للأشباح. كان أسلافه هم القوميين والاشتراكيين والراديكاليين المنتمين للقرن التاسع عشر، وكانت أسرته قد نُفيت خارج فنلندا. لم تكن الغابة الشمالية أو أشجار الصنوبر والبتولا هي التي اشتاق إليها تيد، وإنما ردهات الاجتماعات والمكاتب الصحفية في هلسنكي وغرف المحاضرات وغرف القراءة. لم تعلق بذهنه أي طقوس وثنية (فقد قال إنها هراء عندما أخبرته فرانسيس عن تقديم القرابين إلى الأشباح)، وإنما علق بذهنه زمن انتشرت فيه الصحافة السرية، وتوزيع المنشورات بعد هبوط الليل، والمظاهرات الهالكة، وأحكام السجن المشرفة. كانوا يتظاهرون ضد السويديين، وينشرون فكرهم ضد الروس. فتساءلت فرانسيس بسذاجة لو كانت عائلتك شيوعية ألن تكون إلى جانب الروس؟ لقد اختلطت عليها التواريخ؛ فقد كان يتحدث عن زمن يسبق الثورة. ليس الأمر أن أي شيء قد اختلف الآن؛ فقد غزت روسيا فنلندا، وانحازت فنلندا رسميًّا لألمانيا، ولكن لم يكن ولاء تيد ليتحول أبدًا، لم يكن ولاؤه سيتحول إلى كندا، التي قال إنه فيها بمثابة عدو أجنبي وكان خاضعًا للمراقبة من جانب شرطة الخيالة الكندية الملكية، ولكن لم تستطع فرانسيس أن تصدق شيئًا كهذا، ولكنه بدا فخورًا به.

عندما خرجا للتمشية في فصل الخريف في البساتين الجافة، أخبرها الكثير من الأمور التي كان يجب أن تخجل من جهلها بها، حدثها عن الحرب الأهلية بإسبانيا، عن عمليات التطهير في روسيا. استمعت إليه، ولكن ظل انتباهها يشرد متخفيًا في أسئلة وأجوبة منطقية، ليركز على عمود سور أو حفرة لخنزير الأرض. فهمت الفكرة العامة التي كان يحدثها عنها، فقد كان يؤمن أن هناك إفلاسًا عامًّا، وأن الحرب — التي كان يُعتقد بصفة عامة أنها أزمة ضخمة ولكنها مؤقتة — كانت في الواقع مجرد جانب طبيعي لهذه الحالة. وكلما أشارت إلى أي احتمالية مفعمة بالأمل أوضح لها أنها جانبها الصواب، ولماذا حتى الآن فشلت جميع الأنظمة، وأن التغيرات العنيفة سيعقب أحدها الآخر إلى أن …

«ماذا؟»

«إلى أن يحدث انهيار تام.»

كم بدا راضيًا وهو يقول هذا! كيف تجادله في رؤية تجلب له هذا السلام والرِّضَى؟

قالت له وهي تقلب يده في يدها: «أنت أسمر البشرة. لم أكن أعلم أن الأوروبيين الشماليين بشرتهم داكنة هكذا.»

أخبرها أن بشرة أبناء فنلندا منقسمة إلى لونين، بشرة المجر وبشرة الاسكندينافيين، وأن منهم السُّمر والشقر، وشرح لها كيف لا يمتزج لونا البشرة ويحافظ كلٌّ منهما على تفرده، ليُنتجا أجيالًا وراء أجيال على الهيئة نفسها في الأحياء نفسها وفي العائلة نفسها.

قال لها: «عائلة جريتا مثال ممتاز؛ فجريتا اسكندينافية الأصل، عظامها ضخمة وطويلة. إنها مستطيلة الجمجمة …»

«ماذا؟»

«أي رأسها طويل، وبشرتها بيضاء، وعيناها زرقاوان، وشعرها أشقر. كما أن شقيقتها كارترود خمرية اللون، وعيناها مسحوبتان قليلًا وشديدتا السواد. نفس الشيء في عائلتنا؛ فبوبي يشبه جريتا، ومارجريت تشبهني، وروث آن تشبه جريتا.»

كانت فرانسيس تشعر بالإثارة والفضول عندما تسمعه يتحدث عن جريتا، عن «عائلتهما»، لم تسأله أو تتحدث عنهم قط. في البداية، لم يكن يتحدث عنهم هو الآخر، ولكن ثَمَّةَ أمران قالهما لها ظلَّا عالقين بذهنها؛ أحدهما أنه وجريتا قد تزوجا وهو لا يزال يدرس في الجامعة، خلال منحته الدراسية، وآنذاك استمرت في العيش مع أهلها في الشمال إلى أن تخرَّج وحصل على فرصة عمل. جعل هذا فرانسيس تتساءل إن كانت جريتا قد حملت منه قبل الزواج. ألهذا تزوجها؟ الأمر الثاني الذي قاله — بطريقة عابرة بينما كانا يتحدثان عن أماكن يتقابلان فيها — هو أنه لم يكن خائنًا قط. ولذا افترضت فرانسيس عدم خيانته لها طوال الوقت، بسبب براءتها أو غرورها، فلم تفترض للحظة واحدة أنها قد تكون حلقة في سلسلة من سيدات أقام معهن علاقات، ولكن كلمة «خائن» (لم يقل حتى «خائن لجريتا») أوحت برابطةٍ ما. وضعت جريتا تحت الضوء أمامهما، وأظهرتها جالسة في مكانٍ ما منتظرة إياه، هادئة وصبورة، وجديرة بالاحترام، ومظلومة. زادتها الكلمة شرفًا، بل وزادها هو نفسه احترامًا.

في البداية، كان هذا هو الحال، ولكن الآن خلال حديثهما، كانت أبواب هذا الحوار تُفتح ولكن لا تلبث أن تنغلق بسرعة مجددًا وبعنف. وخلال ذلك اكتشفت فرانسيس ملاحظات خاطفة والتي كانت تخشاها وترغب فيها في آن واحد. فذات مرة، كان يجب أن يترك السيارة مع جريتا لكي تذهب بروث آن إلى الطبيب؛ إذ كانت روث آن تعاني ألمًا في أذنها، وظلت تبكي طوال الليل. ومرة أخرى علمت أن تيد وجريتا كانا يضعان معًا ورق الحائط على جدران الردهة الأمامية. وعلمت أيضًا بمرض العائلة بأكملها بعد تناول سجق مشكوك في صلاحيته. رصدت فرانسيس أكثر من مجرد ملاحظات خاطفة، بل إنها كانت تصاب بنزلات البرد التي تصاب بها عائلة ماكافالا؛ لقد بدأت تشعر أنها تعيش معهم في حميمية غريبة وخيالية.

طرحت عليه سؤلًا واحدًا.

«ما لون ورق الحائط الذي وضعتَه أنت وزوجتك في الردهة؟»

فكر قليلًا قبل أن يجيب، ثم قال:

«مخطط، خطوط بيضاء وفضية.»

اختيار ورق الحائط جعل جريتا تبدو في نظر فرانسيس أكثر صلابة وذكاءً وطموحًا مما كانت تبدو في الشارع أو خلال تسوقها في متجر بقالة سوبريور، وهي ترتدي أثوابها باهتة اللون المزركشة بالورود المفتقرة إلى الذوق الرفيع، وسراويلها الفضفاضة مربعة النقش، ومنديل الرأس فوق شعرها. ربة منزل ضخمة شقراء، والنمش يملأ بشرتها. اصطدمت سلة مشترياتها ذات مرة بذراع فرانسيس وقالت لها: «معذرةً.» الكلمة الوحيدة التي سمعتها فرانسيس منها على الإطلاق. صوت خجول تعوزه العاطفة ولسان ثقيل النطق باللهجة السائدة، هذا هو الصوت الذي يسمعه تيد كل يوم في حياته، وهذا هو الجسد الذي ينام إلى جواره كل ليلة. خارت قوى فرانسيس وارتعدت مفاصلها، هناك في متجر بقالة سوبريور أمام أرفف كرافت دينر واللحم والفاصوليا، فمجرد الوجود بالقرب من هذه المرأة الغامضة الضخمة، شديدة البراءة والقوة، شوَّش تفكيرها وجعل جسدها يرتجف.

•••

في صباح يوم السبت، وجدت فرانسيس رسالة في صندوق بريدها يطلب تيد فيها أن تسمح له بدخول الكنيسة تلك الليلة. كانت متوترة طوال اليوم مثلما كانت متوترة عند انتظارها مقابلته في المرة الأولى، في بستان بيتيز بوش. انتظرته في الظلام بالقرب من باب أحد فصول مدرسة الأحد الدينية. كانت ليلة غير مناسبة، ليلة الأحد، كان من المحتمل أن يظهر القسيس أو عامل النظافة، وقد كان كلاهما موجودًا بالفعل في المدرسة في وقت سابق، عندما كانت فرانسيس تعزف الأرجن مشتتة البال. لكنهما عادا لبيتهما؛ هذا ما كانت تأمله.

عادةً كانا يمارسان الغرام هنا في الظلام، ولكن في تلك الليلة ظنت فرانسيس أنهما في حاجة إلى الضوء لأنهما يحتاجان إلى التحدث، فقادته فورًا إلى فصل بمدرسة الأحد خلف شرفة الكورال. وكان الفصل عبارة عن غرفة طويلة وضيقة ومكتظة بالأشياء ولا تحتوي على أي نوافذ. كانت كراسي مدرسة الأحد مكدسة في أحد الأركان أحدها فوق الآخر، وكان هناك شيء غريب على منضدة المعلم، منفضة سجائر بها عقبان، ورفعتها فرانسيس.

«لا بد أن غيرنا يأتي إلى هذا المكان.»

كان عليها أن تتحدث عن شيء آخر بخلاف الحادث؛ لأنها كانت متأكدة أنها لن تستطيع أن تتفوه بالكلمات المناسبة عن الأمر.

أجابها تيد — وهو ما بث بها بعض الراحة — قائلًا: «المحبون يتناوبون على المكان. لا يفاجئني هذا.» وعدَّد أسماء محتملة لبعض المحبين: سكرتيرة المدرسة والناظر، وزوجة شقيق فرانسيس وقسيس هذه الكنيسة. ولكن كانت نبرة الحزن تخيم على صوته.

«ربما نحتاج إلى وضع جدول لاحقًا.»

لم يكترثا بإنزال الكراسي المكدسة أحدها فوق الآخر، فجلسا على الأرض واتكآ بظهريهما على الجدار تحت صورة للمسيح وهو يسير بجوار بحيرة طبرية.

قال تيد: «لم أشهد أسبوعًا كهذا في حياتي. لا أعلم من أين أبدأ الحديث، عدنا من لندن يوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء جاءتنا عائلة جريتا، قادوا سيارتهم طوال الليل، على مدار ليلتين متواصلتين. لا أعلم كيف فعلوا ذلك، وقد استعانوا بكاسحة ثلوج لتتقدمهم في الطريق طوال خمسين ميلًا تقريبًا في إحدى المناطق. هؤلاء النساء قادرات على أي شيء؛ أبوهم مجرد خيال، أما النساء فمروعات وكارترود أسوؤهن. لديها وحدها ثمانية أبناء ولم تتوقف عن التحكم في شقيقاتها وعائلات شقيقاتها وأي شخص آخر يسمح لها بذلك، حتى جريتا ضعيفة أمامها.»

قال إن المشكلات بدأت على الفور بعد وفاة الصبي بشأن الجنازة؛ إذ إنه قرر إتمام إجراءات جنازة غير دينية. وكان قد اتخذ قراره منذ فترة طويلة أنه في حال وفاة أي فرد من عائلته فإنه لن يستدعي الكنيسة، ولم يقتنع الحانوتي بقراره ولكنه وافقه، وجريتا قالت لا بأس. فكتب تيد بضع فقرات توديعية نوى أن يقرأها بنفسه، هذا كل شيء، بلا ترتيل للترانيم ولا صلوات. لم يكن تيد أول من يفعل ذلك، والجميع يعرف شعوره، وجريتا تعرف حاله وعائلتها كذلك. ومع هذا، بدءوا يتصرفون كأن ما قاله شيء غريب لم يحدث من قبل، بل ومرعب. وتصرفوا كأن الإلحاد نفسه حالة لم يسمعوا بها من قبل، فحاولوا إقناعه بأن جنازة بهذا الشكل غير قانونية، وأنه قد يُحبس على إثرها.

«جاءوا برجل عجوز معهم، ظننت أنه عمهم أو أحد أقاربهم أو شيء من هذا القبيل. لم أقابلهم جميعًا، فهي عائلة كبيرة. لهذا بعد أن أخبرتهم بخططي بالنسبة إلى الجنازة أخبروني أنه قسيسهم؛ قسيس فنلندي من معتنقي المذهب اللوثري نقلوه مسافة أربعمائة ميل ليرهبوني به. كان في حال مزرية هو أيضًا، ذلك التعس العجوز، كان يعاني نزلة برد. وكانوا في حالة من الارتباك الشديد، يجرون هنا وهناك، يضعون لصقة الخردل على جسده، ويضعون قدميه في الماء، ويحاولون جعله في حالة صحية جيدة ليؤديَ المهمة التي جاء لأجلها. يستحقون ما يحدث لهم إن مات بين أيديهم.»

كان تيد قد نهض على قدميه في هذه اللحظة، وأخذ يسير جيئة وذهابًا في الفصل بمدرسة الأحد، قائلًا إنه ما من شيء يمكن أن يرهبه، وأخبرهم أنهم بوسعهم الإتيان بالإبرشية كلها والكنيسة اللوثرية نفسها في شاحنة سكة حديدية؛ فسيدفن ابنه بطريقته. ولكن وقتئذٍ كانت جريتا قد استسلمت لهم، وانحازت لصفهم، ليس بدافع التدين — ولو مثقال ذرة — ولكن فقط بسبب البكاء والاتهامات المضادة وضعفها المعهود أمام عائلتها. ولم يقتصر الأمر على العائلة؛ فقد تدخل أيضًا العديد من الفضوليين في هانراتي، كان المنزل مكتظًا بهم، وكذلك قسيس الكنيسة المتحدة الذي ظهر في مرحلةٍ ما للتشاور مع القسيس اللوثري. لكن تيد طرده، ثم اكتشف بعد ذلك أنها لم تكن غلطة القسيس أن يتدخل، فهو لم يأتِ من تلقاء نفسه، بل استدعته كارترود، وأخبرته أن الموقف بائس، وأن شقيقتها مصابة بانهيار عصبي.

سألته فرانسيس: «وهل كانت فعلًا؟»

«ماذا؟»

«هل كانت — زوجتك — مصابة بانهيار عصبي؟»

«أي شخص سيصاب بانهيار عصبي إذا وُجدت في منزله تلك الثلة من المجانين.»

قال تيد إن الجنازة كانت عائلية، ولكن هذا لم يمنع أي أحد أراد التعزية من القدوم. كان واقفًا هو بنفسه إلى جوار التابوت مستعدًّا لأن يَطرح أرضًا أي شخص يتدخل في الأمر، حتى لو كانت شقيقة زوجته — وكان ذلك سيسعده — أو القسيس العجوز المريض، أو حتى جريتا نفسها لو أقنعوها بمعتقدهم.

قالت فرانسيس لاإراديًّا: «يا إلهي!»

«كنت أعلم أنها لن تفعل ذلك، ولكن كارترود كانت ستتدخل، أو الأم العجوز. لم أعلم ما كان سيحدث إن فعلها أحد وتدخَّل، لكني كنت أعلم أنني يجب ألا أبدوَ مترددًا ولو للحظة. كان الأمر بشعًا. وما إن بدأت أتلو الفقرات التوديعية التي كتبتها، حتى بدأت الأم العجوز تعول وتنتحب؛ فاضطُرِرت أن أرفع صوتي. وكلما ارتفع صوتها بالفنلندية ارتفع صوتي بالإنجليزية. كان الأمر جنونيًّا.»

وبينما كان يتحدث أفرغ عقبي السجائر اللذين كانا في المنفضة في يده ثم أعادهما مجددًا إليها، وهكذا مرة تلو الأخرى.

قالت فرانسيس بعد فترة صمت: «ولكن جريتا أمه.»

«ماذا تقصدين؟»

«ربما كانت ترغب بالفعل في جنازة دينية عادية.»

«كلا، لم ترغب في ذلك.»

«كيف عرفت؟»

«أنا أعرفها، فهي لا تعتنق أي آراء أيًّا كانت. لقد استسلمت فقط أمام إرادة كارترود، ودائمًا ستفعل ذلك.»

ما جال بخاطر فرانسيس حينئذٍ أنه قد فعل كل ذلك لإرضاء نفسه. لم يفكر في جريتا لحظة واحدة، ولا في بوبي. كان يفكر في نفسه ومعتقداته وفي عدم الرضوخ لأعدائه، هذا ما كان يهمه. عجزت عن طمس هذه الفكرة التي لم تَرُقْ لها، وعجزت كذلك عن طمس مدى استيائها منها. لا يعني هذا أنها توقفت عن الإعجاب بتيد؛ فعلى الأقل لم تتوقف عن حبه، ولكن تغير شيء ما. وعندما فكرت في الأمر لاحقًا، بدا لها أنها حتى هذه المرحلة كانت متورطة في علاقة طفولية ومحرجة. لقد أبقت على العلاقة حرصًا على سعادتها، وكانت تنظر إلى تيد بالصورة التي أرادت أن تراه عليه، فتعيره الانتباه عندما تريد، ولا تأخذه على محمل الجد عندما تريد، بالرغم من معرفتها بأنها كانت تفعل ذلك. كانت ستقول إنه أهم شيء في حياتها.

لكنها لم تكن لتسمح بذلك بعد الآن، لم تكن لتسمح بذلك التخاذل والخداع.

ولأول مرة، فوجئت عندما أراد ممارسة الغرام معها؛ إذ إنها لم تكن مستعدة، لم تستطع أن تفهمه بعد، ولكنه بدا منكبًّا على رغبته بما لم يُتِحْ له الملاحظة.

•••

في اليوم التالي، يوم الأحد، عزفت من أجل القداس، وكانت تلك هي المرة الأخيرة التي تعزف فيها فرانسيس في الكنيسة المتحدة.

استُدعي تيد يوم الإثنين إلى مكتب مدير المدرسة. ما حدث هو أن كارترود شقيقة جريتا تعرفت على نساء هانراتي خلال خمسة أيام أكثر مما تعرفت عليهنَّ جريتا خلال ثمانية عشر شهرًا، فأخبرتها إحداهنَّ بشأن العلاقة بين تيد وفرانسيس. ظنت فرانسيس فيما بعد أن أديليد هي من كشفت سرها على الأرجح، لا بد أنها أديليد، ولكنها كانت مخطئة. لقد قدمت أديليد نفسها لعائلة ماكافالا، ولكنها لم تكن من أفشت السر، فقد سبقها شخص آخر في ذلك. ونتيجةً لغضب كارترود العارم بسبب الشجار بشأن الجنازة وخسارتها في هذه المعركة، ذهبت لمقابلة كلٍّ من مدير المدرسة الثانوية وقسيس الكنيسة المتحدة، وسألتهما عن الخطوات التي سيتخذانها. لم يرغب أيٌّ من المدير أو القسيس في اتخاذ أية خطوة؛ فقد كان كلاهما على علم بأمر العلاقة الغرامية، وكانا منزعجَين بشأنها، آملَين أن تنتهي؛ فقد كان كلٌّ من تيد وفرانسيس ذَوَيْ شأن بالنسبة إليهما. قال كلاهما لكارترود إنه بالتأكيد الآن، بعد موت الطفل، سيُلم شعث الزوجين، وستذهب هذه العلاقة أدراج الرياح. أخبراها أنه سيكون من المؤسف إحداث جلبة الآن بعد هذه المعاناة التي تكبدتها العائلة جراء فقدان الابن، وأنه يمكن إصلاح ما انكسر بشرط ألا تعلم الزوجة شيئًا. ولكن كارترود قطعت على نفسها عهدًا أمامهما بأنها لن تسكت. قالت إنها تنوي إخبار جريتا قبل أن تعود لبلدها، وستقنعها بالرحيل معها لو لم يُتخذ أي إجراء. كانت امرأة قوية، جسديًّا ولفظيًّا. وارتعب الرجلان منها.

قال المدير لتيد إن ثَمَّةَ أمرًا مؤسفًا بلغ مسامعه، بل بُلِّغ به. اعتذر لإثارته هذا الأمر بعد فاجعته على ولده مباشرةً، ولكنه قال إنه لا يملك خيارًا آخر. قال إنه يأمل أن يخمن تيد الموضوع الذي يريد أن يتحدث معه بشأنه، والذي يتعلق بامرأة في هذه المدينة كانت تحظى في الماضي باحترام الجميع، وأَمَّل أن تسترد هذا الاحترام مجددًا. قال إنه يتصور أن تيد نفسه قد قرر بالفعل وضع حد لهذه العلاقة، وتوقع أن يصدر من تيد أي حديث غامض ينم عن إحراجه تجاه قوله بأن عليه — أو سيكون عليه — وضع حد للعلاقة. ومهما بدا هذا الحديث مقنعًا أو غير مقنع، كان المدير مستعدًّا لتقبُّله؛ فقد كان ينفذ وعده أمام شقيقة زوجته وحسب، لكي تخرج من المدينة دون إثارة المزيد من المشاكل.

هبَّ تيد على قدميه، مما أدهش المدير، وقال إن هذا تعدٍّ على حرياته، وإنه لن يقبل هذا، وإنه يعلم من وراء هذا الأمر. وأضاف أنه لن يتحمل أي تطفُّل أو تدخُّل في شئونه، وأن علاقاته شأنٌ يخصه وحده، وأن الزواج ليس أكثر من عادة قديمة تروج لها السلطات الكَنَسية، تمامًا مثل كل شيء آخر يجعلون الناس يرددونه دون فهم. ومن ناحية أخرى استطرد بقوله إنه كان سيترك جريتا على أية حال، وسيترك المدرسة وعمله وهانراتي، وسيتزوج فرانسيس.

اندهش المدير وظل يردد لا، لا تفعل، وطلب منه احتساء كوب من الماء ليهدأ. أنت لا تعني ما تقول؛ هراء. لا يمكنك أن تتخذ قرارًا وأنت بهذه الحالة.

قال تيد: «اتخذت قراري منذ أمد بعيد.» وبدا عليه اقتناعه بما قاله.

•••

قال تيد لفرانسيس: «كان يجب أن أسألك أولًا على الأقل.» كانا يجلسان في غرفة المعيشة بشقتها في وقت متأخر بعد العصاري. لم تذهب فرانسيس إلى المدرسة الثانوية هذا الإثنين، وطلبت من فرقتها الموسيقية مقابلتها في مبنى البلدية، كي تدربهم هناك وتجعلهم يألفون الوقوف على خشبة المسرح. عادت إلى المنزل متأخرة قليلًا، فقالت لها والدتها: «ثَمَّةَ رجل بانتظارك في غرفة المعيشة. قال اسمه ولكني نسيته.» ونسيت والدتها أيضًا إخبارها بأن القسيس قد اتصل وأراد أن تعاود فرانسيس الاتصال به، فلم تعرف فرانسيس بهذا قط.

ظنت فرانسيس أنه ربما يكون وكيل التأمين؛ فثَمَّةَ مشكلة متعلقة بتأمين المبنى الذي يعيشون فيه ضد الحريق. وقد اتصل بها الوكيل الأسبوع الماضيَ وسألها ما إن كان بوسعه المجيء لمقابلتها عندما يأتي إلى المدينة. وخلال مرورها بردهة المنزل، حاولت أن تُصفيَ ذهنها لكي تتحدث معه، وأخذ يجول بخاطرها إن كانت ستُضطَر إلى إيجاد مكان آخر لتعيش فيه، ثم رأت تيد جالسًا بجوار النافذة في معطفه. لم يضئ الأنوار، ولكن تسلل بعض النور من الشارع إلى الغرفة. وتراقصت الأضواء الطيفية الحمراء والخضراء المعلقة على الشجر احتفالًا بالكريسماس على وجهه.

عرفت بمجرد رؤيته ما حدث، لم تعرف التفاصيل ولكنها أدركت المضمون، فماذا غير ذلك سيجعله جالسًا هنا في غرفة المعيشة، التي تقضي فيها أمها معظم الأوقات، أمام جدار مغطًّى بورق حائط قديم عليه رسومات لنبات السرخس، ومعلقة عليه صورة البشارة؛ التي بشر فيها الملاك جبريل السيدة العذراء بمولد المسيح.

قال برقة، كما لو كان يقرأ أفكارها: «هذه غرفة عتيقة الطراز.» كان مرهقًا وفي حالة من الغرابة والغموض والضعف كتلك التي تعقب المشاجرات العنيفة أو القرارات المتعذر الرجوع عنها. أضاف: «لا تنم عن ذوقك على الإطلاق.»

أجابته فرانسيس: «إنها غرفة أمي.» في الوقت الذي أرادت فيه أن تسأل عن شكل الغرفة التي تعبر عن ذوقها، ولكن الوقت لم يكن ملائمًا. كيف بدت فرانسيس في عينيه في ذلك الحين؟ ما مقدار ما لاحظه فيها؟ أسدلت الستائر وأضاءت مصباحَي الحائط.

سألها تيد بأدب، وهي تغلق البيانو: «هل هذا هو الركن الخاص بكِ؟» لقد أغلقته لكيلا تزعجه الموسيقى، أو لتحميَ الموسيقى منه؛ فهو ليس مهتمًّا بها.

قالت بسرعة وهي تلمس التمثال النصفي — الذي يبدو عليه سعره الزهيد — الموجود أعلى طاولة في جانب الغرفة: «نوعًا ما. هذا موزارت، موسيقاري المفضل.»

يا له من شيء ساذج وطفولي ما تفوهت به! شعرت أنها يجب أن تقدم اعتذاراتها، لكن ليس لتيد وإنما لهذا الركن من حياتها، للبيانو ولموزارت والنسخة المطبوعة داكنة اللون للوحة «منظر طليطلة»، ذلك الركن الذي كانت تعشقه، وهي الآن مستعدة لكشفه أمامه وإفشاء كل ما به من أسرار.

بدأ تيد يخبرها عن أحداث اليوم، وما قاله المدير، وما قاله هو، بقدر ما استطاع التذكر. وخلال سرده للأحداث، جاءت ردوده إلى حدٍّ ما أكثر هدوءًا وتنظيمًا ورصانة مما كانت عليه في الواقع.

«ولذا قلت إنني سأتزوجك، ثم فكرت أنني افترضت موافقتك جدلًا. ماذا لو رفضتِ الزواج مني؟»

قالت فرانسيس: «حسنًا، كنت تعلم أنني لن أرفض.»

بالطبع كان يعلم ذلك؛ إذ كانا سيعمقان العلاقة وما من شيء سيوقفهما. لا والدة فرانسيس، التي كانت تجلس في المطبخ تقرأ دون أن تدريَ أن زواجهما كان بمنزلة حكمٍ بالإعدام عليها (لأن هذا ما كان سيصير إليه الأمر؛ حيث ستذهب إلى كلارك وأديليد، وتقتلها الفوضى التي تحكم بيتهما؛ فسينسيان أمر الكتب التي تُجلب لها من المكتبة وستذهب إلى فراشها وتموت)، ولا ابنتا تيد الصغيرتان، اللتان كانتا تتزلجان بعد الظهيرة في حلبة التزلج الخارجية على الأنغام الخافتة لموسيقى «حكايات من غابات فيينا» وتستمتعان — استمتاعًا مكبوتًا يملؤه الشعور بالذنب — بانتباه المارة الذي جلبه عليهما موت أخيهما.

قالت فرانسيس: «أتشرب قهوة؟ أوه، لا أعلم أساسًا ما إن كان لدينا بن؛ فنحن ندخر جميع كوبونات التموين من أجل الشاي. أُعِدُّ لك كوبًا من الشاي؟»

«ونحن ندخر كوبونات التموين من أجل البن. كلا، لا تكترثي.»

«أنا آسفة.»

«لا أريد أي شيء حقًّا.»

قالت فرانسيس: «نحن مصدومان، كلانا مصدوم.»

«كان الأمر سيحدث بجميع الأحوال. كان سيصبح لزامًا علينا اتخاذ القرار عاجلًا أم آجلًا.»

«هل تعتقد هذا؟»

رد تيد بنفاد صبر: «أجل، بالطبع. طبعًا كنا سنفعل ذلك.»

لكن لم يَبْدُ الأمر كذلك بالنسبة إلى فرانسيس، وتساءلت ما إن كان قد قال ذلك فقط لأنه لم يتحمل فكرة خروج أي شيء عن سيطرته — وبهذه الصورة المبالغ فيها والقاسية — ولأنه شعر بأنه مضطر لأن يخفيَ عنها الدور الصغير الذي لعبته في كل ذلك. كلا، ليس دورًا صغيرًا، بل دور غامض. كانت هناك سلسلة طويلة من الأحداث، كثير منها مخفيٌّ عنها، هي التي جلبته إلى هنا لكي يتقدم للزواج منها في أكثر الأماكن ملاءمة لذلك، الغرفة التي تقضي فيها والدتها معظم أوقاتها. لقد جعلت هذه الأحداث منها ضرورة. ولم يكن من المجدي التفكير فيما إذا كان أي شخص آخر سيسير على النهج نفسه، ولا التفكير فيما إذا كان هذا سيحدث لو لم تتصل حلقات سلسلة الأحداث بهذا الشكل المحكم؛ لأن سلسلة الأحداث كانت مترابطة بهذا الشكل المحكم، ولم يكن أي شخص آخر غيرها في ذلك الموقف، بل كانت هي نفسها فرانسيس؛ فرانسيس التي طالما آمنت بأن شيئًا ما سيحدث لها، بأن لحظةً ما فاصلة وواضحة ستأتي، وأنها ستجد نفسها وجهًا لوجه أمام مستقبلها. لقد تنبأت بذلك، وربما تنبأت بفضيحةٍ ما، ولكنها لم تتنبأ بهذا العبء والإزعاج واحتمالية الأسى التي كانت في جوهر هذا الأمر.

قالت له: «يجب أن نتوخى الحذر.»

اعتقد أنها تقصد أنهما يجب ألا ينجبا أبناءً لبعض الوقت على الأقل، وقد وافق على ذلك، مع أنه رأى أنها اختارت وقتًا غير ملائم لإثارة أمر كهذا، ولكنها لم تقصد ذلك على الإطلاق.

•••

وقفت فرانسيس بالقرب من أخيها كلارك ونعش زوجة أخيها أديليد تتلقى التعازيَ في دار مناسبات هانراتي بعد ذلك بثلاثين عامًا تقريبًا. وكانت دار المناسبات تقع على امتداد متجر الأثاث الذي كان مجاورًا لمتجر الإلكترونيات القديم الذي كانت تقطن أعلاه هي وأمها. وبعد هذه الفترة الطويلة كان متجر الإلكترونيات قد احترق. والآن ما نتخيله هو أن فرانسيس تقف أسفل البناية التي عاشت فيها فترة طويلة من عمرها، ولكن فرانسيس نفسها لا تتخيل ذلك.

أصبح لون شعرها غريبًا؛ فقد استحالت الخصلات السوداء في رأسها إلى اللون الرمادي، على عكس الخصلات الحمراء التي ظلت كما هي، مما أدى إلى مزيج ألوان ضاربة إلى الرمادي أقنعتها ابنتاها بصبغه، لكن اختيار درجة لون الصبغة لم يكن سديدًا. مع ذلك، فدرجة اللون الجديدة، وكذلك أحمر الشفاه الثقيل، والبدلة الأنيقة مربعة النقش، والنحافة، وحالة الحيوية وعدم التركيز التي كانت فيها؛ كل ذلك جعلها تبدو كما عهدها الناس، وقد سعد الكثيرون برؤيتها.

كانت قد عادت إلى هانراتي قبل هذه المناسبة بالطبع، ولكن لم تكن تأتي كثيرًا. ولم تصطحب تيد معها قط، لكنها كانت تجيء بابنتيها، اللتين كانتا تظنان هانراتي مكانًا سخيفًا وعجيبًا، مكانًا غريبًا عاش فيه والداهما. أنجبت من تيد ابنتين، فأصبح لتيد أربعة بنات إجمالًا، ولم يكن له ولد. وفي كل مرة في غرفة الولادة، كانت فرانسيس تشعر بالارتياح لذلك.

ظلت معتقدة أن أديليد هي من أفشت سرها، وظلت غاضبة بسبب هذا، مع أنها ربما تكون ممتنة لهذا. الآن أديليد ماتت، فقد ازداد وزنها قبل الوفاة وأصابتها مشكلة قلبية.

لم يسأل المُعزُّون فرانسيس في دار المناسبات عن تيد، ولكنها شعرت بأن هذا بسبب الإحراج القديم، لا بسبب ضغينة يُكِنُّونها له، لكنهم سألوا عن ابنتيها. إلا أن فرانسيس نفسها ذكرت اسم تيد؛ فقالت إن الابنة الصغرى عادت من مونتريال حيث تدرس لكي تقضيَ بضعة أيام إلى جوار أبيها خلال فترة غياب أمها لحضور الجنازة. كان تيد في المستشفى مصابًا بانتفاخ الرئة؛ إذ كان يذهب إلى المستشفى عندما تتأزم حالته الصحية ليتلقى العلاج، ثم يعود إلى البيت مجددًا. وكان هذا الوضع سيستمر فترة.

بدأ الناس يتحدثون عن تيد، متذكرين سلوكياته العجيبة في الفصل، ويقولون إنهم لم يصادفوا أحدًا مثله قط، ويجب أن يكون المعلمون مثله، وساعتها سيتغير حال المدرسة. ضحكت فرانسيس، ووافقتهم الرأي، ووضعت في اعتبارها ضرورة نقل كل ذلك إلى تيد، ولكن بطريقة عفوية كي لا يحسب أن الهدف منه هو إبهاجه. أما هو، فلم يَعُدْ إلى التدريس بعد رحيله عن هانراتي؛ فقد حصل على فرصة عمل في أوتاوا لصالح الحكومة بصفته عالم أحياء؛ ففي وقت الحرب، كان من الممكن الحصول على عمل كهذا دون شهادات علمية أعلى. أما فرانسيس، فعملت مدرسة موسيقى، وبراتبيهما استطاعا إرسال المال إلى جريتا التي عادت إلى أونتاريو الشمالية وأضحت تعيش مع عائلتها. ظنت فرانسيس أن تيد أحب عمله، كان يتورط في عداءات ومشاجرات كبيرة وكان حديثه ساخرًا مع الناس، ولكن بحسب ما تراه كان هذا هو حال الموظفين الحكوميين. ولكنه كان ينظر إلى التدريس باعتباره مهنته الحقيقية؛ فكلما تقدم به العمر، تحدث مرارًا وتكرارًا عن الفترة التي كان يُدرِّس فيها، مصورًا إياها كنوع من مغامرات متتالية، مليئة بالمديرين المجانين، ومجالس الإدارات اللاعقلانية، والتلاميذ المتمردين الذين كان يكسر شوكتهم في النهاية، والتشويق الذي كان يجده في الأشياء التي لم يكن يُرجح حدوثها. كم كان سيُسَر لو عرف أن ذكريات تلاميذه تتوافق مع ذكرياته.

نوت فرانسيس أيضًا إخباره عن هيلين، ابنة أديليد، وكانت امرأة ممتلئة الجسم قصيرة في الثلاثينيات من عمرها، وقد اصطحبت فرانسيس إلى الطابق العلوي لتلقيَ نظرة أخيرة على أديليد التي كانت مغلقة الفم وصامتة على نحوٍ لم تكن عليه خلال حياتها قط.

«انظري ما فعلوه، لقد خاطوا فكيها لإطباق أحدهما على الآخر، هكذا يغلقون أفواه الموتى الآن، يخيطون فكيهم فلا تبدو أفواههم طبيعية. كانوا قديمًا يضعون حشوات صغيرة في أفواههم ويجعلون شفاهم أكثر سمكًا، ولكنهم ما عادوا يفعلون ذلك الآن؛ فهو أمر مجهد.»

أتى إلى فرانسيس رجل شاحب وبدين متكئ على عكازين.

«لا أعلم ما إن كنتِ تتذكرينني، كنت جار كلارك وأديليد. أنا فريد بيتشر.»

قالت فرانسيس: «أجل، أتذكرك.» مع أنها لم تفكر لحظة كيف تتذكره. استرجعت ذكرياتها خلال حديثها معه. تحدث معها عن ذكريات العلاقات الطيبة بين الجيران وأديليد، وأخبرها بالعلاجات التي يتلقاها لالتهاب المفاصل. تذكرت فرانسيس أن أديليد قالت إنه تقيأ في الثلج، فأعربت له عن شفقتها عليه بسبب الآلام والصعوبة التي يتكبدها في المشي، ولكنها أرادت حقًّا إخباره بمدى شفقتها عليه بسبب الحادث. ولكن، لو لم يخرج في الثلج في ذلك اليوم لينقل عربة أطفال عبر المدينة، لما عاشت فرانسيس في أوتاوا الآن، وما كانت لتحظى بابنتيها، وما كانت لتحظى بحياتها. كانت ستصبح حياتها مختلفة، هذا حقيقي، إنها متأكدة من ذلك، ولكن من المؤلم التفكير فيه. فالزاوية التي تنظر بها إلى ذلك الآن لا يمكن الاعتراف بوجودها أبدًا؛ سيبدو الأمر بشعًا. ولو لم يخرج في ذلك اليوم — هكذا جال في فكرها وهي تتحدث إليه — أين كنا سنصير جميعًا الآن؟ سيكون بوبي في قرابة الأربعين من عمره، ولربما أصبح مهندسًا — فاهتماماته الطفولية التي يسترجعها تيد الآن كثيرًا جعلت هذا الاحتمال مرجحًا — كان سيعمل في وظيفة مناسبة، وربما مميزة، وربما كانت له زوجة وأطفال، وكانت جريتا ستذهب للاطمئنان على تيد في المستشفى وتتابع حالته الصحية. وربما كانت فرانسيس ستظل هنا، في هانراتي، تدرِّس الموسيقى؛ ولربما كانت في مكان آخر، وربما كانت ستتعافى من حبه، وتحب شخصًا آخر، أو لربما ازدادت قسوة وعزلة بسبب جرحها.

فكرت فرانسيس: «يا له من اختلاف!» لا تعلم من أين أتت هذه الفكرة أو مغزاها، بالتأكيد هناك اختلاف، وأي شخص يستطيع أن يرى هذا، اختلاف في الحياة. لقد حظيت بحبيبها، وفضيحتها، وزوجها، وابنتيها. ولكنها في قرارة نفسها تمضي في الحياة، وحدها، فرانسيس نفسها التي كانت تعيش على هذه الحال قبل حدوث أيٍّ من هذا.

بالتأكيد ليست فرانسيس نفسها بالضبط كما كانت.

ولكنها فرانسيس.

جال بخاطرها وهي تستدير متلهفة لتتلقى تعازيَ أحدهم أنها ستكون بنفس سوء أمها عندما يتقدم بها العمر، لكن لا بأس، فلا يزال أمامها الكثير لتحققه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠