الفصل الرابع

اللوم

لقد رُويت أعداد كبيرة من القصص. كيف يمكنني أن أميز بين ما فَعَلْت وبين ما قالوا إنني فعلت؟ (هيلين، بقلم مارك هادون، «ألف سفينة»)

لم يكن الشعراء اليونانيون متيقنين أبدًا بشأن هيلين: فهي من الممكن أن تمثل البراءة الإنسانية أو الإثم البشري. (كينيث جي ريكفورد، «هيلين في الكتاب الثاني والسادس من «الإنياذة»»)

ماذا كان يمكنها أن تفعل، كونها من هي؟ (ويليام بتلر ييتس، «ليس هناك طروادة أخرى»)

(١) الروايات

إن قصة هيلين، في كل حقبة، هي القصة التي يُحَمِّلُ مؤلفوها هيلين مسئولية حرب طروادة أو يحاولون التقليل من مسئوليتها. والواقع أن هذا يختصر قصتها إلى إحدى سرديتين: إما قصة فرار مع الحبيب أو قصة اختطاف. هيلين في الأولى، زانية، مذنبة، شخص مستحق للوم؛ بينما في الثانية، هي ضحية، بريئة، شخص يستحق الدفاع عنه.

مع ذلك فهذه النظرة الأخلاقية الأحادية الصارمة؛ إما أبيض أو أسود، تسمح بلون رمادي بينهما. بدايةً، القضايا المتعلقة باللوم تختلف اختلافًا كبيرًا فيما بين الأدب ذي الخلفية الوثنية والأدب ذي الخلفية المسيحية. سابقًا، كان لدى الكتاب القدرة على الفصل بين المسئولية والجرم؛ لذلك نجد في «الإلياذة» أنه لا يوجد شك لدى أيٍّ كان في كون هيلين هي «السبب» في حرب طروادة، بيْد أن قليلين يلقون عليها «اللوم». وعندما تورد سلسلة الملاحم الانتقام، تورد أيضًا فكرة استحقاق هيلين الشخصي للوم، وما إن نصادف الكُتَّاب المسيحيين، حتى تجد كلمات مثل «إثم» و«غفران» سبيلها للظهور باطراد. ففي رواية «جيست هيستوريال» (القصة التاريخية لدمار طروادة) مجهولة الفترة الزمنية يعد مينلاوس: «كل إثم (لهيلين) سيُغْفَر، ونعمةً تأخُذ» (تي إل إن ١١٥٨١).

تتباين تقنيات السرد التي تهدف إلى إظهار المنطقة الرمادية للأخلاق: فمن ذلك أن يصور المؤلفون الصراع العاطفي لهيلين (مثلما يحدث في كتب العصور الوسطى عن طروادة التي تُظهِر تذبذبها غير المصطنع)،1 أو يوردون الجمال كتعويض عن اللوم أو كإسقاط له (كوينتوس من سميرنا) أو يوردون ذكر اتحاد فيدرالي كمنفعة من الحرب التي تسبب فيها رحيل هيلين (هيرودوت، إيسقراط)، أو يسمحون لهيلين نفسها بأن يكون لها ثِقَل وتأثير (يوربيديس)، أو يُقيِّمون صنيعها ليس وفقًا لأي معيار أخلاقي مستقل بل تبعًا لأثره على الآخرين. في هذه الحالة الأخيرة، تتوازى محاولات الحكم على أخلاقيات هيلين مع مساعي فهم جمالها: فنركز في الأثر، ونقيم صنيعها بطريقة عكسية انطلاقًا من تلك النقطة.2

(٢) إلقاء اللوم: هيلين، وباريس، والآلهة

يُلقي العديد من النصوص باللوم على هيلين بالتركيز على أن ذهابها إلى طروادة كان بمحض إرادتها. توضح الجوقة في مسرحية «أجاممنون» لإسخيلوس فاعلية هيلين:
اجتازت العتبة بسهولة
وبارحت قصرها، غير آبِهة
بما ينبغي أن يوقظ مخاوفها.
(١٩٦٨: ٥٧)

إن هيلين بهذا التصوير هي مُشارِكةٌ فاعلةٌ في اختطافها هي ذاتها: فليس هنا روَادِع شعورية (فهي «غير آبهة») أو عقبات مادية («اجتازت العتبة بسهولة»).

في مسرحية «الطرواديات» ليوربيديس تقول كساندرا إن هيلين «لم تُؤخذ غنيمة على يد (مينلاوس)، بل ذهبت مختارةً» (يوربيديس ١٩٧٣: ١٠٢). بينما يقول داريس بتعبير بلاغي أكثر دبلوماسية (أو أكثر توكيدًا ولفتًا للانتباه) بنفي عكس المُثبَت إن هيلين «لم تكن غير راغبة» (فريزر ١٩٦٦: ١٤١). إن داريس — كونه فريجيًّا — هو بالطبع ضد اليونانيين على الأخص، بيْد أن دِكتيس الكريتي يتناول الأمر بنفس الطريقة؛ إذ تشهد هيلين المجلس الشعبي الذي يتباحث في مصيرها، وتوضح موقفها بطريقة لا لبس فيها: «قالت إنها لم تُبْحِر غير راغبةٍ، لأن زواجها من مينلاوس لم يناسبها» (فريزر ١٩٦٦: ٢٨-٢٩).

في قصيدة لاتينية مجهولة المؤلف تدعى «سقوط طروادة»،3 تخبر هيلين باريس أنها راغبة في أن تُختطَف، وهو ما قد يكون تناقضًا اصطلاحيًّا أو تعريفًا للفرار مع الحبيب، ولكنه ليس اختطافًا (المؤلف مجهول/أتوود وويتيكر ١٩٤٤: ٨، وقارن ٦٢ن). كان مبرر باريس لزيارة اليونان هو وعد فينوس له بأنه «ينبغي أن يأخذ زوجة من هنا.» طوعًا تقول هيلين، التي هي بالفعل واقعة في حب باريس: «أنا راغبةٌ، إن كنتَ حقًّا ترغب أيضًا، أن تأخذني من هنا زوجةً لك.» يطرح باريس المانع الاصطلاحي وهو أنها بالفعل متزوجة، إلا أن هيلين تقول غير مكترثة بهذا الأمر: «إن لم تأخذني زوجةً لك، فسأموت بسبب حبك» (٨). يُقَدِّر باريس الآن المشكلات العملية التي من المتوقع أن تقف عائقًا أمام خروج هيلين من القصر الملكي، إلا أنها تُحدِّد خطط الهروب، مطلِعةً باريس على ما يجب عليه أن يفعل فيما يتعلق بالترتيبات البحرية. ومن غير المستغرب أنه يذعن؛ إذ متضحٌ بجلاء طوال هذا الحوار من الذي يمسك بزمام الأمور ومن الذي يتبعه.4

تميل النصوص التي تتخذ موقف الدفاع عن هيلين إلى فعل ذلك عبر إلقاء اللوم على شخص آخر. فالدفاع عن صنيع هيلين وعواقبه هو في حد ذاته أمر واضح الصعوبة (يُستثنى من ذلك المحاورون الطامحون أو العابثون أمثال جورجياس، وإيسقراط، وأوفيد)؛ لذا من الأيسر اعتبار هيلين ألعوبة في يد الآلهة أو ضحية لشهوة باريس. في «الإلياذة» يُلقي بريام باللوم على الآلهة (٣. ١٦٤) ويُلقي هيكتور مرتين باللوم على باريس (٣. ٣٩–٤٢؛ ٦. ٢٨١–٢٨٥). في «الإنياذة» تتصدى فينوس لغضبة إنياس الضارية على هيلين بينما يستعد لقتلها عند خراب طروادة. رغم غضبه، يتسم إنياس بالوضوح إزاء ما يأمل أن يجنيه: «سأحرز بعض الفضل للقضاء على خطيئة لا تُغتفر، والاقتصاص من بغي يستصرخ طالبًا العدل، وسأشعر بالفرح عندما أُشبِع رغبتي في ثأر النار» (فيرجيل ١٩٨١، الكتاب ٢: ٦٨). إنه يتحدث بلغة الأخلاق والعدل (الثأر هو فكرة تأتي متأخرة) ولكن فينوس تُبيِّن أنه أخطأ في تحديد الجاني: «لا يجب أن تُلقي باللوم على جمال التيندارية الأسبرطية المكروه، ولا حتى على باريس. إن الآلهة هي التي لم تكن رحيمة؛ إنها هي التي تتخلى عن طروادة» (٦٩).

هناك قدر كبير من المفارقة في كلماتها لأن فينوس نفسها هي واحدة من الآلهة الجانية، ويُلْقَى عليها باللائمة في «الملحمة القبرصية» (في هيسيود ١٩٧٧: ٤٩١). وعلى الرغم من أن جوزيف من إكستر يحدد شهوة باريس على أنها هي السبب، ففينوس هي التي تساند غريزته الشهوانية وهي التي تيسر وصوله إلى هيلين (جوزيف/بيت ١٩٨٦: ١٣٩). في «الحرب على طروادة» لكوينتوس من سميرنا يكبح أجاممنون غضب مينلاوس، موضحًا أن «هيلين ليست هي الملومة، كما تظن، بل باريس الذي نسي زيوس، إله الضيف والمُضيف، ونسي ما يدين به لمائدتك» (١٩٦٨: ٢٤٤). يتكرر في النصوص التركيز على جريمة باريس ضد كرم الضيافة، ولو بطريقة غير مباشرة: في الكتاب الرابع من «الأوديسة»، من الواضح أن إحجام إتينيوس عن أن يُيَسِّر سبيلًا لتليماخوس إلى قصر مينلاوس في أسبرطة بعد الحرب هو حذر نابع من تجربة.

بسخريته اللاذعة في كتاب «فن الهوى»، يُقَدِّم أوفيد مرشحًا جديدًا لإلقاء اللوم عليه: «مينلاوس الأحمق» الذي أعان على زنا زوجته:
ويلك يا مينلاوس! أأحمق أنت؟
لِمَ تُبحِر وحدك وتخلف زوجك،
في رفقة غريب تحت سقف واحد؟ أتأتمن الصقور على الحمائم،
أو ذئاب جبل أن تحرس حظيرة أغنام مكتظة؟
لا ترمِ هيلين بالإثم، ولا تلمْ من زنا بها؛
فما أتيا إلا ما يمكن أن يأتيه من واجه نفس الموقف.
«أنت» من هيأت لهما مناخ الزنا إذ أفسحت لهما زمانه ومكانه.
ماذا تراها كانت فاعلة، إلا أن تنفُذ من باب أنت فتحته؟ …
أما أنا فأبرئ هيلين من كل إثم. اللوم يقع على عاتق زوجها.
(أوفيد ١٩٨٢: ٢٠٢) [فن الهوى، ترجمة د. ثروت عكاشة (بتصرف)]
وغني عن القول أن هذا هو أيضًا رأي الانتهازي باريس في قصائد «البطلات» لأوفيد.5

وفيما بين هذه المواقف المستقطَبة التي تقوم على إلقاء اللوم على هيلين أو على شخص آخر، نجد مفهوم الاشتراك في استحقاق اللوم، كما هو الحال في «الأوديسة» عندما تقول هيلين إن أفروديت «جلبتني إلى طروادة … وجعلتني أهجر ابنتي، ومخدع زوجيتي، وزوجٍ لم ينقصه شيء» (الكتاب ٤، ص٥٢). فهيلين في هذا السياق فاعلة وكذلك سلبية؛ فهي التي تأتي فعل الهجر ولكنها «جُعِلَت» و«جُلِبَت» فهي مجبولةٌ على ذلك.

يطرح الكُتَّاب اللاحقون — يوربيديس، وهيرودوت، وإيسقراط — مفهومًا آخر، وهو ما سيدعوه كاتب مسيحي في القرن الرابع الميلادي — القديس أوغسطينوس — «الخطيئة السعيدة». من وجهة نظر هيرودوت وإيسقراط أنه كان هناك مكتسب إيجابي من وراء عقْد الدمار: وهو إقامة يونان موحدة، وتقوية المقدرة المدنية والبحرية. بيْد أن أكثر التعبيرات روعةً عن هذا الموقف يأتي من قِبَل مينلاوس نفسه في مسرحية «أندروماك» ليوربيديس:
… ابتلاء هيلين
جاء عبر مشيئة إلهية، وليس محض اختيارها؛
ومن خلاله وهبت اليونان فوائد جليلة.
قبل ذلك الحين لم تكن الأسلحة والنزال معروفَيْن لهم؛
أبرزت الحرب صفات الرجولة لديهم، وأيضًا،
ألَّفت بين صنوف مختلفة من اليونانيين؛ إن التواصل معلم عظيم.
(يوربيديس ١٩٧٢: ١٦٧)

لم يصنع زنا هيلين غير المرغوب تحالفًا عسكريًّا وتطورات تقنية فحسب بل واتحادًا اجتماعيًّا وثقافيًّا. لربما كان مينلاوس هو الديوث في الأدب الذي يرى مزلته الشخصية بهذا القدر من الإيجابية من الناحية السياسية. يوازن هذا الدفاعُ المتطرفُ الاتهاماتِ الشائنةَ التي تحتويها افتتاحية المسرحية التي تبغض أندروماك فيها هيلين، كما للمرء أن يتوقع من زوجة مثالية في الزمن القديم. وتُتَّهم هيلين بقتل أخيل. ويضيف والد أخيل إلى اتهامات أندروماك، فينعت هيلين بالعاهرة؛ حقًّا كيف يمكن أن تكون خلاف ذلك بالنظر إلى التربية التي تفتقر إلى الحياء التي تتلقاها الفتيات الأسبرطيات (اللواتي يلبسن ثيابًا قصيرة ويشاركن في منافسات رياضية مع شباب)؟ إذا كان مينلاوس يستحضر الوحدة الوطنية باعتبارها فائدة مباشرة، فإن بيليوس يستحضر عادةً محليةً ويعتبرها سببًا غيرَ مباشر (يوربيديس ١٩٧٢: ١٥٣، ١٦٥).

ثم هناك أيضا الجمال. فبينما جعل الكتَّاب المسيحيون في زمن لاحق من التعدي والتعويض الأنثويين شعبتين لأمر واحد (خطيئة حواء يمحوها إحصان مريم)، تركز السرديات الطروادية الجريمة والتعويض في هيلين. فرغبتها الجنسية تسببت في حرب، وجمالها جعل الأمر يستحق كل هذا العناء. تلك هي رؤية الرجال العجائز على البوابة السكانية في الكتاب الثالث من «الإلياذة» الذين يدعون حكمهم السلبي يتأثر لوقت وجيز بمرأى هيلين، وهي رؤية كوينتوس من سميرنا الذي في كتاباته يغفر الجنود اليونانيون لهيلين عندما يشاهدونها، وينظرون إليها باعتبارها «بلا عيب» وعلى الفور ينسون «أشغالهم المضنية أو القتال» (كوينتوس ١٩٦٨: ٢٥٠-٢٥١).6 مينلاوس في كتابات كوينتوس — بعيدًا عن قطع رأس زوجته كما كان نوى أن يفعل (٢٤٤) — يقترح أن ينسيا هو وهي كل شيء قد حدث وكل المشاعر المؤلمة: «توقفي الآن عن التفكير في هذه الأمور، ولكن اكبتي الأحزان في قلبك. آمل أن تنغلق قاعة النسيان السوداء محتويةً كل هذا في أعماقها. ليس من الصواب الاستمرار في تَذَكُّر الأمور الشريرة أكثر من ذلك» (٢٥٣). جمال هيلين في هذا الموضع يحقق ما تفعله أدويتها في «الأوديسة»: فقدان الذاكرة والنسيان؛ الجزء الذي يحتوي على اجتماع الشمل المستفيض بين الزوج وزوجته هو أكثر الأجزاء رقةً في ملحمة كوينتوس.

(٣) تجنب اللوم: التعاطف في «الإلياذة»

أقسى الأشخاص نحو هيلين في «الإلياذة» هي هيلين ذاتها. في الكتاب الثالث تدعو نفسها «فاسقة» لهجرانها زوجها (٣. ١٨٠)، وفي الكتاب السادس تدعو نفسها «عاهرة قذرة مدبرة للشر» (٦. ٣٤٤). إن كلمتَي «فاسقة» و«عاهرة» تعنيان في اللغة اليونانية نفس السُّبة؛ إذ تعنيان حرفيًّا «وجه الكلب» kyōn. في الأصل كان للسُّبة منطق معين: فكما توضح ليندا لي كلادر (١٩٧٦: ١٨)، الكلاب هي العقبة أمام «سبيل البطل نحو ميتة مُشرِّفة» (لأن الأبطال لا يريدون أن يُؤكلوا قبل الدفن).
بعد تعنيفها نفسها ببضعة أبيات في الكتاب السادس، تتوجه هيلين باللوم على نحوٍ ضمنيٍّ إلى باريس: «يا ليتني كنت زوجة لرجل أفضل من هذا» (٦. ٣٥٠). ليس هذا موقف من يرتئي التضحية بكل شيء في سبيل الحب. وبالفعل تتحدث هيلين عن باريس وإليه طوال «الإلياذة» بازدراء. في الكتاب الثالث تتهكم على قدرته القتالية (٣. ٤٢٨–٤٣٦)، وتقول له: «يا ليتك كنت هلكت هناك (في المبارزة)» (٣. ٤٢٨)، وترفض أن تذهب معه إلى الفراش. وهذا فعل مقاومة أقوى مما تجعله صياغتي يبدو عليه، لأنه على هيلين أن تتصدى لأفروديت. (وحتى مع مراعاة احتمال أن أفروديت في هذا الموضع هي كناية عن العاطفة، وأن الحوار هو صراع روحي بين عقل هيلين وعواطفها، فإن المقاومة تتطلب مخزون قوة.) كانت أفروديت قد أنقذت باريس من مبارزة مينلاوس ووضعته في مخدعه، منتظرًا هيلين. تصف أفروديت إغراءات باريس وإغراءات فراش الزوجية (٣. ٣٩١–٣٩٤). على نحو فيه اعتداد دفاعي بالذات لا ترفض هيلين التعاون فحسب: «أما أنا فلا. لن أذهب إليه … لن أشاركه مخدعه»؛ (٣. ٤١٠-٤١١)، بل توحي بطريقة انتقادية أنها كانت بديلة لأفروديت:
فلتذهبي «أنتِ» كانت بديلة لأفروديتولتجلسي بجانبه …
ابقي معه إلى الأبد وقاسي من أجله، اعتني به
حتى «يتخذكِ» عروسًا له، أو يجعل منكِ عبدته.
(٣. ٤٠٦–٤٠٩، أقواس التنصيص من عندي؛ قارن ميجير ١٩٩٥: ٢٦)

تجيب أفروديت بغضب وبتهديد، قائلةً لهيلين ما مفاده: فلتحذري فقد أُنغص عليكِ عيشك وأُنهي حياتك (إعادة الصياغة بواسطتي ٣. ٤١٣–٤١٧). ترضخ هيلين خوفًا: «فتملَّك الخوف هيلين سليلة زيوس» (٣. ٤١٨).

إن رضوخ امرأة لأنشطة غرفة النوم جراء التهديد، والغضب، وخوف مستقبلي هو موضوع معهود من الفصل الثالث. إلا أن هوميروس يُقَدِّم للفاصل الجنسي بكلمات لطيفة من جانب باريس (٣. ٤٣٨–٤٤٦) ولا يقدم هيلين في صورة الضحية في موضع آخر. رغم أن باريس يقول إنه «انتزعها» (٣. ٤٤٤) ويتهمه هيكتور بأخذ زوجة مينلاوس (٣. ٥٣) (وكلا الأمرين يمكن أن يوحي بالاختطاف) ورغم أن هيلين تتحسر وتشتاق إلى الهرب (٢. ٣٥٦؛ ٢. ٥٨٩-٥٩٠) وتشتاق إلى العودة إلى مينلاوس (٣. ١٣٩–١٤٢)، فإنها تلمح في موضع آخر أنها جاءت إلى طروادة طوعًا: «حضرت إلى هنا/في ركاب ابنك» (٣. ١٧٤-١٧٥؛ قارن ٢٤. ٧٦٥-٧٦٦). قد تكون مشاعرها الحاضرة نتيجة تغير في الموقف: «إن قلبي حتى الآن مضطرب بالهموم» (٣. ٤١٢). في إطار تقديم هيلين بصورة غامضة يوضح هوميروس بجلاء أن اهتمامه مُنصَبٌّ على المأزق الشعوري أكثر من اهتمامه باللوم.

أخذًا في الاعتبار حجة كولين بارو أن «الإلياذة» تقوم على ممارسة التعاطف، يلزمنا أن ننتبه ليس إلى الاتهامات أو الدفاعات بل إلى الصور التي تظهر عليها هيلين: وهي تغزل، وهي تشيح بناظريها عن أفروديت، وهي وديعة مع هيكتور، تحاول (هي وأندروماك) أن تقنعه بأن يسترخي. وتمر بلحظتين من الأسى المفرط، في الكتابين الثالث والرابع والعشرين. في الكتاب الثالث، عندما لا يكون في مقدورها أن ترى إخوتها من موقعها على شرفات الحصن الطروادي، نستشعر عزلتها، محرومة ليس فقط من أقربائها ولكن من الحُماة المُسلَّم بموثوقيتهم (كان الديوسكوري قد أنقذاها من اختطافها على يد ثيسيوس). هذه النقطة الأخيرة يبرزها اسم المرافقة التي تصطحب هيلين على شرفة الحصن: آيثرا ابنة بيتثيوس. آيثرا هي أم ثيسيوس، أعطاها ثيسيوس لهيلين كمرافقة لها.7 وهذا يؤدي هنا — مثلما في مواضع أخرى في القصيدة — إلى التأكيد على أن هيلين عُرضة للمخاطر.
في هذا السياق يستحق الأمر أن نعيد المرور على الموقف الذي يصور هيلين مع أفروديت في الكتاب الثالث، بعد مشهد شرفات الحصن. إذا كان «الإطلال من على الأسوار» يعيد عرض مشهد التسابق على العروس هيلين، فالحوار الذي تدعو أفروديت فيه هيلين إلى مشاركة باريس الفراش يعيد عرض لحظة الاختطاف. وفق تعبير باولو فيفانتي: «عندما تأمر أفروديت هيلين أن تغادر الأسوار وتذهب إلى باريس، فإنها تعيد ترديد دعوات مشئومة جرت في أسبرطة منذ زمن بعيد» (فيفانتي ١٩٩١: ١٠٣). تتهم هيلين أفروديت حرفيًّا باستدراجها: «أستقودينني إلى أبعد من هنا/إلى إحدى المدن الآهلة بالسكان؟ في فريجيا أو مايونيا الجميلة» (٣. ٤٠٠-٤٠١)8 [ترجمة لطفي عبد الوهاب يحيى (بتصرف)، المشروع القومي للترجمة].
من وجهة نظر فيفانتي أن طرح هذين الاسمين الجغرافيين «ليس عرضيًّا»: إنه «ينبئ بوجهات جديدة في طرق الحب، ومغامرات دائمة التكرار تحت وطأة سلطان أفروديت» (فيفانتي ١٩٩١: ١٠٣). يعتبر فيفانتي أن هذه لحظة التقاء الأسطورة بالخبرة الشخصية. دون أن أُبدي اختلافًا مع هذا الرأي، أود — بدلًا من هذا — أن أربط بينه وبين تضارب مشاعر هيلين — وشعرائها — فيما يتعلق بمسألة فاعلية هيلين أو سلبيتها. إن الإجابة ماثلةٌ أمام أعيننا (أو عينَي هيلين): أفروديت. تأتي كلمة Passion «عاطفة/هوى» من نفس مصدر كلمة passive «سلبي/مستسلم» (باللاتينية passivus، من الفعل pati ويعني: «يقاسي بصبر»، «يعاني»، «يحتمل»، «يتكبد»). إن من يعاني الهوى، ومن هو عُرضة للهوى، يُمارَس عليه فعل خارجي، ومع ذلك فإن هذا الشعور يضخ على نحو مُناقِض في المرء طاقة تجعله نشطًا، ومتقد الحماس، ومفعمًا بالإرادة. فتستحيل السلبيةُ فاعليةً، ويصبح اسمان على طرفَي نقيضٍ لنفس الشيء. وكما يلاحظ جيمس كيروان، الهوى هو شعور «إرادي من الناحية الشكلية فقط … تفرضه فينوس!» (كيروان ١٩٩٩: ٧٢). يُقَدِّم هوميروس هذا التناقض — عارضًا لنا حرية اختيار وعجز الهوى — في تطلعات أفروديت إلى «وجهات جديدة» و«مغامرات دائمة التكرار» حتى وهو يصور ممارسة أفروديت للإجبار في السابق. إن حرية الاختيار والإجبار هما نفس الشيء. فهيلين راغبة وسلبية، مستحقةٌ للوم وغير مستحقة له.
إن هوميروس في هذه الملحمة مفعمٌ بالإنسانية؛ فهو في الكتاب الثاني عشر يقاطع تشبيهًا ملحميًّا عن وضع الصوف في كفة والموازين في الأخرى ليصور الاحتياجات الشعورية والاقتصادية للأرملة ماشطة الصوف التي «تعمل حتى تتكسب أجرة يسيرة لأطفالها» (١٢. ٤٣٥). في الكتاب الثالث عشر يركز على ثكلان أب (١٣. ٦٥٨).9 تتكرر لحظات كهذه في القرون اللاحقة عندما تُستخدم قصة هيلين في الأدب المناهض للحرب. بيْد أن شعر هوميروس ليس مناهضًا للحرب بقدر ما هو مؤيد للإنسانية. إن هوميروس يمتلك القدرة على أن يشعر بالإشفاق على هيلين — التي تتسبب في الموت — مثلما يمتلك القدرة على أن يشعر به نحو أولئك الذين تتسبب في موتهم. فالتعاطف يبتعد عن اللوم.

(٤) السرديات المُنافِسة: «الأوديسة»

يُطرح موضوع انعدام الموثوقية الجنسية للنساء في مستهل «الأوديسة» عندما يقول تليماخوس: «إن أمي تقول يقينًا إنني ابن أوديسيوس أما أنا فلا يمكنني أن أعرف. ليس هناك رجل يمكنه أن يكون مُتيقنًا من نسبه» (الكتاب ١، ص٩). قد تمتدح القصيدة عفة بينيلوبي ولكنها هنا تطعن فيها، مثلما تطرح أمر عدم جدارة هيلين بالثقة، والخيانة القاتلة التي ترتكبها شقيقتها كلتمنسترا، والمكائد التي يلاقيها أوديسيوس في أسفاره من العديد من الشخصيات النسائية (كاليبسو، كيركا، جنيات البحر) بالإضافة إلى انعدام الوفاء في إيثاكا من ١٢ خادمة أصبحن عشيقات لطالبي الزواج (من بينيلوبي). كشأن هيكتور في «الإلياذة» — الذي يتمنى موت باريس — يتمنى راعي خنازير أوديسيوس، الذي يُدعى إيومايوس، نفس الأمر لهيلين. فسيده «قد مات وولَّى. وأتمنى أن يكون في استطاعتي أن أقول الأمر نفسه عن هيلين وكل جنسها، إذ أفضت إلى موت الكثير من الرجال الأخيار» (الكتاب ١٤، ص٢٠٩). ولكن على عكس هيكتور، يوسع إيومايوس إدانته من امرأة واحدة إلى جنس النساء بأسره: «وهيلين وكل جنسها.» إن إلقاء اللوم على هيلين أو بغضها — كشأن إلقاء اللوم على باندورا أو حواء — عادةً ما يتحول إلى إدانة للجنس الأنثوي بأسره. وكما تقول كريوسا في مسرحية «إيون» ليوربيديس: «إن الحياة أصعب على النساء من الرجال: إنهم يدينوننا، بالخير والشر معًا، ويكرهوننا» (يوربيديس ١٩٧٣: ٥٤). في نهاية «الأوديسة» يعقد أجاممنون مقابلةً بين بينيلوبي وكلتمنسترا، واصفًا كيف أن الأخيرة شانت كل النساء، حتى الصالحات منهن: «لقد دمرت سمعة جنسها، النساء العفيفات والجميع» (الكتاب ٢٤، ص٣٦٠). مثلما يفعل إيومايوس، يستخدم أوديسيوس نفس الكناية الكارهة للنساء عندما ينتقد بعنف زيوس قائلًا إنه «خصم لا يلين لبيت أتريوس منذ البداية»، ولكنه يلحظ أن زيوس «يُجري مشيئته عبر طرق النساء الملتوية» (الكتاب ١١، ص١٧٢؛ حرفيًّا: «الخطط الأنثوية»). من هو الملوم هنا؟ إله واحد أم جنس النساء بأسره؟

في الكتاب الرابع يروي مينلاوس وهيلين حكايات منافِسة عن سلوك هيلين في طروادة. في الفصل الثاني أخذت في الاعتبار القصتين في مَعرِض الحديث عن الحنين. أما هنا فأود ببساطة أن أُبرِز ما هو متضح: وهو الحقيقة البسيطة التي تقول بأن هناك «قصتين». تختزل القصص المتضاربة في مثال مصغر المأزق السردي في الحكم على هيلين: أن هناك دومًا قصتين. إن الإحباط الذي تلاقيه هيلين في قصيدة مارك هادون في أول فقرة مقتبسة بهذا الفصل هو أيضًا ما يلاقيه القارئ: كيف يمكننا أن نميز بين ما فَعَلَتْ وبين ما قالوا إنها فعلته؟10
في مسرحية «إلكترا» ليوربيديس تقول كلتمنسترا:
عندما يحكم الناس على شخص ما، ينبغي
أن يطَّلِعوا على الوقائع، ومن ثم يكرهون، إن كان لديهم سبب للكراهية
وإن لم يجدوا سببًا، حينذاك لا يجب أن يكرهوا.
(يوربيديس ١٩٧٣: ١٤٠)

ولكن كما رأينا في الفصل الأول، فإن وقائع الميثولوجيا ليست ثابتة. وتبعًا لذلك فالحكم إما متحاملٌ تحاملًا متأصلًا أو غير محدد بشكل مُحبِط.

(٥) رثاء مشوه/ولوم على حد سواء

تعرض مسرحية «إلكترا» ليوربيديس اتهامات غاضبة ضد هيلين. فتزعم الجوقة أن هيلين «بجرمها قد جلبت/حسرةً بغير حساب على اليونان وعائلة (إلكترا)» (يوربيديس ١٩٦٣: ١١١).11 وتتهم إلكترا خالتَها الغائبةَ بالفسق، فتستطرد قائلةً: «إنهم يتحدثون عن «اغتصاب» هيلين/لقد حاق بها فسادُها!» (١٤١). إن ثورة إلكترا على هيلين تنبع من فقدان والدها في أعقاب الحرب التي تسببت فيها هيلين. الفورة العاطفية المماثلة لدى كلتمنسترا تنبع من فقدان ابنتها الصغرى. إنها تصف كيف قاد اختطاف هيلين إلى التضحية بإفيجينيا:
أخذ (تقصد أجاممنون) طفلتي
إلى أوليدة، حيث حل الأسطول مكتوفًا لا يجد سبيلًا للإبحار؛ استدرجوها من البيت
بأكاذيب عن أخيل؛ أمسكوا بها ورفعوها
فوق المذبح؛ ثم قطع أبوها عنقها الناعم الأبيض
ابنتي إفيجينيا. لو كان قد فعلها ليتجنب احتلال مدينته، أو ليُمَجِّد موطنه؛
أو لو — لينقذ بقية أطفاله — كان قد أخذ حياة واحدة من أجل الكثير، كان من الممكن أن يُغفَر له. ولكن لا:
إن هيلين كانت عاهرة، ولم يعرف زوجها كيف يملك زمام
زوجة شبقة؛ و«ذلك» كان السبب الذي
لأجله قتل أجاممنون ابنتي.
(١٩٦٣: ١٤٠)

لم يكن اختطاف هيلين — عند كلتمنسترا — مبررًا كافيًا لثكل ابنة. وتستطرد لتُبيِّن أنه رغم ذلك، موت إفيجينيا نفسه لم يكن ليدفعها إلى قتل زوجها. كانت القشة الأخيرة هي عودة أجاممنون من طروادة مع «زوجة ثانية،/رفيقة سكن، امرأتان محتجزتان في منزل واحد» (١٤٠). لم يكن قتلها لزوجها انتقامًا من قتله لأبنتيهما بل ردًّا على إذلال جنسي.

ثم تضع بعد ذلك افتراضًا حول كيف كانت ستتصرف لو كانت المواقع معكوسة:
لنفترض أن مينلاوس كان قد اختُطِف سرًّا،
أكنتُ سأُضْطَر إلى قتل أوريستيس، لأسترد
زوج شقيقتي مينلاوس؟ أكان والدكِ
سيتحمل ذلك؟ لا: كان سيقتلني لو كنت لمست
ابنه؛ لقد قتل ابنتي، لماذا ينبغي ألا يموت؟
(١٩٦٣: ١٤١)

تقر الجوقة بالعدل في مثال كلتمنسترا، ولكنها تشكك في حق الزوجة في إتيان الفعل. ولكون أعضاء الجوقة يتسمون بالتحفظ اجتماعيًّا، ليس في مقدورهم أن يدخلوا في مناقشة تقييمية حول هذا الموضوع إذا كانت الزوجة ترفض قبول حكم زوجها.

ومع ذلك، تفشل الجوقة في التعليق على شذوذ في المقارنة التي تصوغها كلتمنسترا. افتراضها الاستهلالي — بأن «مينلاوس كان قد اختُطِف سرًّا» — ليس مشابهًا للمثال حول هيلين الذي طرحته مباشرةً قبل هذا المثال: «إن هيلين كانت عاهرة، ولم يعرف زوجها كيف يملك زمام/زوجة شبقة.» دون قصد تقدم لغة كلتمنسترا هيلين في صورةِ بريئة ومذنبة. ولكن لا يمكنها أن تجمع بين أمرين متناقضين. ليس هذا مثالًا للوم متعدد (كما في حالة مسرحية «أجاممنون» لإسخيلوس) ولكنه مثال لتناقض صارخ، لنص في حالة حرب مع نفسه (في الواقع أن موثوقية إسناد هذه الفقرة ليوربيديس هو أمر محل شك ويضعه معظم المراجعين بين أقواس.) وهو ما يطلق عليه يوربيديس في موضع آخر «كلام ملتبِس … رثاء مشوه/ولوم على حد سواء» (مسرحية «أوريستيس» ليوربيديس ١٩٧٢: ٣٣٢).

عادةً ما تسلك النصوص التي تستقرئ براءة هيلين أو استحقاقيتها للوم هذا المسلك المتشعب. لربما كان أشد الأمثلة وضوحًا هو كتاب جون بولارد الذي يرجع إلى عام ١٩٦٥ عن هيلين والذي تُقَوَّض تكرارًا فيه محاولاته للدفاع عن موضوع بحثه بنظرته الدونية المنهجية للجنس الذي تنتمي إليه: «إن مأساة الحب هي أن ضحاياه، وبخاصة النساء، لا يجدون سبيلًا لمقاومته، ونادرًا ما يتمهلون لتقدير الخسائر، مهما تكن كبيرة» (بولارد ١٩٦٥: ٨٩). يكتب بولارد — واضعًا هيلين موضع المقارنة مع حواء وباندورا كأحجار على رقعة شطرنج الآلهة — إن «لم تكن جريمة حواء إلا أنها استسلمت — تحت تأثير قدرة قوية على الإقناع — لخصلة فضول المرأة البشرية الفطرية، والتي تختلف عن تلك التي لدى الرجال في كونها هاجسًا مسيطرًا لا يمكن التنصل منها» (١٦٥).12 ويقول لنا بولارد عن النساء الجميلات «مدى مسئوليتهن عن مأساة معينة … عادة ما يصعب تقديره، وهكذا كان الحال مع (هيلين)» (٢٠). في فقرات كهذه، مكرسة ظاهريًّا للدفاع عن هيلين، يخرج القراء بانطباعات متناقضة.
يبرز توتر مشابه، وإن كان محصورًا، في «تأريخ دمار طروادة» لجيدو ديللي كولون (١٢٨٧).13 إذ قدم بريام نصيحة إلى باريس، وهي نصيحة مستحسنة عند الأمير: أن يحتفظ الطرواديون بهيلين. يكتب ديللي كولون: «باريس … استمع إلى كلمة الملك، فقبل نصيحة الملك … لأن هيلين زوجته، لم تكن لِتُرَدَّ إلى زوجها» (ديللي كولون/مييك ١٩٧٤: ١٧٩). الضمائر الشخصية هنا تبعث على البلبلة: فهيلين زوجة باريس («زوجته هو»)، ولكن لها زوج مختلف («زوجها هي»). هذه البلبلة توجد فقط في الترجمة الإنجليزية. ولكن لا يزال هناك صراع لغوي في اللاتينية، ساحته هي بالأحرى الأسماء وليس الضمائر: فلدينا زوج واحد marito، وزوجة واحدة consors sua، ولكن ثلاث شخصيات. عادةً ما تتفرع النصوص المكرسة لإلقاء اللوم على هيلين أو الدفاع عنها في اتجاهين؛ يختص التوتر في هذا الموضع بقواعد اللغة.

(٦) التعبير عن هيلين: يوربيديس

التوتر في مسرحية يوربيديس معروض في شكل حوار، وهو حوار تعبر فيه هيلين عن نفسها بلسانها.

يضع يوربيديس هيلين على خشبة المسرح ثلاث مرات. في مسرحية «أوريستيس» (كما سنرى لاحقًا في هذا الفصل) يجعل يوربيديس من هيلين إلهة. في مسرحية «الطرواديات» يتيح لها أن تدافع عن نفسها؛ من وجهة نظر معظم النقاد هي تدين نفسها أثناء قيامها بذلك؛ فهي تلوم هيكوبا على إنجابها لباريس، وتلوم بريام على أنه لم يقتله، وهكذا فهي تتهم الإلهات، وباريس، ومينلاوس؛ اختصارًا، هي تلوم «الجميع» عدا نفسها. يرى نورمان أوستن أن هذا الحديث هو «لا يزيد عن كونه أردأ مرافعة في قاعة محكمة» (١٩٩٤: ١٣٩). يقدم فيليب فيلاكوت رد فعل أكثر تعاطفًا، مفسرًا دفاع هيلين الذاتي على أنه فضح يوربيديس الساخر للاحتياج الإنساني لإيجاد مسببات وتوزيع اللوم. يُعيد فيلاكوت صياغة حجة هيلين كما يلي: «أنت تحاول أن تلصق اللوم على كل هذه المعاناة، عليَّ أنا. أنت من اصطنعت الحرب، وأنا كنت ذريعة فعلك، أما باريس فكان ذريعة فعلي، وأبواه كانا ذريعة باريس؛ عند من سنتوقف؟» (يوربيديس ١٩٧٣: ١٩-٢٠). إن هيلين من وجهة نظر فيلاكوت ليست جادة في لوم بريام على أنه لم يقتل ابنه؛ فالآباء لا يقتلون أطفالهم. إنها تُظهِر عبثية محاولة تحديد المسبب وتوزيع اللوم.

في مسرحيته «هيلين» يُقْدِم يوربيديس على الخطوة النافية للاتهام الأكثر استفاضة مقارنة بما أقدم عليه أي كاتب قديم: إنه يعيد كتابة قصتها برُمَّتها، واضعًا بالتالي دفاعًا كاملًا عن هيلين. قضت هيلين السنوات العشر لحرب طروادة، بالإضافة إلى سبع سنوات أُخَر، في بلاط قصر بروتيوس في مصر. بموت بروتيوس هي الآن معرضة للخطر لأن ثيوكليمينوس ابن بروتيوس يرغب في الزواج منها. يجرف البحر إلى الشاطئ مينلاوس الذي تحطمت سفينته (بينما كان ما زال يحاول الوصول إلى أسبرطة بعد الحرب) في أسمال ممزقة. يُذهَل مينلاوس لرؤية هيلين — أو ما يشبه هيلين — لكونه — حسب ما يعتقد — يصطحب زوجته معه في سفره، التي تركها في كهف على شاطئ بحر مصر حفاظًا على سلامتها. (رفيقة سفره هي طيف eidōlon، شبح اصطنعته الآلهة؛ إنه الشبح الذي قضى فترة الحرب في طروادة مع باريس.)14

عندما تثبت هيلين هويتها، ويجتمع شمل الزوج وزوجته، يصل عبد مينلاوس حاملًا الخبر بأن (الشبح) الذي على صورة هيلين في الكهف قد «تلاشت في الهواء! لقد ارتفعت فحسب واختفت! والآن هي متوارية عن الأنظار، في السماء!» (يوربيديس ١٩٧٣: ١٥٤). قبل أن يتمكن مينلاوس من التخطيط لهروبهما من مصر، تكتشفهما الكاهنة ثيونوي ويلزم أن يقنعاها بألا تخبر شقيقها ثيوكليمينوس بمَقْدِم مينلاوس.

يجري وضع خطة: سَيَتَنَكَّر مينلاوس في هيئة رسول ينقل خبر موت مينلاوس وستطلب هيلين من ثيوكليمينوس مراكب لتقيم مراسم جنائزية في البحر وفق التقاليد اليونانية. وستهرب هي ومينلاوس بواسطة هذه المراكب. يعيد يوربيديس كتابة نص قصة هيلين بحيث يكون الزوج مختطفًا شرعيًّا (سيجال ١٩٧١: ٦٠٦). تنجح الحيلة ويحاول ثيوكليمينوس — الذي يشعر بالسخط من كونه «احْتِيل عليه على نحو مثير للشفقة على يد امرأة» (يوربيديس ١٩٧٣: ١٨٧) — أن ينتقم عن طريق قتل أخته، الكاهنة ثيونوي. يدرأ «الأَخَوان المنقذان» — الديوسكوري، اللذان رفعهما زيوس إلى مصاف الآلهة — المأساة ويحولان حال ثيوكليمينوس إلى الرأفة ويحولان المسرحية إلى الكوميديا. حتى مع إنقاذ هذه المسرحية لسمعة هيلين، فهي تُظهر صعوبة القيام بذلك: فلكي يرفع اللوم عن كاهل هيلين كان عليه أن يعيد كتابة قصتها بالكلية. فالبديل ذو الظهور الخادع على نحو جذاب ومقنع ليس الشبح الذي على صورة هيلين بل السرد الميثولوجي عينه (رايت ٢٠٠٦: ١٤٢–١٥٧).

أضف إلى ذلك أن تعديل قصة هيلين بهذه الطريقة يجعل منها قصة غير قصتها. فهذه هي «هيلين حسب الأسلوب الجديد»، حسب صياغة أريستوفان، فيما أصبح لاحقًا بمثابة عبارة شائعة بعض الشيء (رايت ٢٠٠٥: ٥٠، ١١٦). أو أن هذه «من ليست هيلين طروادة»، كما يكتب نورمان أوستن، مُقترِحًا لا هيلين جديدة بل انتفاءً لكينونة هيلين؛ (١٩٩٤: ١١) إذ إنه — كما رأينا في الفصل الثالث — أن تكون هيلين طروادة يعني أن تكون شخصًا يتجاوز جنسيًّا. هيلين مسرحيات يوربيديس هي على حد سواء هيلين وليست هيلين. التشعب والبدلاء هما ببساطة أمران يلازمان قصتها بشكل جديد.

(٧) هيلين وسط السفسطائيين

إذا نظرنا في كتابات جورجياس من ليونتيني (لينتيني حاليًّا) في صقلية (٤٨٣–٣٨٥ تقريبًا قبل الميلاد) وتلميذه إيسقراط (٤٣٦–٣٣٨ قبل الميلاد) نكتشف مدافعَيْن عن هيلين. ألف جورجياس كتابه «في مديح هيلين» في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد. ومن المحتمل أنه يسبق زمنيًّا مسرحية يوربيديس «الطرواديات»، التي قُدِّمت عام ٤١٥ قبل الميلاد والتي يبدو أن المساجلة التي تحتويها بين هيكوبا وهيلين تدين في صياغتها إلى بلاغة جورجياس السفسطائية الجدلية. كتب إيسقراط «في مديح هيلين» حوالي عام ٣٧٠ قبل الميلاد. تستحيل مسألة استحقاقية هيلين للوم لدى جورجياس وإيسقراط إلى فرصة لاستعراضٍ بلاغيٍّ أكثر من كونها مناظرة حول الأخلاقيات. كما يشير ماثيو رايت، تُبْرِئ مسرحية «هيلين» ليوربيديس هيلين من اللوم بتقديم أسطورة بديلة، وفي نفس الفترة يُبْرِئ جورجياس هيلين من اللوم «ليس بإنكار فرارها مع حبيبها ولكن بتسويغ أفعالها» (٢٠٠٥: ٢٧٧).

إن جورجياس وإيسقراط كلاهما خطيبان؛ فكلاهما يتناول موضوعه بمنهج تحليلي، وكلاهما يأخذ في اعتباره أهمية الآلهة، والجمال، والسياسة. بيْد أن هناك اختلافًا جوهريًّا واحدًا؛ ففي حين يأخذ إيسقراط دفاعه عن هيلين مأخذ الجد، يتخذ جورجياس الأمر تسليةً. كما يقول في سطره الأخير: «رغبت في أن أكتب الخطبة من باب المديح في هيلين ومن باب المتعة لنفسي» (القسم ٢١، جورجياس ١٩٨٢: ٣١). تأتي المتعة من السعي لتحقيق المستحيل: كالدفاع عن شخص لا يمكن الدفاع عنه.15 إن التحدي الشخصي والعملي هو أمر من الجلي أنه لا يمكن مقاومته (كان جورجياس أستاذًا في البلاغة). إلا أن هذا الجزء المسلي له أيضًا مقصد جاد، حتى وإن لم يكن هذا المقصد هو ما يعلنه عنوانه؛ إذ يظهر جورجياس ما تقدر الكلمات والمقدرة الإبداعية على تحقيقه. كانت المقدرة الخطابية تعتبر مهارة ضرورية للسياسي. الدفاع عن هيلين كان يعني بالأساس أن تقيم الحجج بأن الشمس تشرق من الغرب. في عهد يتسم بالحروب المستمرة والتهديدات (دامت الحرب البيلوبونيسية من سنة ٤٣١ إلى سنة ٤٠٤ قبل الميلاد) لربما كان في مقدور السياسيين أن يقيموا الحجج على نحو مشابه بأن الحرب هي سلم؟

يبدأ كتاب جورجياس «في مديح هيلين» بحتمية أخلاقية للخطابة: وهو العدل؛ إذ لا ينبغي على المرء أن يطري أو يلوم أولئك الذين يستحقون الإشادة أو اللوم فحسب، بل أيضًا أن يحرر أولئك الذين أطروا إطراءً غيرَ منصف أو افتُري عليهم ظُلمًا. تنتمي هيلين إلى الصنف الأخير. ويقصد جورجياس «تحرير المرأة المفترى عليها من تهمتها» (القسم ١، جورجياس ١٩٨٢: ٢١).

يرسخ جورجياس أولًا لتميُّز هيلين؛ فهي ابنة إله، وجميلة جمالًا ربانيًّا، ووحد جمالها حُكَّام اليونان على محبتها. إن هذه المقدمة ليست جزءًا من دفاع جورجياس المُزْمَع؛ إذ يختتم هذه الفقرة بقوله إنه الآن سوف ينتقل «إلى مستهل حديثي المُزمَع» (القسم ٣، جورجياس ١٩٨٢: ٢٣). كما رأينا في الفصل الثاني، يعطل الجمال السرد، أما هنا فإنه يوقف السرد من بدايته.

يعرض جورجياس أربعة أسباب محتملة «لمغادرة» هيلين إلى طروادة: (١) الضرورة الإلهية. (٢) الإجبار. (٣) إقناع بياني. (٤) الحب. ويفرغ سريعًا من أول سببين. فما كان لهيلين أن تجابه الآلهة، فهم وإن كانوا مسئولين، فهيلين ليست ملومة. وإن كان استُولِي عليها عنوةً، فإن خاطفها هو الذي يستحق التهمة والعقوبة. في هذه الحالة، لا تكون هيلين غير ملومة فحسب، بل إنها تكون ضحية، وتصبح شخصًا «عانى» (يستخدم المترجم الكلمة مرتين؛ إذ إن هناك صيغتين متمايزتين لها في اللغة اليونانية: القسمين ٧ و٨، جورجياس ١٩٨٢: ٢٢، ٢٣). ومن ثم فهي تستحق الشفقة (وهو استدلال تستنبطه هيلين ذاتها في مسرحية «الطرواديات» ليوربيديس).

يشغل هذان السببان المحتملان لصنيع هيلين فقرة واحدة لكل واحد منهما. يستغرق السبب المحتمل الثالث، وهو ملَكة الكلام، جُلَّ المُؤلَّف: إن هذا (المُؤلَّف) ليس مديحًا في هيلين بل في ملَكة الكلام. إن ملَكة الكلام لتمتلك قدرةً فائقةً على خلق تأثيراتٍ جبارةٍ (فهي تبدد الخوف والحزن، وتولد الفرح، وتُعظِّم الشفقة). يتناول جورجياس أنواعًا مختلفةً من الكلام: كالشعر، والتَّعْزِيم، وقول الزور، والإقناع. ويقارن الكلام بالمواد المخدرة: «بعض الكلام يجلب الحزن، وبعضه يجلب السرور، وبعضه يجلب الخوف، وبعضه يمنح المستمعين ثقةً، وبعضه يخدر العقل ويفتنه بحُجةٍ فاسدةٍ» (القسم ١٠، جورجياس ١٩٨٢: ٢٧). الانطباق على حالة هيلين مدسوس في طيات ما سبق: إنه المحاجِج، باريس، هو الجاني، وليس المحاجَج، هيلين، لأنها مضطرة، فعل بها كفعل المُخدِّر.

في عرضه للسبب الرابع، وهو الحب، يستفيض جورجياس في شرحه. فيُعرِّف الحب بأنه صنيع المشاهدة على الدماغ. ولذلك فإن هيلين — من ناحية انجذابها إلى باريس — عانت «علةً بشريةً وقصورًا في العقل»، وهو «ما ينبغي ألا يُنعَى عليه كسلوك شائن بل أن يُعتَبَر ابتلاءً» (القسم ١٩، جورجياس ١٩٨٢: ٢٩). وكذا، يُستنتج أنه لا يوجد مثال من الأمثلة الأربعة التي ساقها يمكن للمرء من خلاله أن «يعتبر اللوم الواقع على هيلين عادلًا».

إن دفاع جورجياس مُتحايِلٌ تحايلًا بيانيًّا من نواحٍ متعددةٍ؛ فهو يحصر الحالة في تصورات أربعة، وبفراغه منهم يشجعنا على أن نقتنع بأن كل التصورات قد فُرِغ منها. ويفرض علينا تعريفاتٍ، مثل ذلك التعريف للحب، ومن ثَمَّ يقيم الحجة تبعًا لبنوده المحدودة. (فهو يمتلك موهبة أن يجعل هذه المحدودية تبدو شاملة.) ومع ذلك فالأمر الأهم أنه يظهر كيف يمكن للأسلوب أن يُلهي عن (قصور) المضمون. تُعتبر الموازنة التراكيبية مع العبارات الطباقية والمقابِلة — التي نقلتها ترجمة دي إم ماكدويل بإنجليزية أوغسطية رشيقة — مُعادِلًا لغويًّا لموضوعه. يمكن للمرء أن يُغفر له أي شيء، ويتغاضى عن أي شيء، بسبب جماله. وما يَصْدُق على سفسطائي صِقِلِّي يَصْدُق على ملِكة أسبرطية.

أما إيسقراط فيكتب مستندًا على عزيمة تفوق أستاذه. وهو ينقد أساليب جورجياس في المحاورة ويشير إلى أن كتابه «في مديح هيلين» هو دفاع، وليس مدحًا. ويوضح بجلاء نسقه الإطرائي: «إنه تزكية … من أجل الإشادة بأولئك الذين يمتازون في أي خصلة نبيلة» (١٨٩٤، المجلد ١، القسم ١٥: ٢٩٤). ومع هذا يبدأ كتاب إيسقراط «في مديح هيلين» وينتهي فقط بهيلين، وبينهما يورد استطرادًا وسيطًا مُطوَّلًا عن ثيسيوس.

يبدأ إيسقراط، شأنه في ذلك شأن جورجياس، بالتركيز على المكانة السامية لهيلين. فهي كانت المرأة الوحيدة التي كان والدها زيوس؛ فوهبها زيوس الجمال، وهي ميزة أعظم من قوة هرقل (لأن الجمال «مُتَحَتِّم أن يجلب قوة مساوية إلى موضع الخضوع»؛ المجلد ١، القسم ١٦: ٢٩٥). يُنْظَر إلى حرب طروادة من قِبَل إيسقراط نظرةً إيجابيةً. ولمَّا كان ذيوع الصيت يأتي كنتيجة للقتال، فالتحلِّي بالجمال الذي يسبب القتال هو شكل (أنثوي) لذيوع الصيت الذي يحرزه الأبطال العسكريون في الحرب (المجلد ١، القسم ١٧: ٢٩٥).

كما رأينا في المقدمة، تتصل قصة هيلين بقصة ثيسيوس. يُقدِّم إيسقراط ثيسيوس على أنه عنصر هام من عناصر إعلائه لهيلين. فثيسيوس رغم كل أمجاده «اعتبر أن الحياة لا تستحق العيش» بدون هيلين (المجلد ١، القسم ١٨: ٢٩٥). يعي إيسقراط أنه لو كان ثيسيوس «رجلًا عاديًّا بدلًا من كونه واحدًا من أكثر الرجال المرموقين، لظل غير متضح إن كان حديثي مديحًا لثيسيوس أم اتهامًا له» (المجلد ١، القسم ٢١: ٢٩٦). لكن بيت القصيد لديه هو أن يُظْهِر «أن أولئك الذين أحبوا (هيلين) وأجلُّوها كانوا هم أنفسهم أكثر استحقاقًا للإجلال من بقية البشر» (المجلد ١، القسم ٢٢: ٢٩٦). يرخص له هذا بأن يُفَصِّل مآثر ثيسيوس وإنجازاته لست عشرة فقرة أُخرى، مُعترِفًا بأنه إذ كان قد بدأ في إطراء ثيسيوس، «لا أود أن أتوقف في منتصف المسير»، وفي نفس الوقت يعي «أنني أرتحل بعيدًا عن الحدود المُناسِبة لموضوعي» (المجلد ١، القسم ٢٩: ٢٩٨). فيستخلص «أننا لن نتمكن أبدًا من الإتيان بشاهد أصدق أو حجة أكثر إقناعًا على صفات هيلين الحسنة من تَقْدِير ثيسيوس»، وبعد ذلك يستأنف ما يرويه عن هيلين «حتى لا يبدو أنني أسهب طويلًا أكثر مما يلزم في نفس النقطة بسبب الافتقار إلى الأفكار» (المجلد ١، القسم ٣٨: ٣٠٠).

ويبتدئ مجددًا بذكر قسَم خطاب هيلين، زاعمًا أنه عبر هذا وحدت هيلين اليونان. يُعاد ههنا تحديد (واستباق) تاريخ الفترة الزمنية التي تقول جدلية يوربيديس وهيرودوت بأن التحالف قد تم فيها؛ فلم يعد نتيجةً لاختطاف هيلين بل هو أثرٌ ناجمٌ عن جمال هيلين. ويُثني على اختيار باريس لفينوس (وقبوله لهيلين) ويعتبره إنكارًا للذات (فهدايا أثينا وهيرا «لم تكن لتدوم لأطول من سنوات عمره»، بينما الزواج من ابنة زيوس هو إرث يمكنه أن يمنحه لأبنائه.) (المجلد ١، القسم ٤٤: ٣٠١). أضف على ذلك أنه من الجلي أن الجمال هو ميزة ثمينة إذا كانت الإلهات خصماتٍ في مسابقة للجمال. وهكذا يتكرر الثناء على مقدرة هيلين على التوحيد بين الفرقاء، هذه المرة بالطريقة المتوقعة باعتبارها السبب الذي من خلاله «دفنت الولايات اليونانية خلافاتها.» وكما رأينا في الفصل الثاني تصبح هيلين تعبيرًا كِنائيًّا عن أمة وكبرياء وطني: عند اختطافها «كان الهيلينيون (اليونانيون) ساخطين كأنما كان الذي استُلِب هو وطنهم بأكمله، في الوقت الذي كان فيه البرابرة مزهوين كما لو كانوا قد قهرونا كلنا» (المجلد ١، القسم ٤٩: ٣٠٢).16

يُثني إيسقراط على هيلين لأجل مقدرتها على التوحيد بين الفرقاء. وفي الفقرة التالية يُثني عليها لأجل مقدرتها على التفرقة. لقد توحد آلهة الأوليمب في السابق عندما انخرطوا في قتال (على سبيل المثال، مثلما في حربهم ضد الجبارين (العمالقة))، ولكن «من أجل هيلين اقتتلوا بعضهم ضد بعض» (المجلد ١، القسم ٥٣: ٣٠٣).

ينتقل إيسقراط الآن إلى الجمال؛ «سطوته»، «تفوقه»، تأثيره علينا. تفي هذه الفقرات بمراد الإطراء أكثر من المحاورة. ولا تمضي قُدُمًا بالجدل (ولا ينبغي أن يدهشنا هذا: فالجمال لا يدفع السرد قُدُمًا؛ إنه يعيقه). يتناول إيسقراط الجمال من حيث «الغرض النهائي»، وهو حب الآلهة للجمال (المجلد ١، القسمان ٥٩، ٦٠: ٣٠٤-٣٠٥)، ومن ناحية — في خطوة تَحْدُث ببراعة ودون أي إشارات — تأليه هيلين. يخبرنا إيسقراط «أنها لم تحُزِ الخلود لنفسها فحسب، بل … نالت مقدرةً مساويةً لمقدرةِ الآلهة (بعبارة أخرى، إنها أُلِّهَت) …» (المجلد ١، القسم ٦١: ٣٠٥). وتستخدم هذه المقدرة لتحول إخوتها ومن ثَمَّ مينلاوس إلى آلهة. تختتم الفقرة ٦٣ بحديث هيرودوت الداعم لهذا القول، بما يطرحه من معلومات تاريخية: «حتى في وقتنا الحالي، في ثيرابنيس، في لاكونيا، يُقَرِّب الناس قرابين مقدسةً تبعًا لتقليد أسلافهم إكرامًا لهم؛ باعتبارهم «آلهة»، وليس باعتبارهم أبطالًا» (المجلد ١، القسم ٦٣: ٣٠٥، أقواس التنصيص من عندي).

ما يتابع إيسقراط القيام به الآن هو بالأحرى عملية تراكمٍ خطابيٍّ وليس القواعد الدقيقة للمحاورة. ويستمر بهذه الطريقة، مسجلًا بتسلسل زمني مقدرة هيلين الإلهية (مقدرة إصابة ستسيكورس بالعمى وإعادة بصره، مقدرة اصطناع «الإلياذة» على يد هوميروس). المغزى من ذلك أنه لكون هيلين تمتلك المقدرة على العقاب والمثوبة، فإنه يتعين علينا أن نكرمها. يمكن للتكريم أن يتخذ شكل عبادتها، وتقديم القرابين لها، باعتبارها «ذاتًا إلهية». ويجب على أولئك الفلاسفة الأقل حظًّا في الثراء أن يكرموها بأن يجتهدوا «في الحديث عنها بما يليق مع المادة التي في متناولهم» (المجلد ١، القسم ٦٦: ٣٠٦). وتلك المادة هي المادة التي يعالجها إيسقراط: مادة ميثولوجية تاريخية (تحكيم باريس)، وأسطورية تتعلق بسيرة الأبطال الأسطوريين (اختطاف هيلين على يد ثيسيوس)، ومادة تتصل بثقافات الشعوب (مزار هيلين بثيرابنيس)، ومادة جمالية (أهمية الجمال)، وسياسية (الوحدة اليونانية والتوسع الذي يلحقها).

دفاع إيسقراط هو دفاع واسع النطاق رغم أنه لا يُعتبر آخر من أدلى بدلوه في هذا الشأن: ما زال هناك «فرصة سانحة للثناء على هيلين أكثر مما فَعَلْتُ في هذا الحديث» (المجلد ١، القسم ٦٩: ٣٠٦). لقد استهل إيسقراط يقينًا مناطق للمحاورة. إلا أنه كذلك قد جعل لوم هيلين مستحيلًا بإغلاقه منطقة للمحاورة في مناورة لم يعلق حتى عليها. هذه المناورة هي تأليه هيلين.

يؤله كاتبان آخران هيلين؛ يوربيديس في مسرحيته «أوريستيس»، وشاعر الحقبة الإليزابيثية جون أوجل في كتابه «مراثي طروادة» (١٥٩٤)؛ وسوف أعود لاحقًا لأتناول أثرهم الأدبي (ومناورة التأليه) في هذا الفصل. دعنا أولًا ننتقل إلى العصور الوسطى والكُتَّاب الذين ألقوا باللوم على هيلين أو دافعوا عنها بمنحها الفاعلية (أو نفيهم امتلاكها لها).

(٨) الفاعلية (١): جوزيف من إكستر

هناك مناورة تُستخدَم في الدفوع وفي الاتهامات الموجهة لهيلين على السواء وهي مناورة منحها الفاعلية الجنسية. إن تصوير هيلين كأنما لديها الرغبة الجنسية، بل (كما سنرى) وكأنما هي المبادر بالرومانسية مع باريس، هو طريقة لتخليصها من وضعية الضحية. ويعتمد تخليص هذه الطريقة لها من اللوم من عدمه على التفاعل بين أفعالها ومشاعرها. ومن بين كل السرديات عن هيلين تتميز كتب العصور الوسطى عن طروادة بأنها تُكرِّس أعرض حيز سردي للقاء الذي يجمع باريس وهيلين.

ترجم جوزيف من إكستر «إلياذة» داريس فريجيوس في ثمانينيات القرن الثاني عشر.17 تتسم ترجمة جوزيف — كحال معظم الترجمات قبل القرن التاسع عشر — بالابتكار وقابلية التكيف. فيقدم — على سبيل المثال — سردًا مطولًا لتحكيم باريس (جوزيف/بيت ١٩٨٦: ٨٧–١١٧)، الذي لا يقول فيه داريس إلا النذر اليسير (٧). ويعتمد على دِكتيس ليسدَّ النقص لدى داريس (إضافةً إلى أوفيد، ولوكان، وستاتيوس؛ ٧) ورغم اهتمامه بالمبادئ الأخلاقية المسيحية، يورد بطريقة قصصية رواياتٍ تستند على تحليل نفسي مُخْتَلَق لدواخل الشخصية (قارن ٩)؛ لذا فإن روايته هي الأولى التي تصور أفكار هيلين باستفاضة. وهي أيضًا الرواية الأولى — والوحيدة — التي تعرض مشهدًا جنسيًّا بين هيلين وباريس.
ليس المشهد الجنسي في الكتاب الثالث هو أول تطفل للجانب الجسدي في النص؛ فأسطول اليونان البحري الأول موصوف في استعارة مجازية ممتدة عن فض البكارة، استعارة مجازية وضحت بصورة أكبر بالتلاعب بالألفاظ بين pinus (= صنوبر = قارب) وpenis (العضو الذكري) (جوزيف/بيت ١٩٨٦: ١٥٧). يتردد القارب المُجَسَّد، ثم ينطلق: «استقبلت اللُّجَّة‎، التي فُضت بكارتها الآن، كل القادمين، كاشفةً حجرها لأي مسافر» (٤١). وسرعان ما يُبرر التوسع الاستعماري التَّحَرُّج الأخلاقي الوقتي من الغزو الأجنبي بوصفه شكلًا من أشكال الاغتصاب: «لولا استخدام المجاديف، لما كانت ممفيس قد عرفت روما، ولا كانت الهند قد عرفت إسبانيا، ولا كانت سكيثيا قد عرفت أثينا، ولا كان بلدنا بريطانيا قد عرف فرنسا» (٤٥). يتكرر كثيرًا اهتمام جوزيف بالجنس، بإرادته وبغير إرادته. تُناقِش روايته لاختطاف هسيونيه — التي نوقشت في الفصل الثالث — التباين بين نظرة هسيونيه، «ماضية في زواج قسري وهي خائفة وتحت الإكراه» (٨٣) ونظرة تيلامون كظافر: «إنني استحققت بسيفي الحق في الاستمتاع بمعانقتها» (٨٥).
بيْد أن اهتمامه ليس بداعي الشهوة. إن جوزيف هو قصاص «لم يُكتب له النجاح». في الكتاب الأول يُقدِّم لنا سردًا حيويًّا سريعًا (جوزيف/بيت ١٩٨٦: ٤٥ف ف) مع ملاحظات «عَرَضية» عن الغضب (٥٥)، والشائعة (٥٣)، والميثولوجيا (٥٥–٥٧). وهو بارع في الوصف مثلما هو بارع في الحوار. يقدم الكتاب الثاني وصفًا جميلًا لوليمة عُرس هسيونيه (٧٧–٨٣). إن هذا مشهد مختلق، «احتفال عُرس من العصور الوسطى في حُلَّةٍ كلاسيكية» (١٦٨).18 في تحكيم باريس، يعرض جوزيف ما يتقنه ويتفوق فيه، من وصف للجمال الإلهي، ولكشف فينوس الاستراتيجي لجسدها، وللتشاحن الهجائي البذيء بين الإلهات (١٠١). هذا هو الإطار السردي الواقعي المفصل الذي فيه يلتقي باريس بهيلين.

باريس حسب رواية جوزيف يمتلك شخصية مزهوة بنفسها وساذجة في الوقت نفسه. ما إن يسمع بجمال هيلين حتى يغادر أسطوله ليحاول أن يراها، مطمئنًا «إلى حُسنه وعالِمًا بوسامة ملامحه»؛ فيسير جيئة وذهابًا بمحاذاة الشاطئ تتملكه لا مبالاة مغلفة بشعوره المفرط بذاته، يجرب إيقاع خطواته، ويتوقف، ثم، «مدفوعًا بالخوف من أن يُظَن أنه يتصرف على نحو مثير للريبة، ينقل بصره سريعًا نحو أشياء أخرى كما لو كان منبهرًا بكل ما يرى» (جوزيف/بيت ١٩٨٦: ١٣٥). إن هذا شأن مُغرَم ساذج، وليس بطلًا رومانسيًّا.

تُبْدي هيلين — كما يروي لنا جوزيف — «ضبطًا أكثر للنفس»؛ فتتمكن بتكتم من النظر إلى باريس إذ «تختلس نظرات جانبية نحوه» وعن قصدٍ لا تبتسم. لكن جوزيف يسمح لنا أن نعرف ما تشعر به: إنها تود أن «تُظْهِر وجهها وثدييها العاريين»، ولكنها تكبح جماح نفسها (جوزيف/بيت ١٩٨٦: ١٣٥). مرةً أخرى يعود جوزيف ليتشارك مع القارئ فيما تجيش به نفس هيلين: فهي «متهيئة لتلامُس الأيدي إذا دُعِيت ومع هذا هي راغبة في أن تُرْغَم» (١٣٧). يفسر باريس الموقف بطريقة صحيحة: فعندما يُطالِع «عينَي هيلين المغويتين» و«رغبتها المكتومة»، يدرك أن أمامه «فريسة سهلة» في متناوله (١٣٥–١٣٧).

يوجه جوزيف الآن خطابه إلى باريس، قائلًا له إنه ليس بحاجة للقلق بشأن الحاجة لاستخدام معسول الكلام؛ لأن لديه ما يغنيه عن الإغراء. بالإضافة إلى أن الظروف سانحة للاختطاف: المدينة خاوية، والريح في الاتجاه الصحيح. والأهم من ذلك أن هيلين «سهلة الانقياد» (جوزيف/بيت ١٩٨٦: ١٣٧). إلا أنه عندما يقرر باريس أن يخطف هيلين، يستنكر جوزيف عليه انتهاكه لضيافة مينلاوس، وزواجه، والقواعد الأخلاقية العامة. لقد شجع الراوي بطل قصته وألجمه معًا، مثلما فعلت هيلين ذاتها.

ومع ذلك فلحظة الاختطاف مُتبادَلة من الناحية العاطفية. «وهكذا انتزع باريس الطروادي هيلين بينما تعطيه يديها، مشجعةً إياه بتعبيرات وجهها السعيدة، أو بالأحرى انتُزِع باريس على يديها» (جوزيف/بيت ١٩٨٦: ١٣٨، ١٣٩). إن هيلين ليست مجرد راغبة؛ إنها هي التي تقوم بالاختطاف. فإدانة جوزيف لها، وتعديله للمصطلح المثير للجدل («خطف») المستخدَم في السرد الخاص بها هما أمران جليان: «أنتِ هاربة، لم تكوني أبدًا مُختطَفة!» بل إن التعبير اللاتيني لهذا التعليق في ثلاث كلمات مركزة هو أكثر احتقارًا (١٣٨، ١٣٩).

نظرة جوزيف لهيلين على أنها شخصية فاعلة تمارس فعل الانتزاع تجيز له أن يخترع مشهدًا تأخذ فيه هيلين كذلك زمام المبادرة جنسيًّا: «هيلين الآن ليست هي المُبادِرة بتقبيله فحسب، بل لا تكبح جماح نفسها إن بودرت بالتقبيل. مستلقيةً فوقه بكامل جسدها، وتفتح رجليها، وتعتصره بفمها وتسلبه مَنِيَّه» (جوزيف/بيت ١٩٨٦: ١٤٣). إنها تأخذ زمام المبادرة في الفعل الجسدي («المُبادِرة بتقبيله»، «تعتصره بفمها»)، وهي غير متحرجة («لا تكبح جماح نفسها»)، تضع نفسها بالأعلى («مستلقيةً فوقه بكامل جسدها»). تمامًا مثلما تملكت هيلين من باريس في المعبد («باريس انتُزِع على يديها»)، هي هنا تسرق سائله المنوي («وتسلبه مَنِيَّه»). إن هذا قد يكون دلالة أخرى على فاعليتها أو قد يكون إشارة محتشمة إلى السائل المندفق قبل أوانه، الذي صُوِّر بعد ذلك على أغطية السرير الأرجوانية التي «تشهد على نداه الخفي» (١٤٣). يُعْتَبَر القذف المبكر في العصور الوسطى العقاب على خطيئة وضعية اضطجاع المرأة فوق الرجل.19 أم أن هذا هو تصوير جوزيف الجنسي للاختلاجة النصية؟ إذ كما رأينا في الفصل الثاني يعترض جمال هيلين النص مرارًا، حيث الاختلاجة — كما يكتب بارت — «تشير إلى نشوة فنائها.» في سرد جوزيف، يتوقف باريس عن السير عندما يرى هيلين («يتوقف، متغافلًا عن الاستمرار في مِشيته»؛ ١٣٥)؛ وأيضًا في السرير مع هيلين يتوقف توقفًا سابقًا لأوانه.

(٩) الفاعلية (٢): كتب طروادة باللغة الإنجليزية الوسطى

يستمر كتاب آخرون من كتاب العصور الوسطى في إضفاء الفاعلية الجنسية على هيلين، ومع ذلك ليس بنفس القدر من عدم التحفظ الذي يستخدمه جوزيف. مستخدمًا نفس المصدر الذي استخدمه جوزيف من إكستر، ينظم شاعر «حصار طروادة» رواية شعرية. إن هذه الرواية مكتوبة باللغة الإنجليزية الوسطى، وليس بلاتينية العصور الوسطى، وعندما تلتقي هيلين وباريس، نحصل على هذا البيت الجميل المكون من أربع تفعيلات «الأثير محمل بعطر زكي» (تي إل إن ٥٧٧).20
في رواية «جيست هيستوريال» (القصة التاريخية لدمار طروادة)21 مجهولة الفترة الزمنية تسمع هيلين بوسامة باريس و«كان يلفها الشوق لرؤية هذا الوسيم» (تي إل إن ٢٩٠٩). تحدوها «رغبة جامحة»، وتشتاق «باشتهاء» لأن تذهب إلى المعبد لتراه، ويمكنها غياب مينلاوس من أن تفعل ذلك (تي إل إن ٢٩١٠–٢٩١٤). ينتقدها الشاعر انتقادًا عنيفًا (وينتقد من خلالها مجون النساء؛ تي إل إن ٢٩٢٠ف ف) على عدم كبحها جماح نفسها، وعلى عدم بقائها في البيت،22 وعلى الرياء (لأنها بدعوى التعبُّد دبرت لترى باريس؛ تي إل إن ٢٩٧١–٢٩٧٥). على نحو مشابه تذهب هيلين في «كتاب تمجيد طروادة» إلى معبد فينوس لأنها ترغب في أن ترى وسامة باريس ذائعة الصيت. عندما يراها يرغبها قلبه بشدة، وعندما تراه «تمنت حقًّا لو أنها كانت زوجته.» إن اهتمام كلٍّ منهما منصبٌّ على النظر والاشتهاء: «نَظَرَت إليه، ونظر إليها؛/وأصبح الآن كلٌّ منهما يبتغي الآخر» (تي إل إن ٢٨٠١-٢٨٠٢). ويتحدثان معًا ويتوافقان في الفكر والمبتغى.

يرى جون ليدجيت في مؤلفه «كتاب طروادة» أن الأدب هو فن البوح بالحقيقة: بدون الكُتَّاب، لكانت المعرفة قد لفظت أنفاسها (الاستهلال ١٥٩–١٦٧). رغم ذلك يُلقي ليدجيت باطراد باللوم على مصادره (ستاتيوس، وأوفيد، وجيدو، وتشوسر) على المادة والمواقف التي تتولد في مواءمة ليدجيت وتوسعته. ومن ثَمَّ هناك ٢٠ بيتًا من القدح في النساء السيئات (١. ٢٠٧٢–٢٠٩٦) تستند على جملة واحدة في المصدر. نجد في موضع آخر أن آراء جيدو الكارهة للنساء مفصلةٌ تفصيلًا مستفيضًا، مما يعطي المجال لليدجيت ليناهضهن: «جيدو يقول» (٣. ٤٣٠٣)، «يقول جيدو» (٣. ٤٣٢٩)، «ويضيف قائلًا» (٣. ٤٣٣١)، «وكذا هذا تلقين جيدو، يعلم الرب، وليس من عندي! … إنه يراهُن شرًّا لا بد منه» (٣. ٤٣٤٣، ٤٣٥٥). ينصح ليدجيت القارئ بأن يتجاوز ما يقوله جيدو بشأن النساء (٣. ٤٤١٣–٤٤١٧)، إلا أن ليدجيت نفسه لا يفعل ذلك.

مناورة الاتهام والاعتذار هذه واضحةٌ في اللقاء الأول لباريس وهيلين. مثلما في نسخ حقبة اللغة الإنجليزية الوسطى السابقة، تُسارع هيلين إلى المعبد لتُطالِع وسامة باريس. كل النساء سيذهبن حيث يوجد الرجال، يقول ليدجيت (وجيدو):
حقًّا إن جيدو بهذه الطريقة، يُسر بكذب ملعون،
إن ذكره لهن بالسوء هو أمر لاقى لديه اشتهاءً،
من بداية كتابه إلى نهايته يتحدث عن النساء بالشر،
وإن أمر ترجمتي لأقواله تلك هو أمر خلاف رغبتي.
إنني أعتذر عن كوني يجب أن أُكرر
الكلمات القاسية التي تجدونها في كتابه.
(٢. ٣٥٥٥–٣٥٦١)

ومن ثم يلتقي باريس بهيلين: «التي لم يجد منها أي شكل للمقاومة؛/ولم تجلس، لقد كانت مفعمة بالأنوثة،/فمن أجل باريس أخضعت نفسها تمامًا» (٢. ٣٨٣٤–٣٨٣٦). في الواقع إن خضوعها كان قد حدث بالفعل قبل مفاتحة باريس لها: «كان قلبها خاضعًا للقدر قبل أن تصل إلى هناك،/لذا كان خضوعها أقل مدعاة للخوف لديها» (٢. ٣٨٣٢–٣٨٣٧). المرات الثلاث التي ظهرت فيها كلمة «يخضع» في ثلاثة أبيات أبرزت رضوخها بكل جلاء.

في نهاية عمله «كتاب طروادة» يلتمس ليدجيت من قرائه أن «تحذفوا وتضيفوا حيثما يبدو لذلك ضرورة» (٥. ٣٥٣٩). ثانية هذه الدعوات للقراء هي — كما قد رأينا — نشاط محوري في القراءة وهي نشاط أساسي وهام من أجل قراءة السرديات التي تتناول هيلين. إن الكتب — كما يكشف ليدجيت في البداية — تروي الحقيقة عن الرجال بعد موتهم. بينما قد يوحي نقد ليدجيت المتكرر لكراهية جيدو للنساء أنه من المحتمل أن الكتب لا تروي الحقيقة عن النساء بعد موتهن. ومع هذا فإن ذلك إغفال لا يصححه كتاب ليدجيت. كما نرى طوال هذا الفصل، فإن ثنائية المديح واللوم هي أمر معتاد لديه.

ترجم ويليام كاكستون — خلف ليدجيت في سرديات حرب طروادة — وطبع نسخة راءول لوفيفر الفرنسية تحت اسم The Recuyell of the Histories of Troy «مجموعة حكايات طروادة». (Recuyell هي كلمة فرنسية أُدْخِلَت إلى اللغة الإنجليزية، وتعني «مجموعة».) مجموعة كاكستون هي مجموعة شاملة، تبتدئ بسجل نسب الإله زحل. طُبعت الطبعة الأولى لهذا المجلد الضخم — وهو أول كتاب يُطْبَع باللغة الإنجليزية — على يد رجل إنجليزي (مع أنه لم يُطبع في إنجلترا) حوالي عام ١٤٧٤ في مدينة بروج. وطبعت الطبعة الثانية في لندن عام ١٥٠٣. وظهرت فيما بعدُ طبعات جديدة على فترات منتظمة، مما يُظهر استمرار شعبية هذا الكتاب حتى حقبة متأخرة من القرن الثامن عشر.

على ما يبدو فإن شخصية هيلين عند كاكستون موضوعة في قالب كونها هي المتلقية لنظرة الذكر. يلاحظ باريس أنها بالغة الجمال حتى «إنه بدا مقبولًا لدى أولئك الذين أبصروها أن الطبيعة صنعتها لتُطالَع وتُرى» (لوفيفر ١٨٩٤، المجلد ٢: ٥٣١). يوحي الإطناب في («تُطالَع وتُرى») بأن هيلين ينبغي أن يُنظر إليها مرتين، وهي عبارة العصور الوسطى المعادلة لعبارة «تستحق نظرة أخرى.» في البيت التالي تزدوج النظرة بطريقة مختلفة إذ يتطلع كلٌّ من باريس وهيلين إلى الآخر: «وكما نظر إليها، بالمثل نظرت هيلين إليه أيضًا، مرارًا وتكرارًا.» تأخذ هيلين الآن زمام المبادرة: فهي تعطي «دلالة أو إشارة لباريس أنه اقترب منها» (٥٣٢). عندما يغادر باريس المعبد حيث تجري كل هذه المفاتحات البصرية، «أتْبَعَته هيلين بناظريها أيضًا بأبعد ما تستطيع» (٥٣٢). يشكل التطلع الإطار لهذه الواقعة، الذي فيه تقابل مشاهدة هيلين لباريس مشاهدته لها في بادئ الأمر. التطلع في الحالتين هو تصرف مقصود ومادي من قِبَل المُشاهِد: فباريس ««بدأ بشدة» في التطلع إليها» (٥٣١، أقواس التنصيص من عندي)، «هيلين «أتْبَعَته» هيلين بناظريها أيضًا بأبعد ما تستطيع» (٥٣٢، أقواس التنصيص من عندي). ففاعليتهما البصرية متساوية.

هذا التساوي يتغير على متن السفينة حينما — كدأب شخصيات هيلين في الكتب الأخرى التي تتناول طروادة — تذرف هيلين الدمع. عندما يعدها باريس أنها سوف تكون زوجته، وليس سجينته، تجيب هيلين تصريحه بالتسليم: «لا أمتلك مقدرة على مقاومة هذا الأمر» (لوفيفر ١٨٩٤، المجلد ٢: ٥٣٦). والمقدرة التي تنقصها ملتبسة: أهي قوة حَرْفية تنقصها (فهي كامرأة ضعيفة ليس في مقدورها أن تتغلب على ظروفها الملموسة الحاضرة)؟ أم أنها طاقة شعورية (ليس في استطاعة قلبها أن يقاوم)؟ عندما يعلق ليدجيت: «وهكذا استعادت هيلين سكينتها بعض الشيء.» ليس واضحًا إن كانت أداة الظرف «هكذا» تعود على تسليمها أم على وعود باريس. تقدم الجملة التالية بعض المساعدة: «وبالفعل أرضاها باريس بكل ما في وسعه &» (٥٣٦). فباريس يمتلك القوة التي تنقصها؛ قوة ذكورية أنجلوساكسونية في مقابل مقدرتها الأنثوية الفرنسية، والرمز الذي يحوي إشارة رقيقة «&» يلمح إلى طبيعة تلك القوة.

بعد ذلك بعشرة أعوام، وفي سياق غير معتاد في السرديات التي تتناول طروادة، توافق شخصية بريام في عمل كاكستون على إعادة هيلين إلى اليونانيين. ويعد اليونانيون (بتَصنُّعٍ) على «ألا يصيبوها بُضرٍّ» رغم «الشرور الجسام والمساوئ التي بدرت منها» (لوفيفر ١٨٩٤، المجلد ٢: ٦٦٥؛ قارن ٦٦٦، ٦٦٨). وفي هذا الموضع حُدِّثَت عقوبة الرجم اليونانية إلى عقوبة العصور الوسطى الحرق على الخشبة (عقوبة اختُصَّت بها الساحرات والهراطقة، وللنساء اللواتي ارتكبن جرائم القتل، أو الحرق العمد، أو السرقة، أو الخيانة الصغرى). وحدها فصاحة يوليسيس هي التي تحول دون هذه العقوبة.

يختتم كاكستون روايته بلفت الانتباه إلى مناحي الاختلاف بين السرديات التي تتناول طروادة: «إذ أصدر رجالٌ متعددون كتبًا متنوعة لا تتوافق في كل النواحي» (لوفيفر ١٨٩٤، المجلد ٢: ٧٠١). ملاحظته هذه صحيحة خاصة بشأن الطرق التي بها يُوجَّه اللوم أو يُعاد توجيهه أو يُرْفَع. إن مسألة اللوم أو البراءة في أي نص من النصوص التي بُحِثت في هذا الفصل ليست مسألة قطعية. ثنائية اللوم والثناء في النصوص تتوازى مع احتياج السرد لهيلين وإحجامه المتزامن عنها؛ فكلٌّ من الجمال واللوم يشكلان جزءًا من نمط الثنائيات والنظائر الذي يلازم قصة هيلين. ويتحول الثناء إلى لوم والعكس بالعكس.

(١٠) جورج بيل، «حكاية طروادة» (١٥٨٩)

في القرن السادس عشر كان لدى جورج بيل معالجة مختلفة لدعاوى الفاعلية واستحقاقية اللوم المتنازعة. في قصيدته السردية «حكاية طروادة» لا يُبْرِز التعددية أو التناقض بل البدائل، طارحًا تصورين لما قد يكون قد حدث أو لم يحدث عندما غادرت هيلين أسبرطة. وفي هذا الصدد تبطل خاتمته تمامًا اللغة الواثقة التي تُلقي بها بنية القصيدة اللوم على هيلين.

كان لبيل علاقة طويلة‎ بهذا العمل الأدبي جرى فيها كثير من التنقيحات. فمن الأرجح أنه كتبه حينما كان طالبًا بأكسفورد بين ١٥٧٢ و١٥٧٩ (انظر بيل ١٩٥٢: ٣٧). نُشرت القصيدة لأول مرة عام ١٥٨٩، إلا أن نظمها يسبق زمنيًّا نشرها بأعوام عديدة، إذ إنه في رسالة الإهداء يشير بيل إليها بأنها «قصيدة قديمة تخصني».

لاحقًا نَقَّحَ بيل القصيدة. لربما جرى التنقيح حوالي عام ١٥٩٦ عندما أرسل بيل القصيدة كهدية (المقصود أنها كانت خطاب استجداء أدبي) إلى اللورد بيرجلي، كبير مستشاري الملكة. حفظ أمينُ سرٍّ قصيدة بيل والخطاب المرفق «مع خطابات أخرى من المهووسين والمخبولين» (بيل ١٩٥٢: ١٠٨). مات بيل في وقت لاحق ذلك العام ولكن في عام ١٦٠٤ نُشِرَت نسخة منقحة من القصيدة (على الأرجح أنها كانت التنقيحات على تحديث بيرجلي عام ١٥٩٦) في كتيب تقديم بالغ الصغر (بسُمك بوصة ونصف) لم يبقَ منه إلا نسخة واحدة، موجودة الآن لدى جهة خاصة.23 وأيضًا تظهر أبيات من القصيدة في مسرحية بيل الرعوية، «اتهام باريس» (١٥٨٤). وعلى ذلك، إذا كانت «حكاية طروادة» كُتِبَت عندما كان بيل في الكلية، فإن بيل قد أعاد استخدام أبيات من القصيدة في المسرحية.24
إلى ما قبل الأبيات الأخيرة تؤكد القصيدة تأكيدًا ثابتًا على حب هيلين لباريس. فهي تتطلع إليه، وتدقق في وجهه، يجيش قلبها حبًّا. ورغم أنها ممزقة بين الصواب والخطأ (بيل ١٩٥٢: ١٦٩)، فالحب «لن يهيمن عليه شيء»،25 وهكذا فإنها «تهيئ نفسها بجُرْأَة لهذه الخطيئة الكبرى» (١٧٦). فهيلين وباريس «متحابان»، وفرار هيلين طوعًا يشكل «خيانة» زوجية.
إلا أن الفقرة الأخيرة تطرح قراءة بديلة لمغادرة هيلين إلى طروادة وخاتمة مبدئية تنتقل من الجزالة إلى الركاكة. أقتبسُ من إصدار عام ١٥٨٩، مُدَوِّنةً تنقيحات عام ١٦٠٤ بين أقواس:
يقول مؤلفي، لنحتفي باسم هيلين (١٦٠٤: تأييدًا لاسمها)،
الذي نشرت الشائعات أفكارًا خاطئة عنه حول العالم:
كيف عندما كان الملك قرينها (زوجها) غائبًا آنذاك،
حكاية قد تقلل إلى حد بعيد من جرمها،
إذ سيطر السيد باريس على المدينة بقوة السلاح وبالبراعة،
وحملها إلى طروادة (١٦٠٤: وحمل هيلين حينئذٍ) على خلاف إرادتها.
إن كانت أحبته بعد ذلك أم لا،
لا يمكنني أن أعرف، ولكني قد أتخيل ذلك.26

المقطع الأخير استثنائي بسبب ثلاث لحظات تأويلية؛ الأولى: هي البداية البديلة لقصة هيلين التي فيها باريس «حمل هيلين حينئذٍ على خلاف إرادتها» (بيل ١٩٥٢: ٤٩٣). الثانية: هي تقديم التعليق الأخلاقي في صيغة تبرئة مترددة؛ ««حكاية» قد تقلل إلى حد بعيد من «جرمها»» (أقواس التنصيص الداخلية من عندي). الثالثة: هي محاولة التخيل الشعوري — هل أحبت هيلين خاطفها؟ — التي يصحبها تسليم بأننا لا يمكننا إجابة ذلك التساؤل («لا يمكنني أن أعرف»)، ويتبعها عدم إمكان قبول تلك الإجابة غير القطعية؛ إذ — رغم الإحساس بالحسم الذي توحي به التفعيلتان التي يبتدئ بهما البيت الأخير خماسي التفعيلات («لا يمكنني أن أعرف») — يضمحل البيت نحو «ولكني قد أتخيل ذلك» المبهمة والتخمينية. لماذا يمكنه أن يتخيل ذلك (مع أخذ أنه لا يقدم أي دليل في الاعتبار)؟ ألم يكن ممكنًا له بالمثل تخيل العكس؟ لماذا يجهر الآن بإمكانية الاختطاف بينما هناك — في أبيات سابقة في القصيدة — فقرات مطولة جعلت حب هيلين واضحًا، وأطلقت عليه وصف «ثورة» ضد مينلاوس، ومهدت الأمر للبيتين المرحين: «ولأن قلبها اختُطِف من جسدها،/إلى طروادة ذهبت هيلين هذه مع حبيبها» (١٧٧-١٧٨). حتى عندما يختتم بيل قصيدته، فإنه يبسطها ثانيةً، مسلمًا بإمكانية وجود تصور بديل، ومختتمًا بقصة تتلو القصة الأصلية هي عبارة عن محض تخمين. إنه — ونحن — لا يعرف عن تفاصيل الأحداث أكثر مما نعرف عن مشاعر شخصيتها الرئيسية. المقطع السردي البديل الأخير «قد تقلل إلى حد بعيد من جرمها» ولكن ليس هناك اعتقاد راسخ لدى المؤلف بشأن ما إذا كانت ستؤدي إلى ذلك أم لا. الأمر متروك لنا لنقرر.

تخطئ طبعة بولين في تقديم القصيدة، من ناحية جوهرية، أو قد يكون معد الطباعة التابع لها هو من تسبب في ذلك؛ ففي طبعة بولين الأبيات الثمانية الأخيرة تتاتبع كجزء متصل من القصيدة. هذه الأبيات الثمانية في طبعة ١٥٨٩ مميزة مطبعيًّا (بأحرف مائلة بالمقارنة بقصة القصيدة)، ومفصولة بمساحة فارغة تعادل مساحة أربعة أبيات، وتبدأ بحرف M ضخم مطبوع بكليشيه (قالب طباعة) خشبي كبير يتسبب بالضرورة في إزاحة للبيت الثاني؛ مثلما يحدث في بداية القصيدة مع الحرف الأول الذي يوضع داخل قالب مزخرف (الشكل ٤-١). ميَّز معد الطباعة من الحقبة الإليزابيثية عامدًا الأبيات، كما أن محتواها يدعو إلى هذا النوع من المعالجة المطبعية. لقد أهمل بيل سردية هيلين وانتقل بنا إلى إنياس وإيطاليا؛ فكانت العودة إلى قصة هيلين مباغتة، وغير متوقعة، وبدون دافع. إن القصيدة — كشأن قصة هيلين التي تحويها — ليس لها نهاية محددة.

(١١) تأليه هيلين: جون أوجل، «مراثي طروادة» (١٥٩٤)

إن أراد المرء أن يدافع عن هيلين، فإن أبسط وأسرع الطرق ليفعل ذلك هو أن يقدمها في صورة إلهة؛ لا «ابنة» إله، فذلك ما فعله الكُتاب بدءًا من هوميروس ومن تلوه، ذلك بدون أن يكون في سياق الدفاع عن هيلين. يتمادى أبناء الآلهة في الميثولوجيا اليونانية — كالآلهة أنفسهم — في وقائع مشبوهة أخلاقيًّا، وعادةً ما تكون وقائع تشمل أمورًا جنسيةً. (يدافع إيسقراط عن الخيانة الإلهية استنادًا على فتنة الجمال التي لا تُقاوَم؛ القسم ٦٠. عذر الخيانة هو الجمال وليس الطبيعة الإلهية.) هناك مفارقة هنا؛ إذ يمكن لوم الآلهة، ولكن حينما يُؤَلَّه البشر، يصبحون غير قابلين اللوم.27
لا شك في أن تلك النصوص التي تؤله هيلين ترى في أمر تأليهها بادرة إنقاذ (للجسد وللسُّمعة). نرى هذا بأوضح صورة في مسرحية «أوريستيس» ليوربيديس، التي يمسك فيها أوريستيس بهيلين، ويستعد ليغمد سيفه في رقبتها، وإذ فجأةً «تختفي هيلين!/تلاشت من الغرفة، من المنزل بأكمله!» (يوربيديس ١٩٧٢: ٣٥٢). لاحقًا يظهر أبولو من فوق ليبين أن «من زيوس وُلِدَت خالدةً، ويجب أن تظل خالدةً،/مبجلة كالإلهة التي تنقذ أرواح البحارة» (٣٥٩). ويكرر بيانه في الحوار قبل الأخير في المسرحية:
سوف أوصل هيلين إلى إيوان زيوس؛
هناك سوف يعشقها الرجال كإلهة متوجة
إلى جانب هيرا وهيب وهرقل العظيم.
هناك، مع أخويها، ابنَي تينداريوس،
سوف تُعْبَد إلى الأبد كلما سُكِبت الخمر.
(٣٦٠-٣٦١)
fig9
شكل ٤-١: جورج بيل، «حكاية طروادة» (١٥٨٩). يقدم معد الطباعة النهاية البديلة لقصيدة بيل كمقطع أخير: فيُميزها بالأحرف المائلة، ويفصلها بمساحة فارغة، ويفتتحها بحرف استهلالي ضخم. أُعيد نشره بإذن من مكتبة هنتنجتون، سان مارينو، كاليفورنيا.

إن هذه هي أول إشارة صريحة في الأدب إلى هيلين كإلهة. وهي تعيد وضع مكيدة أوريستيس لقتل هيلين لتصبح تجديفًا خطرًا وليس عدالة خاطئة كما يرى هو الأمر. إنه هو — وليس هيلين — الذي ينجو بصعوبة.

تقدم نصوص أخرى هيلين بطريقة أقل دراميةً — وبدرجات متفاوتة من الضمنية والوضوح — كإلهة. (في «الإنياذة»، على سبيل المثال، خلود مينلاوس يرجع إلى المنزلة الإلهية لزوجته؛ وفي «مديح» إيسقراط، كما رأينا سابقًا، تنال هيلين «مقدرةً مساويةً لمقدرةِ الآلهة.») ولكن لربما كان أكثر سياقات المناورات البلاغية استثنائية يأتي في نهاية «مراثي طروادة» لجون أوجل (١٥٩٤).

بالمقارنة بمعظم نصوص عصر النهضة الأدبية — التي عادة ما تُدين هيلين — قصيدة أوجل السردية هي رواية عن هيلين تتعاطف معها بشكل غير معتاد. وهي مصاغة في إطار حلم، حيث ترثي فيها مدينة طروادة لدمارها. تقدم المدينة/القصيدة سلسلة من المراثي من خلال عائلة هيكتور الملكية الطروادية. مثلما هو الحال في «الإلياذة»، مرثية هيلين هي الأخيرة؛ ولذلك تتأنى. ومثلما في «الإلياذة» كذلك تبدو هيلين ضعيفة في غياب نصيرها: «الآن وبعد موت هيكتور، من الذي سيقاتل دفاعًا عن هيلين؟»

قبل أن تشرع هيلين في الحديث، يقدم باريس روايته عن الحرب. ويوضح الحاجة لمعاينة واقعة هيلين في سياق الخلفية التاريخية الطويلة للعداء اليوناني/الطروادي: «كان فيما بيننا وبين اليونانيين تنافر قديم،/أجَّجه كل رجل يميل للانتقام». كان الباعث الفوري على اندلاع هذه الأعمال العدائية هو اختطاف امرأة: هسيونيه، شقيقة بريام. ينفي باريس وجود اهتمام جنسي شخصي في الحملة الطروادية إلى اليونان، مصححًا السرد: «لم أذهب لإرضاء/رغبة شهوانية مثلما يُسرُّ البعض بإجحاف أن يفعلوا». إن الحملة سياسية صِرفة: ويكرر ثمان مرات أنها كانت من أجل الانتقام.28 أما إشراك فينوس فهو خاطرة تالية: ««إلى جانب ذلك» قالت لي فينوس: «فلتذهب يا باريس»» (أقواس التنصيص الداخلية من عندي). يصبح الشخصي والسياسي متشابكين عندما يتزعم باريس وديفوبوس — الأميران الطرواديان اللذان في وقت لاحق سيتزوجان هيلين — الأسطول الفريجي.

يتلو رثاء هيلين سرد باريس. فتبكي على جسد هيكتور في ١٢ مقطعًا شعريًّا من الرثاء يبلغ ذروته في لحظة تشبه لحظة مسرحية الملك لير تظن عندها هيلين خطأً أن هيكتور سيُبْعَث. ثم تطرح دفاعًا منطقيًّا عن وجودها في طروادة، ملقيةً باللوم على جونو بسبب تصميمها على تدمير المدينة. وكشأن باريس، ترى تدخُّل فينوس في صورة «دافع خفي»: ««إلى جانب ذلك» فإن فينوس أمرتني أن آتي» (أقواس التنصيص من عندي). وتحتج على أنها «بإجحاف … يُلقى عليها اللوم» وتستخلص أنه ما دامت تلك كانت مشيئة الآلهة فإن «هيلين ليست بعاهرة».

إن كان لدى هيلين منطق جدلي من جانبها، فإنه لدى الشاعر وسيلة أكثر إقناعًا: الاستعارة المسيحية؛ إذ كان قد قدم مشاهد مسيحية سابقًا حينما — واصفًا سقوط عبرات هيلين على صدرها — يعلق «من كان مضطجعًا هناك، قد يحسب أنه كان مباركًا». والآن يروي لنا أن هيلين تتكلم «بصوت ملاك». تنهار الفجوة داخل البيتين بين الكلام كالملاك وبين كونها ملاكًا بالفعل عندما يسأل الشاعر المقادير: «لِم لا تعيدون إليه نور عينيه، الآن إذ يصلي صوت ملاك كهذا.»

تلتمس هيلين «بحُسن سماوي». وتقبل باريس وعندما يستنشق نَفَسَها، يجعل ذلك رئتيه «مباركتين» ويمنحه «غبطة». ولاحقًا حينما تجلس هيلين بجانب أندروماك، تُوصف بأنها «قديسة».

جمع أوجل سابقًا بين شعر وثني وتشبيه مسيحي؛ فهوميروس يكتب «بلسان ملائكي». يُربَط لاحقًا بين الصوتين الشعري والملائكي عندما يُقال لنا إنه لا أحد، ولا حتى «كلمات ملاك» يمكن أن تصف شدة حزن طروادة. إلا أن التصويرات المتعلقة بهيلين تختلف عن هذا النوع من المبالغة العابرة؛ فهي ثابتة، ومتكررة، ومتزايدة، فننتقل من هيلين كملاك إلى مانحة للغبطة والبركة، وصولًا إلى قديسة.

يمكن للأدب الوثني أن يؤله هيلين. بينما لا يمكن للأدب المسيحي الموحد أن يفعل ذلك، ولكن يمكنه أن يقدسها. يختص الفارق بالأمور اللاهوتية، إلا أن تكتيك التبرئة هو نفسه.

(١٢) الرغبة الناتجة عن المحاكاة، وكبش الفداء، والتجديف (التكلم بِشرٍّ عن المقدس)

بما أنني مهتمة في هذا الكتاب بالفجوات في قصة هيلين، أود الآن أن أتحول إلى اللحظات الأولى التي فيها تختفي هيلين عن أنظارنا؛ عند قَسَم الخُطَّاب وعند بداية الحرب. فلنتأمل اللحظة الثانية أولًا. يلخص بناء حرب طروادة نظرية رينيه جيرار عن التنافس القائم على المحاكاة (٢٠٠٠ و٢٠٠٥). يرى جيرار أن الرغبة تنشأ عن المحاكاة. ويميز جيرار بين النزعة الغريزية والرغبة: فالنزعة الغريزية البشرية بيولوجية بينما الرغبة مكتسبة بالتعلم. لكون البشر يتعلمون بتقليد الآخرين، ولكوننا لا نعرف ما نرغب فيه، فإننا «نقلد رغبات الآخرين» (كيروان ٢٠٠٥: ١٩): فنريد ما يريدون ونريد الحصول على ما يمتلكون. يقدم الأطفال أمثلة حية على التنافس القائم على المحاكاة بينما يُمارس؛ وكذلك أيضًا تفعل الرأسمالية، التي تشكل وتضفي الطابع المؤسسي على محاكاة التملك في صورة الإعلانات. ولكن في حين أن الأغراض يمكن أن تتضاعف وتنتج على نطاق واسع، ليس هذا ممكنًا في حالة البشر. ومن هنا فإن الرغبة الناتجة عن المحاكاة تؤدي إلى التنافس وعادةً إلى الصراع.

إن حرب طروادة هي تنافس قائم على المحاكاة دام لأكثر من عِقْدٍ. يريد الطرواديون هسيونيه لأنها في حوزة اليونانيين، ويريد اليونانيون استعادة هيلين لأنها في حوزة الطرواديين، ويريد الطرواديون الاحتفاظ بها لأن اليونانيين يريدون استعادتها، وأجاممنون يريد بريسئيس لأنها في حوزة أخيل، ونيوبتوليموس يريد هيرميون لأنها في حوزة أوريستيس وهلم جرًّا. ومع استمرار المنافسات في التصاعد، تختفي المرأة عن الأنظار؛ على الأقل باعتبارها امرأة. كما توضح مسرحية «ترويلوس وكريسيدا»، هيلين هي ««موضوع» يتعلق بالشرف» (٢. ٢. ١٩٩). في حالة الرغبة القائمة على التنافس، يفقد المرغوب أهميته. يمكن للمرء أن يطبق نفس المنطق على قَسَم الخُطَّاب، حيث يتعاظم التنافس القائم على المحاكاة من اثنين إلى مائة؛ إذ يرغب الأمراء والملوك اليونانيون في هيلين لأن أمراءً وملوكًا يونانيين يرغبون فيها.

عندما تظل الرغبة الناتجة عن المحاكاة عند مستوى التنافس ولا تأخذ سبيلها إلى الصراع الكامل، يمكن أن يكون ذلك أمرًا صحيًّا؛ إذ إن لها تأثيرًا موحدًا، يربط بين الناس وبعضهم في أهداف مشتركة. نرى ذلك في قَسَم الخُطَّاب. وكما رأينا سابقًا، يستشهد العديد من النصوص كذلك بهذه الفائدة فيما بعد الصراع في محاولة لتبرير فقد هيلين والحرب من أجل استعادتها.

موضع الاختلاف بين سرد حرب طروادة ونظرية جيرار (نسبةً إلى رينيه جيرار) هو في تناولها لمسألة كبش الفداء. فيرى جيرار أنه عندما يؤدي التنافس القائم على المحاكاة إلى الصراع، فإن الخلل الاجتماعي يجب مداواته بالإقصاء أو بالتضحية بضحية محددة: كبش الفداء. عادةً ما يكون الضحايا المختارون هم سبب الأزمة؛ فتعالج التضحية بهم الفوضى التي أثاروها. ومن ثَمَّ فإن الموقف تجاه كباش الفداء بعد موتهم/إقصائهم هو خليط معقد من الخير والشر، الثناء واللوم.

كما رأينا في الفصل الأول، أن السرد يلزمه موت هيلين. موت هيلين هو الخاتمة المُرضية الوحيدة فيما يختص بالسرد. بيْد أن هيلين هي كبش فداء يرفض الموت. ينبغي أن تتعرض للرجم، وقطع الرأس، والحرق؛ لا يهم كثيرًا أي نسخة نقرأ؛ ففي كل النسخ، ينبغي معاقبتها بالموت. بيْد أن الموت هو شيء تتملص منه سواءٌ أكان ذلك باستخدام الجمال (مجرد «وجودها»)، أو عن طريق التلاعب الجنسي (الكشف عن ثدييها)، أو بالدفاع عن نفسها (مسرحية «الطرواديات»)، أو بالإنابة (فصاحة يوليسيس في رواية كاكستون).29 ليست مبادئ الأخلاق أمرًا ذا صلة بوجود هيلين. فطريقة عمل القربان هي عن طريق أخذ شيء من هذا العالم والتنازل عنه لعالم آخر. ولكن — كما رأينا في الفصل الثاني — هيلين ليست من هذا العالم؛ إذ هي زلة: امرأة وإلهة، الجمال والقبح، الغياب والحضور. لا يمكن قتلها، لأنها لم تكن حيةً أبدًا بأي صورة طبيعية. إن هيلين هي معضلة وجودية يحاول كبش الفداء حلها عن طريق معضلة أخلاقية. إن هذا هو صدام الأنظمة — الخضوع للمساءلة في مقابل محض الوجود — الذي يحوم من وراء النصوص المُتفَرِّعة التي نُوقشت في هذا الفصل والذي سيصبح الآن جليًّا.
يجسد الفعل blame «يلوم» الصراعات المجسدة في هيلين نفسها، تلك القائمة بين فانية وبين (نصف) إلهة. ويتشارك جذره مع blaspheme «جدَّف على»، الذي وصل إلى الإنجليزية من كلمتَي blasphēmos وblasphemus اليونانية واللاتينية على الترتيب عبر كلمتَيْ blâme وblasmer من الفرنسية القديمة. الجذر يعني التكلم بالشر. من هنا blame تعني أن تتكلم بِشر عن شخص ما؛ blaspheme تعني أن تتكلم بسوء عن ذات إلهية. بيْد أن كلا المعنيين كانا ممثلين لزمن طويل في فعل واحد فقط، blame، كما نرى في مسرحية بيل «اتهام باريس»: «آه يا فينوس، ولكن من أجل إجلالي لاسمك المقدس أقول،/إن سرقة حب صبية ساذجة، هو أمر قد أعتبره تجديفًا». هنا blame تعني «تجديف». لاحقًا شكلت الإنجليزية فعلين منفصلين، واحدًا مقصورًا على الدنيوي، وواحدًا على المقدس.

من المفيد مراعاة الاتفاق في المعنى من الناحية الاشتقاقية عند تناول نصوص عن هيلين. فمن خلال السلوك اللغوي المتعارض لتلك النصوص، واتجاهها الذي يحوي الاتهام والتبرئة، وتوتريها المتنازعين، يبدو الأمر كما لو كانت تدرك أن لوم هيلين هو عمل من قبيل التجديف. استبعادها من المشهد كما يفعل يوربيديس عندما ينقذها «التدخل الإلهي» للديوسكوري من الهلاك بسيف أوريستيس، أو باستبعادها من اللغة الدنيوية كما يفعل أوجل بمفردات القديسين المسيحية؛ البركة والملائكة، يذكرنا بأن جوهر هيلين هو الغياب. الجوهر، الغياب، فوق الإدراك: «خارج عن نطاق المدركات، يُعجِز الأفهام» (تايلور ٢٠٠١: ٣٠). هناك شيء يكاد يكون لاهوتيًّا بشأن الفجوة النصية والمادية، وصعوبة التجسيد، في سرديات هيلين. أيضًا النصوص في هذا الفصل التي تناقش لوم هيلين تُظهِر تشابكًا لا مناص منه بين معضلة أخلاقية ومعضلة وجودية.

يلخص ييتس هذا المأزق — ويحله في الوقت نفسه — في التساؤل البلاغي الذي يختتم به قصيدة «ليس هناك طروادة أخرى»: «ماذا كان يمكنها أن تفعل، كونها من هي؟» النصف الأول من البيت يتعلق بالتصرف، والأخلاق، واللوم، والمسئولية، والثاني عن الوجود. والثاني يحسم الأول: كونها («من هي») يؤدي إلى الفعل («أن تفعل»). ومن ثَم فإن اللوم هو مبدأ غير ملائم، فهو مبدأ متصل بالقرارات والفاعلية (كما يقر هو في البيت الافتتاحي للقصيدة: «لِمَ أُنحي باللائمةِ عليها؟») لكن هيلين — «كونها من هي» — تفتقر إلى الفاعلية؛ لم يكن هناك درب آخر لتسلكه («ماذا كان يمكنها أن تفعل؟»)

هيلين في شعر ييتس — كما رأينا في الفصل الثاني — ليست جميلة هوميروس ولكنها جميلة أيرلندا: مود جوون، مصدر «شقاء» ييتس. أُغْرِم ييتس بحب مود من النظرة الأولى عام ١٨٨٩ وأصبحت ملهمته لأكثر من ٨٠ قصيدة أطلق عليها في هذه القصائد أوصاف بطلات وإلهات سلتية وكلاسيكية. بحلول عام ١٩٠٨ — عندما كتب «ليس هناك طروادة أخرى»، كان قد صار لمود ثلاثة أطفال (عاش منهم اثنان)، وخليل فرنسي، وزوج أيرلندي انفصلت عنه فيما بعدُ انفصالًا قانونيًّا (عام ١٩٠٦)، وزواج عذري من ييتس عام ١٨٩٨، وعلاقة معه من يونيو ١٩٠٨ إلى مايو ١٩٠٩ (صارت كاملةً في ديسمبر من عام ١٩٠٨). في عام ١٩٠٢ لعبت دور كاثلين ني هوليهان في مسرحية ييتس التي تحمل ذلك الاسم؛ جمالها ونشاطها السياسي (القومي) يتوحدان في أعمال ييتس مع نموذجين مترابطين من المُثُل العليا وهما الجمال وأيرلندا.

قصيدة «ليس هناك طروادة أخرى» هي علامة عودة ييتس إلى الهيلينية بعد عقدين من الموضوعات السلتية وعقدين من العلاقات المضطربة مع مود (ماكنزي ٢٠٠٢: ١٧٤). تتضمن القصيدة تأملًا في مود وفي الحالة القائمة في أيرلندا وقتئذٍ. جمال مود الأرستقراطي ورزانتها الكلاسيكية يتباينان مع العنف الذي تُوَلِّده (من خلال نشاطها المتقد على مستوى القواعد الشعبية والتثقيف السياسي). تعتمد «ليس هناك طروادة أخرى» على التباينات: المثالي والواقع؛ الجمال السرمدي والسياسة المحلية؛ المستقبل والحاضر؛ الذاتية البتراركية (كلمة «أنا» المدوية) في قالب سونيت فرنسية بطريقة كلاسيكية (اثنا عشر بيتًا بخلاف القالب الإيطالي أو الإنجليزي المكون من ١٤ بيتًا)؛30 اليونان وأيرلندا. هذا التباين الأخير يشي بكامل القصيدة. الإجابة الضمنية على تساؤل القصيدة البلاغي الختامي — «أكان ثمة طروادة أخرى لتحرقها؟» — هي «لا» (أيرلندا الحديثة ليست العالم القديم المعروف بالبطولات). هذان (عنوان القصيدة والتساؤل) هما الإشارتان الوحيدتان إلى طروادة، وهما إشارتان سلبيتان: فالماضي العسكري البطولي ليس بصدد إعادة تمثيله في حاضر أيرلندا المفعم بالنزاع.

مع أن القصيدة لها جذور في السياسة المعاصرة وفي حياة الشاعر الشخصية، فإنها توضح العديد من سمات سرديات هيلين. فبطلتها غائبة: مود-هيلين مذكورة كضمير غائب فقط، مثل «هي». وجمالها يوصله أثره (وأثرها) على الآخرين؛ فهو/هي يولد/تولد العنف. هذا إلى جانب أن مود — كشأن هيلين — تمتلك فاعلية سلبية. في البيت الأخير («أكان ثمة طروادة أخرى لتحرقها؟») — كما يلاحظ ماكنزي — يبدو الأمر «كما لو كانت هي التي قد استخدمت شعلة الحرق بنفسها» (٢٠٠٢: ١٨٧ن).

والأمر الأكثر ملاءمة لهذا الفصل: رغم أن القصيدة تهدف إلى تبرئة مود-هيلين، فإنها تنجح في إلقاء اللوم عليها. فالافتتاحية «لِمَ ينبغي أن أُلقي باللوم عليها إذ هي ملأت أيامي/بالتعاسة» تقدم أسباب اللوم التي هي على وشك أن تُغْفَر، الأسباب التي يجري تبيانها وبسطها على مدى عشرة أبيات. اللوم في القصيدة «يُسحَب ولكنه مع ذلك يتشبث بالوجود رغمًا عن المحو» (ماكنزي ٢٠٠٢: ١٨١). يدخل طيف الوجود هذا، الذي ينطبق على كل سرديات هيلين إلى القصيدة حتى قبل بيتها الأول: فعنوان القصيدة يستحضر ذكر مدينة بريام فقط ليؤكد على اندثارها.

في قصيدة مكرسة للغفران، يقترح ييتس سبيلين لتبرئة مود-هيلين؛ السبيل الأول: عبر إلقاء اللوم على الدهور («زمن كهذا»). الثاني: عبر الجدال بأن مود-هيلين لا يمكن لومها على أحداث سبَّبها وجودها: «ماذا كان يمكنها أن تفعل، كونها من هي؟» فتلك مسألة وجودية وليست مسألة أخلاقية؛ مسألة تتعلق بالوجود، وليس باللوم. لا يمكن للتصنيفات الأخلاقية والوجودية أن تتداخل؛ فلا يمكنك لوم شخص ما على كونه على ما هو عليه. يوضح ييتس بجلاء ما تقر به النصوص الواردة في هذا الفصل ضمنيًّا فقط؛ وهو أن هيلين — كرمز الجمال وعنوان الرغبة — لا يمكن أن تكون مسئولة شخصيًّا عن الممارسات والتأثيرات الناتجة عن الرغبة. هذه هي معضلة التصنيف التي جابهناها في الفصل الثاني: فأن تكون أنت التصنيف ذاته يعني في الوقت ذاته أن تكون خارج ذلك التصنيف.

يترك بيت ييتس الأخير الأمر مفتوحًا (أو غير معلن) بشأن ماذا «تكون» مود-هيلين. أو بالأحرى، يلمح بنيانه اللغوي لأنها ببساطة «كائنة». إن هذا البنيان هو بنيان فائق، بنيان لاهوتي، ولهذا السبب هو يشكل معضلة تصنيفية. في الفصل الثاني والثالث رأينا محاولات لتحديد «ماذا» «تكون» هيلين: هيلين هي الجمال، هيلين هي الرغبة الجنسية الشهوانية. في كلتا الحالتين هيلين «تكون» هي التصنيف، نموذج الجمال أو السلوك الجنسي غير الشرعي. وإذا كان أن «تكون» هيلين يعني أن تكون زوجة مينلاوس الجميلة، التي تذهب إلى طروادة مع باريس، فذلك خارج نطاق اللوم.31 كما يوضح روبرت ميجير فيما يتعلق بأوامر أفروديت إلى هيلين في الكتاب الثالث من «الإلياذة»، «ليس لهيلين اختيار. مثل أفروديت، فهي «آية» الرغبة. لا تزيد قدرة هيلين على مقاومة القوة التي تحدد ذاتها عن قدرة الآخرين على مقاومتها هي» (١٩٩٥: ٢٧).

هذه النقطة ممثلة في فترة أوائل العصر الحديث في استخدام اسم هيلين ككلمة متداولة على السلوك الجنسي المستحق للوم. فعندما يستخدم معاصرو فترة أوائل العصر الحديث اسم هيلين كاسم لغوي دارج، يتضح لنا أيما اتضاح كم كانت هيلين خارجة عن نطاق التصنيفات الاعتيادية، إذ تصبح هي ذاتها التصنيف.

(١٣) التسمية والوصم

كما سبق ورأينا، الاسم المعتاد في إنجلترا عصر النهضة للمرأة التي نعرفها باسم هيلين طروادة هو «هيلين» مجردًا. يتحدث ثيسيوس في مسرحية شكسبير عن العاشق المتيَّم الذي يطالع «جمال هيلين في جبهةٍ غجرية» (أي يتخيل هيئة داكنة البشرة — لا يعلي الإليزابيثيون من قدرها — كما لو كانت في جمال هيلين طروادة). تقارن سونيتة شكسبير رقم ٥٣ الفتى الشاب بهيلين: «على وجه هيلين تجمعت كل فنون الجمال،/وأنت على الحلي اليونانية مرسوم من جديد» (الأبيات ٥–٨). [ترجمة بدر توفيق، سوناتات شكسبير الكاملة]. في رواية «بييرس بينيليس» (١٥٩٢) يسمي توماس ناش النساء الخليعة جنسيًّا: «ليس، كليوباترا، هيلين»، وتستحضر مسرحية «روميو وجولييت» بطلات الحب: لورا … دايدو … كليوباترا … هيلين … هيرو» (٢. ٣. ٣٠–٣٢)، مسرحية «كما تشاء» تسمي النساء الشهيرات: «هيلين … كليوباترا … أطلانطا … لوكريس» (٣. ٢. ١٤٥–١٤٨). لا تتطلب الإشارة إلى هيلين في أي مقام امتدادًا توضيحيًّا. لم يكن اسم «هيلين» في فترة أوائل العصر الحديث يشير إلا إلى شخصية واحدة فحسب: هيلين طروادة.32 لهذا السبب ليس للقب «طروادة» ضرورة. فاستحضار «هيلين» يعني استحضار هيلين أسبرطة/طروادة. لقد كان هناك مضاهاة أُحادية بين الدال والمدلول عليه.
على الرغم من أن الشعار مأمون، فإن معنى ذلك الشعار خلافي. ففي الوقت الحاضر هيلين طروادة تشير تلقائيًّا إلى الجمال الفائق، وليس لها أي تداعيات سلبية للمعنى (وإلا ما كانت شركة أكسسوارات التجميل في تكساس — التي تنتج مخففات الشعر، وأغطية الرأس للاستحمام وقبعات المطر — قد سمت مؤسستها «هيلين طروادة»). عندما يتأمل الطالب في قصيدة أندرو ووترمان «ما الذي يوحيه اسم؟» (١٩٩٠) في جمال مدرسته للأدب الإنجليزي، يستغرق في التفكير في ملاءمة اسمها الأول، هيلين:
مختارٌ من قِبَل الوالدين متحمسين لأسطورة
تُدعى باريس، فكما ترون،
ليس اسمها نقشًا هيروغليفيًّا باهتًا:
إنه يخبرها عن كينونتها.
ما ينبغي أن «تكونه» هو أن تكون جميلة، مثل هيلين طروادة. ويتفكر في المجازفة التي جازفها والداها في تسميتها:
ولكن كيف، في البداية، أمكن لجماعتها أن يعرفوا
أنها لن تبلغ بصدر مسطح،
أو غير متماثل، أو ضخم بلا فائدة، لتدرك ببطء
أن اسمها كان مزحة قاسية؟

هذا هو أحد الشواغل العميقة لعصر النهضة، العلاقة بين الاسم والهوية. اشتملت قواميس عصر النهضة على أسماء فعلية (كأسماء أماكن، أسماء من الكتاب المقدس، أسماء من الأساطير القديمة) معتبرةً إياهم كلمات لها معنى. كان معنى هيلين هو «الجمال» كما في قصيدة ووترمان من القرن العشرين؟ أكان يعني الخلاعة، الخيانة، الفاجعة؟ أم كان يعني الأمرين معًا: جوهرٌ لا أخلاقي يغلفه جمالٌ خارجي؟

عند كثير من كتَّاب أوائل العصر الحديث حمل اسم «هيلين» بجلاءٍ معنى الجمال. الصفة التي تسبق اسمها في غالب الأحيان (من باب الإطناب) هي «الحسناء». في كتاب «تشريح المَلَنْخُولِيَا (الاكتئاب السريري)» (١٦٢١) يناقش روبرت برتن افتتان ثيسيوس من النظرة الأولى بوجه هيلين الجميل. ويشير قسم روبرت ألوت «عن الجمال» في كتاب «مسرح الفطنة» ثلاث مرات إلى سلطان جمال هيلين. وعند روبرت جرين، وتوماس لودج، وتوماس فين، وروبرت باري المعنى الرئيسي المصاحب لكلمة «هيلين» هو الجمال.33 التضاد في النصوص التي تشير إلى أن هيلين هَرِمة أو ذات تجاعيد — مثل «ويتس كومونوِلث» لفرانسيس ميريس (١٦٣٤)، و«ناربونوس» لأوستن ساكر (١٥٨٠)، و«الشيطان الأسود» لتوماس آدم (١٦١٥)، وموعظة جون ويليام عن الصبر، و«جهاد القديسين» (١٦٢٨)، وترجمة آرثر جولدينج لقصيدة أوفيد السردية «التحولات» (١٥٦٧) — سواءٌ أكان مذكورًا صراحةً أو مشارًا إليه كنايةً، هو بين الجمال الذابل والجمال المشتهر.

بيْد أنه عند كُتابٍ كثيرين، كان هناك معنًى لاحق: السلوك الجنسي اللامسئول. في قصيدة دي لا مارشيه «الحاج المسافر» (١٥٦٩) يُقدِّر الشاعر عدد النساء الجميلات اللواتي لا ينقدن للهرب الآثم مع العشيق: «ألف هيلين الآن يتسلطن بجمال أو بمظهر، ولكن قليلات جدًّا اللواتي يحفلن بالابتعاد عن ذاك الإثم لأجل الهرب». في «صفصافة الشاعر» (١٦١٤) يتحدث ريتشارد براثوايت عن الدمار على يد «هيلين». في واقع الأمر يفسر براثوايت المعنى المقصود من الاسم اللغوي الذي يورده: إنه يعني الشهوة. فالشهوة هي «مَفْسَدَة الإمبراطوريات المزدهرة»، وتُختَزَل في كلمة «هيلين»، و«يمكن أن تُعرَّف على هذا النحو: إنها لا تُلقي بالًا للوسائل كي يمكنها أن تظفر بمَرامَها؛ فمبتغاها هو أن تُشبِع ولعها المفرط، الذي هي بنَيله تأمن ثبورها، وهو خراب البلد».

المرجع إلى هيلين في كل الأمثلة السالفة يُقصَد به المرأة التي أدى سلوكها الجنسي إلى تدمير طروادة. على أن ويليام كامدن في كتابه «البقية» (١٦٠٥) يُعرِّف هيلين (هيلانة) بأنها والدة الإمبراطور قسطنطين. «عدم» كون هذا «المعنى» هو المعنى الرئيسي لهيلين هو أمر يبعث على الدهشة، باعتبار أهمية القديسة هيلانة في التاريخ المسيحي وكذلك وجودها الذي لا يمكن تجنبه في مجالات لندن الثقافية، والمعمارية، والكنسية. كانت كنيسة القديسة هيلانة في بيشوبس جيت — مؤسسة بينديكتية من القرن الثالث عشر — هي كنيسة شكسبير الأبرشية عندما أقام في الحي في أعوامه الأولى في لندن. نجت الكنيسة من كلٍّ من حريق لندن الكبير والقصف الألماني في الحرب العالمية الثانية (رغم أنها تضررت من قنبلتين للجيش الجمهوري الأيرلندي في تسعينيات القرن العشرين) ويمكن العثور عليها مختبئة في شارع جريت سان هيلين، قبالة شارع بيشوبس جيت.34 مع ذلك، رغم هذه التَّذكِرة الثقافية والمادية، لم تحلَّ هيلانة المسيحية أبدًا محلَّ هيلين الوثنية من ناحية كونها «المعنى» لاسم هيلين. عندما يُستخدم اسم «هيلين/هيلانة» ليشير إلى أم الإمبراطور قسطنطين، دائمًا ما ينال الاسم توضيحًا موازيًا. فمثلًا في مسرحية «هنري السادس، الجزء الأول» نطالع «هيلانة، والدة قسطنطين العظيم» (١. ٢. ١٤٢).35 يُتطلب استخدام التعريف الموازي باستمرار لأن الاسم «هيلين» مفردًا يعني شيئًا آخر بخلاف «والدة قسطنطين».

ويتضح ذلك في «الجزء الثاني من مرآة لرجال القضاء» (١٥٧٨) بواسطة توماس بلينيرهاسيت. ففي أنشودة تطويب لوالدة قسطنطين، يتساءل بلينيرهاسيت إن كان هناك «أي إلهة … يمكن مقارنتها بالملكة هيلينا (هيلانة)؟» وإذ يفطن إلى الفخ الذي أوقع نفسه فيه، يوضح سريعًا: «ليست تلك التي من اليونان، التي جلبت الفناء المبرم لطروادة المزدهرة، بل هذه التي من بريطانيا، التي خلصت وطنها الآيل إلى الخراب من الاستبداد الأجنبي». في إنجلترا أوائل العصر الحديث، كان اسم هيلين حينذاك يعني ملكة مينلاوس، أو ملكة باريس، وليس والدة قسطنطين.

كان أمر مساواة اسم «هيلين» ﺑ «هيلين طروادة» هو أمر مستقر استقرارًا كبيرًا حتى إن الاسم صار رائجًا كاسم لغوي شائع، دالًّا على جمال هيلين طروادة أو مسلكها. في مسرحية «موت روبيرت إيرل هنتنجتون» (١٦٠١) التي لا يُعرَف كاتبها تزدري الملكة جمال ماتيلدا: «أهذه هي الهيلين، هذه مثال الكمال؟» يمتدح يوفيوس في مسرحية لِيلي لوسيلا، «من ناحية الجمال كانت هيلين اليونان» (مسرحية «يوفيوس»)، وفي عام ١٦٠٢، وفي تحذير يحوي استشرافًا لعصرنا الحديث، يصف فيلاريتيس التبغ مشبهًا إياه ﺑ «هيلين يونانية» (أي: شيء يبدو محببًا ولكنه مميت). في مسرحية جونسون «شعرور (أي: شَاعِرٌ ضَعِيفٌ)»، يطلب توكا من كريسبينوس أن يُعرِّف «هيلين خاصتك» (٤. ٣. ٢٦). تخشى دايدو في مسرحية مارلو على سمعتها الجنسية: «العالم كله سيدعوني هيلين الثانية، إذ وقعت في شرك طلعة غريب» (٥. ١. ١٤١–١٤٥). وتعيد ترديد خزيها بعد ثلاثة أبيات فقط: «ولسوف أُدعى هيلين الثانية! (٥. ١. ١٤٨). بينما لاميليا في «مثقال أربعة بنسات من فطنة» لروبرت جرين هي أقل ترددًا من دايدو في أن تصبح مثيلة هيلين. «تبدأ لاميليا ذاتها — كأنها هيلين ثانية — بأناقة في تحية روبرتو، إلا أن عينيها الشاردتين كثيرًا ما كانتا تختلسان النظر نحو لوسيانو».36 ترد بروكريس — في عمل جورج بيتيت الأدبي — متوددًا، مصححة اعتقاده الخاطئ عن كونها سهلة المنال: «ليس في متناولك هيلين» (١٥٧٦). مارجريت الفتاة الحسناء من قرية فريسينج فيلد في مسرحية جرين «الأخ بيكون والأخ بونجي» يساورها القلق من أن تصبح «هيلين» ليس فقط في الجمال ولكن في السيرة الجنسية: «أسوف أكون هيلين في أقداري المعانِدة، مثلما أنا هيلين في مظهري المتفرد، وأضرم النار في سوفولك الخصيبة جراء (جمال) وجهي؟» (١٠، ٩٣–٩٥). مؤلفو عصر النهضة ليسوا متأكدين تمام التأكد إن كان اسم هيلين «يعني» الجمال أم شيئًا أكثر استحقاقًا للوم. فمن ناحية استخدامه كاسم لغوي، لاسمها (مثلما في النصوص التي تفحصناها في هذا الفصل) تأويلان. استمرت هذه الثنائية لقرون. تفصح هيلين في قصيدة فرانسيس ويليام بورديلون عن هويتها المنقسمة في عام ١٨٩٣:
أنا هيلين، واسمي
بهاءٌ وخِزْي
فلقد كان جمالي للأرض تاجًا
وإثمي قوَّض أركان مدن.
(١٩)
ومع هذا فالمغزى الذي ينطوي عليه ذلك هو أن اسمها يشكل معيارًا لتصنيف، بتحوله إلى اسم لغوي شائع. يكتب فرانز روزينويج قائلًا:

بالاسم العلَم، اخْتُرِق جدار الشيئية الصلد. القائل بأن ما له اسم معبر عن ذاته ليس بممكنٍ أن يكون «شيئًا» … فهو عاجز عن الاندماج التام في التصنيف؛ لأنه لا يمكن أن يكون هناك تصنيف مناسب له لينتمي إليه؛ إنه هو التصنيف المختص بذاته. (مقتبس من كتاب ناتانسون ١٩٧٩: ٥٣٣)

حتى الآن في كل فصل من فصول هذا الكتاب رأينا أن هيلين «عاجزة عن الاندماج التام في التصنيف»؛ فهي «ذاتها» الجمال، وهي «ذاتها» المرأة المحتجزة. وعندما يُستخدَم اسمها كاسم لغوي يعبر عن الشهوة أو اللوم فإنه يعضد وجهة نظر ييتس بشأن كونها ليست تحت طائلة اللوم؛ إذ كاسم لغوي شائع هي خارج التصنيف الذي يحمل اسمها، ومن ثَمَّ فلا يمكن أن تكون مذنبة بما تجسده «بكينونتها».

•••

بحلول الحقبة الفيكتورية، كان الجمال قد أصبح الفكرة الذهنية الرئيسية المتزامنة مع الاسم «هيلين»؛ إذ عندما يستخدم هنري رايدر هاجارد وأندرو لانج اسم هيلين كاسم لغوي شائع (فبطلة الرواية ليست هيلين بل هي «الهيلين») في روايتهم «رغبة العالم» (١٨٩٠)، لا يعبر الاسم الجامع عن كونه معيارًا للخزي بل هو مثال الجمال. كيف تحوَّل اسم علم واسم لغوي يرمز إلى الإثم والخزي إلى اسم علم/اسم لغوي يعني الجمال؟ الانتقال من اللوم إلى الجمال — شأنه كشأن الانتقال من هيلين اليونان إلى هيلين طروادة — يتضح أولًا في دراما عصر النهضة. يتعامل شكسبير بتعاطف مع الاسم «هيلين» (انظر ماجواير ٢٠٠٧: ٧٤–١١٩) وجمال هيلين وليس خزي هيلين هو الذي يتخيله ثيسيوس في ملامح أنثوية. يُخَلِّد فاوستوس شخصية مارلو «الوجه» الذي دفع بألف سفينة، ويقرر طلاب فاوست أن هيلين اليونان كانت أجمل سيدة — وليست الأكثر استحقاقًا للوم — منذ الأزل.

إن أنشودة فاوستوس هي أشهر استجابة لجمال هيلين. أريد الآن أن أبحث سياقاتها: أسطورة فاوست التي توارثها مارلو والكتَّاب الذين اقتبسوا الأسطورة من بعده. ذلك هو موضوع الفصل الخامس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢